نظريات حول الاعتقال الاحتياطي

بقلم الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بالبيضاء
الدكتور عبد العزيز الفيلالي

1- أساس الاعتقال الاحتياطي :

هل يمكن ابقاء شخص متهم بارتكاب جريمة ما رهن الاعتقال الاحتياطي مدة طويلة ما لم يصرح نهائيا بادانته من طرف هيئة المحكمة ؟
ان لجواب بالنفي عن هذا السؤال يقرر مبدا " البراءة هي الاصل".

وإذا تم تطبيق هذا المبدا حرفيا فان ذلك يعني ان كل شخص ولو كان ذا سوابق عدلية - اتهم بارتكاب جريمة ( جناية او جنحة او مخالفة ) كيفما كانت خطورتها يعتبر بريئا طوال مدة التحقيق وبالتالي يحق له التمتع بحريته ما دام لم يصدر في حقه حكم نهائي.

غير انه من الممكن ان تمر عدة شهور ان لم تكن عدة سنوات ما بين تاريخ اقتراف الجريمة وتاريخ صدور حكم نهائي فيها للكشف عن الحقيقة واستجلائها.

ولا ينبغي حرمان الشخص المشبوه فيه من حريته خلال الفترة الزمنية التي يعمد فيها لاقامة الحجج على إدانته، وفي هذه الحالة سنساعد المجرمين على ابادة الادلة والاستمرار في نشاطهم الاجرامي.

ولذلك يجب اعطاء هيئات الزجر وسائل الاكراه ضد الشخص المشبوه فيه متى كانت هذه الوسائل الزجرية لازمة لتمكين القاضي من القيام باجراءات التحقيق.

وفي بعض الحالات يكون من اللازم التمكن من شخص المشبوه فيه ولو قبل محاكمته، فالإمكانية الممنوحة للقاضي لاعتقاله طيلة مدة التحقيق وحتى في حالة انتهائها الى غاية الحكم النهائي تقرر مبدا الاعتقال الاحتياطي.

1- محاسن ومساوئ الاعتقال الاحتياطي

أ‌- المحاسن وهي كثيرة منها :
1- وضع المتهم في حالة تمعنه من الاستمرار في نشاطه الاجرامي.
2- منعه من الفرار او التملص من اجراءات البحث والتحقيق.
3- منعه من محو الأدلة وإخفاء معالمها او القيام بوسائل احتيالية او التاثير على الشهود.
4- مساعدته في تطبيق عقوبات فعالة على المجرمين الخطيرين او ذوي المهارة منهم.

فالقاضي بالتجربة يحس من أول اتصال بالمتهم ما اذا كان في الحقيقة مذنبا او بريئا.
فالأسلوب الذي يتكلم به المتهم ونبرة صوته واشارته في الحالات العصبية كل ذلك يكون بالنسبة للقاضي النبيه تعبيرا غنيا بالدلالات والمعاني.

ونجد - حسب الإحصائيات المستند اليها في هذه المادة - ان عدد المعتقلين احتياطيا والذين هم حقا أبرياء قليل جدا وان 90 في المائة على الاقل من المتهمين هم في الحقيقة مذنبون.

5- مساهمته في المحافظة على النظام العام الذي تخل به الجريمة المقترفة.
6- حماية المتهم من ردود فعل انتقام الضحية او الجمهور.

وينبغي الاشارة هنا الى ان القاضي في الاحتماليين الاخيرين يتصرف في الواقع تصرف الشرطة الإدارية مخترقا بذلك حدود السلطة التنفيذية الشيء الذي يتنافى مع مبدا فصل السلطات.


ب‌- المساوئ وهي كثيرة أيضا :
1- مس خطير بالحرية الشخصية، حيث يفقد المتهم حريته ويحرم من ممارسة حقوقه العامة في الذهاب والإياب والتجمع والتظاهر والتعبير وما الى ذلك.
2- اقامة الشكوك حول شخصية المتهم لان الاغلبية العامة من الناس لا تفرق بين المتهم المحكوم عليه بالحبس بصفة نهائية وبين المعتقل بصفة احتياطية، فكل شخص يوجد بالسجن هو عنصر خطير ينبغي اجتنابه.
3- يلقى بالمتهم المعتقل وسط عالم خشن ذي اخلاق منحرفة يعاني فيه من القساوة وظروف الحياة الصعبة ما ينشا عنه غالبا انهيار الشخصية.
4- يتحمل باعتقاله ما يوازي العقوبة والحالة انه لم يحاكم بعد.

فقاضي الموضوع هو ذو ميول تجاري قاضي التحقيق في تصريحه بعقوبات تعادل على الاقل فترة الاعتقال الاحتياطي، ولا يوافق على منح السجن المؤجل اذا كانت مدة الاعتقال الاحتياطي طويلة.

2- موقف المشرع المغربي

ان المبدا القائل بان البراءة هي الاصل غير منصوص عليه بصفة صريحة في قانون المسطرة الجنائية، الا انه يساند مقتضياتها الرئيسية.

فالقاعدة التي تنص على ان اقامة الحجة في المادة الجنائية تقع على كاهل النيابة العامة او على الطرف المطالب بالحق المدني عندما يكون هو الذي تولى تحريك الدعوى العمومية وكذا الاعتقال الاحتياطي المقنن يأخذان مصدرهما من المبدا القائل بان البراءة هي الاصل.

والمشرع المغربي حرصا منه على حماية الابرياء وأخذا بمبدأ الواقعية والمصلحة العامة قد أخضع الاعتقال الاحتياطي الى تنظيم دقيق كي لا ينقلب الى تسعف وشطط وحتى يبقى المعتقل بصفة احتياطية محميا الى أقصى حد.

ولا يمكن تبرير الاعتقال الاحتياطي - حسب توجيهات المشرع المغربي - الا بالضرورة الملحة للبحث والكشف عن الحقيقية او في الحالة التي يساعد فيها على استقرار النظام العام او على حماية مرتكب الجريمة من اخطار انتقام الضحية او الجمهور.

فالفصل 152 الى 165 من قانون المسطرة الجنائية يوضح بدقة ان الاعتقال الاحتياطي هو تدبير استثنائي يوجب من حيث المبدأ إبقاء المتهم في حالة السراح المؤقت.

ولا يحق للقاضي الاكتفاء باستعمال الحيثيات الشكلية المألوفة لتعليل قراره اذ ان الحيثيات المعبر عنها هكذا: " حيث ان اعتقال المتهم ضروري للكشف عن الحقيقة" او "حيث النظام العام يستوجب ابقاء المتهم رهن الاعتقال" هي غير كافية.
فالقاضي ملزم بتعليل قراره بكيفية دقيقة تبين السبب القاطع المبرر للاعتقال الاحتياطي.

1- مدة الاعتقال الاحتياطي

تتغير هذه المدة حسب خطورة الجريمة والسوابق القضائية للمتهم.

أ‌- الاعتقال الاحتياطي في مرحلة التحقيق :
1- إذا كانت العقوبة القصوى في القضايا الجنحية تقل عن سنتين حبسا فان المتهم المستوطن بالمغرب لا يمكن ان يعتقل اكثر من شهر واحد بعد استنطاقه الاول ( الفصل 153 من ق م ج ).
2- اذا كانت العقوبة القصوى في القضايا الجنحية تساوي سنتين حبسا او اكثر وفي الجنايات، فان الاعتقال الاحتياطي لا يمكن ان يتعدى مبدئيا اربعة اشهر، وبعد مرور هذا الاجل فان على القاضي ان يتساءل هل من الواجب الاحتفاظ بالمتهم داخل السجن، ففي حالة الايجاب يعمل على توجيه الملف الى النيابة لتقديم ملتمساتها التي يجب ان تكون معللة.
ويجوز للقاضي ايضا ان يصدر أمرا قضائيا معللا يامر فيه بتمديد فترة الاعتقال الاحتياطي لمدة اربعة اشهر اخرى، وعند انتهائها يجدد الإجراءات السابق ذكرها ويفرج عن المتهم مؤقتا اذا لم يصدر أي أمر عند نهاية هذا الاجل ( فصل 154 ق م ج).

1- المتهم المتابع من اجل جنحة معاقب عليها بالحبس والمودع في السجن من طرف النيابة العامة يجب عرضه على المحكمة داخل ثلاثة ايام على الاكثر (76 و395 ق م ج ) وتستدعي المحكمة خصيصا ان اقتضى الحال ذلك وإذا انصرم الاجل يفرج مؤقتا عن المتهم تلقائيا.
2- المتهم المتابع من اجل التلبس بالجناية غير المعاقب عليها بالاعدام او السجن المؤبد والمودع رهن الاعتقال من طرف النيابة العامة يجب إحالته على غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف ضمن الشروط المحددة في الفصلين الثاني والرابع عشر من ظهير رقم 1.74.448.

وينبغي الاشارة هنا الى ان مدة الاعتقال الاحتياطي في هذه الحالة غير محددة ومن المستحسن ان يطلب الوكلاء العامون للملك من نوابهم عرض المتهمين المعتقلين على غرفة الجنايات في اقرب الاجال لتفادي الاعتقالات التعسفية.

أ‌- الاعتقال خلال مرحلة المحاكمة :
يمكن بعد الاحالة على هيئة المحكمة ان تطول مدة الاعتقال الاحتياطي حتى يفصل في الموضوع وليس من اللازم في هذه الحالة إصدار قرار قضائي بتمديدها مهما طالت المدة التي مضت على الاحالة، ولكن من اللازم اصدار قرار قضائي بالإفراج المؤقت يضع حدا لهذا الاعتقال الاحتياطي.

3- وضعية المعتقل بصفة احتياطية :

ان وضعية المعتقلين الاحتياطيين اخف من وضعية المحكوم عليهم نهائيا، وذلك ان المعتقل بصفة احتياطية يجب مبدئيا وضعه داخل جناح خاص لا يختلط بالمحكوم عليهم ولا يلزم بالعمل ولا بارتداء لباس السجن غير انه يسمح له باستقبال الزوار بقاعة الاتصال وبالتراسل بحرية مع محاميه، وان الإذن بالاتصال الممنوح للمحامين تكون له صفة استمرارية.

ويجوز لقاضي التحقيق تشديد حالة الاعتقال الاحتياطي بإصدار قرار يمنع الزوار من الاتصال بالمتهم الذي لا يمكنه وقتئذ ان يتصل الا بمحاميه، وقد يستمر هذا المنع مدة عشرة أيام تجدد مرة واحدة فقط (129 ق م ج).

ويمكن للمعتقل بصفة احتياطية ان يكاتب - حسب اختياره جميع الاشخاص وان يتسلم الرسائل منهم ما لم يصدر أمر مخالف لذلك الا ان هذه المراسلة تخضع للمراقبة اذا رغب قاضي التحقيق في الاطلاع عليها باستثناء المراسلة المتبادلة بين المتهم ومحاميه فانها لا تخضع للمراقبة.

4- ضرورة تحديد السلطة التقديرية للقاضي :

قد صدرت عدة اعتقالات احتياطية ضد بعض الاشخاص ارتكبوا جنحة بسيطة وفي حالات اخرى استمروا في الاعتقال رغم انتهاء مدة البحث ورغم ان إبقاءهم رهن الاعتقال لم يعد لازما لاظهار الحقيقة.

