الحراسة النظرية لدى الشرطة القضائية دراسة المقارنة

السيد عبد الصمد الزعنوني قاضي التحقيق لدى
محكمة الاستئناف بني ملال.

ان موضوعي كل من الحراسة النظرية والشرطة القضائية تعالجهما معظم التشريعات ضمن ما اصطلح عن تسميته بقوانين الاجراءات او المسطرة الجنائية وسنحاول من خلال هذه الدراسة المقارنة تحديد المفاهيم التالية:
قانون المسطرة الجنائية،
الشرطة القضائية،
الحراسة النظرية،

مفهوم قانون المسطرة الجنائية،

لم ينج مصطلح قانون " المسطرة " الذي يستعمله المشرع المغربي من النقد. فالدكتور ابو المعاطي حافظ ابو الفتوح (1) مثلا يرى ان اختيار المشرع المغربي لهذه التسمية يعد أمرا غريبا باعتبار ان كلمة " المسطرة " لا تدل على موضوع القانون الذي هو تنظيم الخصومة الجنائية منذ نشوء حق المجتمع في معاقبة الجاني حتى صدور حكم عليه ثم تنفيذ هذا الحكم.

وبذلك يرى ان لا علاقة لكلمة المسطرة بهذا الموضوع. فالمشرع المغربي في رأيه " قد يكون اختار هذا اللفظ على اعتبار هذا القانون يمثل قانونا شكليا والمسطرة من الشيء المسطور أي المكتوب والكتابة هي مسالة شكلية فكأنه أراد به الكناية عن شكلية القانون لكن القوانين الآن كلها مكتوبة لا ينفرد قانون تنظيم الخصومة الجنائية وحده بذلك". لكن نرى ان الأمر لا ينم عن أية غرابة ولا يعدو ان يكون الا ترجمة لمصطلح Procédure الفرنسي الاصل،
-----------------------------
(1) شرح قانون المسطرة الجنائية الطبعة الاولى 1982 ص7.
---------------------------
وللتدليل على ذلك نشير الى ان عدة معجمات(2) ودلائل قانونية (3)، والفقه والعمل القضائي كلها متواترة بالمغرب على استعمال كلمة المسطرة كترجمتها لمصطلح Procédure في حين بقواميس غير مغربية كقاموس المصطلحات الحقوقية والتجارية للدكتور ممدوح حقي مثلا فان procédure تترجم بمرافعة، إجراءات، مسلك، أصول. وقد استعرض الأستاذ حقي بالصفحة233-234 حوالي 29 مرادف لـ procédure ولم يذكر منها ولو مرة واحدة. لفظ المسطرة. وتشريعات عربية كالعراقي ارتأت بدل تسمية قانون " المسطرة" المدنية ان تختار " قانون المرافعات المدنية" ( القانون رقم 83 لسنة1969). والمشرع السوري واللبناني والأردني اختاروا اسم " أصول المحاكمات الجزائية" بينما اختار المشرع الكويتي تسمية قانون " الإجراءات والمحاكمات الجزائية".

ونعلم ان قانون المسطرة الجنائية المغربي جاء متأثرا بنظيره الفرنسي مع فارق يتمثل في كون المشرع المغربي تحاشى إنشاء هيئات جديدة باهظة التكاليف وبعض الإجراءات التي اعتبر انه قد لا يتيسر تطبيقها في تنظيم قضائي جديد يستلزم إحداث عدد كبير من مراكز القضاة .

ومشروع قانون المسطرة الجنائية لسنة1959 يقر بان اللجنة التي كلفت بإعداده استوحت المقترحات المدرجة في المشروع التمهيدي الفرنسي الموضوع سنة1934 والإصلاحات التي وضعتها لجنة ( بسون) واقرها القانون الفرنسي المؤرخ في31/12/1957 الخاص " المسطرة الجنائية".

ويجدر رأينا أيضا سنده بان المحامي الدكتور صلاح الدين الناهي يرى بدوره في هذه الشان (4) " لقد تجنبت في اختيار عنوان كتابي الوجيز مصطلحين شائعين في عنونة الكتب التي تصنف في هذا الموضوع واعني بها مصطلح "المرافعات واصول المحاكمات" فان الخلاف لم يزل قائما حول تسمية جامعة تضم شمل مباحث هذا الموضوع المركب المعقد. فقديما استخدم فقهاء المسلمين مصطلح أدب القضاء والقاضي وعلم القضاء وافردوا للبيانات
------------------------
(2) انظر مثلا معجم مصطلحات القانونية الطبعة 2 طنجة 1985 لعصام مكوار الذي عرض في مقدمته انه استخلصه من عدة جرائد رسمية وكتب قانونية واحكام قضائية مغربية والذي ورد بالصفحة104 منه مسطرة جنائية procédure Pénale.
(3) انظر مثلا دليل وزارة العدل حول تطبيق النصوص المنظمة لنظام السير والقامعة لحوادث المرور والذي ورد بصفحته9 .
العنوان الرابع : المسطرة ويقابلها بصفحته7 Titre quatrième Procédure
ونشير الى انه يشاع بالمغرب أيضا استعمال لفظ المسطرة بالتعبير عن محضر بحث الضابطة القضائية.
(4) كتاب : " مبادئ التنظيم القضائي والتقاضي والمرافعات في المملكة الأردنية الهاشمية": دار المهد عمان للدكتور صلاح الدين الناهي الصفحة الرابعة.
----------------------------
أبوابا عالجت مختلف وسائل الإثبات ثم غلب على عصرنا مصطلح " المحاكمات واصول المحاكمات" والمرافعات الى الخ … وكلها ترجمة للمصطلح بروسيدور Procédure الفرنسي ونظائره في بعض اللغات الأوربية. وقد ان لنا غربلة المصطلح وتسوية الخلاف تمهيدا لوحدة الأسلوب والنهج". علما بان محاولة التوحيد هذه المصطلحات القانونية لن تتأتى في نظرنا الا اذا سبقتها محاولة للتعريف بالمصطلحات القانونية وما يقابلها من الترجمة والمتداولة على صعيد كل دولة عربية.

مفهوم الشرطة القضائية
يقصد باللفظ الشائع الاستعمال " الشرطة" مجموع الموظفين المنوط بهم تامين تنفيذ الأوامر العامة التي تقررها سلطات الشرطة لتحقيق الهدف الاساسي التالي : الطمأنينة، الأمن، وسلامة الصحة العامة.
وكمفهوم عام يقصد به مجموع القواعد التي تفرضها السلطة العامة على المواطنين فتكون بهذا المفهوم سلطة الشرطة متمثلة في سلطة فرض هذه القواعد وهي لهذا المعنى التالي تشمل فروع القانون.
وبالمفهوم الضيق الذي يتلاءم والقانون الإداري فان الشرطة تعني العملية التي تستهدف بطرق عامة او فردية او بمقتضى بعض التدابير التامين: الطمأنينة والأمن وسلامة الصحة العامة (5) ومصلحة الشرطة الموجودة بمقر الامن الوطني التي يعهد اليها اساسا بالبحث عن الجرائم تطلق عليها عادة الرموز التالية (6) بي. ج ( ب ج P. J).

قوانين المسطرة الجنائية تخصص حيزا هاما للشرطة القضائية التي تشكل " المساعد الأيمن" للعدالة الجنائية، لما تلعبه من دور حيوي على امتداد ما يسبق الإجراءات امام قضاء الحكم تتدخل قبل اجراء التحقيق الاعدادي من لدن قاضي التحقيق وقبل اجراء أي تحقيق رسمي بمعاينتها للجرائم وجمع أدلتها والسعي الى البحث عن مقترفيها كما انها تتدخل من جديد عند مرحلة التحقيق الإعدادي لإعانة المحقق الذي يتعذر عليه عمليا القيام شخصيا بجميع الإجراءات وذلك عن طريق الانتدابات القضائية (7).

التمييز بين الشرطة القضائية والشرطة الادارية
ان الدور الأساسي للسلطة يتجلى في المحافظة على النظام العام والامن وحماية الاشخاص والممتلكات.
----------------------------
(5) Procédure Pénale G. Se fani. G.Levasseur. B. Boulonc Dalloz 12 e édition Page325.

(6) انظر موسوعة أ ب س للقانون الفرنسية ABC Droit

(7) Manuel de Droit pénal et de Procédure pénale Jean Claude Soyer 6° Edition 1984 page 244.
---------------------------------------
والمادة 18 من قانون المسطرة الجنائية تعهد الى الشرطة القضائية:
التثبت من وقوع الجرائم،
جمع أدلتها،
والبحث عن مقترفيها،
وتنفيذ الانتدابات القضائية الموجهة اليها من لدن قضاة التحقيق والامتثال لما تتلقاه منهم من اوامر وطلبات التسخير.
والمادة34 من قانون الدرك الملكي نصت بدورها على ان قواد الأقسام للدرك يتلقون من وكلاء الملك وقضاة التحقيق العاملين بدائرتهم الأوامر بالتخسير وطلبات المساعدة وأوصاف الاشخاص وغير ذلك من اوامر ووثائق تهم الشرطة القضائية، ويرى هؤلاء القضاة فائدة في توجيهها إليهم للبحث او التنفيذ.

ويسير وكيل بالمحكمة الابتدائية حسب المادة42 من قانون المسطرة الجنائية في دائرة نفوذ محكمة اعمال ضباط الشرطة القضائية واعوانها. ومن ثم تلزم المادة 23 من ذات القانون ضباط الشرطة القضائية بتحرير محاضر عما أنجزوه من عمليات واعلام وكيل الملك فورا بما يصل الى علمهم من جرائم. وبمجرد انهاء العمليات يبعثون إليه بأصل المحاضر التي حرروه مشفوعة بنسخة منها مشهود بمطابقتها للاصل وبغيرها من المستندات والمحجوزات وأدوات الإقناع التي توضع رهن اشارته.

وتعرف المادة70 من قانون الدرك المحضر بكونه الوثيقة التي يضمن فيها الدرك ما يعاينون من مخالفات او ما قاموا به من عمليات او ما تلقوه من معلومات.

ويقوم الدرك بتحرير محضر لتضمينه الإجراءات التالية :
التوقيفات التي يباشرها أثناء القيام بمهامه.
المخالفات الجنائية التي يكشف عنها كيفما كان نوعها.
الجرائم التي يفشى بها اليه.
جميع التصريحات التي يفضي اليه بها أشخاص قادرون على تزويده بالأدلة عن الجرائم المقترفة.
جميع الحوادث الهامة التي يقوم بمشاهدتها ويجري بشانها أبحاث بعين الأمكنة.
والعمليات التي يقوم تبعا لأوامر بالتسخير او طلبات المساعدة ولو في حالة فشل المأمورية وذلك إثباتا لتنقلاته واجراء لأبحاثه.

وتجري على ضباط الشرطة القضائية وأعوانها حسب المادة51 من قانون المسطرة الجنائية مراقبة الوكيل العامل للملك لدى محكمة الاستئناف.

وبذلك تكون الشرطة القضائية تحت إشراف السلطة القضائية وتؤكد ذلك المادة الثالثة من قانون الدرك الملكي بالتنصيص على ان الدرك يكون تابعا لوزير العدل لمباشرة الشرطة القضائية. في حين ان الشرطة الادارية تابعة للسلطة الادارية وإذا كان تدخل الشرطة القضائية يقتضي في معظم الأحيان وقوع جريمة ( بالمفهوم العام) فيتسم بذلك عملها بطابع رادع فان دور الشرطة الادارية إنما يتصف بطابع وقائي. بيد ان الواقع العملي والتنفيذ يجعل منهما معا أداتين مرتبطتين يصعب الفصل بينهما واستعمال إحداهما بالاستغناء عن الاخرى فالدركي او الشرطي عندما يقوم بتنظيم السير لمرور السيارات فان عمله في هذه الحالة يندرج في نطاق الشرطة الادارية فيقال شرطة المرور والسير Police de la circulation du roulage وعندما يتدخل للتثبت من مخالفة السير والسرعة المفرطة مثلا فان عمله هذا يدخل ضمن الشرطة القضائية.

والفصل بين الشرطة القضائية والشرطة الادارية على مستوى الممارسة لا يخلو كما قلنا من الصعوبة فعندما تقع حادثة سير مثلا فان عمل الشرطي او الدركي لا ينحصر في معاينة الحادث وتلقي تصريحات الأشخاص بل ينصرف ايضا الى الإسعاف والوقاية فيقوم الشخص الواحد ( المقصود ليس العدد وانما الصفة) بمجموعة من العمليات تدخل ضمن اعمال الشرطة القضائية والإدارية معا.

ويبدو طبيعيا ان لا يتم حرمان من أنيط بهم الوقاية من وقوع الجرائم من القيام بمعاينتها واستقاء أدلتها والبحث عن مقترفيها. مما حدا بالفقيه جان كلود صويرJean claude Soyer الى القول ان التمييز بين الشرطة القضائية والشرطة الادارية يستند ويجب أساسه في طبيعة العمليات المتعين القيام بها والفترة الزمنية التي تحدد لها بالنسبة للجريمة دون ان يكون التمييز بالضرورة تمييزا بين الأشخاص(8).

الشرطة العسكرية
يتمثل دورها في البحث عن الغائبين عن الجندية بصفة غير قانونية والفارين من السلك العسكري والمتمردين ومقترفي الجنايات والجنح وتنفيذ الأوامر القضائية والعسكرية والتبليغ القضائي ونقل السجناء وهي عمليات تقوم بها الشرطة السكعرية. ومن اعمال الشرطة العسكرية بصفة عامة حراسة العسكريين المنفردين والمؤسسات العسكرية والمشاركة في اعمال الحامية العسكرية. والشرطة العسكرية تابعة لادارة الدفاع الوطني ذلك ان المادة الثالثة من قانون الدرك الملكي تنص بدورها على ان الدرك فيما لا يتعلق بالشرطة القضائية والشرطة الادارية تابع للدفاع الوطني. كما نص في المادة الرابعة من نفس القانون على ان من اختصاصات ادارة الدفاع الوطني الشرطة القضائية العسكرية التي يقوم بها الدرك حسب الشروط المنصوص عليها في قانون العدل العسكري.
------------------------------------
(8) جان كلود صوير المرجع السابق صفحة 245 J. C. Soyer
--------------------------------
هذا الأخير صدر بتاريخ عاشر نونبر1956 مستمدا أحكامه من القانون الجنائي ومن ظهائر اخرى ويطبق على الجنود والضباط ومن الحق بهم وعن المعتقلين بالسجون العسكرية من اجل جرائم يعود اختصاصاه يعود الى المحكمة العسكرية وأسرى الحرب وضد من يرتكبون اعتداءات ضد الأمن الخارجي للدولة.

والمحكمة العسكرية للقوات المسلحة الملكية مقرها بالرباط مع إمكانية انعقاد جلساتها بأماكن أخرى.
واذا كانت بعض الجرائد كالقتل والسرقة والاغتصاب وهتك العرض وغيرها تعتبر جرائم مشتركة قد يرتكبها العسكريون والمدنيون فان هناك جرائم عسكرية صرفة لا تقترف الا من العسكريين(9).

وهذا النوع الاخير من الجرائم يخضع لمحاكم خاصة وعقوبات ومسطرة وقانون خاص يتمثل في قانون العدل العسكري وتعديلاته.
ومن الجرائم العسكرية المحضة يمكن تعداد ما يلي:
العصيان،
الفرار من الجندية،
الاستسلام للعدو،
التمرد العسكري،
الشطط في السلطة،
اختلاس الملابس العسكرية والأزياء والشارات والأوسمة والنياشين،
النهب وتخريب البنايات وتحطيم العتاد العسكري الحربي،
مخالفة الأوامر العسكرية،
العطب المتعمد قصد التملص من الواجبات العسكرية،
التخلف عن المشاركة في جلسات المحكمة العسكرية او رفض المشاركة فيها،
الاستسلام للعدو في غير الحالات التي يسمح بها القانون .

وقد نصت المادة34 من قانون القضاء العسكري ان الشرطة القضائية العسكرية يقوم بها تحت سلطة" وزير" الدفاع الوطني كل من :
اولا : ضباط ونواب ضباط رجال الدرك وقواد فرقة.
ثانيا: رؤساء المركز.
ثالثا: ضباط الإداريون المحلفون بمختلف مصالح الجيش.
---------------------------
(9) مذكرات في القانون الجنائي القسم العام السنة الدراسية 1971-1972 كلية الحقوق بالرباط للمرحوم الدكتور السنتيسي الصفحة61.
---------------------------
رابعا: مندوب الحكومة وقاضي التحقيق العسكري في حالة القبض على المتهم مقترف الجريمة.

وتجدر الإشارة الى ان الجنايات اذا اقترفت في نفس الوقت من لدن عسكريين ومدنيين فان الاختصاص يعود للمحكمة العسكرية استنادا على مقتضيات المادة الثالثة من قانون القضاء العسكري الصريح في التنصيص " بيد انه تجري أحكام المحكمة العسكرية على من يأتي ذكرهم : … ثانيا - جميع الأشخاص كيف ما كانت صفتهم المرتكبين جريمة تعتبر جريمة "جنائية" فيما اذا اقترفها عضو او عدة أعضاء من القوات المسلحة الملكية بصفة عملية او شاركوا فيها، وبالتالي فان الاختصاص ليس لغرف الجنايات بمحاكم الاستئناف العادية.

ونورد فيما يلي جدولا تقريبيا لا حصريا لمهام كل من الشرطة القضائية والإدارية والعسكرية وهو جدول استعنا فيه بكتيب صادر عن الدرك.

الوزارة التي تنتمي لها الشرطة القضائية الشرطة الادارية الشرطة العسكرية
الشرطة
العدل الداخلية الدفاع الوطني
الهدف الأساسي ردع المخالفات المحافظة على - المهام العسكري
وجرائم الأمن العام - الشرطة القضائية
القانون الجنائي " طابع وقائي" العسكرية
1) معاينة - شرطة الطرق - حراسة العسكريين
المنفردين والمؤسسات
العسكرية
-الجنايات - شرطة الحدود - المشاركة في اعمال
الحامية العسكرية
- الجنح - شرطة الموانئ - الشرطة العسكرية
القضائية
- المخالفات - شرطة الجو - البحث عن :
النشاط - استقاء الأدلة - شرطة الأجانب - الغائبين بصفة غير
قانونية
- البحث عن مرتكبي
الجرائم - شرطة البوادي - الفارين من السلك
العسكري
- تقديمهم للقضاء - الشرطة الصحية - المتمردين
2) تنفيذ - الشرطة البلدية - مرتكبي الجنايات والجنح
-الانتدابات القضائية - مصالح الامن - تنفيذ الاوامر
القضائية العسكرية
- الوقاية المدنية - التبليغ القضائي ونقل السجناء
- أوامر التسخير - الإغاثة الخ… - شرطة السير
العسكرية

الشرطة العلمية
تتضافر عدة علوم لتقدم العون للقانون الجنائي نذكر على سبيل المثال منها:
علم الآنيان الجنائي،
علم النفس الجنائي،
الطب النفساني والطب الشرعي،
علم الاجتماع الجنائي.
علم الإجرام وعلم العقاب،
علم الإحصاء،
فن القياس البشري.

مما يجعلنا نعيد التأكيد (10) على ان أي تدريس نظري لمواد القانون الجنائي وغيره من المواد الزجرية بالمعاهد القضائية والأمنية العليا يتم بمنأى ومعزل عن هذه العلوم وغيرها من العلوم الإنسانية يكون تدريسا يعتريه النقص ويتفق مع الرأي القائل (11) بان " تكوين القاضي ينبغي ان لا يقتصر على العلوم القانونية لان السير قدم في مواكبة قافلة التقدم يستوجب اكثر من تطبيق القواعد القانون بل يفرض على القاضي العصري وضعية شخصية اجتماعية واقتصادية جديدة.

ان العوامل الغير القانونية تلعب يوما عن يوما دور اكثر فعالية في القرارات التي تصدرها المحاكم. فالقاضي اصبح ملزم بالفصل في منازعات ناشئة عن حقائق الحياة وعليه ان يكون قادرا بالتالي على مشاهدة هذه الحقائق وتقدريها حق قدرها وتقييمها على الوجه الصحيح… ان التكوين القانوني والقضائي في عصرناهذا المليء بالمشاكل لا يكفي. ان عوامل اخرى اخذت شيئا فشيا تأثر بثقلها على القرار القضائي و ان القاضي الذي يبقى أسيرا داخل إطار القانون ليس هو القاضي المثالي".
الشرطة العلمية التي تسمى أيضا بالشرطة القضائية التقنية تبرز مهمتها في دارسة الوسائل الصالحة للبحث عن الجناة ومقترفي الجرائم والقمينة بإلقاء القبض عليهم وضبطهم. وبفضل التطور التكنولوجي المذهل فان الوسائل أصبحت متعددة جد متطورة من مطابع وصور مركبة وكلاب بوليسية ومختبرات علمية لتحليل البصمات ومقارنة الآثار والرصاص والأسلحة النارية وكذا العقول والمعدات الإلكترونية وأدوات فحص الوثائق المزورة والعقود ومقارنة الكتابات مما يحدو بنا الى التركيز على ضرورة الإجراء فترات تدريبية اما بالخارج او الداخل للباحثين والمحققين الجنائيين لمواكبة تطور العلمي والاستفادة من الخبرات في هذا المضمار سيما وان قانون المسطرة الجنائية المغربي تضمن من المقتضيات ما يسمح للضابطة والمحققين من الاستفادة من هذه الخبرات فالمادة59 منه تجيز لضابط
------------------------
(10) انظر المقترحات ببحثنا المعنون " إشكالية الاعتقال الاحتياطي" المنشور بمجلة المحاكم المغربية عدد 48 مارس/ ابريل1987 ص11 الى 40.
(11) انظر بحث الذكرى الثلاثون لتأسيس المجلس الاعلى للأستاذ محمد العربي المجبود، مجلة القضاء والقانون، العدد138 فبراير88 ص26.
--------------------
الشرطة القضائية عند تلبس بالجريمة وبعد إعلام ممثل النيابة العامة ان ينتقل الى الأمكنة للتقصي وإجراء التحريات المستعجلة المفيدة من حجز الأسلحة والأدوات التي استعملت او كانت معدة لاقتراف الجريمة وتنص المادة66 منه على ان الأمر اذا استدعى القيام بإجراء مشاهدات لا يمكن تأخيرها فان ضابط الشرطة القضائية بوسعه الالتجاء الى جميع الاشخاص المؤهلين لذلك. وهذه الإمكانية جعلها القانون ايضا بيد قاضي التحقيق عندما يتوجه الى أمكنة الحادث لممارسة مهام الشرطة القضائية بوصفه من ضباطها السامين ويتوفر عليها أيضا الوكيل العام للملك حسب المادة79 اذا ظهرت له جدوى الوقوف على الأماكن، وعلى ان يصحب معه أشخاصا قادرين على تعيين نوع ظروف الوفاة في حالة العثور مثلا على جثة شخص وكانت أسباب الوفاة مجهولة ومريبة وهكذا فان قاضي التحقيق قد يتم إشعاره بحالة التلبس بجريمة قتل بسلاح ناري ويتوجه الى الأمكنة بوصفه من الشرطة القضائية ويصحب معه الطبيب الشرعي والمكلف بتشخيص القضائي ويكلفهما بمعاينة وضعية الجثة وإدارة الجريمة من الأسلحة وتحديد نوعية الإصابات والتقاط بكل عناية البصمات وغيرها ويكلف الطبيب بالتشريح بعد نقل الجثة الى المستشفى ويبعث بأدوات الجريمة لا سيما السلاح الناري الى مختبر الشرطة العلمي للفحص والخبرة ويحرر محضرا قانونيا يحيله على النيابة العامة الاستئنافية وان كان يلاحظ انه نادرا ما يقوم قضاة التحقيق شخصيا بمهام الشرطة القضائية، وقد يكون مرد ذلك في نظرنا الى افتقارهم الى الوسائل التي تمكنهم من ذلك الامر الذي يستدعي التفكير في إيجادها.

تنظيم الشرطة القضائية
تتكون الشرطة القضائية بالمغرب حسب المادة19 من قانون المسطرة الجنائية من :
1- الضباط السامين للشرطة القضائية،
2- ضباط الشرطة القضائية،
3- اعوان الشرطة القضائية،
4- الموظفون والأعوان الذين اناط بهم القانون بعض مهام الشرطة القضائية.

1- الضباط السامون : هم وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية ونوابه وقاضي التحقيق لدى محكمة الاستئناف ويجب ان يضاف إليهم الوكيل العام للملك لدى نفس المحكمة.
2- ضباط الشرطة القضائية: وهم حسب المادة 20 من قانون المسطرة الجنائية.
اولا: قضاة ( الصلح والمسددون وضباط النيابة العامة لدى محاكم الصلح ام محاكم السدد وهي محاكم لا وجود لها حسب التنظيم القضائي الحالي الذي يتضمن المحاكم الابتدائية).
ثانيا: ضباط الدرك وذوو الرتب فيه: الدركيون الذي قضوا على الأقل ثلاث سنوات من الخدمة في الدرك وعينوا رسميا بموجب قرار مشترك لوزير العدل " ووزير" الدفاع الوطني.
ثالثا: المدير العام للأمن الوطني والمراقبين العامون والشرطة ومندوبو الشرطة وضباطها.
رابعا: الباشوات والقواد.
خامسا : ضباط الشرطة المساعدون ومفتشو شرطة الأمن الوطني على ان يكون هؤلاء الأخيرون قد قضوا على الأقل ثلاث سنوات في الخدمة بصفتهم مفتشي الشرطة وعينوا بموجب قرار مشترك لوزير العدل ووزير الداخلية.

ويبدو ان خطا تسرب الى " نصوص القانون المسطرة الجنائية مع آخر التعديلات" الصادر عن دار الثقافة والنشر بخصوص المادة 20 من قانون المسطرة الجنائية بموجب هذا القضاء فقد تم إسقاط المدير العام للأمن الوطني والمراقبون العامون للشرطة ومندوبو الشرطة وضباطها فاصبح ضباط الشرطة القضائية أربعة طوائف في حين ان المادة 20 الموما إليها التي عرفت تعديلا بمقتضى ظهير18/9/1962 تعرف خمس طوائف وهذه الملاحظة لها في رأينا أهميتها باعتبار أهمية صنف المدير العام للأمن الوطني التي تحرص معظم القوانين المقارنة كما سنرى أسفله على اعتباره من ضباط الشرطة القضائية.

3- أعوان الشرطة القضائية: وهم حسب المادة24 من قانون المسطرة الجنائية:
أولا: خلفاء الباشوات وخلفاء القواد.
ثانيا: موظفو مصالح الشرطة العاملة والدركيون الذين ليست لهم صفة ضباط الشرطة القضائية.

4- الأعوان والموظفون المكلفون ببعض مهام الشرطة القضائية: وهم رغم عدم انتسابهم لمصالح وأسلاك الشرطة اناط بهم المشرع بعض مهام الشرطة القضائية عند اقتراف جرائم خاصة. من هذه الطائفة نذكر:
مهندسو ومأمورو المياه والغابات الذين يقومون بمقتضى المادة26 بالبحث عن الجنح والمخالفات المنصوص عليها في التشريع المطبق في ميدان الغابات والصيد البري والصيد في المياه الإقليمية وكذا بإثباتها في محاضر موظفو وأعوان الادارات والمصالح العمومية الذين.د
موظفو وأعوان الادارات والمصالح العمومية الذين تسند إليهم بموجب نصوص خاصة بعض سلطات الشرطة القضائية. كقادة الميناء ونوابهم للتثبت من الجرائم التي تقع بداخل الميناء ومرافقه والمفتشون المساعدون المنوط بهم مراقبة السكك الحديدية في نطاق حدود أماكن السكك الحديدية ومرافقها، ومهندسي الجسور والأرصفة والمهندسين الممتازين ومهندسي الأقسام الفرعية وخلفائهم وخلفاء المهندسين الصغار ومسيري الأشغال والأعوان الفنيين التابعين للأشغال العمومية ومهندسي المناجم ومراقبيها وأعوان مصالح الضرائب والجبايات وأعوان الجمارك وأعوان المياه والغابات.

العامل ومهام الشرطة القضائية
أناطت المادة33 من قانون المسطرة الجنائية بعامل الاقليم بإمكانية القيام شخصيا بالتثبت من الجنايات او الجنح المقترفة ضد سلامة الدولة الداخلية او الخارجية . وتفاديا لأي تعسف او تجاوز للسلطة وضعت المادة33 شروطا صارمة تتمثل في:

توفر حالة الاستعجال مع العلم ان القضاء هو وحده الكفيل بتحديد معايير حالات الاستعجال.
عدم العلم بان السلطة القضائية وضعت يدها على القضية.
اطلاع ممثل النيابة العامة فورا بالأمر.
التخلي عن النازلة لفائدة السلطة القضائية خلال ثلاث ايام من الشروع في العمليات وتوجيهه إليها. جميع الوثائق والأشخاص التي تم ضبطها. ويقع ايضا على عاتق ضابط الشرطة القضائية الذي يتسلم طلبا بالتسخير من العامل تطبيقا للمادة33 ان يخبر بدوره بذلك وفورا النيابة العامة.

وقد حرست المادة45 من قانون الدرك من جهتها على إلزام ضابط الشرطة القضائية الذي يتلقى امرا بالتسخير من العامل في حالة الجرائم والجنح المرتكبة ضد الأمن الداخلي او الخارجي للدولة بإخبار ممثل النيابة العامة المختص.

الشرطة القضائية حسب القانون التونسي
ينص قانون " مجلة الإجراءات الجزائية" التونسي الصادر بتاريخ24 يوليوز1968 على ان مأموري الضابطة العدلية هم :
1- وكلاء الجمهورية ومساعدوهم.
2- حكام النواحي .
3- محافظو الشرطة وضباطها ورؤساء مراكزها.
4- ضباط الحرس الوطني وضباط صفه ورؤساء مراكزه.
5- مشائخ التراب.
6- أعوان الادارات الذين منحوا بمقتضى قوانين خاصة السلطة اللازمة للبحث عن بعض الجرائم او تحرير التقارير فيها.
7- حكام التحقيق.

وهم يزاولون وظائف الشرطة القضائية(12) تحت إشراف الوكيل العام للجمهورية والمدعين لدى محاكم الاستئناف مع العلم ان خطة الوكيل العام للجمهورية حذفت بالقانون رقم72 بسنة 1980.

قانون الأصول الجزائية اللبناني
لقد تضمنت المادة11 منه على انه يقوم بوظائف الضابطة العدلية المدعوون العامون ومعاونوهم وقضاة التحقيق والقضاة المنفردون. وعددت مادته 12 الموظفين الذين يساعدون المدعي العام في إجراء وظائف الضابطة العدلية وهم :
المحافظون.
القائمقامون.
مدير الشرطة.
مدير الامن العام.
رئيس الشرطة العدلية.
مفوضو الشرطة والأمن العام معاونوهم.
مفتشو التحري والأمن العام.
ضباط الدرك على اختلاف رتبهم.
رؤساء مخافر الدرك من أية رتبة كانوا.
مختارو القرى.
رؤساء المراكب البحرية والجوية.

ويتوفر على مهام الشرطة القضائية ايضا حسب القانون اللبناني رجال قوى الأمن الداخلي( المادة183 من المرسوم الإشتراعي رقم54) ونواطير القرى العموميون والخصوصيون ( النواطير هم حراس حقول القرويون) وموظفو مراقبة الشركات والصحة والأحراج بالاضافة الى القوانين الخاصة اخرى أكلت الى بعض الموظفين امر ضبط المخالفات. ويميز الفقه(13) بالتالي في لبنان بين أربعة طوائف:

1- الضباط السامون Les officiers supérieurs وهم قضاة النيابة العامة وقضاة التحقيق والقضاة المنفردون.
2- الضباط المساعدون Les officiers auxiliaires وهم الذين يساعدون النائب العام في وظيفته.

--------------------
(12) مجلة الإجراءات الجزائية مطبعة الخليج الحمامات 1984 مراجعة محمد الخياري ص9.
(13) كتاب أصول المحاكمات الجزائية دراسة مقارنة للدكتور عاطف النقيب منشورات عويدات الطبعة الاولى1986 الصفحات386 الى391.
------------------
3- الضباط الصغار Les officiers inférieurs وهم موظفون مختصون بالتثبت في مخالفات معينة وإثباتها في محاضر كالنواطير الخصوصيين والعموميين وموظفي الصحة ومراقبة الشركات ذات الامتياز.
4- المأمورون المحلفون وهم فئة من المأمورين اناطت بهم قوانين خاصة مهمة التثبت من المخالفات وإنجاز المحاضر بخصوصها( بعض موظفي التبغ والجمارك والبريد الخ…)

الشرطة القضائية بالقانون الفرنسي
اما بفرنسا فانه باستثناء بعض الجماعات التي يولد بها اقل من عشرة آلف نسمة والتي ما زالت تتوفر على شرطة وأعوان وشرطة بلدية فان مصالح الشرطة القضائية جميعها حكومية وتنقسم الى فئتين متميزتين:
الدرك.
الشرطة (الأمن الوطني) (14).

ضباط الشرطة القضائية بفرنسا:
إضافة الى حالات خاصة مثل العمدة ونوابها فقد نصت المادة16 من قانون المسطرة الجنائية الفرنسية على انه يتوفر على صفة ضباط للشرطة القضائية:
1- الضباط وذوو الرتب بالدرك.
والدركيون الذين قضوا على الأقل خمس سنوات من الخدمة وعينوا رسميا بموجب قرار وزاري.
2- عمداء الشرطة، والمفتشون الجهويون والمفتشون الممتازون بالأمن الوطني على ان يكونوا هؤلاء الاخيرون فقد قضوا على الأقل سنتين في الخدمة وعينوا رسميا بقرار وزاري.

أعوان الشرطة القضائية بفرنسا
الدركيون ومفتشو الشرطة الذين ليست لهم صفة ضباط للشرطة القضائية وباحثوا الامن الوطني.
مفوضو المصالح العامة بالشرطة القضائية (حرس السلم) من غير المشار إليهم أعلاه وأعوان الشرطة البلدية.
---------------------------------
(14) Manuel de Droit Penal et de Procédure pénale 6° Editions Jean Claude Soyer Page 245 et suivants.
- انظر ايضا: Procédure pénale G. Set. Fani, G. levasseur. B. Boulonc

المرجع السابق Page 343 et suivants
------------------------------------

الموظفون والأعوان المكلفون ببعض المهام الشرطة القضائية بفرنسا:
1- بخصوص المخالفات التي تستهدف الملكيات الغابوية والقروية : المهندسون ورؤساء المقاطعات والأعوان الفنيون في المياه والغابات والنواطير والحراس الخاصون المحلفون.
2- بخصوص الجرائم التي تدخل تحت حراستهم ( المخالفات الجمركية والضريبية الخ…) فان موظفي وأعوان بعض الادارات المعنية ( كالجمارك والضرائب المباشرة او غير المباشرة الخ …) يتوفرون على مهام الشرطة القضائية ضمن الشروط المحددة بموجب قوانين خاصة.
3- وبالنسبة لجرائم أمن الدولة فان ولاة المقاطعات بفرنسا يتوفرون بدورهم على سلطات الشرطة القضائية. وان كانت ملاحظات تذكر بهذا الخصوص فهي بخصوص التأثر والاقتباس الواضح للتشريع المغربي من نظيره الفرنسي بشان هذه المادة.

الحراسة النظرية
La Garde à Vue

مفهوم الحراسة النظرية:
يسمي مشروع قانون المسطرة الجنائية لسنة1959 هذا الإجراء بالوضع تحت الحراسة، اما العمل القضائي فيستعمل المصطلحين معا.

والحراسة النظرية تعني الإجراء الذي تبقى بموجبه الشرطة القضائية الشخص رغما عنه رهن إشارتها وتحفظ به بعض الوقت حيث يوضع " تحت النظر" او " تحت الحراسة" ( ومن هنا تسميتها، أي تحت النظر ممثل القوة العمومية بأماكن معدة لهذا الغرض وبموجب شروط خاصة. ومشروع قانون المسطرة الجنائية الموما اليه يعرف الحراسة النظرية بكونها التدبير الذي تستبقي بمقتضاه الشرطة القضائية تحت تصرفها أشخاصا مربين دون ان يكون بعد محل التهمة وأمر بالتوقيف. واشار الى التجاوزات التي كثيرا ما كانت سابقا تقترف تحت ستار هذا التدبير لانعدام أي نص ينظم اذاك ويحدد شروط استعماله رغم انه - يقول المشروع- " لا غنى عنه في بعض العمليات التي تقوم بها الشرطة" ومفهوم الحراسة النظرية لا يختلط بمفهوم الاعتقاد الاحتياطي LA Détention préventive فالأولى تتخذ من لدن الشرطة القضائية خلال البحث البوليسي وأحيانا تبعا لانتدابات قضائية في حين ان الثاني يتخذه قاضي التحقيق استنادا على مقتضيات المادة152 وما بعدها من قانون المسطرة الجنائية خلال التحقيق الإعدادي والمرحلة القضائية والتي تتميز بضمانات قد لا تتوفر في الحالة الاولى.

مدة الحراسة النظرية:
بفرنسا: باستثناء الحالة الخاصة بالاتجار او استعمال المخدرات والتي يمكن ان تصل مدة الحراسة النظرية بشأنها الى أربعة أيام فان القاعدة بالقانون (العام) الفرنسي ان الحراسة النظرية لا يمكن ان تتجاوز24 ساعة سواء في حالة التلبس بالجريمة او في غير حالة التلبس أي حالة البحث التمهيدي. ومدة24 ساعة هذه قابلة للتمهيد مدة متساوية أي24 ساعة اخرى بترخيص كتابي من وكيل الجمهورية او قاضي التحقيق إذا تدخل هذا الأخير وذلك اذا وجدت ضد الشخص قرائن خطيرة من شانها ان تثير اتهامه. وأحاط قانون المسطرة الجنائية الفرنسي الحراسة النظرية بعدة شكليات لا فيما يخص مدة الاستماع للشخص خلالها او فترة الاستراحة والتنصيص عليها بالمحضر ومن حيث الكناش الخاص الذي يجب ان يتوفر عليه كل مركز خاضع للشرطة معد لإيواء الأشخاص ونص القانون الفرنسي على ان وكيل الجمهورية يمكن ان يأمر بأجراء فحص طبي للشخص الخاضع للحراسة النظرية وذلك خلال مدة24 ساعة الاولى.

وانه في حالة تمديد هذه المدة وإذا طلب الشخص الموجود قيد الحراسة هذا الفحص فانه يأمر به بقوة القانون (15).
واذا لم يتم احترام هذه المقتضيات الحامية للحرية الفردية فان محكمة النقض الفرنسية رتبت جزاء يتمثل احتمالا في المسؤولية الشخصية لضباط الشرطة القضائية وليس في بطلان المسطرة المعيبة ما لم يتم إثبات ان البحث وإظهار الحقيقة كانا معيبين بصفة جوهرية وكذا المساس وانتهاك حقوق الدفاع (16).

المغرب :
1- حالة التلبس: في هذه الحالة كانت المادة68 من قانون المسطرة الجنائية قبل تعديلها تنص على مدة 48 ساعة يمكن تمديدها الى24 ساعة بأذن كتابي من وكيل الملك مع مضاعفة هذه الآجال اذا كان الأمر يتعلق بالإخلال بسلامة الدولة الداخلية او الخارجية اما بعد تعديلها بظهير18/9/62 فان مدة الحراسة النظرية عند التلبس بالجريمة هي حسب المادة68 لا يمكن ان تتجاوز96 ساعة مع إمكانية تمديد هذا الأجل ب48 ساعة بإذن
--------------------------------
(15) المرجع السابق Jean Claude Soyer.
(16) نفس المرجع الصفحة254.
----------------------------
بإذن كتابي من النيابة العامة وهذه الآجال تضاعف عندما يتعلق الأمر بالمس بسلامة الدولة الداخلية او الخارجية.
2- في حالة البحث التمهيدي أي عند انعدام حالة التلبس او الجرم المشهود فان المدة هي نفسها حسبما نصت عليه المادة 82 من قانون المسطرة الجنائية التي عدلت بظهير18/9/1962 أي96 ساعة وبعد إنصات ممثل النيابة العامة الى الشخص المساق اليه الخاضع للحراسة بوسعه ان يمنح تمديدا مدته48 ساعة وبصفة استثنائية يمكنه ان يمنح بموجب مقرر معلل باسباب هذا الإذن بالتمديد دون ان يساق الشخص أمامه الى النيابة العامة وان كان يلاحظ انه عمليا قلما يتم الاستماع الى الشخص كما انه نادرا ما يتم تعليل وتسبيب مقرر التمديد وانما يكتفي بلفظ " الموافقة بخط اليد او مطبوعة بالآلة الكاتبة مما من شانه ان يفرغ النص من فحواه ومضامينها لكون المشرع لم يسمح بالتمديد في هذه الحالة التي لا تتعلق بأي جرم مشهود الا بموجب مقرر معلل باسباب عند عدم سياقة الشخص الى النيابة وذلك بصفة استثنائية ولفظ " الاستثناء" يجب ان يحتفظ بدلالته سيما إذا علمنا ان مديرية الشؤون الجنائية بوازرة العدل سبق ان لاحظت في تقريرها المقدم لندوة الاعتقال الاحتياطي التي انعقدت بمقر المعهد الوطني للدراسات القضائية بالرباط بتاريخ يناير1987 ان " عدة حالات أمكن فيها اجتناب حتى الحراسة النظرية لا سيما إذا كان الشخص المشبوه في أمره يتمتع بجميع الضمانات للحضور ولا يخشى إختفاؤه وكانت ظروف البحث وذيول القضية لا تستدعي بتاتا الاحتفاظ به وذلك على اعتبار ان إبقائه في مركز الضابطة القضائية ولو ليلة واحدة يسيئ الى حالته النفسية ويألم الأولاد والأهل" (17) .

3- حالة الانتداب القضائي:
تنص المادة169 المعدلة بظهير18/9/1962 على ان ضابط الشرطة القضائية إذا تعيين عليه ابقاء الشخص رهن إشارته لضرورة تنفيذ الانتداب القضائي فانه يجب عليه إلزاما تقديمه خلال الثمانية وأربعين ساعة امام قاضي التحقيق وبعد الاستماع اليه يجوز له منح إذن مكتوب بتمديد إبقائه تحت الحراسة لمدة اخرى تنحصر في 96 ساعة، مما نستخلص معه ان القاعدة العامة بالنسبة للقانون المغربي بشان الحراسة النظرية هي 96 ساعة قابلة للتمديد48 ساعة ( باستثناء المس بأمن الدولة) وهي مدة أطول نسبيا مما تضمنه التشريع الفرنسي الذي اخذ عنه الكثير القانون المغربي مما يقتضي التشدد في مراقبة تطبيق شكليات وشروط الحراسة النظرية.
------------------
(17) مجلة الملحق القضائي عدد18 دجنبر1987 الخاص بندوة الاعتقال الاحتياطي ص15.
-----------------
وهذه الآجال تضاعف عند المس بسلامة الدولة الداخلية او الخارجية وقد اثار التعديل اللاحق بالمادة68 بعض الجدل الفقهي فيما تم التنصيص عليه من كون الوكيل العام للملك او قاضي التحقيق يمكنه في هذه الحالة عند الحاجة ان يأمر كتابة بتجديد التمديد المنصوص عليه في القانون. فالأستاذ الخمليشي يرى مثلا " انه قد يفهم من صياغة هذا النص السماح بتجديد التمهيد اكثر من مرة واحدة فتصبح بذلك فترة الوضع تحت الحراسة غير محددة لمدة معينة في جرائم امن الدولة وانه كان ينبغي تفادي هذا التأويل بالنص صراحة على الفترة المرخص بتجديدها. وعلى كل حال فان هذا التعديل لا يطبق الا على الجرائم أمن الدولة الداخلي التي تختص بها المحاكم العادية اما التي تحال منها على المحكمة العسكرية وكذلك جرائم أمن الدولة الخارجي فتخضع كلها للمادة الثالثة من قانون 26/7/1971 المعدل للقانون العسكري وتنص هذه المادة على انه " خلافا لمقتضيات المواد 68 و82 و169 من قانون المسطرة الجنائية تحدد آجال الوضع تحت الحراسة في عشرة ايام ويمكن لمندوب الحكومة وكيل للملك لدى المحكمة العسكرية وقاضي التحقيق في الحالة المنصوص عليها في المادة169 تجديد مدة الحراسة كلما اقتضى الحال ذلك (18)".

شروط الوضع تحت الحراسة:
هل جميع الفئات التي أشرنا اليها في الجزء الاول من هذا البحث المنضوية تحت لواء الشرطة القضائية يمكنها إخضاع الشخص للحراسة النظرية ؟ لا نرى ذلك لان المواد 68 و69 و82 و169 من قانون المسطرة الجنائية صريحة في التنصيص على ان هذا الإجراء الخطير يتخذ من طرف " ضابط الشرطة القضائية" وهذه القاعدة نصت عليها المادة20 من قانون المسطرة الجنائية الفرنسي التي أكدت ان الوضع تحت الحراسة لا يمكن اتخاذه الى من طرف ضابط الشرطة القضائية.

والحراسة النظرية يجب عدم اللجوء إليها الا عندما تستلزم ذلك حاجيات وضرورة البحث وكذا ضرورة تنفيذ الانتداب القضائي ( المواد 68 و82 و169 ).
وان تكون الأفعال معاقبة بالحبس ( المادتين72 و82) ويجب تمييز تدبير الحراسة النظرية عن الإجراء الذي يلجا إليه ضابط الشرطة القضائية بموجب المادة67 من قانون المسطرة الجنائية لمنع بعض الأشخاص من مفارقة المكان وقوع الجريمة وذلك الى حين إتمامه للتحريات.
فهذا الإجراء الاخير لم ينص المشرع بشأنه على أية مدة لكونه يجرى بأمكنة الحادث ذاتها التي تقع بها التحريات وغالبا ما يكون ذلك في حالة التلبس بالجريمة ويكون التقصي بهذه الأماكن لمدة قصيرة.