ومن المستحسن تفاديا للوقوع في مثل هذه لإساءة في الاستعمال ان يحدد المشرع المغربي المدة القصوى للاعتقال الاحتياطي بالنسبة لخطورة الجريمة وان يوضح بكيفية دقيقة الحالات التي تستوجب الاعتقال الاحتياطي لتقيد حرية التقدير الكاملة الممنوحة للقاضي.

وانه لمن المستحسن ايضا ان يسير المشرع المغربي - أسوة بالمشرع الفرنسي - تعويضا للذين اعتقلوا احتياطيا بصفة مخالفة للقواعد الرئيسية تتحمله الدولة في حالة عدم وجود أي خطا ينسب لاعوانها.

الدكتور عبد العزيز الفيلالي .

* مجلة المحاكم المغربية، عدد 12، ص 5 .

من اغلاط القضــاء

من اغلاط القضــاء
للأستاذ إبراهيم السملالي

ان كثيرا من المعاملات وتعدد انواعها، وتجدد المشاكل وتعددها في عصر تلعب فيه الالة دورها المادي، في سباق مسؤول مع الزمن لاخراج امة من مرحلة اجتماعية معينة الى مرحلة اخرى اكثر نموا قد تكون اسبابا وقتية ملازمة في تكييف القاضي عقلا ومزاجا .

اعني مما تقدم هذه الاعداد الهائلة من قضايا الناس التي تبسط يوميا بين ايدي عدد قليل من القضاة اللذين يجدون انفسهم في كثير من الحالات غير مجهزين بموسوعة تشريعية تتضمن جميع الحلول لمختلف المشاكل المطروحة، كما ان الاطر القضائية المتوفرة على خبرة قانونية واسعة والمؤهلة لدرجة التحاك مع القضاة الاخرين لتبادل الخبرات واعطاء الاستشارات غالبا ما تغادر مهنة القضاة ببلادنا اما لتقاعد نسبي واما للعمل بميدان اخر تاركين فراغا مهولا قد لا يعوض في غالبية الاحيان .

ومن جهة اخرى فان اغلب المساعدين التقنيين كالخبراء والمهندسين والاطباء قد لا يقومون بدورهم في الوقت المناسب، واذا قاموا به فانهم غالبا ما يقدمون خبرتهم حجة غير مدروسة علميا .

هذه الاسباب كلها منفردة او متكاملة قد تساهم في خلق صعوبات فنية تنتج عنها اغلاط قضائية قد تكون خطيرة خاصة اذا كانت نهائية .

ونتج عن هذه الاغلاط اضطراب في الحق وبلبلة في الاجتهاد في ظهوره وعدم التطور في اقتصاد البلاد وتخلخل الامن بها .

ومن اغلاط القضاء ما يكون واقعيا منبثقا عن عدم فهم وقائع الدعوى، ومنها ما يكون فنيا ناتجا عن غلط في خبرة خبير وقد تكون اخيرا ناتجة عن عدم تطبيق القانون .
والقرار المعروض على القراء الكرام هو من القرارات التي نتج عنها غلط في القانون .
ادرسوا معنا القرار لنتبين جميعا ما ورد به من اغلاط قانونية ..

القرار الاستعجالي رقم 8664/463 الصادر بتاريخ 9/10/76 عن السيد رئيس المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء .
-------------------------------------------------------------------------------------------------------

باسم جلالة الملك
بتاريخ 14 شوال 1390 الموافق 9 اكتوبر 76 ف 1 -
صدر القرار الاتي نصه من طرف السيد … بصفته قاضيا للامور المستعجلة وبمساعدة السيد … كاتب الضبط
بين السيدة الحاجة فاطنة بنت محمد
الجاعلة محل المخابرة معها بمكتب الاستاذ محامي بالدار البيضــاء
المدعية من جهــــة
وبين السيد محمد بن ميلود الكائن بزنقة الاتحاد رقم 9 بالمدينة القديمة بالدار البيضاء
المدعى عليه من جهة اخــرى

الوقــــائـــــــع

حيث ان المدعية المذكورة بوساطة محاميها الاستاذ . . .
تعرض ان مقالها المسجل بكتابة الضبط لهذه المحكمة بتاريخ 28/3/1976 المؤدى عنه بمقتضاه واجب الرسوم القضائية وقدرها 20.00 درهم حسب الوصل رقم 15704 -

انها تملك المحل الكائن بعنوان المدعى عليه اعلاه وانها تلقت الامر الصريح من عمالة مدينة البيضاء التي الزمتها بهدم المحل واعادة بنائه مخافة السقوط والانهيار لكونه اصبح يشكل خطرا على ساكنه وان المدعى عليه امتنع عن افراغ المحل رغم جميع الوسائل الحبية والرسائل الانذارية .

لذا التمس افراغ المدعى عليه هو ومن يقوم مقامه من المحل المطلوب افراغه مع غرامة تهديدية وكذا التنفيذ المؤقت والصائر .

استدعى الطرفان لجلسة 29/9/1976 بمحضر نائب المدعية واكد مقاله ولم يحضر المدعى عليه رغم توصله بالاستدعاء .
وتقرر اعادة الاستدعاء اليه مرة ثانية لجلسة 10/11/1976 .
ونظرا لكون القضية تكتسي اهمية قصوى تقرر العدول عن تاريخ 10/11/1976 وادراج القضية في جلسة 9/10/1976 .

وبالجلسة المنعقدة بتاريخ 9/11/1976 حضر نائب المدعية واكد مرة ثانية ما جاء في المقال ولم يحضر المدعى عليه رغم توصله .

المحكمــــــــــة

حيث ان المدعية ارتكزت في مقالها الرامي الى افراغ المكتري المدعى عليه من المحل الكائن بزنقة الاتحاد رقم 9 المدينة القديمة بالدار البيضاء .
نظرا لقدم بنائه وحالته التي ينشا عنها خطر كبير .

وحيث اكدت المدعية طلبها بقرار بلدي والمعاينة التي قامت بها مصالح الهندسة التابعة لعمالة الدار البيضاء .
وحيث ان المدعى عليه لم يحضر لينازع في صحة طلب المدعية رغم توصله بالاستدعاء .
وحيث ان المدعية تلقت الامر الصريح من عمالة الدار البيضاء لهدم المحل مخافة السقوط والانهيار لكونه اصبح يشكل خطرا على ساكنه .
وحيث ان المحل الذي يخشى خطر سقوطه، الشيء الذي قد يترتب عليه تعريض حياة الناس لما لا تحمد عقباه- يوجب اخلاءه عاجلا من سكانه .
وحيث قد ثبت ان حالة المحل الذي يشغله المكتري المدعى عليه سيتم هدمه واعادة البناء وهو متداع للسقوط حسب ما جاء في القرار البلدي المذكور اعلاه .
وحيث ان هذه الظروف تبرر افراغ المدعى عليه الذي لا يتوفر له ان يمنع المالكة من هدم المحل واعادة بنائه.

لهذه الاسباب
وبناء على مقتضيات ظهير 5 ماي 1928 -
نحن قاضي المستعجلات -
اذ نبت ابتدائيا وعلنيا
نصرح بقبول الطلب شكلا .

وموضوعا نأمر بافراغ المدعى عليه السيد محمد بن ميلود هو ومن يقوم مقامه من المحل الذي يسكن به على وجه الكراء الكائن بزنقة الاتحاد رقم 9 المدينة القديمة بالدار البيضاء .
وذلك تحت غرامة تهديدية قدرها 10 دراهم عن كل يوم تاخير ابتداء من تاريخ القرار ولمدة 30 يوما يعاد النظر فيها بعدها للمحكمة.
وبجعل الصائر على عاتق المدعى عليه

بهذا صدر القرار في اليوم والشهر والسنة اعلاه بقاعة الجلسات العادية بالمحكمة الابتدائية بالدار البيضاء .

كاتب الضبط

من دراسة القرار يتبين ان المالكة للمحل قدمت بواسطة محاميها مقالا مستعجلا يتضمن طلب افراغ المحل من اجل هدمه واعادة بنائه نظرا لتداعيه للسقوط ونظرا لتوفرها على امر صريح من عمالة البيضاء يقضي بذلك .

وقد استدعى الطرفان لجلسة 29/9/76 فحضر نائب المدعية ولم يحضر المدعى عليه رغم توصله بالاستدعاء الا ان المحكمة قررت اعادة الاستدعاء اليه مرة ثانية لجلسة 10/11/76 ثم عادت بعد ذلك فعدلت عن استدعائه لجلسة 10/11/76 واستدعته لجلسة 9/10/76 الا ان المحكمة اصدرت قرارها بافراغ المحل لجلسة 9/11/76 كما هو واضح من القرار وذلك ضد السيد محمد بن ميلود هو ومن يقوم مقامه من المحل الذي يسكن به على وجه الكراء وذلك تحت غرامة تهديدية 10 دراهم يوميا عن كل يوم تاخير ابتداء من تاريخ القرار لمدة ثلاثين يوما الى اخر القرار .

ان مطالب المدعية مرتكزة في افراغ محل السكنى قصد الهدم واعادة البناء .
وبعد تفحص الملف من طرف القضاء واستدعاء الاطراف لجلسة 10/11/76 ثم العدول عنها واعادة الاستدعاء لجلسة 9/10/76 ثم تبديل الجلسة الاخيرة بجلسة 9/11/76 وهي الجلسة التي صدر فيها القرار كل ذلك قد خلق ارتباكا في هذه القضية وتسبب في عدة اغلاط قانونية منها .
ان توجيه عدة استدعاءات متفاوتة ومتناقضة من حيث الزمن قد يسبب للمتقاضين ارتباكا في الوقت اللازم للحضور خاصة اذا كان هناك ترجرجا بين وقتين متقاربين .

والغلط المسطري في هذه القضية هو كون القاضي الذي عدل عن جلسة 10/11/76 لم ينص بالقرار على لزوم استدعاء المدعى عليه للجلسة الاقرب كما هو منصوص عليه في الفقرة الاولى من الفصل 36 والفقرة السادسة من الفصل 39 من قانون الاجراءات المدنية .

وعدم استدعائه هنا للجلسة الاقرب قد فوت عليه فرصة الادلاء بدفوعه وان عدم الادلاء بالدفوع قد نتج عنه ارتكاب اغلاط قانونية اخرى لابد من بيانها .

ان القرار قد انبنى على وقائع غامضة، ذلك ان المحل المطلوب افراغه هو محل تجاري وليس محلا للسكنى كما هو وارد بالقرار .

ولنفترض ان المحل المطلوب افراغه هو محل للسكنى وليس محلا تجاريا فهل يعتبر هذا القرار المؤسس على طلب افراغ محل للسكنى من اجل هدمه واعادة بنائه قرارا مبنيا حقا على اسس قانونية ؟
بل هل يعتبر تطبيق ظهير 5 / ماي / 28 في هذه النازلة تطبيقا صحيحا ؟

وجوابا على السؤالين المطروحين فاننا نؤكد ان الفصل الثاني من ظهير 5 ماي 28 ينص على : " ان المكتري لعقار او لقسم من عقار باثاثه او في غير اثاث معد للسكنى او لتعاطي تجارة او صناعة او حرفة مستقلة سواء كانت عقدة الكراء بالقول او بالكتابة يمكنه ان يطلب اما التنقيص من كل مبلغ زيد في قيمة الكراء واسقاط الزيادة بتمامها واما ان يصرح بعدم قبول التنبيه المتعلق بافراغ المحل ولو كان التنبيه المذكور موجها في الوقت اللازم، اذا لم تثبت ظروف الحال بكونه صوابيا وكل شرط مخالف لذلك يعد باطلا لا يعمل به قانونا" .