----------------
(18) شرح قانون المسطرة الجنائية للدكتور احمد الخمليشي الجزء الاول الطبعة التالية - مكتبة المعارف ص250-251
----------------

كناش الحراسة النظرية :
تلزم المادة69 ضابط الشرطة القضائية بان يضمن محضر الاستماع الى الشخص الخاضع للحراسة وينص فيه الى لجوئه واستعماله لهذا الإجراء بذكر اليوم والساعة ويوم إخلاء سبيله وتقديمه الى القضاء بان يسجل بيانات مماثلة بكناش خاص ترقم صفحاته وتمضي عليه السلطة القضائية وكل مركز من مراكز الشرطة او الدرك معد لإيواء شخص تحت الحراسة يجب ان يتوفر على هذا الكناش والمحاضر التي يحررها ضابط الشرطة القضائية على هذا النحو يجب ان تنجز فورا ويوقع على كل ورقة من أوراقها كما يوقع عليها الشخص الخاضع للحراسة.

فيما يلي جدول تقريبي للحراسة النظرية كما ينجزه الضباط :
الاسم المكان السبب المدة المرجع
هاني بيت الضرب من19/3/88 الفصل 68 من قانون
محمد الأمن والجرح على الساعة المسطرة الجنائية
بن احمد بالمركز ومحاولة 6 مساء الى المحضر رقم159
اختطاف 21/3/88 المؤرخ في19/3/88
قاصرة على الساعة 8 صباحا
المجموع: 38 ساعة
حيدر " " " " " " " "
عبد الله " " " " " " " "
بن المعطي " " " " " " " "
إمضاء ضابط الشرطة القضائية
وبالنسبة لضابط الشرطة القضائية من الدرك فان مسطرة بحثه تتضمن بشكل عام ما يفيد قيامه بأعمال الشرطة القضائية مرتديا البذلة العسكرية استنادا على مقتضيات المادة التاسعة من قانون الدرك الملكي لتضمين محضر البحث أسلوبا وانشاء واضحا بعيدا عن التأويل وان يتضمن الإرشادات التي من شانها ان ترشد السلطة المختصة من حيث هوية الأشخاص وسوابقهم العدلية ومستواهم الثقافي وحالتهم العسكرية وأوصاف الاشخاص الخاضعين للحراسة ( المادة73 من قانون الدرك ) كما تتضمن محاضر الحراسة النظرية امام الدرك الإشارة الى انه وقع تفتيشهم وتحصى فيها الاوراق والأشياء الموجودة بيدهم وتحمل إمضاءات الموقوفين او إعلان هؤلاء عن امتناعهم عن التوقيع او عدم قدرتهم على ذلك المادة79 من قانون الدرك) .

ولتحديد تاريخ البدء في الحراسة النظرية أهميته القسوة سيما وان المشروع المغربي ياخذ بقاعدة خصم مدة الحبس الاحتياطي من العقوبة ( 19 فالأمر الذي يصدره مثلا قاضي التحقيق عند تلقيه للمطالبة بإجراء تحقيق والقاضي بإيداع المتهم بالسجن يجب ان يضمن التنصيص على تاريخ بدء الحراسة النظرية وتاريخ نهايتها وذلك لضبط وضعيته الجنائية.
وقاضي التحقيق يصدر امره بالإيداع بالسجن عل هذا النحو:

المملكة المغربية
وزارة العدل
باسم جلالة الملك
امر بالإيداع في السجن
نحن قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف.
نظرا للفصلين 145 و146 من قانون المسطرة الجنائية.
نأمر ونكلف جميع رجال القوة العمومية ان يقودوا بمقتضى هذ الأمر الى سجن هذه المدينة.
المسمى: …………….
المتهم بـ: ……………. المنصوص على عقوبتها بالمواد من القانون الجنائي
كما نأمر رئيس مؤسسة السجن المذكور بان يتسلم المتهم أعلاه ويعتقله الى ان يصدر ما يغير هذا الأمر
ونشير الى انه سبق ان كان تحت الحراسة النظرية بمركز الضابطة القضائية
من تاريخ الى تاريخ مع إدخال الغايتين.
وحرر بتاريخ
إمضاء
والتعسف أثناء الوضع تحت الحراسة يستوجب المتابعة التأديبية وحتى القضائية. ذلك ان الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف التي حلت محل غرفة الاتهام تنظر بموجب المواد 244 الى غاية250 من قانون المسطرة الجنائية في مراقبة أعمال الشرطة القضائية ويمكنها ان تقرر التوقيف المؤقت عن هذه الوظيفة او الفصل النهائي عنها وبوسعها إرسال الملف الى النيابة العامة بخصوص المخالفات الجنائية.
-------------------------
(19) كتاب الحبس الاحتياطي دراسة ومقارنة للدكتور إسماعيل محمد سلامة عالم الكتب الطبعة الثانية 1983 ص213.
-------------------------
وتنص المادة270 من قانون المسطرة الجنائية على مسطرة متابعة ضباط الشرطة القضائية الذين يقترفون بصفة عامة جناية او جنحة أثناء مزاولتهم لوظيفتهم( مسطرة الامتياز القضائي) تتمثل في ان الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف يتقدم بملتمسه في هذا الشان الى الرئيس الاول بها وهذا الأخير يقرر ما اذا كان يقتضي الحال إجراء البحث وعند الإيجاب يأمر باجراء تحقيق عل يد قاض للتحقيق يختار خارج الدائرة التي يزاول فيها الضابط وظيفته. وفي حالة ما اذا كان الضابط مؤهلا لمباشرة وظيفته في مجموع تراب المملكة فان المجلس الاعلى هو المختص حسب المادة267 والمادة السابعة من ظهير الإجراءات الانتقالية تحيل في فقرتها السادسة على مقتضيات المواد268 الى 270 من قانون المسطرة الجنائية كما تنص المادة58 من قانون الدرك على عدم جواز القبض على الشخص الا بناء على أمر او مذكرة تصدرها السلطة المختصة ما عدا في حالة الاقتراف جريمة وذلك تحت طائلة اعتبار هذا الاعتقال تعسفيا وتعقب المادة59 من نفس القانون جنون الدرك الذين يسوقون الشخص ولو عند اقترافه الجريمة الا أمكنة ليست معدة لان تكون محل اعتقال او محاكمة او سجن.

موقع التشريعات الاخرى :
قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني: انه منع ضابط الشرطة القضائية من إبقاء المشبوه فيه موقوفا دون التوفر عل سند قضائي يبرر هذا الإبقاء وان كان ذلك لمتابعة البحث والا تعرض الجزاء المنصوص عليه في المادتين367 و368 من قانون العقوبات. وأشارت الى هذا المنع (20) المادة200 من المرسوم الاشتراعي رقم 54 اللبناني التي نصت على ان لجان الأمن الذين يوقفون أشخاصا في غير الحالات المنصوص عليها في القانون يتعرضون للعقوبات الواردة بالمادة367 من قانون العقوبات وتمنع المادة212 من نفس المرسوم رجال قوى الأمن في غير الحالات التي ينص عليها القانون ان يزعجوا الناس في حريتهم الشخصية.

مجلة الإجراءات الجزائية التونسية لسنة1968
يبدو ان هذا القانون لم يحدد أي اجل صريح لمدة الحراسة النظرية الأمر الذي كان عرضة للنقد فالمادة19 منه تنص على ان الشكايات والاعلامات والمحاضر توجه " فورا" من طرف ضباط الضابطة العدلية الذين تلقوها الى وكيل الجمهورية.
--------------------------
(20) أصول المحاكمات الجزائية للأستاذ عاطف النقيب ص400.
------------------------
واكتفت المادة12 منه على التنصيص على ان حكام النواحي لهم الحق في إيقاف المظنون فيهم مؤقتا بالسجن شرطا تقديمهم " فورا" الى اقرب محكمة. كما نصت المادة11 على انه يحق لمشائخ التراب ان يقبضوا على كل من أدركوه حالة تلبسه بجنحة وان يحضروه امام المحكمة او أمام احد مأموري الضابطة.

وهناك تشريعات اخرى حددت مدة الحراسة النظرية في فترة وجيزة كالقانون الهلندي مثلا الذي حددها في 6 ساعات ليس الا (21).

الاجتهادات القضائية :
لقد سبق لمحكمة العدل الخاصة ان وردت في قرار لها:
" حيث ان مراعاة ما هو مأمور به قانونا بشان الوضع تحت الحراسة المنصوص عليه في الفصل82 من قانون المسطرة الجنائية هو من الإجراءات الجوهرية للمسطرة وان الإخلال بها يدخل في نطاق ما نص عليه الفصل765 من قانون المسطرة الجنائية والذي يعد بمقتضاه كل إجراء لم ينجز على الوجه المطلوب قانونا كأن لم ينجز وحيث ان المحاضر الخاصة بالاستماع الى المتهمين المدنيين سواء المتقدمون منهم بالدفع او غيرهم قد حررت اثناء فترة الوضع تحت الحراسة المنجزة كما سبق بيانه على وجه غير قانوني فانه يتعين بناء على ذلك إبعادها عن الملف".

وتضمن قرار غرفة الجنايات باستئنافية الرباط المؤرخ في1/7/82 " ان مدة الحراسة استغرقت255 ساعة وهو ما يتلافى مع مقتضيات الفصلين 68 و82 من قانون المسطرة الجنائية التي تحدد الحراسة النظرية في 96 ساعة وبالتالي يترتب عنه وفق ما ينص عليه الفصل765 من قانون المسطرة الجنائية اعتباره كأنه لم ينجز لانه إجراء لم يثبت إنجازه على الوجه الذي يفرضه القانون فيجب إذن استبعاد محضر استماع المتهم" وهذا القرار الأخير عرض عل المجلس الذي صرح بشأنه بموجب قراره رقم 6846 المؤرخ في فاتح نونبر1983 في الملف الجنائي عدد17196 " لما لاحظت المحكمة ان مدة حراسة المتهم نظرية استغرقت اكثر من 69 ساعة ومحددة قانونا ورتبت على ذلك استبعاد محضر الضابطة القضائية ثم عادت وأدانت المتهم بناء على اعترافه الوارد في المحضر المذكور تكون قد بنت قضائها على علل متناقضة مما يجعل حكمها ناقص التعليل يوازي انعدامه (22) .
------------------------
(21) شرح قانون المسطرة الجنائية للدكتور الخمليشي الجزء1 الطبعة2 ص252 .
(22) انظر النقاش القانوني الذي وقع بخصوص تفسير المادة765 من قانون المسطرة الجنائية بين الدكتور الخمليشي والقاضي الأستاذ اليوسفي المهدي المنشور بمجلة القضاء والقانون عدد133 -134 ص135 مجلة المحاكم المغربية عدد45 شتنبر- اكتوبر1968 ص41.
---------------------

خاتمة
يبدو ان مشروع قانون المسطرة الجنائية المعروض على أنظار البرلمان يرمي الى التخفيض من مدة الحراسة النظرية في الحالة العادية ( أي دون التلبس ) وذلك بتحديدها في48 ساعة يمكن للنيابة العامة ان تمددها الى 24 ساعة أخرى. ومهما يكون من امر فإننا نرى ان القوانين مهما سعت الى المثالية تبقى مجرد أدوات لا تكون لها من قيمة تذكر الا بحسن تطبيقها دون تحريف او إساءة استعمال مما يحدو بنا الى تبني قولة الأستاذ عاطف النقيب " ومهما يكون من أمر فانه على الشرطة ان تشعر بان الوظيفة هي خدمة عامة هدفها منع الجرائم قبل وقوعها بالاحتياط لها، وكشف الجرائم بعد حصولها بالاستقصاء وجمع الأدلة عليها شرط ان تكون إجراءاتها مستوحاة من مصلحة المجتمع الذي أساءت اليه الجريمة عندما أخلت بأمنه، وان تكون مستندة الى قواعد ثابتة لا تخرج عما وضع لحرمان الإنسان من ضمانات وعما تشترطه العدالة الجزائية من وسائل في الإثبات وان لا تؤدى الى المشاركة في جريمة لم تتولد فكرته ولم يجر تنفيذها لولا تلك المشاركة ولا تتعمد إخفاء الأفعال الجرمية او التستر على أصحابها ابتغاء لمنفعة او تخوفا منها سطوة او نفوذ. ويجب على الشرطة ان تلتزم في أعمالها ما يوجبه الضمير اليقظ وما تفرضها المصلحة العامة وكرامة الوظيفة، غير خاضعة لمؤثرات ومظاهر تصرفها عن المنهج الصحيح فتضعف الثقة بها او تصاب في هيبتها".
بني ملال: عبد الصمد الزعنوني.

* مجلة المحاكم المغربية، عدد 58، ص29.

التكوين القانوني في مجتمع سائر في طريق النمو ، مثال المغرب -

للاستاذ : ع. بودهرين
تعريب الاستاذة زينب ادريسية حمزي
دكتورة في الحقوق محامية بهيئة البيضاء
مقدمة :
ان المغرب، وكدول اخرى مماثلة، يمر بعدة تحولات في مجالات متعددة.وهو مجبرعلى مواجهتها لكي لا يبقى دائما وراء الدول والشعوب المتقدمة.ومن اجل ذلك، يجب عليه، وقبل اي شيء، اعادة تقويم امكانياته البشرية و ذلك بتعليم ساكنته وتكوينها تكوينا جيدا خاصة في المجال القانوني بكل مكوناته وفروعه .

فالعنصر البشري هو الاداة الفعالة التي بواسطتها تستطيع الدولة الانطلاق في ركب التقدم، فكل تقدم له يؤدي بالضرورة الى تقدم البلاد ككل. وهذا ما تعترف وتصرح به الحكومات في اكثر من مناسبة .
والقانون هو الوسيلة الانجع لتاطير وتحسين سلوكات و تصرفات الانسان وسلوك المجتمع المدني ككل منذ القدم. فالانسان انشغل دائما بتكوين مفاهيم ووضع مبادئ قانونية وتطويرها لكي تتماشى مع احتياجاته واسلوب عيشه .

ان دور الوظائف القانونية، التي تعتبر جزءا لا يتجزا من المجتمع المدني، ليس الانتقاص او التقليل من المشاركة الشعبية في المسائل العمومية في كل مجالات النشاط البشري، وانما هو الارتقاء الى المستوى الملائم والمشرف على مستوى الامم والشعوب .

لكن، اذا تفحصنا بعض المشاكل المطروحة، وراينا محاولات الحلول المقترحة لها ، فاننا سوف نشك في رغبة البعض الحقيقية في سد الفجوات ورفع التحديات الموجودة في مجال التكوين القانوني في مجتمع سائر في طريق النمو في نهاية الالفية الحالية .

وهذا ما يستنتج من التقديرات الوجيزة للوظائف القانونية (1) ومن المنازعات المدنية(2)، ومن التكوين القانوني لبلد يتفاخر بكونه " بارزا" (3) .

I- الوظائف القانونية :
1- ان مشكل الاحصائيات يطرح بالحاح في المغرب، سواء على مستوى امكانية اشتغاله في ظل الظروف الحالية، او على مستوى نشره في منشورات عامة او خاصة، وخاصة فيما يخص الوظائف القانونية والقضائية .
كذلك، اليس من الممكن تقدير، ولو على وجه التقريب، فعالية قضاة المحكمة، الوزارة العمومية وقضاة محاكم الجماعات او المقاطعات ( قضاة محليين مختارين موزعين على حوالي 800 محكمة)، وكذلك محترفي المجال القانوني وممثليه كالمستشارين القانونيين والماليين (غير منظمين ويعملون في اطار " شركات المحاسبة"، الموثقين، العدول ( موثقين في مجال القانون الاسلامي)، والوكلاء ( يعملون في الدفاع في اطار القانون الاسلامي وهم في طريق الاندثار) الخبراء " القضائيين"، ويمكن ان نضيف اليهم كذلك كتاب الضبط والمنتدبين القضائيين، بالاضافة الى ذلك، نشير ايضا الى عدد المحامين الذي يصل الى حوالي 5 الاف محامي ( نصفهم يوجد في الدار البيضاء) وهذا وسط ساكنة يصل عددها الى حوالي 27 مليون نسمة في سنة 1998 .

من هنا نجد بانه من الصعب وضع جدول يعالج تطور الارقام المتعلقة بتلك الوظائف منذ بداية القرن، والمتعلقة ايضا بالنزاعات المدنية هذه المعلومات كان من الواجب ان تتواجد في القسم الحكومي المكلف بالعدالة الرسمية، لكن من الملاحظ ان جهازها الاحصائي ليس بالجودة المطلوبة، ذلك ان استعمال الحاسوب لازال في طور التجربة ويتوقف على المعطيات التي تنقل اليه بصفة غير منتظمة من طرف مختلف الاجهزة القضائية في البلاد .

II- المنازعات
2- هنا ايضا، ولنفس الاسباب السالفة الذكر، من الصعب معرفة العدد الاجمالي للقضايا والمنازعات المدنية المعروضة على المحاكم، وحتى القرارات القضائية المهمة لا يتم نشرها بانتظام اذ يجب انتظار الاحتفال بالذكرى الاربعينية لتاسيس المجلس الاعلى 1957-1997 لكي يتم اصدار ستة اجزاء من الاجتهاد القضائي لهذه الهيئة القضائية العليا حسب المواد ( من ضمنها الجنائي والاداري ) .

وهناك اصدار اخر للاجتهادات القضائية للمجلس الاعلى والتي تصدر بصفة غير منتظمة منذ 1970، لكن تم توقيفها بعد صدور عددها 46 في سنة 1991 لتعود للظهور مرة اخرى لكنها لم تصل الا للعدد 49-50 في يوليوز 1997 .

اما بخصوص المنازعات والقضايا المدنية، سواء التي تتوقف في بدايتها او التي تتطور، فهي متعلقة اساسا بالكراء، القضايا العقارية، القضايا التجارية، وكذلك قضايا التعويضات لضحايا حوادث السير ( سواء للضحايا انفسهم او لاقاربهم) .

لكن، وفي اطار النظر في القضايا امام المحاكم، لا يمكن الاسراع الا بالقضايا المدنية المنحرفة، لان الهيئة القضائية تعرف اكتظاظا ملحوظا مع تزايد عدد المتقاضين، وذلك راجع لاعتبارات النمو الديمغرافي الذي تعرفه البلاد وكذلك لان التحكيم والوسائل اللاقضائية في حل النزاعات لا يتم اللجوء اليها الا نادرا .

فرغم ازدحام المحاكم بكل درجاتها بالقضايا والبطء الذي تعرفه المساطر فان كل ذلك لا يشجع المتقاضين على استعمال ممارسات قضائية بديلة .

III- التكوين القانوني :
3- توجد حاليا 14 جامعة مع 11 كلية للحقوق، من ضمنها 3 كليات لم يبدا العمل فيها بعد ( كلية بن مسيك سيدي عثمان بالدار البيضاء، كلية سلا، وكلية سطات)، فقد يبدا العمل بها ابتداء من سنة المقبلة (1998-1999) تلك كلها كليات عمومية يتراسها وزير التعليم العالي والابحاث العلمية وتكوين الاطر.

بالاضافة الى ذلك هناك كلية الشريعة التي توجد بفاس، وهي تابعة لجامعة القرويين، وجامعة الاخوين بافران، لكن هذه الاخيرة تتميز بنوع خاص لانها تلقن دروسها باللغة الانجليزية فقط. هذا بالاضافة الى انها لا تكون رجال قانون، بل ان التكوين القانوني فيها هو ضمن تخصصات اخرى. ان هذه جامعة تم انشاؤها بمبادرة ثنائية بين العاهل المغربي ونظيره السعودي .
عكس ذلك، فان جامعة القرويين لا تلقن دروسها الا باللغة العربية .

وفي الجامعات الاخرى التي تضم كليات العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، فان التخصص في القانون لغة فرنسية هو قليل مقارنة مع نظيره باللغة العربية، وحتى الطلبة المتجهين اليه يكون عددهم قليلا .
والى جانب تلك الكليات العمومية التي تعنى بالتكوين القانوني، هناك مدارس ومعاهد تنتمي الى وزارات اخرى، يكون التكوين فيها متخصصا. ونذكر منها على الخصوص : المدرسة الوطنية للادارة العمومية، والمعهد العالي للتجارة وادارة المقاولات، لكن فقط الاولى هي التي تعنى بتكوين رجال القانون .
وهناك مدرسة عليا لتكوين الاطر مرتبطة بوزارة الداخلية تعنى بتكوين رجال السلطة ( التكوين القانوني) مثل الوالي والعامل في الولايات والعمالات .

4- توجد كذلك مدارس خاصة للدراسات العليا وعددها وصل الى 63 في سنة 1996 - 1997. لكن هذه المؤسسات لا تؤمن الا تكوينا قانونيا تكميليا، لان مجال الدراسة فيها هو الادارة والتجارة والاعلاميات ونشاطات اخرى او مواد من هذا القبيل .

كما ان الدولة، ومنذ وقت قصير، بدات تخلق مدارس عليا للتجارة. الا انه، ورغم تصريح وزير التعليم العالي في شتنبر 1996، فان انتظار الاعتراف الرسمي بمساواة شهادات هاته المؤسسات مع الشواهد العمومية مازال قائما .

5- لم يتم تحديد العدد الفعلي لطلبة كلية الحقوق. كل ما تم التصريح به هو ان عدد هؤلاء الطلبة ( في كل التخصصات) انتقل من 250 طالب سنة 1960 الى 300 الف سنة 1998 .
كذلك، وفي مجال الدراسات، فان الفترة ما بين 1982 و1995 عرفت تزايدا سريعا في عدد طلبة كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بنسبة تترواح بين 13% و14% في المتوسط .

اما بخصوص عدد الطلبة في مدارس ومعاهد تكوين الاطر ( سواء الخاصة او العمومية) فانه وصل الى 26 الف سنة 1995-1996، من بينهم 9750 طالب من مدارس القطاع الخاص او من مؤسسات لا تنتمي الى وزارة التربية الوطنية .
وهناك ارقام حديثة لسنة 1996-1997، تدل على ان عدد الطلبة في مؤسسات التعليم العالي الخاص وصل الى 8640، مع الاشارة الى ان معدل النمو السنوي لهذه المؤسسات 80 % منها تتمركز في مدينتي الدار البيضاء والرباط) هو تقريبا مرتين اكبر من معدل نمو الطلبة .

6- في المقابل، لا نجد احصائيات متعلقة بالطلبة الذين يتابعون تكوينا اضافيا مخصصا لقضاة المحاكم. اذ نشير في هذا الاطار انهم يلجون المعهد القضائي عبر مباراة وبمجرد ما يتم قبولهم فانهم ياخذون اسم " ملحقين قضائيين" في انتظار انتهاء مدة تكوينهم والتي تستمر لمدة سنتين .

ان تكوينهم يضم بالضرورة :
سلك الدراسات والاعمال التطبيقية في المعهد الوطني للدراسات القضائية ( يوجد في الرباط وهو تابع لوزارة العدل)، وهذا السلك مدته سنة واحدة ( عوض خمسة اشهر كما كان مقررا في السابق)، وهو مخصص اساسا لتامين تكوين مهني للقضاة بواسطة دروس معمقة وخاصة .
تكوين اضافي مدته سنة ينجز في محاكم الاستئناف ومحاكم الدرجة الاولى والادارات المركزية والمصالح الخارجية وبعض المؤسسات المحلية والشركات سواء كانت عمومية او خاصة. وقد كان هذا التكوين محدودا في 4 اشهر في السابق عوض سنة وفي بعض المؤسسات فقط دون غيرها. كذلك، فان هؤلاء الملحقين القضائيين يمكنهم الحضور والمشاركة في جلسات المحاكم بكل درجات سواء المدنية، الجنائية او الادارية وفي مداولاتها. لذلك فهم مجبرين على كتمان السر المهني، وارتداء البذلة اثناء الجلسات .