ومن خلال القرار فاننا لا نلاحظ توجيه انذار بالافراغ في مفهوم ظهير 5/5/28 كما اننا لا نلمس ما يشير الى توصل المحكوم عليه بالافراغ بالانذار الذي يقتضيه ظهير 5/5/28 مما يستتبع معه عدم ملاحظتنا اي سكوت للمحكوم عليه عن ذلك الانذار او رفضه." راجع موضوع عقود اكرية المساكن في ظهير 28 للاستاذ احمد افزاز بالعددين 16 و17 من مجلة المحاكم المغربية ."

ذلك لان قاضي ظهير 5/ ماي 28 مقيد فقط بالنظر الى صحة او عدم صحة تنبيه بالافراغ قد وجه فعلا .
وصحة التنبيه بالافراغ تقتضي جدية الاسباب وصوابيتها، الشيء الذي لاوجود له بالقرار الحالي حتى من التصميم الهندسي الذي يشكل سببا جديا في هذا الموضوع .

محكمة الاستئناف بالرباط 6 فبراير مجلة المحاكم المغربية 23/6/53 ، ص 120 " .

ان ضرورة توفر تنبيه بالافراغ في النازلة يكمن في كون السيد قاضي ظهير 1928 وليس القاضي العادي للامور الاستعجالية ولكن المشرع اسند اليه الاختصاص في مادة معينة قصد القيام باجراء معين يتلخص في معاينة صحة او عدم صحة السبب الذي بني عليه التنبيه بالافراغ من طرف المالك الى المكتري لمحل السكنى . "محكمة الاستئناف بالرباط قرار بتاريخ 7 دجنبر 1951 منشور في المجلة المغربية للحقوق 1/6/52 ص 279".

الا ان النازلة هنا تتعلق بمحل تجاري لا تخضع مسطرة افراغه لظهير 5 ماي 28 وانما تخضع لمقتضيات ظهير 24 ماي 55 اذ خلافا للقانون العادي فان عقود الاكرية لا تنتهي الا عن طريق انذار موجه من طرف المؤجر الى المكتري خلال 6 اشهر تبدا من تاريخ تسلم الانذار ويكون ذلك تطبيقا لمقتضيات الفصل 27 منه اذ ان هذا الظهير هو الذي ينظم العلاقات بين المكريين والمكترين للمحلات التجارية كما انه يشكل حماية تابتة للمستاجرين .

ومن تصفح القرار لا نجد اي اثر لتطبيق نصوص هذا الظهير وكان على المحكمة ان تتأكد من هوية المحل التجاري لتسلك طريق المنطق ولتبني قرارها على القانون اي ظ 24 ماي 55 الذي يعتبر بحق ركيزة واقية لحقوق الافراد عامة واقتصاد البلاد خاصة .

ويتجلى من التحليل السابق ان السيد قاضي ظهير 28 الذي اصدر القرار بالافراغ غير مختص في النازلة وكان قمين به ان يصدر قراره بعدم الاختصاص لفائدة قاضي ظهير 24 ماي 55 .

* مجلة المحاكم المغربية، العدد 18، ص: 49 .

موقف القضاء من المسؤولية الطبية في القطاع العام


السيد الحسن سيمو
يمكن القول منذ البداية ان القضاء المغربي - سواء على مستوى المجلس الاعلى او المحاكم - لا يتسم بالتشدد إلا بالنسبة للأطباء الاختصاصيين كما سنرى عند دراسة القرارات والأحكام الصادرة في هذا المجال، وهذا التشدد لا يصل في غالب الأحيان الى درجة تحميل الطبيب الموظف المسؤولية الشخصية عن خطأه الجسيم ما عدا في حالات نادرة جدا، فكثيرا ما تلجا المحاكم الدنيا الى إلباس المسؤولية الشخصية للموظف رداء المسؤولية الإدارية ويتحول الخطا الشخصي بالتالي الى خطا مرفقي مراعاة للمتضرر كي يحصل على حقوق مضمونة وبأسرع وقت ممكن، وهذا الاتجاه يلاقي على الأغلب تأييدا من طرف المجلس الاعلى .

وسوف نقتصر في هذه المداخلة على التطرق لموقف القضاء من المسؤولية الإدارية بدون خطا " نظرية المخاطر " والمسؤولية بناء على خطا مرفقي ( مصلحي) والمسؤولية المبنية ابتداء على خطا شخصي للموظف وانتهاء بتحمل الدولة تبعة التعويضات المحكوم بها على هذا الموظف في حالة إعساره وينظم الاولى والثانية كما هو معلوم الفصل 79 من قانون الالتزامات والعقود، بينما ينظم الثالثة الفصل 80 من نفس القانون.

كما سنتطرق الى حالات الجمع بين المسؤوليتين الإدارية والشخصية في النازلة الواحدة عندما يثبت الخطا المرفقي والخطا الشخصي للموظف بكفية لا مراء فيها، وتتداخل المسؤوليات بنسب مختلفة.
والأمثلة التي سنسوقها تتعلق بقرارات صادرة عن المجلس الاعلى على سبيل الاستئناف او النقض.
---------------------
1) مداخلة بمناسبة الندوة الشهرية المنظمة من طرف محكمة الاستئناف بالرباط يوم الجمعة 28 شتنبر2001.
---------------------
ونختم المداخلة بالإشارة الى جهة الاختصاص بالنسبة لكل حالة على حدة، ومفهوم الدعوى الاحتياطية (مطالبة الدولة في نهاية المطاف بأداء التعويضات المحكوم بها على الموظف المعسر).

أولا : موقف القضاء من المسؤولية الإدارية
في نطاق الفصل 79 من قانون الالتزامات والعقود :
ان المجلس الاعلى لم يكتف في مجال المسؤولية الإدارية بمراقبة تطبيق الفصول القانونية ومدى انطباقها على النوازل المعروضة على أنظار المحاكم الدنيا، بل تعدى ذلك الى شرح وتغيير تلك الفصول (2).
ففيما يتعلق بالمسؤولية الإدارية المؤسسة على مقتضيات الفصل 79 من ق ل ع : أكد المجلس مرارا على ان هذا الفصل يتضمن حالتين : الحالة الأولى تتعلق بالمسؤولية بدون خطا وتمثلها العبارة الأولى من الفصل المذكور …." الدولة والبلديات مسؤلية عن الأضرار الناتجة مباشرة عن تسيير إدارتها …. أما الحالة الثانية فتشملها العبارة الأخيرة من نفس الفصل وتتعلق بالمسؤولية بناء على الخطا …." وعن الأخطاء المصلحية لمستخدميها".

يقول المجلس الاعلى في إحدى حيثيات قراره بهذا الصدد (3) " ان مسؤولية الدولة عن الأضرار الناشئة مباشرة عن تسيير إدارتها تخضع لمقتضيات الفصل 79 من ق ل ع وتترتب هذه المسؤولية عن تسيير مصالح الإدارة ولو بدون خطا ولا تعفى من هذه المسؤولية إلا إذا ثبت ان الضرر يرجع الى خطا ارتكبه الضحية او الى قوة قاهرة".

وجاء في قرار آخر (4) : " الدولة مسؤولة عن الأضرار الناتجة عن تسيير إدارتها مسؤولية مبنية على فكرة المخاطر وليست مبنية على عنصر الخطا، ويكفي لقيام مسؤولية الدولة المبنية على الفصل 79 من ق ل ع إثبات العلاقة السببية دونما حاجة لاثبات الخطا"
-----------------------
2) راجع مداخلتنا بهذا الصدد في العدد : 14 من المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية ( سلسلة مواضيع الساعة) منشورات م م ا م و ت ص : 68.
3) القرار عدد 44 وتاريخ : 23/2/1979 ملف مدني عدد : 43677.
4) قرار عدد 456 وتاريخ 17/11/1979.
-----------------------
لكن المجلس الاعلى استعمل نفس التعليل حتى في حالة المسؤولية الإدارية بناء على خطا مرفقي والمنصوص عليه في الشق الثاني من نفس الفصل (79 من ق ل ع)، إذ جاء في قرار حديث له ما يلي : (5) " وحيث ان التصرف الذي اقدم عليه مركز تحاقن الدم ينطوي على خطا جسيم ليس في حاجة الى إثبات، لان أوراق الملف ومستنداته ووقائع الدعوى لا تدع مجالا للشك في ثبوت مسؤولية احد المرافق التابعة للدولة".

وإذا كان المجلس الاعلى قد تبنى تعليلات المحكمة الإدارية (6) وانتهى الى تأييد حكمها مبدئيا مع رفع التعويض المتعلق بالمصاريف الطبية والتنقل فانه اختلف معها أولا في وصف درجة الخطا وثانيا في الاستغناء عن إثباته، ذلك ان المجلس جارى الوكيل القضائي في المناقشة المتعلقة بعدم توفر الخطا الجسيم لقيام مسؤولية الدولة، مع ان الفصل 79 المذكور لا يشترط جسامة الخطا المصلحي لقيام مسؤولية الدولة، بخلاف ما هو عليه الحال في الفصل 80 من نفس القانون، ولو كانت نية المشرع متجهة الى ذلك لنص عليه أيضا في صلب الفصل 79 من القانون المذكور مثلما فعل أيضا في الفصلين 82 و83 من نفس القانون بالنسبة لقيام مسؤولية الأشخاص العاديين .

ومن جهة ثانية يلاحظ ان المجلس الاعلى المتضرر من إثبات الخطا الجسيم عندما صرح بان هذا الخطا ليس في حاجة الى إثبات وكأنه بهذا التعليل يلبس المسؤولية الإدارية بناء على خطا رداء المسؤولية الإدارية بدون خطا، إذ سبق ان قرر في قراره السالف ذكره عدد 456 وتاريخ 17/11/1978 ان مسؤولية الدولة المبنية على فكرة المخاطر طبقا للشق الأول من الفصل 79 من ق ل ع يكفي لقيامها إثبات العلاقة السببية دونما حاجة لاثبات الخطا، فهل استعمال التعليل الأخير من طرف المجلس في صلب القرار موضوع المناقشة : أي قضية مركز تحاقن الدم معناه انه أراد ان يؤسس
-----------------------------
5) قرار عدد 267 وتاريخ 26/3/1998 في الملف الإداري عدد 180/5/1/97.
6) حكم المحكمة الإدارية بالرباط عدد 144 وتاريخ 20/6/96 في الملف عدد 48/94.
-----------------------------
هذه المسؤولية على الشق الأول من الفصل 79 المتعلق بفكرة المخاطر، أي قيام المسؤولية الإدارية بدون خطا بالرغم من مناقشته لها أول الأمر على أساس المسؤولية المبنية على الخطا المرفقي طبقا للشق الثاني من نفس الفصل 79.