كما ان تخرجهم كقضاة رسميين يتم بواسطة ظهير ملكي .
وكيفما كان الحال، فان هذا التكوين يظل غير كاف وغير متكافئ. والدليل على ذلك هو ان القضاة الذين سيعلمون في المحاكم التجارية الجديدة او المحاكم الادارية سوف يتابعون تكوينهم المتخصص في فرنسا للذين يجيدون منهم اللغة الفرنسية او في مصر، وذلك بمقتضى اتفاقيات التعاون المشترك المبرمة بين المغرب وكل من فرنسا ومصر .

كذلك، فان المدرسة الوطنية للادارة العمومية تؤمن ( ومنذ وقت ليس بكبير) تكوين قضاة المجلس الاعلى للحسابات .
اما بالنسبة للمحاميين، فاذا كان القانون الجديد الصادر في شتنبر 1993 والمتعلق بمهنتهم قضى بانشاء مراكز جهوية للتكوين، الا ان ذلك لم ير النور بعد .

كذلك. وبعد قبول المتبارين لممارسة هذه المهنة، الحاملين لاجازة في الحقوق شعبة القانون الخاص او لشهادة معادلة، فانهم يقومون بتمرين مدته 3 سنوات. وهم ملزمون بمجرد اداء القسم بما يلي :
عمل دائم في مكتب احد المحامين الذي يسهر على تكوينهم .
الحضور في الجلسات .
الحضور المنتظم في اجتماعات المحامين المتدربين، كما كان الحال عليه في ظل النظام السابق ( قانون 1968 و1979 ) .

لكن هؤلاء المحامون المتدربون لا يمكنهم الحضور او تمثيل الاطراف امام القضاء الجنائي عوض اساتذتهم، كما لا يمكنهم التقاضي امام محكمة الاستئناف طيلة السنة الاولى من تكوينهم. كذلك لا يمكنهم التقاضي باسمهم الخاص الا في اطار المساعدة القضائية .
وفي نهاية فترة التكوين، يكون عليهم اجتياز المباراة بتفوق، بعد ذلك يصبحون محامين رسميين. اما في حالة الرسوب، فان بعضهم يمكنه الاستفادة من تمرين اضافي لمدة سنة اخرى والا فلن يستطيع الانضمام الى لائحة المتمرنين في هيئة المحامين سواء تلك المسجل فيها او غيرها .

اما بخصوص شهادة ممارسة مهنة المحاماة فانها تكون منظمة على الصعيد الوطني بتعاون بين وزارة العدل وهيئة المحامين بالمغرب .
وبخلاف المحامين، فان الملحقين القضائيين الذين لم يتفوقوا في امتحان نهاية التمرين اما ان يتم فصلهم او ارجاعهم الى مقر ادارتهم اذا كانوا موظفين سابقين .

اما بخصوص رجال التوثيق، فهم منظمين بظهير 4 ماي 1925، والذي ينتظر دائما تجديده، وهم يمرون بتمرين مدته سنتين او ثلاثة سنوات في مكتب احد الموثقين، ويبدو انهم لا يقومون باجتياز امتحان نهاية التمرين او على الاقل فالنتائج لا تكون منشورة .
ونفس الشيء بالنسبة للعدول ( موثقين في القانون الاسلامي) والمنتدبين القضائيين .

اما بالنسبة للمستشارين القانونيين والماليين، فان مهنتهم ليست منظمة، اذ يكفي الحصول على تصريح اداري من اجل ممارسة المهنة ( تصريح من وزارة العدل والادارة المالية والمحلية). وتكوينهم القانوني العام يكون معززا باجازة في الحقوق او شهادة معادلة. كما ان بعض اساتذة السلك العالي، رغم ان ذلك ممنوع قانونيا، يتعاطون لهذه المهنة بحكم خبرتهم في هذا المجال. والى جانبهم نجد كذلك مسيري بعض المؤسسات القانونية الذين لا يتوفرون على اية شهادة لدراسة القانون وكل ما لديهم هو خبرتهم التي اكتسبوها بالممارسة الدائمة.
كذلك فان التخصص لدى هؤلاء ليس ضروريا كما هو الحال بالنسبة للمهن القانونية والقضائية المنظمة (القضاء والمحاماة خصوصا ) .

وعموما، فقط الدراسات القانونية العامة هي التي تلقن في الجامعات وفي المدارس والمعاهد والمؤسسات المسماة متخصصة، لانه بالنسبة لهذه الاخيرة فان القانون هو دراسة مكملة وثانوية مقارنة مع الدراسات الاخرى كالتجارة والاعلاميات مثلا .

7- من اجل الحصول على اجازة في الحقوق او اجازة في الشريعة او شهادة معادلة كتلك التي يسلمها المعهد العالي للتجارة وادارة المقاولات، فان مدة الدراسة هي اربع سنوات منقسمة الى سلكين، اما السلك الثالث فان مدة الدراسة فيه هي سنتين استعدادا لنيل دكتوراه الدولة .

8- بالنسبة لدراسات السلك العادي لنيل الاجازة في الحقوق، فيجب التمييز بين القانون الخاص والقانون العام. هذا التخصص الذي لا يتم الا في نهاية السنة الثانية من السلك الاول .
ففي السنة الاولى من السلك الاول، تدرس المواد التالية :
المدخل لدراسة القانون، العلاقات الدولية، المدخل لدراسة الشريعة، تاريخ المؤسسات والوقائع الاجتماعية، الاقتصاد السياسي، ثم المصطلحات القانونية .

اما في السنة الثانية من نفس السلك، فتدرس المواد التالية :
القانون المدني، القانون الاداري والعلوم الادارية، القانون الجنائي العام، مدونة الاحوال الشخصية، واخيرا الاقتصاد السياسي .
اذن فالتخصص، اي اعطاء دروس في القانون الخاص او القانون العام، لا يكون الا في السلك الثاني ( اي السنة الثالثة والرابعة ) .

اذن، ففي القانون العام، فان المواد التي تدرس في السنة الاولى من السلك الثاني هي كالتالي :
القانون الدولي العام، تاريخ الافكار السياسية، القانون الاداري، القانون الاجتماعي، المالية العامة، ثم المصطلحات القانونية .

اما في السنة الثانية من السلك الثاني فتدرس المواد التالية :
خدمات الاجتماعية العامة، القانون الاقتصادي الدولي، منهجية المؤسسات الدولية، المنهج السياسي للدول السائرة في طريق النمو، العلاقات الدولية المغربية، ثم القانون الدولي الخاص وعلم المنهج .

اما بخصوص القانون الخاص، فان المواد المدرسة في السنة الاولى من السلك الثاني فهي كالتالي :
القانون الاجتماعي، القانون المدني، القانون التجاري، الشريعة الاسلامية، المالية العامة، علم الاجرام، القانون الجنائي الخاص، المؤسسات العمومية والمصطلحات القانونية .

وفي السنة الثانية، تدرس المواد التالية :
القانون المدني، علم المواريث، القانون القضائي الخاص، القانون التجاري، المسطرة الجنائية، القانون البحري او قانون التامين والمصطلحات القانونية .

وفي اطار هذه المواد، فانه لا يتم تدريس القانون المقارن الا نادرا، فالمسالة تبقى اختيارية بالنسبة للاستاذ الذي يمكن ان يعطي توضيحات مقارنة اولا، وذلك حسب رغبته. وحتى اذا اختار ذلك فانه يرجع غالبا الى القانون الفرنسي، الذي له تاثير كبير على القانون المغربي، او الى القانون المصري بالنسبة لشعبة اللغة العربية .
في بعض الاحيان، وعلى مستوى السلك الثالث، فانه يتم تدريس القانون المقارن في السنة الاولى من دبلوم الدراسات العليا كمادة مستقلة .

وكما نلاحظ، لا توجد اية مادة، حتى على مستوى السلك الثالث، تعنى بدارسة التحكيم، الوسائل الاختيارية لفض النزاعات الدولية، علم الاخلاق، المعلوميات القانونية او قانون المعلوميات. وحتى مؤسسات التعليم العالي الخاصة والتي تعطي دروسا في المعلوميات، فانها لا تهتم كثيرا بالجانب القانوني لهذه " التكنولوجية الجديدة" .

وبالنسبة للتحكيم، فانه من النادر اقحامه في دروس القانون القضائي الخاص. ولا توجد اية مؤسسة او مركز متخصص يؤمن تكوينا جيدا في هذه المادة. ما عدا الجمعية المغربية لغرفة التجارة الدولية وبعض هيئات المحامين ( كما في الدار البيضاء ومكناس) التي نظمت اياما دراسية في هذا الموضوع .

عموما، وكما تمت الاشارة الى ذلك سابقا، يمكننا القول بانه لا توجد دراسات متخصصة بالمعنى الصحيح في مجال القانون، باستثناء التفريق الاداري بين القانون الخاص والقانون العام ابتداء من السنة الثالثة من الدراسة الجامعية في كلية الحقوق .

خلال مدة الدراسة في السلك الثالث تخصص قانون خاص، فانه يتم تدريس القانون المدني ( او قانون الاشخاص) في السنة الاولى. اما في السنة الثانية، فيتم تدريس قانون الاعمال، مع بعض الخصوصيات المتعلقة باستاذ المادة .

9- ان اساليب التدريس تبقى تقليدية، اذا لم نقل ضاربة في القدم. واذا كانت المواظبة والانضباط سواء بالنسبة لسنوات الاجازة وبالنسبة لسنتي السلك الثالث، فان هذه الصفة لا تحترم من طرف الطلبة كما ل اتراقب من طرف الادارة .
ونظرا لوفرة وكثرة عدد الطلبة في شعبة القانون لغة عربية، كما سبق الذكر، فان الدروس تعطى في مدرجات خاصة بالنسبة للسلك الاول. كما انه يمكن ان تدرس المادة الواحدة بواسطة استاذ المادة وبمساعدة اساتذة مساعدين غالبا ما يكونون حاصلين على دبلوم الدراسات العليا .

هذا بالاضافة الى ان بعض الاساتذة يقومون بطبع محاضراتهم على شكل مطابع او مراجع، بخلاف البعض الاخر الذي يفضل املاء المحاضرات على الطلبة مع ما يخلف ذلك من سلبيات .
اما بخصوص الاعمال التوجيهية، والتي غالبا ما يقوم بتدريسها اساتذة مساعدين، فانها لا تكون الا في بعض المواد التي تعتبر اساسية ويكون الامتحان فيها كتابيا وعددها ثلاثة مواد .

لكن ومع التكوين الضعيف وغير المتخصص لهؤلاء الاساتذة المساعدين، فانه يمكننا ان نشك بان هذه الدروس يجنى من ورائها فائدة، رغم انها تنصب فقط على التعليق على القرارات القضائية وعلى المسائل التطبيقية. بالاضافة الى ذلك، فان مسالة تكليف طالب او طالبان باعداد بحث وعرضه تبقى مسالة نادرة التطبيق، وحتى اذا طبقت فانها لا تكون بالمستوى المطلوب. كما ان الطلبة غير متعودين على المشاركة الفعالة في مناقشة المحاضرات، وذلك راجع بالاساس الى سلبيتهم التي تعودوا عليها، وكذلك لكونهم لم يقوموا بتحضير الدروس قبل الدخول الى المدرجات. وهذا ما نلاحظه حتى بالنسبة لطلبة السلك الثالث، مما يطرح لهم مشاكل عديدة عندما يريدون انجاز بحثهم ( بحث الاجازة ورسالة الدكتوراه ) .\

بالاضافة الى ذلك، واذا ما استثنيا التمرينات القصيرة المدة في الاعلاميات عندما تكون مؤسسة التعليم العالي مجهزة بالتجهيزات الضرورية والكافية، فان استعمال التقنيات السمعية البصرية وتقنيات الاعلاميات يكون ضعيفا ونادرا .
وهذا هو الحال كذلك بالنسبة للاساتذة الذين يكتفون باملاء محاضراتهم وهم مجردين من كل الوسائل التقنية التي يتطلبها التكوين الضروري لهذا الغرض .

10- في اطار التعاون الثقافي بين المغرب وبعض الدول الافريقية الفرانكفونية، فان بعض الطلبة الاجانب يتم قبولهم لمتابعة دراستهم في سنوات الاجازة وكذلك السلك الثالث في كليات الحقوق وبعض المعاهد العمومية، ولكن دون اخذ بالاعتبار لخصوصيتهم. ذلك ان الدروس التي تلقن لهم هي نفسها التي تلقن الطلبة المغاربة والتي تنصب على القانون المغربي. كما نجد كذلك طلبة اجانب في مؤسسات التعليم العالي الخصوصية، سواء كانوا يتوفرون على منحة من بلادهم ام يدرسون على حسابهم الخاص .

وحسب بعض المصادر الرسمية المغربية، فان عددهم وصل الى اربعة الاف في يونيو 1995 في كل مجالات الدراسة المتعددة .
واخيرا فان بعض معاهد او مدارس التعليم العالي الخاصة تقوم بالاخبار، بواسطة اوراق اشهارية، بانها عقدت اتفاقيات مع جامعات اجنبية وذلك من اجل اعطاء دروس الى الطلبة المغاربة بنفس منهجية وظروف تلك المؤسسات الاجنبية، او بانه يمكنهم دراسات السلك الثالث في تلك الدول .

11- ان السلطات العمومية عموما، والمسؤولين على الجامعات المغربية خصوصا، لم يلبثوا يعظمون ويشيرون في كل مناسبة الى فتح مؤسساتهم على المقاولات والفاعلين الاقتصاديين توقعا لمعادلة ضعيفة وهشة وهي التكوين من اجل التشغيل .

بعيدا على ذلك، وبخلاف هيئات المحامين التي تكون مجبرة، بواسطة النصوص المنظمة لهذه المهنة، على مراقبة تكوين المحامين المتدربين وتنظيم نشاطهم مع وزارة العدل من اجل امتحان نهاية التمرين، فان المهن القانونية الاخرى ليس لها اي تاثير على الدروس الملقاة في المؤسسات الجامعية بكل انواعها، وحتى بالنسبة للمحاماة، فلا يمكننا الحديث عن مراقبة هيئاتها المهنية للدروس والمعلومات المعطاة في الجامعة .
اذن فلا يوجد اي رابط سواء تاسيسي او اتفاقي، بين الجامعة والمهن القانونية، لا بالنسبة للمحاماة ولا بالنسبة للقضاء ولا حتى بالنسبة للتوثيق او غيرها .

12- بالنسبة للتنظيم المتعلق بالاساتذة الباحثين، فان هؤلاء ملزمون بعدم شغل اي منصب اخر غير التدريس والبحث. ولا يمكن السماح لهم بممارسة نشاطات اخرى متعلقة بنشاطهم الاساسي الا استثنائيا .

كذلك فان المقتضيات التنظيمية تدخل في صراع مع القانون المنظم لمهنة المحاماة، لان هذا الاخير يسمح بالجمع بين ممارسة هذه المهنة ومهنة التدريس. لان ذلك من شانه ان يفيد الطلبة الذين هم بدورهم غالبا ما يتوجهون بعد تخرجهم الى مجال المحاماة او القضاء، خاصة بالنسبة للطلبة الحاصلين على الاجازة في القانون لغة عربية الذين يجدون صعوبة لايجاد منصب في شركات القطاع الخاص .

كما ان وضعية العاطلين اصحاب الشواهد، ومن بينها شهادات كليات الحقوق، اصبحت متزايدة ومعروفة بشكل رسمي .
فرغم وجود نص التشريعي الذي يحيل على النص التنظيمي المتعلق بالاساتذة الباحثين، فيجب انتظار بعض الاحكام الفاصلة الصادرة خاصة من محكمة النقض من اجل حل المسالة قضائيا .

وبالفعل، فان هناك الكثير من الاساتذة الباحثين الذين يتوفرون على مكاتب للاستشارات القانونية او الذين يعملون داخل شركات خاصة. واحيانا تكون تلك الشركات في ملكهم الخاص. وهناك اخرون يشغلون مناصب في ادارات عمومية لا تكون لها اية علاقة من اي نوع مع التدريس والبحث .
واذا كان اساتذة القانون يشتكون من قلة الحوافز والرواتب، فان القيمة الاخلاقية لمهنتهم لا تؤخذ بعين بالاعتبار .

13- اما تزايد ظاهرة البطالة في صفوف حاملي الشهادات، سواء في مجال القانون او الاداب او العلوم، والتي تترجم فشل السياسة الحكومية في مادة التربية الوطنية وخاصة التعليم العالي، فان عهد احداث اصلاحات جذرية في مجال التعليم بكل درجاته قد حل .

ففي سنة 1994، وبمبادرة من صاحب الجلالة، تكونت لجنة وطنية اولى في اجل الاطلاع على شتى المجالات التي يعرفها قطاع الشغل، الذي يبتلع الثلث او على الاقل الربع من الميزانية العامة للدولة. لكن خلاصات هذه اللجنة لم تقنع جلالة الملك الذي امر في ابريل 1996 بتكوين لجنة مماثلة سميت " مجموعة التامل والتفكير"، والتي لازال انتظار نتائج عملها واقتراحاتها قائما .

وللاضافة، فان المبادرة الملكية جاءت كرد فعل للتقرير الذي قام به البنك العالمي والذي انصب في سنة 1995 على الادارة، التعليم والعدل، والذي نادى بمراجعة جذرية لهاته المجالات. ومن اجل ذلك، فقد امر العاهل المغربي بان مجانية التعليم سوف لن تقتصر الا على التعليم الاساسي وعلى الطبقات الفقيرة من الشعب المغربي .
ومن اجل التخفيف من الحمل الثقيل الذي يرهق كاهل الدولة، فان السلطات العمومية راهنت على التعليم العالي الخاص وعلى التكوين المهني .

كما ان سياسية الاصلاحات بدات بالسلك الثالث في كل مجالاته بما في ذلك مجال القانون. من اجل ذلك، فان نظام الدارسة والامتحانات من اجل الحصول على دبلوم الدراسات العليا المعمقة ودبلوم الدراسات العليا المتخصصة، وكذلك ظروف وطرق التفويض للمؤسسات الجامعية من اجل تامين تهيئ وتسليم تلك الشواهد، اصبح منظما بطريقة تنظيمية ابتداء من فبراير 1997، والنص الخاص بذلك تم نشره في نفس الشهر .

لكن بمبادرة عرفية من طرف السلطات العمومية، فان اعادة تنظيم هذا المجال سوف تكون في اكتوبر 1997
( حسب ما نشر في الجريدة الرسمية في نونبر 1997 ) .
وهذا ما يفسر تاجيل بداية الدراسة في كليات القانون الى شهر مارس 1998. مختصرا بذلك السنة الدراسية بالنسبة للطلبة المحظوظين الذين تم قبولهم لمتابعة دراستهم من اجل الحصول على دبلوم الدراسات العليا المعمقة، اما دبلوم الدراسات العليا المتخصصة، فانه لم يتم تهييؤه بعد .

14- في ظل هاته الظروف، وكما تم الاشارة الى ذلك سابقا، فان السمة التقليدية للدراسات القانونية لم يتم تغييرها بالشكل المطلوب والملائم. ذلك ان العقليات والعادات المترسخة، سواء عند الاساتذة او عند السلطات العمومية او حتى عند الطلبة، ليست على استعداد لتقبل فتح المجال لاصلاحات جذرية في هذا المجال .

ومن اجل تطبيق الاصلاحات التي مست السلك الثالث، فان مبدا العدالة والمساواة لم يتم الاهتمام به بالشكل المطلوب، بل يمكن انه الغي تماما، لانه وضع حواجز تعجيزية بالنسبة للطلبة الراغبين في اتمام دراساتهم العليا، دون وضع اي اعتبار لهزالة التكوين الذي تم تلقيه طيلة سنوات الدراسة الجامعية. فقد كان الهدف هو تكوين " نخبة" من الطلبة المتفوقين، ولكن تم تجاهل مبدا مهم وهو مبدا تكافؤ الفرص امام الطلبة .

من جهة اخرى، فان الدراسات القانونية لا تاخذ يعين الاعتبار، الا بشكل قليل جدا، النتائج السلبية عموما للعولمة المكتسحة وخصوصا لاجمالية عالم الاعمال .
فقط هناك بعض مؤسسات التعليم العالي الخاصة التي تقوم، ومن اجل جلب اكبر عدد ممكن من الطلبة، بتدريس مواد متعلقة بالادارة وما يشابهها من اجل الاستجابة لمتطلبات المقاولات الخاصة او تلك التي تم خوصصتها. وفي هذا المجال، يمكننا الاشارة الى ان المعهد العالي للتجارة وادارة المقاولات التابع لوزارة التجارة قام بانشاء سلك عالي للتجارة الخارجية والذي تم ادخال دراسات قانونية فيه، وذلك في ماي 1996 .

كما ان العاهل المغربي في احدى خطاباته، شجع الطلبة المغاربة على التخصص في مادة قانون الاعمال والقانون التجاري الدولي، خاصة اذا تابعوا دراستهم في امريكا الشمالية ( الولايات المتحدة الامريكية وكندا) او في اروبا الغربية وذلك باعتبار العلاقات الاقتصادية المغربية الدولية .

15- في الوقت الراهن، فان المهن القانونية كالمحاماة والقضاء على الخصوص تبقى متسمة بتكوين كلاسيكي متجاوز. كما ان مسالة اصلاحها تبقى غير متماشية مع التطورات الاقتصادية والمالية التي يعرفها العالم حاليا.
وحتى مع الاصلاح الحالي لنيل شهادة الدكتوراه، فان احتمال تكوين دكاترة الغد تكوينا متطورا ومتماشيا مع التقدم الحاصل في العالم باسره يبقى قليلا .

ورغم ان المحامون يحتكرون وحدهم مسالة التمثيل امام القضاء، بعدما تم دمج باقي المدافعين معهم في سنة 1968، فان تنظيم مكاتبهم لم يتم تطويره ابدا. ذلك ان الغالبية العظمى من تلك المكاتب تكون فردية، حيث ان اصحابها يقومون بتشغيل زملاء، غالبا ما يكونون محامون متمرنون، بدون ان يهتموا فعلا بتكوينهم كما ينص على ذلك القانون المنظم لمهنتهم، اذ من النادر ان نجد مكتب يضم محاميان او ثلاثة، خاصة في الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية، والرباط، العاصمة الادارية والسياسية .
ونفس الشيء بالنسبة للموثقين والمستشارين القانونيين والماليين اوالخبراء " القانونيين" .

اما بالنسبة للقضاة الجالسين، فانه فقط اولائك الذين حالفهم الحظ لمتابعة تمرين في الخارج من اجل ممارسة وظيفتهم في اطار المحاكم التجارية، والتي لم يبدا العمل بها بعد رغم ان عددها حدد في 6، هم الذين استطاعوا تحدي العقبات والعوائق التي اعترضتهم والمتمثلة في اللغة التي درسوا بها في المغرب وهي العربية .

خلاصة :
16- بالتحديد، فرغم الخطابات الرسمية والمحاولات المصاحبة لها لجعل رجال القانون، المكونين بطريقة تقليدية، يواكبون التحولات السريعة التي يعرفها عالم الاعمال، فان المغرب لازال متاخرا من اجل الاستفادة من تكوين متخصص وفي المستوى المطلوب لمواكبة التطورات الجارية .

وبعبارة اخرى، فان الوظائف والمهن القانونية، وخاصة المحاماة والقضاء، لازالت تتخبط في اسالبيها التقليدية القديمة رغم محاولاتها الخجولة من اجل محاولة مواكبة التطور العالمي الحاصل ومن اجل محاولة احتواء النزاعات المدنية الكثيرة والمتزايدة التي تمتلئ بها رفوف المحاكم بكل درجاتها .

فمنذ بداية العقد الحالي، فان بعض الاصلاحات الاقتصادية والمالية والبنكية رات النور، وبمواكبتها جاءت اصلاحات اخرى قانونية تبنتها السلطة المركزية ومن بينها مدونة التجارة والشركات التجارية، برصة القيم، تنظيمات القرض البنكي …
لكن كل ذلك لم يستطع احتواء التزايد الهائل في اعداد النزاعات المدنية بالشكل المطلوب .

بالاضافة الى ذلك، فانه وحتى تلك الاصلاحات. فانها لا تلبث ان تكون مجرد نقل وتقليد اعمى للنصوص والقوانين الاجنبية ( خاصة الفرنسية)، وهذا ما يؤكد هيمنة الثقافة الغربية سواء على القانون المسمى وطنيا او على الدراسات والدروس الملقنة لرجال القانون في المستقبل .

فاذا كانت هذه الهيمنة الطاغية يمكن تفسيرها بعولمة اقتصاد السوق، فان هذا لا يمنع من القول بانها كانت موجودة منذ عهد الاستعمار ولا زالت مستمرة حتى الان دون ان نستطيع الخروج من الدائرة الخانقة للتبعية والتخلف الاقتصادي .
كما ان النظام الديمقراطي الذي تتبناه الحكومة لا يعدو ان يكون واجهة خادعة، لانه لا يستفيد منه الا اصحاب الثروات الذين لا يمثلون الا الاقلية .

ان هذا الاخفاق والفشل في التقدم تفسره بالاساس مسالة عدم الاخذ بعين الاعتبار فلسفة وخصوصية الثقافة المغربية بين الثقافات العالمية، تلك الثقافة التي تلعب الشركات والمهن القانونية فيها دورا اساسيا وفعالا. كما اننا قد نصادف احيانا بعض المحترفين لميدان القانون الذين يطغى عليهم منطق وروح المادة، حيث يصبحون بذلك مثلا سيئا للجيل القادم الذي يتشبع بسياستهم ما داموا يمثلون المثل الاعلى له .

واخيرا، فانه ما ينقصنا هو ثورة على العقلية والسلوكات السائدة التي تظهر بجلاء في الظروف الحالية وفي المستقبل المتوقع، خاصة ونحن على مشارف بداية الالفية الثالثة .

* مجلة المحاكم المغربية، عدد 84، ص 117 .

التعديلات المدخلة على قانون المسطرة الجنائية وحقوق الإنسان

الأستاذة هدى مشبال المحامية المتمرنة بهيئة الدار البيضاء

( تمت المشاركة بمقتضى هذا الموضوع،
المقترح من طرف مجلس الهيئة، في مباراة اختيار كتاب ندوة التمرين لسنة 1994).

القسم الأول: التزامات المغرب في ميدان حقوق الإنسان
البحث الأول: مفهوم حقوق الإنسان
البحث الثاني: أساس حقوق الإنسان
أ- مبدأ الكرامة
ب- مبدأ المساواة
ج- مبدأ الحرية
البحث الثالث: الجهود المبذولة من اجل احترام حقوق الإنسان
القسم الثاني: أثار الالتزام بالمواثيق الدولية على تشريعنا الوطني ( التعديلات )
البحث الأول: التعديلات الهادفة الى ضمان حق الحرية
أ- الوضع تحت الحراسة ف 68/69/82 م ج
ب- الاعتقال الاحتياطي ف 154 من م ج
ج- الإفراج المؤقت ف 156/406 م ج
البحث الثاني: التعديلات الرامية الى تكريس حق الدفاع ف 2 ظ ا ن/ ف 67-127 م.ج

حرصا منه على بناء عدالة جنائية قائمة على احترام حقوق الفرد ودون إجحافه بحقوق المجتمع، فان مشرعنا يعمل جادا على تحقيق التوازن بين مصالح كلا الطرفين.
وللوصول الى هذا المبتغى، فانه قد قام مؤخرا بإدخال تعديلات مهمة على قانون المسطرة الجنائية الحالي الصادر بتاريخ 10 فبراير1959
ولعل السبب المباشر في الحاق هاته التعديلات هو تطور مفهوم حقوق الإنسان (2) ومطالبة كافة الهيئات والجمعيات الحقوقية باحترام هاته الحقوق وضمانها وفقا للمقتضيات المنصوص عليها في المواثيق الدولية التي اعتمدتها بلادنا.
الا ان احترام وضمان الحقوق والحريات لن يتاتى الا بتعميق الوعي لدى المواطن باعتباره انسانا له حقوق طبيعية مادية ومعنوية واشعاره بحقه في المطالبة بها وممارستها والتمتع بها.
ومن المعلوم فان تحقيق هذا الهدف المنشود لن يتم الا في اطار دولة القانون، حيث يشكل أي انتهاك لحق، او أي مس بحرية اعتداء على كرامة شعب بكامله.
وتعتبر هاته التعديلات من ابرز مظاهر اهتمام المشرع بمفهوم حقوق الفرد ومركزه في المجتمع وحرصه على توفير اكبر الضمانات لصيانة الحرية الفردية ودون المساس بحقوق المجتمع.
ولما كان هذا القانون الاجرائي المتميز ببساطته وسرعته وموازنته بين المصالح الفردية والجماعية (3) قانونا ينص على كثير من الضمانات المهمة، فان من شان التعديلات المدخلة عليه ان لا تمس بهاته الضمانات .
الا انه وللأسف الشديد نجد ان مشرعنا قد سجل تراجعنا سلبيا في ميدان حقوق الإنسان، وذلك إبان الستينات وبعدها، اذ عملت جل التعديلات الملحقة بقانون المسطرة الجنائية انذاك على التشديد في حق المشبوه فيهم وانقاص الضمانات المخولة لهم (4)، والاخلال بمبدا المحاكمة العادلة (5).


-------------------
1) قانون المسطرة الجنائية، عبد العزيز توفيق
لقد خضع هذا الظهير لتعديلات متواترة بلغت نحو 16 تعديلا.
2) جريدتي الاتحاد الاشتراكي والشرق الاوسط الصادرين بتاريخ 12/03/94 ( من أجل تنمية الوعي بحقوق الانسان في الاسلام ) الدكتور محمد عابد الجابري، اصبح المفهوم المعاصر لحقوق الانسان يشمل الحق في التنمية بمعناها الشامل.
3) المسطرة الجنائية الدكتور محمد الادريسي المشيشي العلمي، ص 7 و8.
4) دراسة في المسطرة الجنائية، الدكتور محمد عياط، ص 47.
5) المسطرة الجنائية م س ( هامش 1) ، ص53 و54.
-------------------
ولم يكن هذا الوضع الغير الملائم لدولة تحمل على ضمان حقوق المواطنين، وصيانة حرياتهم، ليرضي الحقوقيين المغاربة بصفة عامة وهيئات الدفاع(1) بصفة خاصة، التي ظلت تطالب بسد الثغرات القانونية واصلاح القصور التشريعي والتراجع عن تعديلات سنة 1962 وما بعدها.
وما كانت هاته النداءات لتظل دول استجابة في بلد يولي مفكروه الاهتمام الاكبر لحقوق الانسان (2) ولذا فانه، وبمجرد انشاء المجلس الاستشاري من طرف جلالته، انسكب هذا المجلس على دراسة الاجراءات الماسة بحقوق وحريات المواطنين، و كانت التوصيات الصادرة عنه سببا في صدور الظهيرين المعدلين لقانون المسطرة الجنائية في السنوات الاخيرة.

القسم الاول: التزامات المغرب في ميدان حقوق الانسان
ان حقوق الانسان ملك للجميع، ومن حقوق الجميع الدفاع عنها.
ونظرا لاعتماد بلادنا الاعلان العالمي لحقوق الانسان لسنة 1948 (3) ومصادقتها على مجموعة من الاتفاقيات الدولية(4)، خاصة منه العهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية(5) وكذا العهد الدولي المتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية(6) فانها تكون ملزمة بتطبيق الاحكام والمبادئ واحترام الحقوق المنصوص عليها فيها.
فما هذه الحقوق وما هو اساسها؟

البحث الاول: مفهوم حقوق الانسان(7)
ان المجال لا يتسع للحديث عن الاصول التاريخية لحقوق الانسان الا انه لابد من التذكير بالصراعات المتولدة عن الازمات التي حفل بها تاريخ البشرية، هاته الصراعات كلها نشات من اجل اقرار العدل والقضاء على مظاهر العبودية والاستقلال.
-----------------------
1) المسطرة الجنائية ( الجزء 1) الدكتور محمد الادريسي المشيشي العلمي، ص 52 بند 71.
دورية النقيب، يناير1994، ص 7 و16
2) جريدة الاتحاد الاشتراكي الصادرة بتاريخ 10/03/1994 ص 10.
3) مجلة رسالة المحاماة الصادرة من هياة المحامين بالرباط اكتوبر90 العدد 7 ص، 246 وما يليها، الاعلان العالمي لحقوق الانسان.
4) نشرة النقيب، عدد 11-10-9 يوليوز ودسمبر93.
المؤتمر الدولي لحقوق الانسان بفيينا.
5) مجلة المحاكم المغربية، مارس، ابريل84، العدد 30، ص 93 وما يليها.
( العهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية )
6) مجلة رسالة المحاماة م.س. ص30.
7) المجلة المغربية لحقوق الانسان، العدد الثاني، فبراير82، ص32 وما يليه.
-----------------------

ويعتبر الفلاسفة اليونان اول من نادى بحرية الانسان وبالديمقراطية، اذ كان الشعب في اثينا يعتبر مصدر جميع السلطات وكذلك كان الامر في روما.
كما عرفت علاقات الافراد داخل المجتمع ومنذ القدم تنظيما في اطار القانون، وتجدر الاشارة هنا الى قانون حمورابي (1728-1686 من م) الذي عمل على تنظيم الحقوق والالتزامات بين الافراد، قانوني مانو وبوكخوريس (718 من م) المشهورين لدى الشعوب الشرقية، وقانون دراكون (621 من م) وقانون صولون(549 من م)، وقانون الالواح الاثنى عشر (541 من م)، وهي قوانين نظمت في ظل الشعوب العربية
اما بالنسبة للمجتمع العربي، فان بعض مظاهر حقوق الانسان قد بدات ترتسم معالمها مع ظهور بعض القواعد القانونية، واهمها في هذا الميدان ضمان حق الدفاع، والاخذ بقاعدة براءة الذمة هي الاصل، وظهور قواعد ترمي الى حماية الضعيف وانصاف المظلوم.
وجاءت الديانات السماوية التي اعترفت بحقوق الانسان وذلك بمقتضى نصوص صريحة كانت اساسا لدعوة المصلحين.
ولم يظهر الوعي بهاته الحقوق في اوربا الا مع بداية القرن الثالث عشر الميلادي ( وذلك في بريطانيا وبعدها في فرنسا بعد الثورة الفرنسية 1789)، ولم يظهر في امريكا الا في الربع الاخير من القرن السابع عشر.

وخلافا لذلك فان شريعتنا السمحاء قد اقرت حقوق الانسان منذ بداية القرن السابع الميلادي(1)، مع العلم بكونها سباقة لضمان جميع الحريات الاساسية للانسان(2). فالقران الكريم عمل على التنصيص على كافة الحقوق التي من حق كل كائن بشري ان يتمتع بها، معتبرا اياه مخلوقا ساميا ومتميزا عن باقي المخلوقات بعقله وقدرته على التمييز، اذ ابان له الحق سبحانه وتعالى السبل ومنح له حرية الاختيار.
ولذا شاءت قدرته عز وجل ان تخص الانسان بالخلافة في الارض مع تحميله لمسؤولية نتائج وعواقب اعماله، الحر في اتيانها والقيام بها(3).
وحرية الانسان في القيام بمختلف التصرفات غير مطلقة، فهي رهينة ومقيدة بحرية الغير التي يجب عدم المساس بها والاعتداء عليها.

-----------------------
1) المرجع السابق، من صفحة 42 الى ص44.
2) من اجل تنمية الوعي بحقوق الانسان في الاسلام، الدكتور محمد عابد الجابري.
جريدة الشرق الاوسط الصادرة بتاريخ 5/3/1994. - الحق في حرية الاعتقاد في المعرفة والاختلاف
3) المرجع السابق
-----------------------
وكما سبق القول فان الشعوب قد ناضلت دوما وعبر عصور مختلفة من اجل تحقيق العدل والكرامة والحرية والمساواة، هاته الحقوق التي اقرتها كافة الديانات وحددت الشريعة الاسلامية الاساس الذي تبدى عليه، كما انها حسمت في عدة مبادئ لازال النقاش قائما حولها الى يومنا هذا.
ولم يكن هذا النضال ليظل بدون تحقيق اية خطورة ايجابية، واهم ما تمخض عنه هو الاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي اقرته الجمعية العامة للامم المتحدة في العاشر من دجنبر لسنة 1948، والذي يعترف بهذه الحقوق ويعمل على حمايتها من الانتهاك، وما المواثيق الدولية(1) والقوانين المحلية الا تعبير عن هذه الحقوق ووسيلة لتنظيمها وحمايتها.
والحقوق المنصوص عليها هي حقوق لصيقة بكيان الانسان ونابعة من صميم طبيعته ومن تم فان اقرارها هو اعتراف للانسان بكرامته.

البحث الثاني : اساس حقوق الانسان
فيما لاشك ان الاعلان العالمي لحقوق الانسان هو اعتراف من المنتظم الدولي بالكرامة والتساوي في الحقوق والحرية من اجل تحقيق العدل والسلام في العالم.
وتشكل هذه المبادئ الثلاثة(2) الاساس الذي بنيت عليه فكرة حقوق الانسان، والذي عملت اتفاقية سنة 66 التاكيد عليها.

مبدا الكرامة :
قبل الاشارة الى مختلف مواد الاعلان التي عملت على تكريس هذا المبدا، فانه من الواجب الاشارة الى ان الشريعة الاسلامية قد كرمت الانسان وذلك بدليل قوله تعالي:
{ ولقد كرمنا بني آدم وجعلناهم في البر والبحر ورزقناه من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا }.
والكرامة حق لكل انسان بريئا كان او متهما.
وقد تضمنت المواد الاولى والخامسة والثانية والعشرين والثالثة والعشرين، من الاعلان العالمي، وكذا المادة السابعة من العهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية، والتنصيص عليه صراحة.
--------------------
1) العهد الدولي لسنة 1966 ( المشار اليه سابقا بالهامش 3 ص) والصادر عن الجمعية العامة لهيئة الامم المتحدة في دورتها العادية المنعقدة في 16/12/66 بقرار رقم 2200 والذي صادقت عليه بلادنا بتاريخ 6/5/79 وتم تنفيذه بظهير 179-186 المؤرخ في 8/11/75. الذي تم نشره في الجريدة الرسمية، عدد 3525 بتاريخ 21/05/80.
2) المجلة المغربية لحقوق الانسان م.س من 75 الى ص78.
-------------------

مبد المساواة:
يعتبر ديننا الحنيف اول من امر بالمساواة(1) بين الناس وبعدم التفاضل بينهم ذلك بالعمل الصالح والتقوى بدليل قوله تعالى، { يايها الناس ان خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم}، وقوله عز وجل : { ولكل درجات مما عملوا} وقول الرسول ص الله عليه وسلم : " الناس سواسية كاسنان المشط" وقوله ايضا: " لا فضل لعربي على عجمي ولا لقرشي على حبشي ولا لأبيض على اسود الا بالتقوى".
وقد عمل الاعلان على التاكيد على هاته المساواة في مواد مختلف كما عمل على ذلك العهد الدولي المشار اليه سابقا.
وهذه المساواة، هي مساواة الكرامة والحقوق والحريات ( المادة الاولى والثانية من الاعلان)، والمادة الثانية (الفقرة 1 من العهد) والمساواة امام القانون(2) ( المادة السابعة من الاعلان والسادسة والعشرين من العهد)، ومساواة امام القضاء ( المادة العاشرة من الاعلان والرابعة عشر من العهد) ومساواة بين الرجل والمراة عند الزواج واثناءه وانحلاله ( المادة السادسة عشر(16) من الاعلان ومساواة بينهما في الاستمتاع بالحقوق المدنية والسياسية المنصوص عليها في العهد ( المادة الثالثة (3) منه) ومساواة في تقلد الوظائف العامة المادة الاحدى والعشرون (21) فقرة -2 - من الاعلان، والمادة الخامسة والعشرون (25)- فقرة 3 من العهد)، ومساواة في الاجر عن العمل ( المادة الثالثة والعشرون (23) - فقرة - 2- من الاعلان).

ج- مبدا الحرية :
تضمن الشريعة الاسلامية كامل الحرية للانسان في ان يختار الطريق التي يرضاها اذ يقول عز وجل في كتابه الحكيم { وجعلنا لكم الارض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقها } وقوله تعالى { ان ليس للانسان الا ما سعى}.
واعتبر الاعلان ان الحرية مصدر الحياة، فالانسان لكي يعيش كريما لابد وان يكون حرا فحرية الانسان مقدسة كحياته، وعمل على التنصيص على هذا الحق في المادة الثانية، واكد عليه في المادة الثالثة (3) منه، كما نص عليه في المادة التاسعة من العهد المذكور.

---------------------
1- جريدة الاتحاد الاشتراكي والشرق الاوسط الصادرتين ب7/3/94 من اجل تنمية الوعي في الاسلام في المساواة ومسالة التفضيل. الدكتور محمد عابد الجابري.
2- جريدة الاتحاد الاشتراكي الصادرة بـ 9/3/94، حول الحق في العدل في الاسلام،الدكتور محمد عابد الجابري.
-------------------

وتتمثل هذه الحرية في التنقل ( التي نصت عليها المادة الثالثة عشرة من الاعلان، والثانية عشر من الاتفاقية) والحرية في ابرام عقد الزواج ( التي قضت بها المادة السادسة عشرة (16)، والثالثة والعشرون (23)، - فقرة 4- من العهد) والحرية في الدين والتفكير والضمير( المادة الثامنة عشر من الاعلان والاتفاقية) وحرية الراي والتعبير ( المادة التاسعة عشر(19) وحرية الاشتراك في الجمعيات والجماعات السلمية ( المادة العشرون (20) من الاعلان)، وحرية المشاركة في النقابات ( المادة الثانية والعشرون(22) من الاتفاقية).
فالكرامة والمساواة والحرية اذن حق لكل انسان
ويعمل الاعلان العالمي على تكريس هذه المبادئ الثلاثة ( المؤكد عليها في العهد) وعلى الدفاع عن الحقوق الاخرى المنصوص عليها فيه والتي تضمنتها باقي مواده.
وهذه الحقوق هي اما حقوق لها صلة وثيقة بالحقوق الشخصية كحرمة الحياة الخاصة والمسكن والمرسلات (م 12 من الاعلان و17 من العهد) والحق في الحياة (1) والحرية والسلامة الشخصية ( المادة 3 من الاعلان والمادة 6 و9 من العهد) والحق في الاعتراف بالشخصية القانونية للشخص ( المادة 6 من الاعلان ) والحق في الجنسية ( المادة 15 من الاعلان ) والحق في الراحة ( المادة 24 من الاعلان).
واما حقوق مدنية كالحق في تقلد الوظائف العامة ( المادة 21 من الاعلان و25 من العهد).
واما حقوق سياسية كالحق في المشاركة في ادارة شؤون البلاد ( المادة 21 و25 اعلاه).
وتضاف الى هذه الحقوق حقوق اخرى كحق التملك ( المادة 17 من الاعلان ) والحق في الضمان الاجتماعي (2) ( المادة 22 من الاعلان) والحق في العمل والانضمام الى نقابات (المادة 23 من الاعلان والمادة 22 من العهد تؤكد على الحق الاخير) والحق في تامين مستوى لائق في المعيشة والحق في الامومة والطفولة والرعاية ( المادة 25 من الاعلان وتؤكد في المادة 24 من العهد على هذا الحق الاخير) والحق في التعليم والتربية ( المادة 26 من الاعلان) وحق الاشتراك في حياة للمجتمع الثقافي وفي الاستمتاع بالفنون والمساهمة.
---------------------
وبما ان عقوبة الاعدام تشكل انتهاكا صارخا للحق في الحياة فان المنظمة المغربية لحقوق الانسان تعمل على المطالبة بالغاء هذه العقوبة في اطار مراجعة الفعل الجنائي.
جريدة الشرق الاوسط الصادرة بتاريخ 11/03/94.
انظر مقال الدكتور محمد عابد الجابري حول الضمان الاجتماعي في الاسلام، المنشور ضمن سلسلة من اجل تنمية الوعي بحقوق الانسان في الاسلام.
--------------------
في التقدم العالمي والاستفادة من نتائجه ( المادة 27 من الاعلان) والحق في التمتع بنظام اجتماعي دولي تتحقق بمقتضاه الحقوق والحريات المنصوص عليها في الاعلان ( م 28).
وتعرضت المادة الاخيرة منه الى الواجبات المترتبة على الفرد نحو مجتمعه.

البحث الثالث: الجهود المبذولة من اجل احترام حقوق الانسان
ان تصديق المغرب على الاعلان العالمي والاتفاقية الدولية المشار اليها يرتب عليه الالتزام باحترام وتنفيذ نصوصها.
ويترتب على ذلك وجوب عدم تعارض نصوص تشريعنا مع المقتضيات الواردة في هاته المواثيق.
أ‌- دور الجمعيات الحقوقية المغربية(1).
من اجل تذكير المغرب بالتزاماته، فان الجمعيات الحقوقية ببلادنا فكرت في العمل على تكثيف جهودها حتى يتم الوفاء بهاته الالتزامات بكيفية فعلية.
وقد اسفرت هذه الجهود على وضع مشروع ميثاق وطني متعلق بحقوق الانسان بتاريخ 8/2/90 يكون ارضية للعمل لجميع الاطراف المنظمة اليه او الموقعة عليه وذلك بعد العاشر من دجنبر1990 (2).
واوضح هذا المشروع القصور الذي يعتري النصوص التشريعية الوطنية، وكذا الخروقات التي يحرمها القانون والتي تتعرض لها هذه الحقوق من طرف بعض السلطات.
كما عاين المشروع عدم الالتزام بالتطبيق السليم لمحتويات المواثيق والمعاهدات الدولية وعدم السهر على مراقبة مدى تنفيذ هذا الالتزام.
كما ندد المشروع بالتراجعات الخطيرة والماسة بالمكتسبات في ميدان الحريات العامة وبوضعية السجون المزرية والتي لا اعتبار فيها البتة لكرامة الانسان.
كما اشار الى التعديلات السلبية (3) المدخلة على قانون المسطرة والنظام القضائي وبعد عرض المشروع للخروقات والمظالم، والاخلالات والتراجعات، والتعديلات السلبية، والاستمرار في العمل بالتشريع الذي وضعه المستعمر لقمع حقوق وحريات المواطنين أعلن عن الوسائل التي يمكن بمقتضاها ضمان حقوق الانسان.
----------------------
1) جمعية هيئات المحامين بالمغرب - جمعية الحقوقيين المغاربة - العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الانسان - الجمعية المغربية لحقوق الانسان - المنظمة المغربية لحقوق الانسان.
2) رسالة المحاماة .م.س ص 27 وما يليها ص 270 وما بعدها.
3) مضاعفة اجال الوضع تحت الحراسة القضائية والاعتقال الاحتياطي - انشاء حكام الجماعات والمقاطعات.
------------------

ومن ضمن هاته الوسائل احترام مبدا استقلالية القضاء، فالقضاء النزيه المستقل هو الضامن الوحيد لاحترام الحقوق والحريات اذ بواسطته تتحقق دولة القانون.
وكذا احترام مبدا حقوق الدفاع وضمان استقلاله، وذلك بتعزيز الدور الذي يقوم به المحامي في المؤازرة والدفاع بحضوره اثناء البحث التمهيدي، ولدى النيابة العامة، وفي جلسات التحقيق الاعدادي.
واخيرا تعرض المشروع الى المهام الانسانية الملقاة على عاتق الجمعيات الموقعة عليه.