وفي قرار آخر (7) صادر عنه سنة 1994 يناقض تماما ما جاء في القرارين السالف ذكرهما، فهو يساوي بين المسؤولية الإدارية بدون خطا والمسؤولية الإدارية بناء على الخطا المصلحي بخصوص إثبات الخطا المصلحي بعلة ان مسؤولية الدولة طبقا للفصل 79 بشقيه لا تفترض. ومما جاء في القرار : " طبقا للفصل 79 من ق ل ع فان مسؤولية الدولة عن الأضرار الناتجة مباشرة عن تسيير إدارتها، او عن الأخطاء المصلحية لمستخدميها لا تفترض، وانما لا بد من إثبات الخطا المصلحي المنسوب الى احد موظفيها، الملف الحالي خال مما يفيد نسبة الخطا المصلحي الى الهيئة الطبية لمستشفى ابن زهير بمراكش التابع للدولة".

وهكذا يلاحظ من خلال قراءة هذه الحيثيات ان هذا القرار ناقض القرار السابق الصادر في 17/11/1978 كما يتناقض مع القرار اللاحق عليه الصادر في 26 مارس 1998 المتعلق بقضية مركز تحاقن الدم، من حيث انه أوجب إثبات الخطا حتى بالنسبة للمسؤولية بدون خطا كما انه اقر بضرورة إثبات الخطا ( وهو عين الصواب) بالنسبة للمسؤولية الإدارية المبنية على الخطا المصلحي طبقا للشق الثاني من الفصل 79 المذكور خلافا لموقفه في قضية مركز تحاقن الدم - موضوع هذه المقارنة - والتي صرح في قراره الصادر بشأنها في 26/3/1998 بان الخطا الجسيم " الخطا المصلحي" ليس في حاجة الى إثبات .

وموقف المجلس هذا يثير عدة تساؤلات :
التساؤل الأول : لماذا يعفي المجلس المتضرر من إثبات الخطا الجسيم ( للتذكير فدرجة الجسامة غير منصوص عليها في الفصل 79 من ق ل ع) لقيام المسؤولية الإدارية بناء على الخطا المصلحي، ويوجبها عليه إذا كان الخطا عاديا ؟
-----------------------
7) القرار عدد 2391 وتاريخ 6/7/1994 الوكيل القضائي ضد احمد بن عمر .
---------------------
التساؤل الثاني : لماذا يعتبر مسؤولية الدولة مفترضة ويعفي المتضرر من إثبات الخطا الجسيم، في حين يعتبر مسؤولية الدولة غير مفترضة ويوجب على المتضرر إثبات الخطا المصلحي ( الخطا العادي) مع ان الأمر يتعلق في الحالتين معا بالشق الثاني من الفصل 79 ؟
التساؤل الثالث : هل يمكن استعارة مقتضى له حكم محدود لاستعماله في مقتضى آخر له حكم مخالف، وبمعنى آخر هل يمكن إلباس المسؤولية الإدارية بناء على خطا مصلحي رداء المسؤولية الإدارية بناء على فكرة المخاطر ( أي المسؤولية بدون خطا) ؟
هذه التساؤلات نتمنى من المجلس الاعلى ان يجيب عنها في قراراته القادمة.

ثانيا : موقف القضاء المغربي من المسؤولية الشخصية
ينص الفصل 80 من قانون العقود والالتزامات على ما يلي : " مستخدمو الدولة والبلديات مسؤولون شخصيا عن الأضرار الناتجة عن تدليسهم او عن الأخطاء الجسيمة الواقعة منهم في أداء وظائفهم".
حسب هذا الفصل فالموظفون او المستخدمون مسؤولون شخصيا عما ذكر بصفة أصلية وتبقى مع ذلك مسؤولية الدولة معلقة على سبيل الاحتياط في انتظار التأكد من يسر او عسر الموظف المحكوم عليه بتعويض الضرر، فإذا ثبت عسره أصبحت الدولة مسؤولة بحكم القانون عن الخطا الشخصي لموظفيها بحيث يتحول هذا الخطا الشخصي عمليا في نهاية المطاف الى خطا مرفقي يحصل المتضرر على حقوقه سواء في نطاق الفصل 79 من ق ل ع بشقيه ( أي المسؤولية بدون خطا - والمسؤولية بناء على خطا مرفقي) او في نطاق الفصل 80 من نفس القانون بناء على الخطا الشخصي للموظف .

وهكذا صرح المجلس الاعلى في إحدى قراراته (8) بما يلي : " لا تضمن الإدارات حسب التشريع الجاري به العمل أخطاء أعوانها الشخصية إلا في حالة عسر هؤلاء" كما صرح في قرار آخر (9) " ان طلبات المدعي الرامية الى مطالبة الدولة بأداء المبلغ المحكوم به على الموظف المعسر تعتبر في محلها تطبيقا للفصل 80 من ق ل ع".
-------------------
8) القرار عدد 185 وتاريخ 2/5/1962.
9) القرار عدد 835 وتاريخ 26/10/1971 محمد بن العربي ضد الدولة المغربية.
----------------------

ثالثا : المسؤولية المشتركة او تشطير المسؤولية
لا يمكن الحديث عن هذه المسؤولية دون الحديث عن جهة الاختصاص، فالمسؤولية الإدارية دون خطا وبناء على خطا مصلحي ( مرفقي) أصبحت بعد إحداث المحاكم الإدارية في مارس 1994 من اختصاص هذه الأخيرة، وبقي الاختصاص قائما للمحاكم العادية بخصوص المسؤولية الشخصية طبقا للفصل 80 من نفس القانون، لكن هناك حالات دقيقة تتطلب من القضاء والدفاع على السواء الانتباه إليها في حينها حتى لا يتعرض المتضررون للتقاذف بين المحاكم الإدارية والعادية ويسقطون في فخ الاجراءات المتكررة والطويلة المؤدية الى تأخير تعويضهم عن الأضرار اللاحقة بهم بعد فوات الأوان.

الحالة الأولى : رفع الدعوى بكيفية مصححة الى المحكمة الإدارية في نطاق الفصل 79 من ق ا ع بقصد التصريح بمسؤولية الدولة بدون خطا او بناء على خطا مصلحي .

الحالة الثانية : رفع الدعوى بكيفية صحيحة الى المحكمة العادية في نطاق الفصل 80 من نفس القانون بقصد التصريح بمسؤولية الموظف عن خطاه الشخصي.

الحالة الثالثة : رفعها بكيفية جزافية الى المحكمة الإدارية التي تبين لها من خلال المناقشات ان المسؤولية ناتجة عن خطا مصلحي وآخر شخصي حيث يتعين على المتضرر ان يدخل الموظف المساهم في الضرر بخطاه الشخصي في الدعوى ليحكم عليه الى جانب الدولة بأداء الجزء من التعويض المعادل لنصيبه في المسؤولية، وهنا لا يجوز للمحكمة الإدارية ان تصرح بعدم اختصاصها بالنسبة للجزء من المسؤولية لان القاضي الإداري يصبح في مثل هذه الحالة قاضيا اصليا لكل من التعويض عن الضرر الناتج عن الخطا المصلحي والتعويض عن الضرر الناتج عن الخطا الشخصي وذلك استنادا الى مبدا عدم تجزئة الأحكام ومبدا مراعاة حسن سير العدالة .

الحالة الرابعة : دفع الدعوى بكيفية جزافية الى المحكمة العادية التي اتضح لها هي الأخرى أثناء نظر الدعوى ان المسؤولية مشتركة حيث يتعين على المتضرر إدخال الدولة في الدعوى للحصول على تعويض عن الضرر الذي لحقه من جراء الخطا المرفقي ويجب على المحكمة العادية ان تبث في التعويضين معا عن الضرر الناتج عن الخطأين المصلحي والشخصي استنادا الى الفصل 18 من قانون المحاكم الإدارية 41/90 (10) الذي يعطيها هذا الحق (11).

الحالة الخامسة : عندما يثبت إعسار الموظف المحكوم عليه بالتعويض عن الأضرار الناتجة مباشرة عن خطاه الشخصي فان المتضرر يتعين عليه طبقا للفصل 80 من ق ل ع ان يطالب الدولة بأداء التعويض المذكور، وهذه المطالبة في نظري المتواضع لا ينبغي بالضرورة ان تتم في شكل دعوى بالأداء، لان كل المساطر والإجراءات التي تمت في الدعوى الأصلية تغني عن إقامة دعوى جديدة بنفس المساطر والإجراءات والمناقشات لان من شان إقامة دعوى جديدة والحالة هذه تحميل المتضرر أعباء وتكاليف إضافية غير مبررة وإضاعة مزيد من الوقت والجهد هو في غنى عنه، لذا فالأجراء العادل والمنطقي يمكن في تقديم الحكم النهائي والوثائق المثبتة للعسر الى قسم التنفيذ لدى المحكمة المختصة لمتابعة التنفيذ على أموال الدولة عوض أموال الموظف الثابت إعساره، وذلك تفاديا للمزيد من معاناة المتضرر الطويلة .
---------------------
10) هذه الحالة عالجها ذ. عبد الله حداد في مؤلفه " القضاء الإداري المغربي على ضوء القانون المحدث للمحاكم الإدارية ( طبعة 1994).
11) أشار إليها أيضا ذ. احمد ادريوش في مؤلفه " مسؤولية مرافق الصحة العمومية" طبعة 1999.
--------------------

* مجلة المحاكم المغربية، عدد 90، ص 51.

ملاحظات حول طبيعة مسطرة العقوبـــة التأديبيـــة

طيب محمد عمر محام بهيئة الدار البيضاء
تطرح بعض الصعوبات العملية، عند تنفيذ مقررات مجالس هيئات المحامين، بعد تاييدها من طرف محكمة الاستئناف او تعديلها مع الابقاء على مبدا الادانة.

ومرجع هذه الصعوبات يكمن في الجواب عن السؤال التالي :
هل ان الطعن بالنقض ضد القرارات الصادرة عن محكمة الاستئناف يوقف تنفيذ العقوبة التي تم القضاء بها، او لا يوقفه؟

وللجواب عن هذا التساؤل لا بد من تحديد الاطار الذي تباشر فيه الدعوى التأديبية، والقول هل هي اقرب الى المسطرة الجنائية، وبالتالي فأجل النقض وكذا طلب النقض يوقفان التنفيذ، او الى المسطرة المدنية، حيث لا يجدي الطعن بالنقض في ايقاف التنفيذ، وكل ذلك بعد استعراض بعض اوجه التشابه والاختلاف بين العقوبتين التاديبية والزجرية، ومسطرة كل واحدة منهما.
* * *
اوجه التشابه بين العقوبتين
التاديبية والزجرية:
النقاش الفقهي مستفيض حول تمثيل الدعوى التاديبية بالدعوى الجنحية من جهة، وتمثيلها بالدعوى المدنية من جهة اخرى.

ويذهب القائلون بوجود التماثل في الطبيعة بين العقوبتين التاديبية والجنائية الى القول بان ما يوجد من اختلاف بين العقوبتين، انما هو مجرد اختلاف سطحي ظاهري، ناتج من كون نطاق تطبيق العقوبتين مختلف، فالعقوبة التاديبية تسري في نطاق مجتمع مصغر هو مجتمع وظيفة عامة او مهنة حرة، لان في ذلك حماية للصالح العام، والعقوبة الزجرية تسري في نطاق المجتمع ككل هدفها كذلك المحافظة على الصالح العام.

فبينما يستهدف العقاب الزجري ردع مرتكب الجرم، وارضاء الشعور الجماعي العام، واعادة التوازن اليه، نجد ان العقوبة التاديبية لا تبتعد في راي العميد " دوجي" عما سبق ذكره من اهداف، وهي زجر مرتكب المخالفة وردع غيره واعادة التوازن الى الطائفة الوظيفية او المهنية.

ومن بين الوسائل دفاع هذا الصنف من الفقهاء، القول بان كلا من السلطتين التاديبية والزجرية ملزمتان بتوقيع ما تم النص عليه من عقوبات حصرا في القانون دون غيرها.

يضاف الى ذلك مبدا وحدة العقوبة وشخصيتها، بحيث ان الجريمة الواحدة او الخطأ الواحد لا تطاله الا عقوبة واحدة، كما ان العقوبة لا تمتد الى الغير.

ثم ان كلا من الدعويين التاديبية والزجرية تستهدفان عقابا ينطوي على معنى الايلام والمساس بالشرف.
وان كلا من الدعويين التاديبية والجنحية يتحدان في الشكل والاجراءات المتبعة.
ومؤدى هذه الفكرة ان العقوبة التاديبية متجهة نحو الشكل القضائي، وهو ما يعرف بمبدا " قضائية العقوبة التاديبية"، la juridictionnalisation des peines.

فالعقوبة التاديبية مثلا في ظل قانون المحاماة يسبقها ما يسبق الدعوى الزجرية من اجراءات وضمانات، ومن ذلك اعطاء الحق للوكيل العام للملك في المطالبة بتحريك المسطرة التاديبية، ومن ذلك التحقيق في المتابعة حضوريا ( الفصل 84)، واعطاء الحق للمحامي المتابع في ان يطلع على جميع وثائق الملف، واستدعائه قبل تاريخ الجلسة بثمانية ايام بواسطة رسالة مضمونة مع الاشعار بالتوصل، وحضوره شخصيا او استعانته بمحام لمؤازرته ( الفصل 85).
وعدم صدور اية عقوبة تاديبية دون الاستماع للمحامي المتابع او استدعائه داخل الاجل المشار اليه ( الفصل 86).
ثم تبليغ المقرر التاديبي الى المحكوم عليه والى النيابة العامة ( الفصل 87).
واعطاء الوكيل العام للملك حق السهر على تنفيذ العقوبات التاديبية في جميع الاحوال (الفصل 81).
* *
اوجه الاختلاف بين العقوبتين
التاديبية والجنائية:
هناك اختلاف بين الدعويين من حيث تطبيق المبادئ القانونية العامة.
ففيما يخص مبدا قانونية العقوبات نجد ان القانون الجنائي لا يمد سلطانه الا الى افعال محددة بشكل دقيق دون غيرها، بينما في المجال التاديبي يبقى الباب مفتوحا لتحديد ما يعتبره الجهاز المسؤول عن الطائفة الوظيفية او المهنية، اخلالا بالشرف او اللياقة او النزاهة او المروءة.

وبخصوص مبدا التناسب بين الجريمة والعقوبة نجد في المجال الزجري تحديدا للجرائم والعقوبات المقابلة لها، أي ان هناك مبدا الشرعية فيما يتعلق بالجريمة والعقوبة على حد سواء، بينما الامر على العكس من ذلك في المجال التاديبي، اذ العقوبات محددة قانونا، الا ان تحديدها غير مقرون بافعال معينة تطالها تلك العقوبات.

لذلك، فان الدعوى الزجرية تستهدف عقاب جريمة متوافرة الاركان، فلا عقاب ما لم يتحقق ذلك، اما العقوبة التاديبية فتستهدف سلوكا معينا وعدم مراعاة لقواعد وتنظيمات مهنية معينة.

ان العقوبة الزجرية تستهدف حرية المحكوم عليه او ماله، والامر على العكس من ذلك في الدعوى التاديبية التي تستهدف ضمان حسن سير الهيئة بانتظام وتوازن، بانذار او توبيخ او ايقاف من يخل بذلك الانتظام والتوازن، او التشطيب عليه، او حرمانه من الصفة الشرفية.

وهناك فارق آخر يتجلى في اختلاف السلطة الموقعة للعقوبة، فبينما تختص بتوقيع الجزاء التاديبي سلطات متعددة، هي مجلس الهيئة مثلا، ومحاكم الاستيناف في نطاق جرائم الجلسات، وكدرجة ثانية للبت في مقررات مجالس الهيئات، نجد ان الجزاء الزجري لا تختص بايقاعه الا المحاكم الجنحية وحدها وفقا لاجراءات محددة في قانون المسطرة الجنائية.

يضاف الى ذلك ان العقوبة التاديبية يمكن الحكم بها ولو لم يتصف الفعل باي وصف جنائي، او قررت السلطة القضائية المختصة حفظ ملف القضية او أبرأت المحكمة الزجرية ساحة المتابع.

والقاعدة القائلة بان الشك يفسر لمصلحة المتهم في المجال الزجري لا تجد تطبيقا لها في الميدان التاديبي، اذ الشك نفسه هو اساس توقيع العقاب التاديبي.

ان المحاكمات الزجرية كقاعدة عامة لا بد ان تتم بصورة علنية، بينما المحاكمات التاديبية لا تتم الا في اطار السرية سواء امام مجالس التاديب او امام القضاء.
* *
اوجه الاختلاف من حيث المسطرة المطبقة:
ان المتفق عليه في الفقه الحديث ان نظام التاديب ليس فرعا من قانون العقوبات ولا من مشتقاته، بل انه جزء من القانون الاداري، وبالتالي تطبق عليه المسطرة المدنية وحدها دون المسطرة الجنائية، او كما يقول الاستاذ جارسون، ان العقوبات التاديبية بطبيعتها لا تعتبر من العقوبات الزجرية، بقدر ما هي وسائل ضمان النظام الداخلي لهيئة من الهيئات، ولحماية المصلحة العامة والسلطة المعنوية للطوائف الوظيفية والمهنية المختلفة (مذكرات في القانون الجنائي طبعه1901، الفقرات 1 و11).

ولتاكيد ذلك على الواقع العملي نبدي الملاحظات الموجزة الاتي بيانها :
ان القانون الصادر بتاريخ 5/6/1979 المنظم لنقابات المحامين ومزاولة مهنة المحاماة لم يرد فيه نص صريح خاص على تبني المسطرة الجنائية او المسطرة المدنية.
وتطبيقا لمقتضيات الفصل الثالث من الظهير الشريف بمثابة القانون الصادر بتاريخ 28/9/1974 للمصادقة على نص قانون المسطرة المدنية، فان مقتضيات قانون المسطرة المدنية تطبق في القضايا التي تنظمها نصوص تشريعية وتنظيمية خاصة اذا لم يرد في هذه القوانين نص صريح خاص بها.

ان الدعوى العمومية التي تحكمها قواعد المسطرة الجنائية الغرض منها المصلحة العامة للمجتمع، ويقيمها ويتابعها رجال القضاء، او الموظفون المعهود اليهم بها بمقتضى القانون، ويمكن للمتضرر نفسه ان يقيمها.

اما الدعوى التاديبية التي تحكمها قواعد المسطرة المدنية فتستهدف اساسا مصلحة هيئة او طائفة مهنية معينة كمهنة المحاماة التي هي مهنة حرة ومستقلة، ولا تقدم المتابعة الا لمجلس الهيئة وحده.

ان الطعن في مقررات مجلس الهيئة تقدم بمقال يوضع بكتابة الضبط بمحكمة الاستئناف ( الفصل 119).
بينما الطعون المنظمة بموجب ظهير المسطرة الجنائية تقدم كلها بتصريح شفوي الى كتابة الضبط ( الفصول 373،385، 406، 426، 577 من قانون المسطرة الجنائية).

ان الجلسات الجنحية لا بد ان تنعقد في اطار العلانية ولا تنعقد سريا الا استثناءا وفي حالات خاصة.
بينما مجلس الهيئة يبت تاديبيا في اطار السرية، ومحكمة الاستئناف تبت بغرفة المشورة مكونة من خمسة قضاة وفي اطار السرية ايضا.

ان الطعن بالنقض الذي يمارسه الوكيل العام للملك والمحامي المتضرر وكذا النقيب يقدم وفقا للشروط والقواعد والاجال العادية.

وما هذه الشروط والقواعد والاجال العادية الا محددة في المسطرة العادية التي هي المسطرة المدنية، لان الطعن بالنقض لا يقدم بتصريح طبقا للفصل 577 من ظهير المسطرة الجنائية، بل يقدم بواسطة مقال مكتوب موقع عليه من طرف محام مقبول للترافع امام المجلس الاعلى طبقا لمقتضيات الفصل354 من قانون المسطرة المدنية.

والمقال المكتوب ترفق به نسخة الحكم النهائي تحت طائلة عدم القبول، خلافا لما عليه الحال في المسطرة الجنائية.

والوجيبة القضائية المؤداة ليست هي 200 درهم طبقا لمقتضيات الفصل 581 من ظهير المسطرة الجنائية، بل هي الوجيبة المنصوص عليها في المرسوم المتعلق بالصوائر والوجيبة القضائية في المادتين المدنية والتجارية.

واجل رفع عريضة الطعن بالنقض هو ثلاثون يوما ابتداء من يوم تبليغ الحكم المطعون فيه لا ثمانية ايام كما تقضي بذلك احكام الفصل 578 من ظهير المسطرة الجنائية، او عشرين يوما ابتداء من تاريخ التصريح طبقا لمقتضيات الفصل 579 من القانون نفسه.

ان التعديل الذي ادخل على المسطرة الجنائية بظهير18/9/1962 اصبح معه الاثر الواقف للاستئناف مقيدا، فالفصول 384، 406، 425 تقضي بان الاستئناف يوقف تنفيذ الحكم ما لم يقرر القاضي خلاف ذلك بناء على طلبات النيابة العامة، فتكون الاحكام الجنائية تاسيسا على ذلك قابلة للتنفيذ المؤقت عندما تامر به المحكمة بناء على طلبات النيابة العامة.