دور المجلس الاستشاري لحقوق الانسان (1):
استجابة لمطالب هيئات المحامين وعملا بتوصياتهم المقدمة في جل المؤتمرات والندوات والمناظرات المنعقدة(2) فان المجلس الاستشاري لحقوق الانسان وفي ظل الاختصاص المنشا من اجله، الا وهو حماية حقوق الانسان، والعمل على تحقيق الاحترام الفعلي لها. قد انكب مباشرة بعد تاسيسه على اعادة النظر في التدابير المتسمة بخطورتها نظرا لمساسها بحريات الافراد وحقوقهم.
وقد كانت المقترحات الصادرة عن المجلس الانطلاقة الاولى لتعديل نظامي الوضع تحت الحراسة والاعتقال الاحتياطي التي توجت بصدور قانون 30/12/91 وبعد قانون 10 شتنبر1993(3).

القسم الثاني: اثار الالتزام بالمواثيق الدولية على التشريع الوطني ( التعديلات )
باعتباره احد مصادر حماية حقوق وحريات المواطنين، (4) فان التشريع الجنائي المغربي يتضمن عدة مزايا اساسية لحماية حقوق الانسان.
-----------------------
مجلة رسالة المحاماة م.س. ص 251 وما بعدها.
أنشئ هذا المجلس بمقتضى ظهير شريف رقم 1-90-1 صادر في 20/4/94.
مجلة المحامي الصادرة عن نقابة هيئة المحامين بمراكش، عدد 21 السنة 12/92، ص 12 و13.
ق 30/12/91 المتعلق بتعديل بعض فصول ق.م .ج والفصل 2 من ظهير ( الاجراءات الانتقالية)
انظر في هذا الصدد:
المقتضيات الجديدة المتعلق بادخال الوضع تحت الحراسة والاعتقال الاحتياطي للدكتور محمد بنيحي.
( مجلة الامن الوطني السنة 32 العدد 171 سنة 1993 ص 18 وما بعدها).
رأي في القانون رقم 67/90 للاستاذ النقيب محمد بلهاشمي ص14 وما بعدها، مجلة المحامي الصادرة من نقابة المحامين بمراكش، عدد 21 السنة 12 سنة 1992.
------------------------
والذي يهم بحثنا من هذا التشريع هو الجزء المتعلق بظهير المسطرة الجنائية المشار اليها- وبالخصوص الفصول التي طالتها التعديلات.
الا انه لابد من التذكير بان اعتماد بلادنا للإعلانات والمواثيق الدولية المشار اليها انفا كان يجب ان يكون له انعكاس ايجابي على تشريعنا الوطني.
واذا كان الامر كذلك بمقتضى التعديلات المدخلة مؤخرا على الظهير المذكور، الشيء الذي يمكن اعتباره مكسبا مهما لحقوق الفرد، فانه لا يمكن الحديث عن هذا الاثر الايجابي في ظل التعديلات السابقة باستثناء التعديل الصادر بمقتضى ظهير28 شتنبر1974 المتعلق بالاجراءات الانتقالية، حيث اصبح الفصل التاسع منه يعطل مفعول الفصل 384 والفصل 400 من ق.م.ج. ( الفقرتين 3 و4 منه) اذ لم يبق معه للمحكمة الحق في ان تصدر الحكم بايداع الظنين في السجن او بالقاء القبض عليه.

البحث الأول: التعديلات الهادفة الى ضمان حق الحرية
( الفصول 68-69-82- 154-456 ق.م.ج)
كما سبقت الاشارة (2) فان حرية الانسان مقدسة كحياته، وكل تقييد او حرمان من هذه الحرية يجب ان يتم بكيفية قانونية وهو ما تؤكد عليه المادة التاسعة(9) من الاعلان العالمي، والعهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية.
الا ان هذه الاجراءات السالبة للحرية تواجه بكثير من الانتقادات بالرغم من اعتراف بعض الفقه بمزاياها(3).
ونظرا لهذه المزايا، فان الابقاء عليها يكون ضروريا في بعض الحالات، ولذا فان المشرع تقديرا لخطورتها السلبية على الشخص الخاضع لها قد عمل على احاطتها بنظام محكم ودقيق حتى لا يحدث أي تعسف في استعمالها.
واذا كان تحديد مدة هذا الاجراء من بين الشروط التي يجب احترامها حتى يعتبر اجراءا قانونيا، فان هذا الاجراء لم يكن من طابع التعسف، وان كان يتم في اطار الشرعية القانونية( في ظل تعديل سنة1962) اذ لم يعمل هذا التعديل الا على مضاعفة مدة الحراسة القضائية والاعتقال الاحتياطي اللذان يمسان باهم حق من حقوق الانسان الا وهو حق الحرية.
----------------------
مجلة المحاكم المغربية، عدد 43، ماي، يونيه86 بحث الاستاذ محمد طبيح.
هل لازال ممكنا لرئيس المحكمة الابتدائية ان يامر بالقاء القبض على المحكوم عليه او بايداعه في السجن تطبيقا للفصل400 ق.م.ج.
انظر الصفحة 8.
دراسة في المسطرة الجنائية المغربية، الدكتور محمد عياط، ص 54 بند479.
----------------------
الوضع تحت الحراسة (1) الفصول 68-69-82 ق.م.ج.
يعتبر الوضع تحت الحراسة اجراء من اجراءات البحث التمهيدي الذي يقوم به رجال الضابطة القضائية. (2)
واذا كان الاجراء، الذي ينطوي على ابقاء الشخص رهن ضابط الشرطة في مكان معين، وذلك لضرورة يتطلبها البحث، بهدف الى تسهيل عملية البحث، وضمان فعاليتها، فانه يشتمل على مساس كبير بالحرية الشخصية للافراد، وذلك لما ينطوي عليه من حرمان منها.
فإلقاء القبض على الشخص والاحتفاظ به رهن الشرطة القضائية، يحرم هذا الشخص من حريته الامر الذي يشكل مسا بحقوقه الاساسية.
ونظرا لوعي المشرع بخطورة هذا الاجراء وما له من تاثير على حرية وحقوق الفرد، فانه قد احاط ممارسته بتقنين محكم لا من حيث شكلياته وشروطه ولا من حيث مدته، كما رتب عقوبات على المتعسف في استعماله.
ويقصد بالشكليات تلك الاجراءات المفروضة على ضباط الشرطة عند قيامهم بهذا التدبير الماس بحرية الاشخاص درءا لما يمكن ان يترتب عليه من تجاوزات ترتب المسؤولية على المخل بها.
وبالاضافة الى الفقرة الاولى من الفصل69 من ق.م.ج التي توجب على ضابط الشرطة القضائية عند استجوابه للشخص الموضوع تحت الحراسة تضمين المحضر يوم وساعة اطلاق سراحه او تقديمه الى القاضي الذي يرجع اليه النظر، فان الفقرة الثانية
----------------------
المسطرة الجنائية الدكتور محمد الادريسي العلمي المشيشي، ص 136 بند 607.
الجزء 1 ص 211 وما بعدها.
المسطرة الجنائية الدكتور محمد الادريسي العملي المشيشي، الجزء 1 ص 126 وما بعدها.
دراسة في المسطرة الجنائية المغربية م س من ص 53 الى 62.
مجلة المحامون الصادرة من هيئة المحامين باسفي، العدد 2 السنة 2/1993 ص 47 و51.
مجلة المحامون الصادرة من هيئة المحامين بمراكش، م . س ص 10 وما يليها.
شرح قانون المسطرة الجنائية ( الجزء الاول) للدكتور احمد الخمليشي ص 306 وما بعدها.
شرح قانون المسطرة الجنائية الجزء1 350 وما بعدها الدكتور محمد الخمليشي ص 314 وما بعدها.
دراسة ف.ي المسطرة الجنائية المغربية ( الجزء 2) … الدكتور محمد عياط ص 84 وما بعدها.
---------------------
المضافة بمقتضى ظهير 30/12/91 (3) قد عملت على اقرار ضمانة اخرى لصالح الخاضعين لهذا الاجراء، اذ يتعين على ضابط الشرطة القضائية اشعار عائلة المحتفظ به فور اتخاذه القرار بوضعه تحت الحراسة، كما يتعين عليه توجيه لائحة بأسماء المحتفظ بهم خلال 24 ساعة السابقة يوميا الى كل من وكيل الملك والوكيل العام، وذلك حتى تتمكن النيابة العامة من رقابة عمل ضابط الشرطة القضائية.
ويمضي المحتفظ به في طرة المحضر او يشار الى رفضه التوقيع ( فقرة 3)
ويجب تسجيل تضمين مماثل في كناش خاص كرم صفحاته وتمضي عليه السلطة القضائية ( فقرة4)
وكما يلاحظ فان صيغة الفقرة الثانية من الفصل المشار اليه أعلاه، قد أتت مشوبة ببعض الغموض، اذ انها الزمت ضابط الشرطة القضائية بتوجيه لائحة بأسماء المحتفظ بهم الى كل من وكيل الملك والوكيل العام للملك.
فهل يتعلق الامر بلائحتين فعلا ؟ ام ان المشرع اغفل اضافة عبارة " كل فيما يخصه" وفق ما تم التنصيص عليه في الفصلين 68 و82 من ق.م.ج ؟
وهل الالتزام الملقى على عاتق ضباط الشرطة القضائية يتعلق بحالة التلبس فحسب ام انه مفروض في الحالة العادية.
وهل يفهم من عبارة " يعين" الواردة في هذه الفقرة ان القيام بالاشعار وبتوجيه اللائحة متروك لارادة واختيار ضابط الشرطة ام يفهم منه الالزام، وبالتالي الخضوع للجزاء الذي يرتبه الفصل 245 من ق.م.ج والبطلان الذي يرتبه الفصل 765 من ق.م.ج ؟
وتمشيا مع هدف المشرع الذي هو احاطة " الاجراءات " الماسة بحرية الافراد باكبر عدد ممكن من الضمانات والمراقبات، وذلك من اجل المحافظة على حرية الاشخاص الخاضعة، لهذه الاجراءات، فانه لا يسعنا الا القول بان الامر يتعلق بالتزام يجب على ضابط الشرطة القضائية القيام به مع ترتيب الجزاء والبطلان المشار اليهما في الفصلين اعلاه، وذلك عند اخلاله بهذا الالتزام.
اما من حيث شروط الوضع تحت الحراسة فانه يجب ان يكون البحث متعلقا بجناية او جنحة معاقب عليها بالحبس، وان تتطلبه ضرورة البحث، ويخضع تقدير هذه الضرورة لضابط الشرطة القضائية….".
وينص الفصل 82 من ق.م.ج على " اذا كان الامر يتعلق بجريمة او جنحة والملاحظ ان عبارة "جريمة" هي شاملة للجناية والجنحة وقصد المشرع هو الجناية او الجنحة.
ويضاف الى الشرطين السابقين شرطان آخران متعلقان بتمديد فترة الوضع تحت الحراسة في كل من الحالة العادية وحالة التلبس وسنتعرض لهما عند التطرق لمدة هذا الاجراء.
اما من حيث مدته(1)، فان المشرع خطا خطوة جبارة حينما عمل على تخفيض مدة هذا الاجراء الى نصف ما كانت عيه في ظل تعديل 18/09/62.
ففي الجرائم العادية، فان مدة الوضع تحت الحراسة اصبحت محددة في 84 ساعة قابلة للتمديد باربعة وعشرين ساعة باذن كتابي يصدره وكيل الملك او الوكيل العام كل فيما يخصه.
اما بالنسبة لجرائم الاخلال بسلامة الدولة الداخلية او الخارجية فان فترة الوضع تحت الحراسة اصبحت محددة في 86 ساعة قابلة للتمديد مرة واحدة باذن كتابي صادر عن النيابة العامة.
والجدير بالذكر ان هذا التعديل عمل على حصر تحديد فترة الوضع تحت الحراسة في مرة واحدة فقط.
وبهذا يكون المشرع قد وضع حدا للوضعية السابقة، والتي لم يكن فيها عدد المرات التمديد محددا الامر الذي يشكل مساسا خطيرا بحرية الشخص الخاضع لهذا الاجراء. (3)
واخيرا تجدر الاشارة الى الشرطين المشار اليهما اعلاه والمتعلقان بتحديد مدة فترة الوضع تحت الحراسة.
ففي الحالة العادية ( ف 82 ق.م.ج) فان ضابط الشرطة القضائية اذا ارتاى ضرورة تمديد مدة فترة الوضع تحت الحراسة، فانه يجب عليه قبل انتهاء مدة 48 ساعة ان يقدم المشبوه فيه الى ممثل النيابة لكي يستمع اليه ( الفقرة 1) وبعد انصات وكيل الملك الى المعني بالامر،
------------------
دراسة في المسطرة الجنائية المغربية ( الجزء 2) الدكتور محمد عياط ص 55 بند 481 و482.
شرح قانون المسطرة الجنائية المغربية ( الجزء1) الدكتور الخمليشي م.س.ص 319-307.
التمديد يكون لنفس الفترة او لاقل منها م.س ص 307 هامش 303-302.
كان التمديد ممكنا لعدة مرات كلما اقتضته ضرورة البحث الامر الذي اصبح معه الوضع تحت الحراسة غير مقيد بمدة، هو ما سار عليه الاجتهاد القضائي.
المسطرة الجنائية المغربية، الدكتور محمد الادريسي العملي المشيشي م، س ص201، فقرة 272.
دراسة في المسطرة الجنائية المغربية، الدكتور محمد عياط، م، س ص 76 بند 509.
-----------------
فانه يجوز له تمديد الاجل بمقتضى اذن كتابي وذلك لمدة 24 ساعة اخرى ( الفقرة 3) ويمكنه بصفة استثنائية منح الاذن المذكور بموجب قرار معلل باسباب دون ان يساق الشخص الى النيابة ( فقرة 4).
اما في حالة التلبس فان تمديد فترة الوضع تحت الحراسة من طرف النيابة العامة مشروط بوجود ادلة خطيرة ومتناسقة تؤكد التهمة ضد الشخص الموضوع تحت الحراسة ( ق 2 من الفصل 68 ق.م.ج) (1).
واذا كان المشرع قد عمل على الحسم في مرات التمديد، وحدده في مرات واحدة فقط، اذ اصبحت مدة الحراسة تحدد في 24 ساعة في الجرائم العادية وبـ 96 ساعة او اقل منها (2) في جرائم الاخلال بسلامة الدولة الداخلية والخارجية، فان التنصيص على هذا النوع الاخير من الجرائم قد اثار العديد من التساؤلات ؟
ولتوضيح ذلك فانه يتعين اولا معرفة الجهة التي يرجع اليها الاختصاص في جرائم امن الدولة الخارجي بصفة خاصة حتى نتمكن من معرفة القانون الواجب التطبيق.
تطبيقا للفصل الرابع من قانون العدل العسكري، فان هذه الجرائم تخضع لاختصاص المحكمة العسكرية والتي يدخل في اختصاصها ايضا جرائم امن الدولة الداخلي والجنح المرتبطة بها عندما يكون مرتكبوها خاضعين لاختصاص المحكمة العسكرية ( الفصل1 من قانون 26/07/71) او عندما يساهم او يشارك فيها هؤلاء ( الفصل 3 من نفس القانون).
وطبقا لمقتضيات الفصلين 68 و82 ( الفقرة الاخيرة ) فان هذه المقتضيات تشمل جرائم المس بامن الدولة الداخلي والخارجي ايضا.
وتبعا لذلك فاننا نتواجد امام قانونين متعارضين
فالفصل الثالث من قانون 26/07/71 يقضي بان مدة الوضع تحت الحراسة هي عشرة ايام يمكن تمديدها كلما اقتضى الحال وينص صراحة على استبعاد المقتضيات الواردة في الفصول 68 و82 (169 من ق.م.ج). (3)
----------------------------
دراسة في المسطرة الجنائية المغربية، الدكتور محمد عياط ، م، ص 54 و55.
شرح قانون المسطرة الجنائية المغربية، دكتور محمد الخمليشي، م، س، ص311 بند 266.
المسطرة الجنائية المغربية، الدكتور محمد الادريسي العلمي المشيشي، ص 202.
انظر الصفحة السابقة، هامش 2.
التمديد يتم من طرف وكيل الملك لدى المحكمة العسكرية وقاضي التحقيق في الحالة المنصوص عليها في الفصل169 من ق.م.ج
---------------------------
والفصلين 68 و82 ( الفقرة الاخيرة) من ق.م.ج ينصان على ان هذه المدة 96 ساعة قابلة للتمديد مرة واحدة فقط، وينصان صراحة على تطبيق مقتضيات على جرائم المس بسلامة الدولة الداخلية والخارجية.
ويمكننا القول استنادا الى ما سبق ان الاختصاص في الجرائم المشار اليها في الفصل ق.ع.ع والفصلين 68 و82 من ق.م.ج يبقى دائما للمحكمة العسكرية، مع خضوع مدة الوضع تحت الحراسة للمقتضيات الجديدة الواردة في الفصلين 68 و82 المذكورين عملا بالقاعدة الثانية التي تقضي بتطبيق القانون الاصلح لفائدة المتهم.
ويثير الاستغراب موقف الدكتور محمد عياط في مؤلفه (1) والذي ذهب فيه الى اعتبار حصر تمديد فترة الوضع تحت الحراسة ( في ظل المقتضيات الجديدة لقانون المسطرة الجنائية) لا ينطبق على الجرائم الماسة بامن الدولة الداخلي المحالة على المحاكم العادية مع ابقاء جرائم الماس بسلامة الدولة الخارجية خاضعة للفصل الثالث من قانون 26/07/91 المعدل لقانون العدل العسكري.
وخلافا لذلك فان رأي أستاذنا الدكتور محمد الخمليشي (2) قد أتى باكثر وضوحا وتلاؤما مع مفهوم حقوق الإنسان ( فيما يتعلق بضمان حق الحرية)، ذلك انه يرى بان عدم تطبيق قانون 67/90 الذي ينص صراحة على جرائم امن الدولة الداخلي والخارجي امام المحكمة العسكرية يكون إرادة لهذه الجرائم مجرد لغو وهو ما لا يتناسب ونصوص التشريع، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فان قانون 26/07/91 استعبد مقتضيات الفصلين 68 و82 ق.م.ج في صياغتهما القديمة والتي كانت فترة الحراسة في ظلهما تفوق مدتها (12 يوما ) المدة المحددة في الفصل 3 من ق.ع.ع.

الاعتقال الاحتياطي (3) الفصل 154 من ق.م.ج:
لقد عرف المشرع الاعتقال الاحتياطي بكونه اجراءا استثنائيا، وذلك لما يقتضيه من حرمان الشخص المتهم من حريته عن طريق وضعه في السجن ودون ان يكون هناك حكم صادر بإدانته.
ويشكل هذا الاجراء مخالفة لما تقضي به المادة الحادية عشرة (11) من الاعلان والمادة الرابعة عشرة (14) (فقرة 2) من العهد، اللتان تعتبران كل شخص بريء الى ان تبث إدانته طبقا للقانون.
-------------------------
م. س، ص55.
م، س 10 هامش4 ص 308.
المسطرة الجنائية الدكتور محمد الادريسي العلمي لمشيشي، ص 2178 وما بعدها.
دراسة المسطرة الجنائية الدكتور محمد عياط، م، س، ص 137.
-------------------------
كما انه يتعارض والقاعدة الاصولية المعروفة التي تقضي بان براءة المتهم هي الاصل. ولذا فان اللجوء اليه يجب ان لا يقع الا في الحالات التي يكون احتمال فرار المتهم فيها راجع جدا وان يكون مقيدا بمدة قصيرة.
وقد انقسم الفقه (1) بين مؤيد ومعارض لهذا الاجراء الخطير في حين تعمل بعض التشريعات (2) على الحد من اللجوء اليه وذلك باتخاذ تدابير اخرى لا تكون فيها حرية الفرد عرضة للتقييد.
وقد لجا المشرع المغربي بدوره الى التقليص من مدة الاعتقال الاحتياطي، وتطبيقا لذلك فان مدته تكون محددة في شهر واحد وذلك في الجنح التي لا تفوق مدة العقوبة فيها سنتين شريطة ان لا يكون المتابع قد صدر الحكم عليه من اجل جناية او جنحة عادية بعقوبة سالبة للحرية تزيد مدتها عن ثلاثة اشهر نافذة، وان يكون مقيما بالمغرب ( ف 153 من ق م ج).
ويجدر التنبيه بان مدة الاعتقال لا يمكن تمديدها اطلاقا في هذه الحالة. واصبحت مدته بمقتضى تعديل سنة 1991 المدخل على الفصل 154 من ق م ج، شهرين وذلك بالنسبة للجنح غير تلك الخاضعة لمقتضيات الفصل المذكور اعلاه.
ولابد من لفت الانتباه الى ان الخطوة الايجابية في هذا التعديل لا تتعلق بتخفيض مدة الاعتقال الى نصف ما كانت عليه في ظل ظهير18/09/62 ( حيث كانت هذه المدة محددة في 4 اشهر) فحسب بل ايضا في تحديد مرات التجديد الذي حصره المشرع في 5 مرات لا يمكن تجاوزها خلافا فيما كان عليه الحال في ظل الظهير السابق المشار اليه اعلاه، حيث كان التمديد يتم لنفس المدة وكلما دعت الحاجة الى ذلك (3).
ويجب على قاضي التحقيق " اثناء هذه المدة ان يتخذ قرارا باحالة المتهم على غرفة الجنايات، والا اطلق سراحه بقوة القانون مع استمرار التحقيق.
---------------------
دراسة المسطرة الجنائية، الدكتور محمد عياط، م، س ص 137 بند 607.
دارسة المسطرة الجنائية، الدكتور محمد عياط، م، س ص 139، هامش 44.
يذهب الدكتور محمد الادريسي العلمي المشيشي الا ان سكوت القانون عن تمديد مرات التجديد يقتضي ان لا يتجاوز هذا التمديد مدة العقوبة المحددة للفعل المعاقب عليه في حالة الادانة الفعلية.
المسطرة الجنائية، م، س، ص 279.
اشار عبد العزيز توفيق في قانون المسطرة الجنائية، ص 29 الا ان الاعتقال الاحتياطي اثناء التحقيق في ظل ظهير 13/08/1913 كان قابلا للاستمرار خلال اشهر عديدة وفي خلال عدة سنوات دون ان تكون النيابة العامة ولا قاضي التحقيق ملزما باتخاذ أي تدابير لتبرير هذه الوضعية.
---------------------
ويكون التساؤل هنا حول المقصود من عبارة " اثناء المدة" هل هي مدة شهرين أم مدة السنة(1)؟ يرى الدكتور محمد عياط الى ان المقصود من هذه العبارة هو مدة السنة، وهذا الموقف لا يخلو من تشديد وتقييد حرية الشخص الخاضع للاعتقال الاحتياطي.
ولعل المشرع يقصد بهذه العبارة المدة القانونية للاعتقال والمدة القانونية هي مدة الشهرين، وكذا المدة الممددة شريطة ان يتم تمديدها وفقا للمقتضيات القانونية المنصوص عليها في هذا الفصل، والا كان الاستمرار في الاعتقال مشوبا بالتعسف، وبالتالي فان الاعتقال يكون غير قانوني.