في حين ان هذا الحق ليس مخولا لمجلس الهيئة مثلا، الذي لا يمكنه ان يامر بالتنفيذ المؤقت لقراراته التي يوقف تنفيذها اجل الاستئناف والاستئناف نفسه تطبيقا لمقتضيات الفصل 134 من ظهير المسطرة المدنية، اللهم ما كان من الاستثناء المنصوص عليه في الفصل 78 من القانون المنظم للمهنة، حيث يمكن لمجالس الهيئات، وفي حالة الضرورة القصوى، ان تصدر مقررا معللا باسباب، لمنع كل محام من مزاولة المهنة بصفة مؤقتة، عند فتح متابعة جنائية ضده لاسباب مهنية، للحفاظ على مصالح الزبناء المتضررين، وذلك اما تلقائيا، او بطلب من النقيب او الوكيل العام للملك، وشريطة اتخاذ المقرر بالاغلبية المطلقة لاعضاء المجلس، مع تطبيق الشروط ذاتها لوضع حد لذلك المنع المؤقت، تلقائيا او بطلب من المعني بالامر.
ان المجلس الاعلى لم يسبق له نهائيا ان بت في طلب نقض يتعلق بالتأديب من طرف الغرفة الجنائية، بل من طرف الغرفة المدنية او الادارية.
* *
واخيرا واعتبارا لكون النقاش المسطر اعلاه، ينصب بالاساس على مقتضيات الفصل 77 من القانون المنظم لمهنة المحاماة، فيمكن تلخيص تأويله بالقول بان المقرر القاضي بالايقاف او بالتشطيب يصبح قابلا للتنفيذ بمجرد مرور ثمانية ايام كاملة على تبليغه تبليغا قانونيا للمعني بالامر بواسطة رسالة مضمونة مع الاشعار بالتوصل اليه شخصيا او في مكتبه او في المكتب الذي يمارس فيه بصفته مساعدا او متمرنا، او الى مقر سكناه، ودون ان يطعن فيه، وبمجرد تبليغه قرار محكمة الاستئناف المؤيد او المعدل للمقرر المتخذ ابتدائيا، ما لم يستصدر المعني بالامر قرارا من المجلس الاعلى بايقاف التنفيذ طبقا لمقتضيات الفصل 361 من قانون المسطرة المدنية.

هذا، واعتقد ان منع تقييد المحامي الموقوف او المشطب عليه بالجدول او بلائحة التمرين لنقابة اخرى، ليس موقوفا على صيرورة المقرر قابلا للتنفيذ، بل ان ذلك المنع يسري حتى قبل ذلك، لاننا سنكون امام احدى فرضيتين، اما صدور مقرر وصيرورته نهائيا نتيجة عدم الطعن فيه، واما صدوره مع الطعن فيه. وفي هذه الحالة يبقى امام النقابة المقدم اليها طلب التسجيل بالجدول او باللائحة اما ان تقرر الرفض قبل صدور قرار محكمة الاستئناف، واما ان تنتظر صدوره تلافيا لاتخاذ مقرر قد يكون مخالفا للفقرة الاخيرة من الفصل 77 وقفا على قرار محكمة الاستئناف المنتظر صدوره. والنتيجة في الفرضيتين معا واحدة، وهي عدم امكانية تقييد المحامي الموقوف او المشطب عليه بجدول نقابة اخرى او بلائحة التمرين.
* * *
وفي الختام ارى لزاما القول بان تدخل المشرع لاعطاء مجالس الهيئات حق جعل قراراتها مشمولة بالنفاذ المعجل، كما فعل القانون الفرنسي المنظم لمهنة المحاماة، والصادر بتاريخ 9/6/1972 ( الفصلين 124 و125)، سيكون فيه علاج لبعض الوضعيات الخاصة، وضمان لحسن سير المهنة وللصالح العام، مع تقييد هذا الحق بالنص على ضرورة توافر شروط خاصة، كحالة الضرورة القصوى، واتخاذ مقرر معلل باسباب، وصدوره عن الاغلبية المطلقة لاعضاء المجلس.

الأستاذ طيب محمد عمر

* مجلة المحاكم المغربية، عدد 38، ص 45.

أحكام التعاقد بالنيابة في ضوء التشريع المغربي

للأستاذ محمد اوغريس نائب الوكيل العام للملك
لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء
مقدمة :
من المبادئ المقررة في ميدان التعاقد ان العقد لا يلزم الا من كان طرفا فيه، فأثاره لا تنصرف الا الى متعاقديه بالذات ما دام قد ارتضيا ذلك.
غير هذه القاعدة ليست مطلقة، اذ قد يحدث أحيانا، وهذا جائز قانونا، ان يتعاقد شخص نيابة عن غيره فتنصرف آثار التعاقد مباشرة الى هذا الغير كما لو كان قد باشر العقد بنفسه فتترتب له الحقوق ويتحمل بالالتزامات الناشئة عنه، ويكون للأصيل الحق في المطالبة بها بنفسه كما يطالب بتنفيذ الالتزامات.
والتعاقد بالنيابة يقتضي حلول إرادة النائب محل إرادة الأصيل في إبرام تصرف قانوني باسم الأصيل ولحسابه وذلك ضمن حدود النيابة المرسومة له.
والتعاقد بالنيابة وليد التطور التاريخي بعد ان اختلف في تبيان أساسه وهو ذو فائدة كبرى في الحياة العملية.

وعليه، فسنتحدث عن أساس التعاقد بالنيابة، فائدته في الحياة العملية ثم نبين موقف التشريعات الحديثة منه بعد الحديث عن التطور التاريخي له وذلك قبل الحديث عن أحكام التعاقد بالنيابة التي سنتناولها في فصلين اثنين : الفصل الأول نعرف فيه بالنيابة، ونقارن بينها وبين الأوضاع المشابهة لها مع بيان أنواعها، وفي الفصل الثاني شروطها وأثارها.

1- أساس التعاقد بالنيابة :
اذا النائب هو الذي يبرم العقد، فان الأصل هو الذي تنصرف اليه أثاره إيجابية كانت ام سلبية، الأمر الذي يدعو الى التساؤل عن الأساس الذي تستمد منه النيابة مصدرها، حتى يمكن التسليم بانصراف آثار التعاقد الى شخص لم يكن طرفا فيه.
فما هو اذن الأساس الذي نبغي الاعتماد عليه من اجل تفسير الارتباط القائم بين إرادة الأصيل ارادة النائب؟
لقد اختلف الفقه بين قديم وحديث في ايجاد أساس قانوني لنظرية التعاقد بالنيابة.
فالفقهاء القدامى الذين درسوا الموضوع اختلفوا في تبيان أساسه، فلقد ذهب الفقه بويته ومن بعده فقهاء القرن التاسع عشر الى ان أساس ارتباط ارادة الأصيل بارادة النائب يقوم على مجاز او افتراض قانوني.
فالنائب وان كان يتقمص شخصية الأصيل ويتكلم بلسانه، ويحل ارادته محله، فان الأصيل هو الذي يعد عاقدا وبالتالي فان آثار العقد موجبة كانت ام سالبة تنصرف اليه وحده على الرغم من ان النائب هو الذي ابرم العقد مع الغير (1).
----------------------
(1) السنهوري - مصادر الحق - صفحة 168.
ماجد الحلواني - نظرية الالتزام - الجزء الأول، صفحة 72.
زهدي يكن - شرح قانون الموجبات والعقود - الجزء الرابع صفحة 61.
انور سلطان - النظرية العامة لالتزام - الجزء الأول، صفحة 58.
---------------------
غير ان هذا الراي لم يسلم من النقد لكونه لا ينسجم مع الواقع. ففي النيابة القانونية يستحيل القول بان النائب يتكلم بلسان الأصيل، اذ نجد الأصيل قد يكون عديم الاهلية او ناقصها كما ان النائب في النيابة الاتفاقية قد يمنح نصيبا من حرية التقدير مما يميزه عن الرسول الامر الذي يستعصي معه القول بان يتقمص شخصية الاصيل.
ولقد ظهر الى جانب هذا الراي، راي فقهي اخر يرى ان النيابة هي حصيلة تعاون مثمر بين ارادة النائب وارادة الاصيل، واول من قال به هو العلامة سافيني.
فارادة الاصيل قد تشترك الى جانب ارادة النائب مما يجعل لكل واحد منهما نصيبه في ابرام العقد والقول بالتالي بوجوب الاعتداد بكلا الارادتين .
غير انه لم يلبث ان تبين ان هذا الراي اذا كان يصدق على النيابة الاتفاقية التي تشترك فيها ارادة النائب عند ابرام العقد فانه لا يصدق على النيابة القانونية التي تكون ارادة الاصيل فيها منعدمة او ناقصة (2).
------------------------
(2) يرى بعض الفقه ان درجة اشتراك ارادة الاصيل الى جانب ارادة النائب تتفاوت بتفاوت حرية التقدير والتصرف المخولة للنائب في النيابة الاتفاقية على خلاف النيابة القانونية التي تنفرد فيها ارادة النائب وحدها بابرام التصرف.
والى جانب الرايين السابقين توجد نظريتان اولهما ترى ان اساس التعاقد بالنيابة هو ارادة الاصيل وثانيهما ارادة النائب.
فالاولى التي تعتمد على ارادة الاصيل ترى ان الارادة لا تلزم الا صاحبها فينبغي اعتبار العقد منعقدا بارادة الاصيل وهي ارادة نقلها النائب الى الغير. فالنائب لا يعدو ان يكون سوى مجرد وسيط يقتصر دوره على نقل ارادة الاصيل الى الغير.
ويؤخد على هذه النظرية كذلك انها لم تحدد طبيعة النيابة كما انها لم تعط تفسيرا واضحا لحالات النيابة ( انور سلطان - امرجع السابق - صفحة 69، 70. السنهوري - المرجع السابق - الصفحة 152).
----------------------------
اما افقه الحديث فيذهب الى ان اثار العقد التي تنصرف الى الاصيل اساسها مبدا سلطان الارادة. فارادة النائب وارادة الغير المتعاقد معه بامكانهما ان يضيفا اثار التعاقد الى الاصيل خصوصا وان القانون هو الذي يكون قد قضى بذلك او ان ارادة الاصيل هي التي ارتضت التصرف ورغبت في ذلك لما لها من مصلحة فيه.
ولعل مبدا سلطان الارادة الذي اهتدى اليه الفقه الحديث من اجل تفسير التعاقد بطريق النيابة افضل معيار وذلك لما لارادة الشخص من قدرة منشئة للتصرف (3).