ج- الإفراج المؤقت (2) الفصلين 156 و406 من ظهير10/09/93
يمكن تعريف الافراج المؤقت بانه الامر الصادر من طرف قاضي التحقيق بصفة اصلية وذلك لوضع حد الاعتقال الاحتياطي.
والاعتقال الاحتياطي تدبير يتسم بالخطورة ( وكما سبق الاشارة الى ذلك)، ولذا فانه يجب وضع حد له كلما لم يعود له وجود وذلك بزوال الاسباب التي ادت الى الامر باجرائه.
وقد عمل المشرع على ادخال تعديل على الفصل 156 من ق.م.ج المتعلق بالافراج المؤقت بمقتضى ظهير10/09/93.
من له الصفة في رفع طلب الافراج المؤقت؟
ان حق طلب الافراج المؤقت مخول لكل من المتهم بصفة شخصية او بواسطة محاميه ( الفقرة 1) ويحق له تقديم هذا الطلب في أي وقت ودون ان يخضع طلبه هذا لشكليات معينة مع عرض كفالة ان اقتضاها الحال.
كما يحق للوكيل العام رفع طلب الافراج المؤقت الى الغرفة الجنحية ( الفقرة 6)
من هي الجهة المختصة للبت في طلب الافراج ؟
ان طلب الافراج المؤقت يوجه لقاضي التحقيق بصفة اصلية (الفقرة)، وكذا للغرفة الجنحية وذلك في الحالة التي لا يبث فيها قاضي التحقيق في الطلب داخل اجل
---------------------
مجلة المحامي الصادرة من هيئة مراكش، ص 16.
دراسة في المسطرة الجنائية المغربية للدكتور محمد عياط، م، س، ص 142 بند613.
التمديد يكون بمقتضى امر معلل تعليلا خاصا يصدره قاضي التحقيق بناء على طلبات وكيل الملك المدعمة باسباب ( ف 154 من ق.م.ج) وان لا يتجاوز 5 مرات.
دراسة المسطرة الجنائية المغربية الدكتور محمد عياط، م، س، ص137، وما يليها.
---------------------
خمسة أيام من توجيه الملف الى الوكيل العام( الفقرة5) وقاضي التحقيق ملزم بتوجيه الملف حالا الى الوكيل العام قصد اصدار قراراته، وباشعار المطالب بالحق المدني بمقتضى رسالة مضمونة الوصول حتى يتمكن من تقديم ملاحظاته ( الفقرة 2).
ما هي شكليات الامر بالافراج المؤقت:
ان البث في طلب الإفراج يتم بمقتضى أمر قضائي معلل بأسباب داخل اجل محدد قانونا وهو5 أيام على الأكثر من توجيه الملف الى الوكيل العام ( الفقرة 3).
ولا يحق لقاضي التحقيق إصدار هذا الامر الا بعد مرور48 ساعة بعد إعلام المطالب بالحق المدني ان وجد (الفقرة 4) حتى يتمكن هذا الأخير من تقديم ملاحظاته.
أما في الحالة التي يرفع فيها الطلب إلى الغرفة الجنحية، فان اجل البث فيه هو خمسة عشر يوما الموالية للطلب في القضايا الجنحية وثلاثون يوما الموالية له في القضايا الجنائية، وذلك بناء على طلبات النيابة العامة المدلى بها كتابة والمعللة بأسباب ( الفقرة 5).
هل يعلق صدور الامر بالافراج دائما على تقديم طلب به؟
ان الفصل 156 من ق.م.ج يقضي بانه يجوز لقاضي التحقيق إصدار الامر بالافراج تلقائيا في جميع القضايا وذلك بعد استشارة وكيل الملك ( الفقرة ج1).
كما انه توجد حالات يوجب القانون فيها إصدار هذا الامر وهذه الحالات هي:
انتهاء مدة الاعتقال الاحتياطي المحددة في شهر واحد ( الفصل 153 ق.م.ج).
انتهاء مدة الاعتقال الاحتياطي المحددة في شهرين ( الفصل 154 ق.م.ج).
مع إمكانية تمديدها (1) لنفس المدة وفي حدود 5 مرات.
إصدار قاضي التحقيق لأمره بعدم المتابعة.
إصدار قاضي التحقيق لأمره بالإفراج عن المتهم وذلك في الحالة التي تكتسي فيها الأفعال المعروضة عليه صفة مخالفة ( الفصل 197 من ق.م.ج).
واخيرا تجدر الاشارة الى ان اصدار بالافراج المؤقت شروط بتعهد المتهم بالحضور في جميع اجراءات للدعوى، وباخبار قاضي التحقيق بجميع تنقلاته استنادا الى المقتضيات الواردة في الفصل 155 من ق.ج.م والتي يحيل عليها الفصل 156 من ق.م.ج ( الفقرة 1 ) صراحة.
وباستثناء التعديل الملحق بالفقرة الخامسة من الفصل 156 من ق.م.ج والذي عمل على التمييز بين القضايا الجنحية وتحديد مدة البث في طلب الافراج المقدم من طرف المتهم خلالها، وبين القضايا الجنائية وتحديد مدة البث في طلب الإفراج المقدم من طرف المتهم خلالها، فان تعديل باقي الفقرات لم يشتمل سوى على تغيير لعبارة وكيل الدولة التي تم استبدالها بعبارة الوكيل العام للملك وذلك تمشيا مع المقتضيات الجديدة التي اتى بها ظهير الاجراءات الانتقالية والتي تم نقل قضاء التحقيق فيها الى محكمة الاستئناف.
والبث من طرف الغرفة الجنحية في خلال المدة القانونية المحددة لها في كلتا القضايا يلزمها سواء في حالة تقديم الطلب من طرف المتهم مباشرة ( وذلك عند عدم بث قاضي التحقيق خلال الاجل المحدد له من يوم توجيه الملف الى الوكيل العام للملك وفق ما سبقت الاشارة الى اليه) او من طرف الوكيل العام للملك وفق ما تقضي به الفقرة الاخيرة من هذا الفصل.
واذا لم تقم الغرفة الجنحية بدورها بالبث خلال هذه المدة، فان الإفراج المؤقت عن المتهم يقع مباشرة ما لم يكن هناك اجراء اضافي للتحقيق.
وبمقتضى ظهير 10/09/93 اصبحت الفقرة 4 من الفصل 406 تقضي بوجوب رفع طلب الاستئناف في اليوم الموالي لصدور الحكم ويفرج عن الظنين، عدا في قضايا الجنح التي لها مساس بمقدسات البلاد او بالنظام العام او المتعلقة بالاتجار الغير المشروع في المخدرات ( فقرة 4)، وفي هذه الحالة تصدر محكمة الاستئناف في قرارها داخل اجل 15 يوما الموالية للاستئناف والافراج عن الظنين فورا ( فقرة 5).
البث في طلب الافراج المؤقت يتم طبقا للفصلين 157 و337 من ق.م.ج ( الفقرة 4 منه).
واذا كان الفصل157 المشار اليه يشير الى من له الحق في تقديم طلب الافراج وفي اية مرحلة من مراحل المسطرة ؟ وكذا للجهة المختصة للبث في هذا الطلب، فان الفصل397 المذكور يقضي بانه : " ان كانت القضية غير جاهزة امرت المحكمة بارجائها لزيادة البحث فيها وان اقتضي الحال وبافراج مؤقتا عن المتهم او بغير كفالة".(1)
------------------
قانون المسطرة الجنائية، عبد العزيز توفيق.
ق.م.م.ج في ظل ظهير18/09/92 كانت غرفة الاتهام هي المختصة للبث في جميع القضايا وداخل اجل واحد وهو ثلاثون يوما.
وقد حذفت غرفة الاتهام بمقتضى ظهير الاجراءات الانتقالية واصبحت الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف تبث في الاختصاصات التي كانت غرفة الاتهام باستثناء ما يتعلق بدراسة القضية بعد انتهاء التحقيق فيها واحالتها على محكمة الجنايات.
----------------
ويفهم من صياغة هذا الفصل ان المشرع يستحسن الامر بالافراج المؤقت من طرف المحكمة سواء كان ذلك بكفالة او بغير كفالة وان كانت القضية غير جاهزة.
وخلافا لذلك فان صياغة الفقرة 5 من الفصل156 من ق.م.ج المعدل بنفس الظهير تقضي بعكس ذلك، اذ لا يحق اصدار الامر بالافراج المؤقت من طرف الغرفة الجنحية، اذا كان هناك اجراء اضافي للتحقيق وتقضي هذه الفقرة على ان المتهم ان يرفع طلبه مباشرة الى الغرفة الجنحية …. التي تبث في ظرف … والا يقع مباشرة الافراج المؤقت عن المتهم اللهم الا اذا كان هناك اجراء اضافي في التحقيق.
وعند تقديم طلب الاستئناف فان " الافراج عن الظنين يتم رغم استئناف النيابة العامة عدا في قضايا الجنح التي لها مساس بمقدسات البلاد او بالنظام العام او المتعلقة بالاتجار الغير المشروع في المخدرات( فقرة 4).
وفي هذه الحالة تصدر محكمة الاستئناف قرارها داخل اجل 15 يوما الموالية للاستئناف والا فيفرج فورا عن الظنين ( الفقرة 5).
واذا كانت الفقرة 1 من الفصل406 تقضي بان مقتضيات الفصل384 وما يليه الى غاية 389 تطبق على قضايا الجنح الضبطية، فان مقتضيات الفصل384 تتعارض مع مضمون الفصل 9 من ظهير الاجراءات الانتقالية الذي يقضي بان طلب الاستئناف له اثر واقف في جميع الاحوال، والذي ابطل مفعول كل من الفصلين 384 و400 (الفقرة 3) من ق.م.ج(1).
وبما انه لم يعد للقاضي الحق في اصدار حكمه بايداع الظنين في السجن او بالقاء القبض عليه عند تقديم طلب الاستئناف عملا بالفصل 9 منه فان الافراج عن الظنين المعتقل عند تقديمه لطلب الاستئناف يكون واجبا من باب اولى.
واذا كان الشق الثاني من الفقرة 4 قد اورد استثناء، واذ لا يتم بمقتضاه الافراج عن الظنين في قضايا الجنح التي لها مساس بمقدسات البلاد، او بالنظام العام او المتعلقة بالاتجار الغير المشروع في المخدرات بالرغم من تقديمه لطلب الاستئناف، فان المشرع قد عمل في الفقرة 5 على الحد من هذا الاستثناء لما فيه من مساس بحرية الظنين، وعليه فاذا لم تصدر المحكمة الاستثنائية قرارها بالافراج داخل اجل 15 يوما الموالية للاستئناف، فان الافراج عن الظنين يتم بصفة فورية.
---------------------
انظر في هذا الصدد بحث الاستاذ محمد طبيح المنشور بالمرجع المشار اليه سابقا، ص12 هامش3 .
--------------------
البحث الثاني : التعديلات الرامية الى تكريس حق الدفاع
( الفصلان 76-127 من ق.م.ج والفصل 2 ظ أ ن).
يعتبر حق الدفاع (1) مظهرا من مظاهر العدل ووسيلة من وسائل تحقيقية، واذا كان الادعاء العام يمارس بكامل الحرية، فان هاته الحرية يجب ايضا ضمانها بالنسبة لحق الدفاع.
وتؤكد على حق الدفاع المادة الحادية عشرة (11) من الاعلان العالمي التي تقضي بوجوب تامين الضمانات الضرورية للدفاع عن الشخص المتهم.
كما تشير المادة الرابعة عشر(14) من العهد الدولي الى منح المتهم الوقت والتسهيلات الكافية لاعداد دفاعه والاتصال بمن يختاره من المحامين ( الفقرة ب)، والى اجراء محاكمته بحضوره ليدافع عن نفسه او بواسطة مساعدة قانونية يختارها هو او تعين له مساعدة قانونية في الحالات التي تستلزمها مصلحة العدالة (الفقرة د).
وقد عمل قانون 30/12/91 على التاكيد على هذا الحق الذي بواسطته يتم تعزيز حقوق الإنسان وتوفير الحماية الواجبة لها.
وهيئة الدفاع لن تتمكن من القيام بدورها، الا اذا كانت متمتعة بالاستقلال التام ومتوفرة على كافة الضمانات الاساسية للقيام بواجبها المهني.
كما ان تواجد الدفاع قد يكون من شانه درء أي نوع من انواع المعاملة الماسة بالكرامة، واي نوع من انواع الضغط، او الترهيب.
ولذا، فان حق الدفاع يجب ان يمارس اثناء جميع مراحل الدعوى الجزائية، وقد عمل مشرع ظهير30/12/91 على تعزيز دور الدفاع لما فيه من تدعيم لضمانات الشخص المتهم، وحماية لحقوقه، وذلك بمقتضى التعديلات الملحقة بالفصول 76 و127 من ق.م.ج ومن ظهير الاجراءات الانتقالية.(2)
فوجوب اشعار المتهم بحقه في تنصيب محام عنه حالما اصبح امرا ملزما لكل من وكيل الملك ( ف76 من ق.م.ج)، وقاضي التحقيق ( ف 127 من ق.م.ج) والوكيل العام للملك ( ف2 من ظ ا ن).
-------------------------
حول ماهية حق الدفاع ( صور من الاخلال بحق الدفاع) الدكتور عبد الحميد الشواربي، ص 23 وما يليها.
مجلة الملحق القضائي، عدد 27 شتنبر93، ص 91 وما يليها.
رتب المشرع جزاءا صارما على خرق المقتضيات التي يترتب عنه المساس بحقوق الدفاع ( الفصل 152 من ق.م.ج).
المسطرة الجنائية .. الدكتور محمد الادريسي العلمي المشيشي …. ص 286.
-----------------------
وفي حالة عدم قيام المتهم بالاختيار الواجب عليه القيام به فورا، فان تعيينه يتم تلقائيا من طرف قاضي التحقيق ( ف127 من ق.م.ج)، وكذا من طرف رئيس غرفة الجنايات ( ف 2 من ظ ا ن).
ولم يشيرالفصل76 من ق.م.ج الى هذا التعيين التلقائي، فاذا لم يقم المتهم حقه في تنصيب محام عنه فهل يتم اجراء استنطاقه في غياب الدفاع ؟
ان حضور المحامي اصبح ضروريا اذن في مرحلة الاستنطاق الاولي، وفي حالة عدم قيام المتهم بتنصيب محام عنه، فان تعيينه يجب ان يتم بصفة تلقائية في هذه الحالة ايضا(1).
وبتنصيب المحامي من طرف المتهم، او تعيينه تلقائيا لحضور الاستنطاق الأولي يكون البقاء على الفقرة الاولى من الفصل 129 من ق.م.ج مجرد لغو الامر الذي يجب معه تدخل المشرع لسد هذه الثغرة القانونية.
كما ان التنازل الصريح عن حضور المحامي المنصوص عليه في الفصل 132 من نفس القانون يتعارض، والمقتضيات المنصوص عليها في الفصول المشار اليها اعلاه بصفة خاصة عند التعيين التلقائي للمحامي لما في التنازل من إنقاص من الضمانات المخولة للمتهم.
وبتدقيق النظر في صياغة نص الفصل 127 من ق.م.ج نجد بان المشرع قد نص على " … والا فيعين له تلقائيا محاميا ان طلب ذلك في حالة عدم اختياره له".
ومعنى التعيين التلقائي، ان هذا التعيين يتم دون الاستناد الى طلب من المتهم، ولذا فان التعارض ينتج عن اضافة عبارة "ان طلب ذلك" والتي يتعين حذفها … وقد اتى مفهوم التعيين التلقائي واضحا في الفصل2 من ظ ا. ن.
وتاكيدا على حماية حق حرية المتهم فان الفصل 76 من م.ج، لم يلزم وكيل الملك او نائبه باصدار الامر بايداع المتهم في السجن، بل منحه امكانية تقديمه حرا للمحكمة شريطة تقديم ضمانة مالية يحددها له او ضمانة شخصية.
وحماية لهذا الحق ايضا فان الفصل 2 من ظ ا ن، يشير صراحة الى ان مدة الاعتقال يجب ان لا تتجاوز مدة 15 يوما، ويجب احالة المتهم على اثر انتهائها الى غرفة الجنايات، هذا اذا كانت القضية غير جاهزة للحكم اما اذا كانت جاهزة، فان التحقيق يجري في شانها.
------------------------
الاخلال بحق الدفاع في ضوء الفقه والقضاء ( ماهية حق الدفاع) الدكتور عبد الحميد الشواربي، ص 105.
-----------------------
وحماية للمتهم من التعسفات وتعذيب الشرطة القضائية، فانه يحق لكل من قاضي التحقيق ووكيل الملك سواء طلب منهما ذلك، او كان تلقائيا القيام بعرض المتهم على طبيب خبير، وذلك عند وجود اثار التعذيب على جسم المتهم ( الفصلان 76 و127 من ق.م.ج).
وهنا يطرح التساؤل التالي الا يكون حضور المحامي اكثر ضرورة في حالة البحث التمهيدي؟
ومن ناحية اخرى فان الفحص الطبي ضروري بمجرد وضع الشخص تحت الحراسة، وذلك لتفادي ما يمكن وقوعه من اثار سلبية على صحة بعض الاشخاص الخاضعين لهذا الاجراء والمصابين بامراض قد تؤدي احيانا الى وفاتهم بمخافر الشرطة.
وقد الزم المشرع قاضي التحقيق بالتنصيص في المحضر على قيامه باعلام المتهم صراحة بالافعال المنسوبة اليه وباشعاره بحريته في عدم الادلاء باي تصريح.
ويترتب على الاخلال بهذا الالزام بطلان الاجراء نفسه ويمتد هذا البطلان ليشمل الاجراءات التالية الاتية بعد ذلك بصراحة الفصل 180 ق.م.ج.
واذا كان اعلام المتهم بالافعال المنسوبة اليه واشعاره وحريته في عدم الادلاء باي تصريح والتنصيص في المحضر الزام يقع على قاضي التحقيق بمقتضى نص الفصل 127 ق.م.ج، فان مثل هذا الالزام لا يوجد له اثر في الفصلين 76 ق.م.ج و2 ظ ا ن.
ويمكننا القول بان المتهم يكون متوفرا على ضمانة احاطها المشرع بجزاء في حالة الاخلال بها( ف190 م ج)، وذلك عند اجراء التحقيق من طرف قاضي التحقيق وذلك خلافا لاجراء التحقيق من طرف وكيل الملك، او الوكيل العام للملك سواء كان الامر يتعلق بالتلبس بجناية او بجنحة.(1)

خاتمة:
بعد دراسة التعديلات الملحقة بقانون المسطرة الجنائية، وبصفة خاصة التعديلات المدخلة بمقتضى ظهير30/12/91، وظهير10/08/93، فانه يمكننا القول بان هذه التعديلات قد هدفت الى العمل على ضمان حق الحرية وتكريس حق الدفاع.
------------------
قانون المسطرة الجنائية، عبد العزيز توفيق، ص31.
ذهب في تعليقه الى مسايرة حرفية النص التي يتجلى منها بوضوح تناقض العبارات.
----------------
ولا ننسى ان ننوه بجهود المحامين المتمثلة في التوصيات والطلبات الصادرة عنهم في جل مؤتمراتهم وندواتهم واجتماعاتهم، وذلك من اجل حث المشرع على التراجع على التعديلات السلبية المدخلة على ظهير1959، والتي تشكل خطورة على حقوق الافراد وحرياتهم، الامر الذي اصبحت معه نصوص قانون المسطرة الجنائية متناقضة مع التزامات بلادنا في ميدان حقوق الانسان.
وبتدخل المشرع بمقتضى التعديلات الحديثة يكون قد خطا خطوة ايجابية في ميدان حقوق الانسان خاصة وانه هدف بمقتضى هذه التعديلات الى العمل على توفير الحماية اللازمة لحرية الفرد.
الا ان تدخل المشرع هذا لا يعتبر كافيا اذ عليه ان يزيد من تدعيم تدخله باصدار تعديلات اخرى وذلك للعمل على سد الثغرات القانونية الناجمة عن التعارض بين النصوص المعدلة والنصوص التي تم ابقاؤها على حالها، في انتظار اصلاح جذري لقانون المسطرة الجنائية بكامله.
وحبذا لو يعمل مشرعنا ايضا على التدقيق في صياغة العبارات وترجمتها لتفادي كل لبس او غموض حول مدلول النصوص.
كما نامل ان يكون لهذه التعديلات اثر فوري على اجتهاد المجلس الاعلى، حتى يعمل على تغيير مساره القديم الذي لم يكن موافقا لالتزامات بلادنا في ميدان حقوق الانسان.

المراجع
المؤلفات:
المسطرة الجنائية، الجزء 1 للدكتور محمد الادريسي المشيشي العلمي ( بالفرنسية )
دراسة في المسطرة الجنائية للدكتور محمد عياط
شرح قانون المسطرة الجنائية، الجزء 1 للدكتور محمد الخمليشي.
حول ماهية حق الدفاع للدكتور محمد الشواربي.
( الاخلال بحق الدفاع في ضوء الفقه والقضاء)
المجلات:
مجلة المحاكم المغربية، العدد 30 مارس- ابريل1984.
مجلة المحاكم المغربية، العدد 43 ماي- يونيه1986.
المجلة المغربية لحقوق الانسان، العدد 2 فبراير1982.
مجلة المحامي، العدد 21 السنة 12 فبراير1992.
مجلة المحامون، العدد 2 السنة 2 فبراير1992.
مجلة الملحق القضائي، العدد 27 شتنبر1993.
رسالة المحاماة، العدد 7 اكتوبر1990.
مجلة الامن الوطني، العدد 171 السنة 1993.
الدوريات:
دورية النقيب، يناير1994.
النشرات:
نشرة النقيب، العدد 9-10-11 يوليوز- دسمبر1993.
الجرائد
جريدة الاتحاد الاشتراكي
جريدة الشرق الاوسط

* مجلة المحاكم المغربية، عدد 76، ص39.

التطبيق السليم للقانون تعليق على قرارين

ذ. الناوي مصطفى

سوف ننطلق في هذا التعليق الموجز، المرسوم هدفه مسبقا، من فرضية في صيغة تساؤل: ماذا ينتظر المجتمع من القضاء ومن العمل القضائي؟ وهو تساؤل تبدو الإجابة عنه لأول وهلة بسيطة وممكنة بل جاهزة، لكنها سرعان ما تصبح معقدة وبعيدة المنال بل وفي حكم المستحيلة اذا نحن تأنينا وطرحنا سؤالا استفهاميا اخر غايته التدقيق هو: أي مجتمع؟ وفي أي زمان؟ فلئن كان العمل القضائي محايثا للبنية القانونية في كل مجتمع من المجتمعات فان مفهومه ودوره غير ثابتين بل يتطوران و يتبدلان بتطور كل من المجتمع وبنيته القانونية وتبدلهما، فلكل مجتمع نظرته الخاصة وتصوره العيني للقضاء ولما ينتظره من القضاء ولما يصدع به قضاؤه من قرارات واحكام (1). وهي نظرية محكومة، على كل حال، بالسياق التاريخي، بالمستوى الحضاري . بنوعية التنظيم الاجتماعي بطبيعة النظام السياسي وبتراكم المعارف ودرجة الوعي… .

اي أنها مشروطة بكلية مركبة متعددة المستويات والجوانب صعب تجزيئها، واصعب منه تجاهلها.
ان هذه الملاحظات تقودنا حتما، من بين ما تقودنا اليه، الى التفكير، بحس تاريخي عياني وبعين صاحية في الدور المنتظر من القضاء ومن العمل القضائي في مجتمعنا الذي اصبح يتوفر الان على منظومة قانونية مركبة تكاد تغطي شتى مجالات الحياة، مشوبة في جوانب منها ببعض الثغرات والنواقص بل وببعض التناقضات أحيانا، حيث تحتاج الثغرات الى من يسدها والنواقص الى من يكملها والتناقضات، ان وجدت، الى من يحلها او يوفق فيما بينها.
-----------------------
(1) لقد عرفت كلمة اجتهاد قضائي او عمل قضائي تطورا مثيرا للغاية، فمفهومها لم يعرف الاستقرار والثبات، انه في روما يختلف عنه في أثينا، وهو في العصور القديمة يختلف عنه كل الاختلاف في القارة الأوروبية اليوم، كما انه عند الانكلوساكسونيين هو غيره عند سواهم. للمزيد من التفاصيل حول هذه النقطة التي تخرج حقا عن نطاق موضوعنا تنظر بخاصة موسوعة UNIVERSAL ، المجلد التاسع الباب المتعلق بالاجتهاد القضائي JURISPRUDENCE، الصفحة580 وما يليها.
----------------------
ومن البديهي ان المشرع الذي يراد له ان يكون، بشكل او باخر والى هذه الدرجة او تلك، معبرا عن إرادة المجتمع او الأمة حسب درجة تطورهما، عند ما يسطر جملة المبادئ المشكلة للقانون، وهو يعلم مسبقا ان تلك المبادئ لا يمكن ان تطبق نفسها بنفسها، وقد لا تكون موضوع مراعاة تلقائية من لدن الجميع، بقدر ما يعلم علم اليقين ان المجتمع قد يفرز حالات وقد تستجد فيه وقائع وقد يعرف تطورات لم تتنبأ بها ولم تغطها تلك المبادئ - لان القانون يسطر اساسا على ضوء التراكمات الحاصلة جزئيا مع تقدير التراكمات الممكنة التي لا تحسب بداهة الا على اساس الاولى -، يعهد الى القضاء ليس فقط بتطبيق هذه المبادئ ولكن ايضا بتحريكها وتفريعها وتوسيعها وتكييفها مع تطور الواقع الاجتماعي وتفاعلاته، وتفسيرها اما توسيعا او تضييقا وتطبيقها تطبيقا استدلاليا على الفرضيات المتوقعة وغير الواقعة.

وعلى وجه العموم فان القضاء والعمل القضائي تكون لهما وظيفة ثلاثية.
أ‌- تطبيق القواعد القانونية وتحديد مداها من خلال ربطها بالوقائع المعروضة او النوازل عبر عملية إخضاع متبادلة: اخضاع القاعدة للواقعة وإخضاع الواقعة للقاعدة، مما يؤول الى نقل القاعدة القانونية من مستوى التعميم والتجريد - الذي وضعها فيه المشرع - الى مستوى التخصيص والعينية الذي يجسد دور القاضي، حتى ان القاضي يكون في هذه الحالة، اذا اجاز القول، بمثابة مشرع للحالات الخاصة.
ب‌- سد الثغرات والجوانب الغامضة التي تتضمنها بالضرورة نصوص القانون.
ت‌- تكييف القانون مع تطور المجتمع ومستجداته وسد الثغرات التي تنشأ عن ممارسات جديدة لا عهد للمشرع بها(2).
-----------------
(2) يتحقق ذلك عبر أوالية استقراء واستنباط متواليين، مما يسمح للقاضي باستخراج قواعد اعم حتى من تكل التي يتضمنها النص، فيكون في هذه الحالة قد استنبط حل المشكل المطروح عليه من خلال استقراء تلك القواعد، وفي عدد من الحالات فان المشرع يسمح بذلك وينص عليه صراحة جهارا في نصوصه كما هو الشان بالنسبة للمشرع البرازيلي الذي نص في الفصل 7 من المدونة المدنية البرازيلية لسنة 1916 على انه: " في الحالات غير المنصوص عليها في المدونة، تطبق المقتضيات المتعلقة بالحالات المماثلة والا فتطبق، في حالة عدم وجودها، المبادئ العامة للقانون والمشرع الايطالي الذي نص في الفصل 12 من المدونة المدنية الإيطالية لسنة1942 على انه< ((،…. اذا تعذر حل نازلة بواسطة مقتضى قانوني محدد، وجب الرجوع الى المقتضيات التي تنظم الحالات المشابهة او المواد المماثلة، واذا بقي في الأمر شكل، فان على القرار ان يستلهم المبادئ العامة للنظام القانوني المعمول به في الدولة)).
-----------------------------
وغني عن البيان ان اضطلاع القضاء بهذه الأدوار وتجسيدها لهذه الوظائف كلها أمر على جانب من الصعوبة ان لم تقل هو، الصعوبة عينها، لان الأمر رهين في البداية والنهاية بما يوضع رهن اشارة القضاء من وسائل وإمكانيات مادية ومعنوية وقانونية وبما يخص به من استقلال وحصانة وباعتبارات أخرى كثيرة ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية وتاريخية…. لا يسمح حيز التعليق ولا طبيعة الموضوع بتناولها. فالامر لا يتعلق بعمل استدلالي صرف - قد يبدو، في ظاهره، في منتهى البساطة وربما الأغراء - ولكن بعمل معقد ولو من حيث ما يتداخل في صنعه من عوامل ذاتية وموضوعية.

لكن اذا كان قيام القضاء بهذه الأدوار جميعا امرا مستحبا عزيزا، سهلا ممتنعا، مغريا متمنعا، واذا كان مجرد التفكير في ذلك عن نزوع مثالي من العسير ان يجد ترجمته العملية في ارض الواقع، فان اضطلاعه بالدور الاول المتمثل في تطبيق القواعد القانونية كما هي في حرفيتها، أي دون زيادة او نقصان، على الوقائع المعروضة عليه هو اقل ما ينتظر منه، انه بمثابة اضعف الايمان، ومن حق المجتمع الحابل بإمكانيات التطور والتقدم وبالتطلعات المشروعة الى المستقبل ان يعتبره بمثابة الخطوة الاولى في رحلة الألف ميل نحو سيادة العدل والعقل.

فلا قيمة للقانون اذا هو لم يطبق، ولا قيمة لتطبيقه اذا لم يكن هذا التطبيق سليما، ولن نأتي بجديد اذا قلنا بان التطبيق السليم للقانون هو تطبيقه في حرفيته - بما يقتضيه ذلك من التزام بصيغة النص ومن ابتعاد عن كل نزعة ذاتية وحمولة نفسية وعن كل حكم مسبق او فكرة قبلية apriori ومراعاة نية المشرع وروح التشريع.

ولعل القرارين الصادرين عن محكمة الاستئناف بالدار البيضاء والمنشورين ضمن العدد 66 يجسدان الى حد كبير بالرغم من تباين موضوعهما هذا الهدف ويؤيدان حقا وصدقا وظيفة التطبيق السليم للقانون، ويتعلق الامر بكل من القرار الصادر بتاريخ 20/9/90 في الملف عدد 8403/9207/90 والقرار الجنحي عدد 690 الصادر بتاريخ 24 يناير1991 في الملف عدد 1944/834/89.
فأين يتجلى يا ترى التطبيق السليم للقانون في كل قرار من القرارين؟
1- القرار الصادر بتاريخ 20/9/90 : السكر العلني وبيع الخمر للمغاربة المسلمين بدون رخصة صدر هذا القرار في الملف عدد 8403/90 الذي توبعت فيه الظنينة بتهمتي السكر العلني والاتجار في الخمر وبيعها للمغاربة المسلمين بدون رخصة طبقا للفصلين الاول من المرسوم الملكي المؤرخ بتاريخ 14/11/67 والسادس والعشرين من قرار 17/11/67. وذلك بناء على ما اجري من بحث وما أنجز من محاضر تضمنت جملة من الوقائع مؤداها ان الظنينة كانت في حالة سكر طافح وأنها تبيع الخمر للمغاربة المسلمين بدون رخصة باعتبار ان الرخصة التي كانت تستفيد منها الظنينة بوصفها صاحبة فندق قد سحبت منها بواسطة تلكس موجه الى الى الشرطة.

وان محكمة الاستئناف اصدرت، بعد مناقشة القضية، قرارها القاضي بإلغاء الحكم الابتدائي فيما قضى به من ادانة وعقوبة، وبراءة الظنينة من التهمتين المنسوبتين اليها معللة قرارها : أ- فيما يتعلق بتهمة بيع الخمر بدون رخصة، بأنه ما دام لا يوجد في الملف ما يفيد ان الرخصة قد سحبت من الظنينة بكيفية قانونية ووفقا للإجراءات المنصوص عليها في القانون فان الظنينة تبقى في وضعية قانونية سليمة بالنسبة لبيع المشروبات الكحولية في المؤسسة التي تديرها، وبان التلكس المشار الى مراجعة في الملف لا يدل
، بأي حال من الاحوال، على سحب الرخصة الممنوحة للظنينة ولا على وضعه موضع التنفيذ بالنسبة لها خصوصا وان محضر الضابطة القضائية يشير الى انه قد تعذر تبليغ فحوى التلكس للمعنية، وبانه لا يوجد علاوة على ذلك ما يؤكد ان الظنية تبيع الخمر للمغاربة المسلمين، اذ انه لا ذكر لواقعة او حالة بعينها، كما انه لم يضبط شخص مسلم ابتاع من الظنينة خمرا، وبان ضبط كمية من الخمر والقنينات الفارغة لا ينهض بحال دليلا، في حد ذاته على بيع الخمر للمغاربة المسلمين. ب - وفيما يتعلق بتهمة السكر العلني : بان المحضر يكتفي بالإشارة الى ان الظنينة كانت في حالة سكر علني دون ان يبين المكان الذي ضبطت فيه الظنينة حتى يتأتى للمحكمة ان تتأكد من توفر شرط العلنية، وبان المحضر لا يتضمن الإشارة الى اية علامة من العلامات التي تفيد ان السكر يكتسي بالفعل صبغة سكر طافح او بين، مثل التمايل او الترنح او البذاءة في الكلام او التلعثم فيه الى الخ … وبان شرب الخمر في حد ذاته غير مجرم قانونا ما لم يصل الى حد الثمالة او الطفح .
فالواقع ان تسبيب القرار ناطق بما فيه وغني عن كل تعليق، لكن لا باس من التأكيد، من باب إبراز وجه التطبيق السليم للقانون فيه، على النقاط التالية:
أ- من الناحية المبدئية فانه لا جريمة ولا عقوبة الا بنص، والنص يحدد الجريمة انطلاقا من عناصرها التكوينية، فمتى اختل عنصر من العناصر أنعدمت الجريمة من الوجهة القانونية من ثم فان اثبات جريمة من الجرائم رهين بإثباتها كواقعة من جهة وبإثبات توافر جميع عناصرها المنصوص عليها في القانون من جهة ثانية.
ب- تبعا لذلك، فان جنحة بيع الخمر للمسلمين بدون رخصة لا تقوم الا إذا ثبت: 1- بيع الخمر، 2- للمغاربة المسلمين، 3- بدون رخصة، فاذا إنعدم عنصر من هذه العناصر انعدمت الجريمة، من ثمة اهمية القرار موضوع التعليق الذي اجاب على كل نقطة على حدة كما سبق بيانه.

ج- ان السكر الذي يعاقب عليه القانون ( مرسوم 14 نوفمبر 1967) هو السكر البين IVERSSE MANIFESTE EVERSSE PUBLIQUE الذي يوجد صاحبه في الأزقة او الطرق او المقاهي او الكباريهات او في اماكن اخرى عمومية او يغشاها العموم ( الفصل الاول)، ويستخلص من ذلك ما يلي
ان السكر في حد ذاته غير مجرم قانونا وغير معاقب عليه.
ان السكر الذي يجرمه القانون ويعاقب عليه هو السكر البين او الطافح والعلني. وعليه فان ثبوت هذه الجريمة يقتضي :
إثبات ان الشخص المعني كان في حالة سكر وان هذا السكر يكتسي صبغة سكر طافح او بين وذلك من خلال تسجيل حالته وذكر العلامات التي تفيد ان السكر طافح وهي علامات ومقاييس معروفة على كل حال وان كانت غير علمية في الواقع، ولكنها قد تثبت الحالة نسبيا وجزئيا في غياب الاختبار او التحليل العلمي لدرجة تكحلل الدم Test d'alcoolémie او Test d'éthylisme. فالسكر الطافح معناه شرب الخمر الى درجة الثمالة أي الى درجة تاتي بعد ما كان يسميه العرب القدماء بـ : ليلى هي المتعة او الإحساس اللذان يعقبان النشوة مباشرة. والسر في تحريم وتجريم هذه الدرجة بالذات هو ان الشخص عند بلوغها قد يفقد التحكم في تصرفاته لأنها تذهب عقله وتحرره من كل القيود والضوابط، فتتحول من ثمة الى مضرة او مصدر للمضرة للنفس وللغير سواء بسواء(4).
- اثبات ان الشخص السكران سكرا طافحا قد ضبط في أماكن عمومية او يغشاها العموم محددة على سبيل الحصر في الفصل الاول المذكور، انفا، مما يؤول الى إثبات توفر شرط العلنية وان القرار موضوع التعليق بقوله ان شرب الخمر غير مجرم قانونا ما لم يصل الى حد الثمالة لا يفعل في الواقع سوى تأكيد مبدأ قانوني بديهي بصريح النص، ولكن هذا القول مهم جدا سواء في منطوقه او في مفهومه، فإذا كانت المبادئ العامة للقانون قد أباحت للقاضي ان يراعي ظروف التخفيف وان يتسلح بالرحمة وان يعفي من العقوبة عند الاقتضاء حتى ولو كان مخطئا في ذلك، فانها لا تجيز له بتاتا ان يجرم ما لم يجرمه المشرع او ان يعاقب على فعل غير مجرم قانونا إرضاء لنزعة ذاتية او وازع شخصي او ثقافة موروثة او افكار مسبقة…
-------------------------------
(3) أطلقت العرب هذا الاسم على هذه المرحلة من السكر قبل ان يطلقوه على بناتهم.
(4) ينظر في هذا الباب بخاصة: 1- رسالة مدح 2- النبيذ وصفة اصحابه - ضمن رسائل الجاحظ صورية- دار ومكتبة الهلال- ط. 2- 1991 ص. 237-249، ب- من قاموس التراث لمؤلفه هادي العلوي - منشورات الاهالي 1988- ص. -114 105، ج- المختار من قطب السرور في أوصاف الاندذة والخمور- ابراهيم بن القاسم الرقيق القيرواني ( القرن الخامس الهجري، نشر مؤسسة عبد الكريم بن عبد الله - تونس 1976).
------------------------------
2- القرار عدد 610 الصادر بتاريخ 24 يناير1991: المشاركة في الخيانة الزوجية.
صدر هذا القرار في الملف عدد 1944/834/89 الذي توبعت في إطاره الظنينة من اجل المشاركة في الخيانة الزوجية طبقا للفصلين 129 و491 من القانون الجنائي وذلك بناء على وقائع مدونة في محضر الضابطة القضائية مفادها ان الظنينة كانت قد تعرفت الى شخص فتقدم لخطبتها واقاما حفل زفاف الا انهما لم يتمكنا من إبرام عقد زواج لان خطيبها كان ينتظر صدور إذن من الادارة التي يعمل بها يسمح له بإبرام العقد، وان الخطيب اصبح ينفق على خطيبته، ويعيش وإياها حياة زوجية شبه عادية وأخذها معه ليسكنها مع زوجته الاولى التي لم تتقبل الامر، فتقدمت ضدهما بشكاية في شان الخيانة الزوجية والمشاركة فيها فتوبعت الظنينة وأدينت ابتدائيا من اجل المشاركة في الخيانة الزوجية، الا ان محكمة الاستئناف اصدرت بتاريخ 24 يناير1991 قرارها القاضي بإلغاء الحكم الابتدائي والحكم تصديا ببراءة الظنينة من التهمة المنسوبة اليها معللة قرارها بان الظنينة قد عاشرت خطيبها لمدة تزيد عن سنة معاشرة الأزواج خصوصا وانه تقدم لخطبتها وأقام حفل زفاف حضرته العائلة وبان الظنينة كانت تعتبر نفسها زوجة شرعية لشريكها لا سيما وانه كان يعولها بعد ان اكترى لها بيت الزوجية وبان نية الظنينة لم تكن هي معاشرة شريكها معاشرة جنسية غي شرعية مما يكون معه الركن المعنوي للجريمة منعدما.

ان صياغة القرار بحيثياته الثلاثة الصائبة هذه المنسجمة، في نظرنا، مع روح القانون تسمح لنا بتسجيل الملاحظات التالية:
أ‌- ان جريمة الخيانة الزوجية او المشاركة فيها شانها شان جريمة الفساد(5) - فالفعل الذي يشكلهما واحد لا تكون قائمة الا اذا توفر ركناها المادي والمعنوي معا. ويبدو هذا القول بمثابة تحصيل حاصل او مصادرة على المطلوب. لكن الحقيقية هي انه اذا كان الركن المادي قلما يعطاه معناه وبعده الحقيقيان فان الركن المعنوي غالبا ما يحظى بالتجاهل، من ثمة أهمية القرار موضوع التعليق.


-----------------
(5) ان التنظيم القانوني لجريمة الفساد والخيانة الزوجية في المغرب يطرح في الواقع إشكاليات قانونية وواقعية معقدة، ابسطها ان العقاب على جريمة الفساد قد لا يشمل الفاعلين معا بشكل يوحي بان هنالك في نفس الوقت نوعا من التساهل والتشديد غير المتوازنين وغير المبررين، ولنتأمل هذا القرار <" الفساد علاقة جنسية بين رجل وامرأة لا تربطهما علاقة زواج، وان عدم متابعة الشريك لا يجعل جريمة الفساد غير قائمة(…) يكفي لقيام جريمة الفساد وجود الشخص الآخر الذي مورس معه العمل الجنسي ولو لم تقع متابعته، فتكون المحكمة على صواب حينما قضت بمعاقبة الطاعن وحده من اجل جريمة الفساد نظرا لعدم متابعة شريكه في الجرمية" ( القرار عدد 418 الصادر بتاريخ ! مارس 1979، مجلة المحاماة العدد 20 - الصفحة 140).
لأخذ رؤية نقدية واضحة عن هذا الموضوع تنظر المقالة التي نشرها الأستاذ عبد الرحيم برادة بمجلة كلمة KALIMA ، عدد شتنبر1986 تحت عنوان sexe hors mariage, sexe hors la loi والتي صدرت ترجمتها العربية بمجلة نجمة، العدد 1 ماي1987، الصفحة 18-21 تحت عنوان : الجنس خارج الزواج جنس خارج عن القانون.
--------------------
ب‌- يتحقق الركن المادي لجريمة الفساد - او الخيانة الزوجية- بمواقعة رجل لامرأة دون ان يكونا مرتبطين بعلاقة زوجية. المسالة واضحة. لكن العبرة في قيام الركن المادي هي بانتفاء علاقة الزوجية بين الطرفين وليس باستيفاء الشكليات التي تتطلبها مدونة الأحوال الشخصية. لانعقاد الزواج ولإثباته، والمتمثلة في حضور شاهدين عدلين سامعين في مجلس العقد لإيجاب الزوج وقبول الزوجة او من ينوب عنهما والإشهاد على ذلك وإثباته حسبما هو منصوص عليه في الفقرة الاولى من الفصل الخامس من مدونة الاحوال الشخصية، ثم افراغ عقد الزواج في صك مكتوب طبقا للفصل 42 من المدونة.

وعليه فانه يمكن للمتابعين بجريمة الفساد - او الخيانة الزوجية - من الناحية القانونية إثبات قيام علاقة الزوجية بكافة وسائل الاثبات التي ليست بالضرورة متطابقة والشكليات المنصوص عليها في مدونة الاحوال الشخصية.

لذلك فان القرار المعلق عليه عندما اعتبر علاقة الزوجية قائمة استنادا على مدة المعاشرة واقامة حفل الزفاف والخطوبة والإعالة يكون قد اعطى للركن المادي للجريمة مفهومه الحقيقي، ويكون فضلا عن ذلك قد حسم التعارض بين شكلية عقد الزواج ورضائيته لصالح الرضائية، مع كل ما ينطوي عليه ذلك - فضلا عن الجانب القانوني- من مراعاة لتطور المجتمع وللتغييرات التي طرأت على العلاقات بين الجنسين داخله.

ت‌- يعتبر الركن المعنوي المتمثل في القصد الجنائي او النية، ركنا اساسيا في جريمة الفساد - او الخيانة الزوجية باعتبارهما من الجرائم العمدية، ويتوافر هذا الركن متى كان كل من الفاعلين يعلمان بانتقاء الرابطة الزوجية بينهما، ومتى كانا يتعمدان ارتكاب الفعل في حد ذاته في اطار لا شرعي.

ومن المعلوم ان القصد الجنائي يجب ان يتوفر بعنصرية: العلم والإرادة والعلم حالة ساكنة تفترض سبق تمثل الجاني للواقعة المكونة للجريمة، اما الإرادة فحالة متحركة نشطة تصنع الفعل وهي جوهر القصد الجنائي لانها عبارة عن نشاط نفسي واع يبتغي تحقيق هدف معين، لذلك فان القصد الجنائي - او النية الإجرامية - في هذا النوع من الجرائم يكتسي أهمية خاصة ويتم بنوع من الدقة بحيث يكون من الضروري التأكد من توافره بكافة عناصره. لكن الواقع خلاف ذلك تماما، اذ نادرا ما تقع الإشارة الى هذا العنصرـ بله التأكد من توافره.
وعليه، فان تحييث القرار القاضي بالبراءة بان نية الظنينة لم تنصرف الى المعاشرة الجنسية غير الشرعية يكون بمثابة إرجاع الاعتبار المفقود للركن المعنوي للجريمة، ويكون بالتالي مظهرا من مظاهر التطبيق السليم للقانون.

عود على بدء لئن كان التطبيق السليم والدقيق للقانون يبدو في ظاهره أمرا بسيطا وممكنا، فانه في حقيقته غير ذلك تماما، اذ انه كثيرا ما يتطلب جرأة وجسارة نادرتين، لكنه يبقى مع ذلك، وبصرف النظر عن القوانين المقصودة، من الأهمية بمكان. واهم ما فيه انه يضفي من المصداقية على الجهاز المطبق قدر ما يضفيه على القانون المطبق.

*مجلة المحاكم المغربية، عدد 67، ص103.