2- فائدة التعاقد بالنيابة :
يلعب نظام التعاقد بالنيابة دورا هاما في الحياة العملية، فهو نظام كثير الشيوع تزداد اهميته يوما بعد يوم بحكم المعاملات التي يجريها الاشخاص وخاصة في المجال التجاري. (4)
فقد تدعو الضرورة احيانا اللجوء الى نظام النيابة، فتضحى ضرورية كما هوالشان في الحالة التي يكون فيها شخص الاصيل غير متمتع بالاهلية.
--------------------------
= اما النظرية الثانية فترى ان اساس التعاقد بالنيابة هو ارادة النائب وحدها وان العقد ينعقد بارادته والعلة في ذلك ان النيابة تؤدي الى انفصال السبب عن الاثر القانوني المترتب عنه والسبب وان كان من عمل النائب، فان الاثار المترتب عنه يضاف الى الاصيل مباشرة.
غير انه يؤخذ على هذه النظرية انها لم تبين الاساس الذي من اجله انفصل السبب عن الاثر واضيف الاثر المترتب عنه للاصيل.
(3) فرج الصدة - المرجع السابق - صفحة 134.
(4) يذهب روبير الى القول في هذا الصدد :
En dehors même des cas ou il est nécessaire le remplacemet d'une persone par une autre est commode et avantaguese. Il facilité trés notablement d'extension de l'activité juridique des particulierrs et par là, le développement des rapports d'affaires. (Traité pratique du droit civil, tome 8, page 71).
-----------------------------
اللازمة لمباشرة التصرف كالقاصر او المجنون مثلا (5) او كما هوالشان بالنسبة للحارس القضائي الذي يتولى النيابة عن غيره في ادارة امواله والمحافظة عليها او السنديك الذي يمثل المفلس ودائنيه في ادارة امواله.
غير ان هذا لا يعني ان النيابة تكون دائما ضرورية بل على العكس من ذلك فقد تستجد ظروف وحالات تقضي فيها مصلحة الاصيل بانابة الغير عنه، كما لو كان مسافرا ولا تسمح له الظروف بابرام العقد، او بعيدا عن مكان ابرامه وخاف من ضياع صفقة رابحة فينيب عنه الغير فيها لكونه يملك من المؤهلات ما يجعله كفئا للتعاقد فتكون النيابة حينذاك نافعة.
فالاصيل بفضل التعاقد بالنيابة يضحى اما دائنا او مدينا في التصرف على الرغم من انه لم يبرمه بذاته او لم يشارك فيه ساعة ابرامه.
وفي هذا المعنى ذهب الاستاذ عبد الفتاح عبد الباقي القول " ان النيابة نظام جليل الفائدة، واعماله كثير الشيوع في العمل، فمن الناحية قد تكون النيابة نظاما ضروريا ويحدث هذا على وجه الخصوص بالنسبة لعديمي الاهمية او ناقصيها كالقاصر او المجنون او المعتوه او السفيه او ذي الغفلة فلا يجيز القانون لهؤلاء ابرام التصرفات القانونية او بعضها بانفسهم، لكنه يقدر مع ذلك ان مصلحتهم قد تقتضي ابرامها حتى لا تتعطل مصالحهم وهنا تجوز النيابة كضرورة لامكان اجراء تلك التصرفات عن طريقها، وحتى في الاحوال التي لا تكون النيابة فيها ضرورية فقد تبرز كنظام نافع يسهل على الناس امور حياتهم عن طريق تمكينهم من اجراء
-----------------------
(5) في هذا المجال نجد المشرع قد نظم النيابة القانونية فعين من ينوب عن القاصر كالوالي والوصي والمقدم، وذلك حتى لا تتعطل مصالح اصيل ولا ينقطع سيرها العادي.
----------------------
تصرفات يتعذر تمكينهم من ابرامها بانفسهم لغيابهم عن مكان عقدها او لقلة المامهم بها او لكثرة مشاغلهم عنها ولاي سبب اخر" (6).
اما بودان فيذهب الى ان النيابة لا تطبق على العقود فقط بل تطبق حتى على التصرفات القانونية فاحيانا يلجا اليها الاشخاص الكاملي الاهلية من اجل توفير مشقة وذلك بانابة الغير عنهم كما هو الشأن بخصوص الوكالة واحيانا تدعو الضرورة اليها وفي هذه الحالة ينظمها القانون (7).
والاصل في التعاقد بالنيابة الجواز، حيث تجوز النيابة في كل تصرف قانوني ما لم ينص القانون على خلاف ذلك، او ما لم يتعلق الامر بتصرف شخصي محض حيث يشترط حضور الاصيل نفسه كما هوالشان في اداء الشهادة، او حلف اليمين (8).
واذا كان الاصل ان التعاقد بالنيابة يجوز في كل تصرف قانوني باستثناء التصرفات التي تعتبر اعمالا شخصية أي تلك التي يجب ان تصدر عن صاحبها شخصيا، فان من التشريعات من تذهب الى منعه بخصوص بعض التصرفات، كما هو الشان في التشريع الفرنسي الذي يمنع النيابة في الزواج على خلاف التشريع المغربي والشريعة الاسلامية اللذان يجيزانها.

3- التطور التاريخي لفكرة التعاقد بالنيابة :
لم تكن القوانين القديمة تسلم بفكرة التعاقد بالنيابة كما هو الشأن اليوم في القوانين الحديثة التي اصبحت تعترف بتعاقد الشخص نيابة عن غيره مع جعل اثار التعاقد تنصرف الى الاصيل.
---------------------
(6) دروس مصادر الالتزام صفحة 117.
وفي هذا المعنى راجع السنهوري - نظرية العقد - صفحة 206 وحشمت ابو ستيت - مصادر الالتزام - صفحة 114، وربير وبلانيول - المرجع السابق - الجزء 8 صفحة 71.
(7) بودان - القانون المدني - صفحة 13.
(8) جاء في المادة 882 من قانون الالتزامات والعقود : " تعتبر الوكالة كان لم تكن اذا كان محلها عملا لا يجوز اجراؤه بطريق النيابة اعطاء اليمين".
-------------------
فالقانون الروماني في بداية عهده لم يكن يعرف النيابة خصوصا وان رابطة الالتزام كانت رابطة شخصية ومحضة، تقتصر على المتعاقدين وحدهما دون امكانية امتدادها الى الغير، زيادة عل الاوضاع والشكليات التي كانت سائدة انذاك، حيث كان شكلية العقود تقضي بعدم امكانية مباشرتها الا من طرف المتعاقد نفسه وجعل اثارها تنسحب اليه وحده دون غيره.
غير ان مقتضيات التعامل ما لبثت ان تغيرت وجعلت القانون الروماني يسلم بفكرة نيابة الابن او العبد عن رب الاسرة وذلك في حدود ضيقة بجعل رب الاسرة دائنا لا مدينا نظرا لما له من سلطة عليهما. (10)
ففكرة التعاقد بالنيابة في القانون الروماني وقفت عند حدود نيابة الابن والعبد عن رب الاسرة ولم تتجاوزهما الى غيرها، سيما وان المجتمع الروماني في ذلك الوقت كان مجتمعا فلاحيا في طور النمو، والمعاملات التجارية فيه كانت بسيطة الشيء الذي جعل التصرفات القانونية تكون قليلة.
فالروماني لديه الوقت الكافي للقيام بالتصرفات القانونية التي يحتاج اليها وفي الحالة التي يتعذر عليه القيام بها بنفسه، فانه ينيب عنه فيها من هو تحت سلطته (11).
يتضح مما سبق ان النيابة في القانون الروماني بدون وساطة الابن او الرقيق كانت منعدمة، فالاجنبي الذي يتعاقد مع الوكيل لا علاقة تربطه بالموكل ولا يستطيع الرجوع عليه، كما ان الموكل بامكانه الرجوع على الوكيل دون المتعاقد الاجنبي الذي لا تربطه به اية رابطة، فرابطة التعاقد بقيت محصورة في اطار ضيق وهو قيام علاقة بين الوكيل والغير الاجنبي دون وجود اية علاقة مباشرة بين الموكل والغير الاجنبي كما هو الشان في التشريعات الحديثة.
----------------------
(9) السنهوري - نظرية العقد - صفحة 208.
ربير وبلانيول - المرجع السابق - صفحة 72 على الهامش.
جاء في المادة 10 من مدونة الاحوال الشخصية " يجوز للوالي ان يوكل من تعاقد نكاح وليته كما للزوج ان يوكل من يعقد عنه".
(10) سليمان مرقس - شرح القانون المدني - الالتزامات صفحة 91.
(11) فلاتيه - العقود لحساب الغير - صفحة 24.
---------------------
غير ان فكرة التعاقد بالنيابة ما لبثت ان تطورت بحكم التطور التاريخي، فاصبح الغير يتمتع بدعوى قبل الاصيل الى جانب دعواه قبل النائب وفي نفس الوقت منح النائب القانوني كالوالي والوصي دفعا يدفع به دعوى الغير الموجه ضده بحيث لم يبق لهذا الغير سوى دعوى واحدة وهي دعواه ضد الاصيل مما يؤدي الى القول ان النيابة اصبحت تامة.
فالقانون الروماني في هذه المرحلة التالية تمكن من ربط علاقة مباشرة بين الاصيل والغير في اطار النيابة القانونية دون النيابة الاتفاقية فجعل اثار العقد تنصرف الى الاصيل دون النائب.
ويرى الاستاذ سليمان مرقس " ان الغير قد اعطى في هذه المرحلة التالية دعوى قبل الموكل او الاصيل فوق دعواه الاصلية قبل الوكيل او النائب، ثم اعطي من ينوب عن غيره بقوة القانون الوصي او القيم دفعا يدفع به تلك الدعوى الاصلية بحيث لم يبق للغير الا دعواه قبل الاصيل. ومن جهة اخرى اعطي النائب القانوني دفعا يدفع به دعواه الاصلية ضده بعد ان اعطي الاصيل دعوى مباشرة قبل الغير. وهكذا وصل القانون الروماني الى ان يرتب على النيابة القانونية دون ان النيابة الاتفاقية علاقة مباشرة بين الاصيل والغير مع عدم تعلق اثار العقد، موجبة او سالبة بشخص النائب القانوني" (12).
-------------------
(12) سليمان مرقس - المرجع السابق - صفحة 92.
-------------------
ويؤيد هذا الراي ما ذهب اليه ماجد الحلواني بقوله : " ولهذا اخذت الحقوق الرومانية في نهاية عهدها بامكانية منح الاصيل والطرف الذي تعاقد مع النائب دعوى مباشرة لكل منهما اتجاه الاخر، بالاضافة الى دعوى النائب قبل المتعاقد معه ودعوى هذا قبل النائب، ولكنها لم تصل الى إقرار المبدا العام في النيابة والذي يقضي بان تترتب اثار العقد في ذمة الاصيل دون ذمة النائب" (13).
وهكذا تطورت فكرة النيابة في ظل القوانين الحديثة التي اجازت للشخص التعاقد نيابة عن غيره دائنا كان او مدينا، مع جعل اثار التصرف تنسحب الى شخص الاصيل الذي لم يكن طرفا في العقد جاعلة بذلك دور النائب يقتصر على انشاء العقد.
ولعل السبب في هذا التطور الحاصل يعود الى ما ذهب اليه الاستاذ السنهوري من ان القانون الكنسي الذي اجاز نيابة شخص عن اخر في تصرف قانوني يباشره بالنيابة عنه، وذلك بعد ان تحررت الارادة من الشكل وجعلت وحدها كافية لانشاء الالتزام (14).

4- موقف التشريعات الحديثة من نظرية التعاقد بالنيابة :
ذهب بعض الفقه الى القول بان فكرة التعاقد بالنيابة ما هي الا صورة حديثة نسبيا من صور الفن القانوني (15).
---------------------
(13) نظرية الالتزم - الجزء الاول - مصادر الالتزام، صفحة 76.
(14) مصادر الحق، صفحة 165.
(15) فرج الصدة - محاضرات في القانون المدني، صفحة 131.
--------------------
ففكرة التعاقد بالنيابة لم تبرز الى الوجود دفعة واحدة بل ظهرت تدريجيا بحكم التطور التاريخي، الامر الذي جعل بعض التشريعات تاخذ بها وتفرضها بتنظيم خاص بها فتبين احكامها وشروطها، كما هو الشان في التشريع الالماني والايطالي والسويسري (16). ونفس الاسلوب نهجه المشرع المصري في قانونه المدني الجديد الذي افرض نصوصا خاصة بها بعد ان كانت احكامها متفرقة في الباب المتعلق بالوكالة في ظل القانون المدني القديم (17)، وهو المنهج الذي نهجه المشرع السوري الذي نظم النيابة وخصها بالمواد 105-109 من قانونه المدني (18).
اما المشرع اللبناني فقد تناول احكام النيابة او التمثيل في الفصل الخاص بمفاعيل العقود في المادتين 223 و224 من القانون المدني ونفس الشيء فعله القانون العراقي الذي اقتصر على ايراد بعض المواد في الباب الخاص بالوكالة (19).
اما المشرع المغربي فشانه شان المشرع الفرنسي (20) لم يفرد بابا خاصا للنيابة وانما اقتصر على ما جاء في باب الوكالة في قانون الالتزام والعقود زيادة على النصوص المنظمة للنيابة الشرعية او القانونية الواردة احكامها في مدونة الاحوال الشخصية او قانون الالتزامات والعقود ذاته.
-----------------------------
(16) القانون المدني الالماني تعرض للنيابة في المواد 164-180 والقانون المدني السويسري في المواد 32-40 والمشروع الفرنسي الايطالي في المواد 30-37 .
(17) سليمان مرقس - المرجع السابق - صفحة 93 و94.
السنهوري - نظرية العقد - صفحة 207.
(18) فرج الصدة - المرجع السابق - صفحة 131.
(19) زهدي يكن - شرح قانون الموجبات والعقود اللبناني - الجزء الثالث عشر صفحة 65.
(20) نلاحظ ان المشرع المغربي في المادة 33 من قانون الالتزامات والعقود والذي جاء فيه : " لا يحق لاحد ان يلزم غيره ولا ان يشترط لصالحه الا اذا كانت له سلطة النيابة عنه بمقتضى وكالة او بمقتضى القانون" لم يقرر مبادئ مفصلة للنيابة وانما قرر امكانية وقوع النيابة قانونية او اتفاقية.
وقد جاء في المادة 1984 من القانون الفرنسي : ان الوكالة او النيابة هي عقد يمنح شخص بموجبه سلطة عمل شيء لحساب الموكل وباسمه، في حين جاء في المادة 879 من قانون الالتزامات والعقود المغربي: بان الوكالة - دون ايراد عبار ة النيابة - هي عقد بمقتضاه يكلف شخص شخصا اخر باجراء عمل مشروع لحسابه.
ولعل السبب الذي حدا بالمشرع الفرنسي الى عدم التمييز بين كلمة وكالة ونيابة وهو الخلط الذي وقع فيه كما ان كثير من العقود المبرمة لحساب الغير عن طريق النيابة قد تلتصق صوريا بالوكالة وذلك خلافا للواقع، كالتعاقد مع حق التقرير مثلا لذا نجد الفقه الفرنسي الحديث يحاول اخراج العناصر الاساسية للنيابة والعمل على فصلها عن الوكالة نظرا للخلط الموجود بينهما.
راجع فلاتيه - المرجع السابق - الصفحة 69 -71
--------------------------
ولعل السبب الذي من اجله افردت بعض التشريعات الحديثة امكنة خاصة بالنيابة يمكن في الفروق العملية الموجودة بين النيابة والوكالة.
تعريف النيابة مقارنتها بالاوضاع المشابهة لها، انواعها.
سنتناول هذا الفصل بالبحث في ثلاث فروع على الشكل الاتي :
الفرع الاول : تعريف النيابة.
الفرع الثاني : مقارنة النيابة بالاوضاع المشابهة لها.
الفرع الثالث : انواع النيابة .

الفرع الاول
تعريف النيابة
تعرف النيابة بانها حلول ارادة شخص يطلق عليه النائب في ابرام تصرف قانوني محل ارادة شخص اخر يطلق عليه الاصيل ولحسابه ضمن حدود النيابة المرسومة له مع جعل اثار هذا التصرف تنصرف مباشرة الى شخص هذا الاصيل.
ففي التعاقد بالنيابة تنصرف اثار التعاقد الى شخص الاصيل رغم انه لم يقم بابرامه ولا بالمساهمة حتى في ابرامه في حين اقتصر الامر فيه على النائب وحده والغير متعاقد معه.
فخلافا للقاعدة القائمة بان العقود لا تنتج اثارها الا بين متعاقديها فان اثار العقد تنصرف الى الاصيل رغم ان النائب هو الذي انشا العقد فنصل الى نفس النتيجة كما لو كان الاصيل هو الذي ابرمه بنفسه.
والاصيل في التعاقد بالنيابة كما سبق القول الجواز، وكل تصرف يجوز للشخص ان يجريه بنفسه يمكنه انابة الغير عنه في اجرائه يستوي في ذلك ان تتم النيابة عن احد طرفي العقد او عنهما معا كما هو الشان في التعاقد مع النفس (21).
فعن طريق النيابة اذن نصل الى نفس النتيجة المرجوة من التعاقد وهي انصراف اثار العقد الى الاصيل كما لو كان هو الذي تعاقد بنفسه مع الغير واختفاء شخصية النائب من ساحة التعاقد بمجرد الانتهاء من ابرام العقد فيصبح المتعاقدان الحقيقيان هما الاصيل والغير ذلك ان النائب انما كان يتعامل مع الغير على هذا الاساس أي باسم الاصيل ولحسابه (22).
وقد عرف كاربونيه النيابة بانها الالية التي بمقتضاها يبرم شخص النائب عقدا لحساب الاصيل فتنشا حقوقه والتزاماته في ذمة هذا الاخير وهذه الالية تمكن من ابرام عقود لصالح عديم الاهلية او ناقصها كالقاصر او الممنوع ما دام غير قادر على ابرامها (23).
------------------------
(21) راجع كتابنا التعاقد بطريق النيابة في ضوء التشريع المغربي - رسالة - كلية الحقوق، البيضاء. - راجع تعليقنا على القرار الصادر عن محكمة الاستئناف بالرباط بتاريخ 12/10/1982 تحت عدد 4267 على ضوء المادة 731 من قانون الالتزامات والعقود المغربي والذي تحدثنا فيه عن تعاقد الشخص مع نفسه وهو منشور بمجلة المحاكم المغربية عدد 33 - اكتوبر1984 صفحة 57.
(22) بودان - القانون المدني، صفحة 14.
(23) كاربونيه - القانون المدني، صفحة 176.
-----------------------
اما بلاينول وربير فقد ذهبا الى انه عندما يكون العقد المبرم من طرف شخص لصالح اخر من شانه ان يرجع الاثار القانونية موجبة كانت ام سالبة تترتب في ذمة الاصيل تكون هناك نيابة (24).
فالشخص في التعاقد بالنيابة يستطيع ان يجري باسم الغير ما لا يستطيع اجراؤه اصالة عن نفسه كما هو وارد بصريح النص في المادة 880 من قانون الالتزامات والعقود المغربي.
وقد عرف الاستاذ عبد الفتاح عبد الباقي النيابة بانها نظام قانوني مؤداه ان تحل ارادة شخص معين يسمى النائب محل ارادة شخص اخر هو الاصيل في انشاء تصرف قانوني تنضاف اثاره الى الاصيل لا الى النائب.(25)
غير ان الاستاذ موريل يرى ان النيابة هي وظيفة تعطى الى النائب على اثر اتفاق او حكم او نص يستطيع النائب بواسطتها ان يرتب اثارا قانونية في ذمة الاصيل المالية (26).

1- تمثيل الاشخاص المعنوية :
ان التعاقد بالنيابة لا يقتصر على الاشخاص الطبيعيين فحسب بل يشمل حتى الاشخاص المعنويين. ولما كان الشخص المعنوي لا يستطيع التعبير عن ارادته فقد بات من اللازم تعيين من ينوب عنه في التعبير عنها عند الرغبة في اجراء تصرفات قانونية.
والشخص المعنوي قد يكون شركة، جمعية عمومية، يحتاج من اجل تقوية نشاطه الى ابرام عقود مع الغير، وهذه العقود الا يتاتى ابرامه الا من طرف ممثليه من مدراء او متصرفين او وكلاء فتصرف اثاره الى الشخص المعنوي نفسه على الرغم من ان التعبير عن الارادة قد تم بواسطة النائب.
-----------------------
(24) ربير وبلافيول - المرجع السابق، صفحة 71.
(25) دروس من مصادر الالتزام، صفحة 117.
(26) زهدي يكن - شرح قانون الالتزامات والعقود الجزء الرابع، ص 61.
-----------------------
ويرى ربير وبلانيول ان الاشخاص المعنوية يمكن ان تكون وكيلة عن الغير، شانها في ذلك شان اشخاص طبيعية وان ارادة وكلائها تحل محلها في التعبير عن ارادتها.
وكما ان الشخص المعنوي لا يمكنه ان يتصرف الا بواسطة مدرائه ومتصرفيه ووكلائه فقد جرت العادة على القول بان هؤلاء يمثلونه (27).

2- التمثيل بواسطة المستخدم :
يعتبر المستخدم بمقتضى عقد العمل تابعا لمخدومه، فهو يطبق تعليماته فقط ولا ينوب عنه فعلاقته هي علاقة التابع بالمتبوع.
غير انه قد يحدث احيانا ان يمنح رب العمل لبعض مستخدميه بعض السلطات كتحديد ثمن البضاعة المعروضة للبيع مثلا او اختيار نوعية الزبناء، فيمتزج عقد العمل بالنيابة، وتبدو نيابة المستخدم عن مخدومه جلية واضحة، وعندئذ ينبغي تطبيق القواعد المتعلقة بالنيابة اذا ما مارسها في اطار السلطة الممنوحة له. ولا يهم بعد ذلك ما اذا كانت صريحة او ضمنية (28) تبعا لما اقره الاجتهاد من ان الطابع الاساسي للنيابة لا يتحقق الا في السلطة الممنوحة للوكيل وذلك بالعمل نيابة عن الموكل (29)
-------------------------
(27) ربير وبلانيول - المرجع السابق - صفحة 70-73.
فيرار جارجيت - نظرية الالتزامات، صفحة 80-82.
(28) ربير بلانيول - المرجع السابق - صفحة 71.
وقد جاء في المادة 884 من قانون الالتزامات والعقود المغربي " غير انه لا يفترض في الخدم انهم موكلون في شراء الحاجيات الضرورية لمنازل مخدومهم بالسلف ما لم يثبت ان من عادة المخدوم الشراء بالسلف". فالمشرع هنا يكون قد اقر الوكالة الضمنية للخادم.
(29) حكم محكمة النقض الفرنسية الصادر في 14 ابريل1886 ( انظر زهدي يكن - شرح قانون الموجبات والعقود اللبناني - الجزء 13 - صفحة 9.
-------------------------
الفرع الثاني
مقارنة النيابة بالاوضاع المشابهة لها.
يجب تمييز التعاقد بالنيابة عن بعض الاوضاع المشابهة، مبينين في ذلك اوجه الشبه واوجه الخلاف بالنسبة لكل حالة على حدة.

اولا : النيابة والرسالة :
في التعاقد بالنيابة يعبر النائب عن ارادته الشخصية التي تحل محل ارادة الاصيل فهو ليس بوسيط تقتصر مهمته على نقل ارادة احد الطرفين الى الطرف الاخر الذي يجعل منه رسولا.
فالنائب اذن يفترق عن الرسول ويظهر على الفرق جليا فيما ياتي :
فالرسول يقتصر دوره على نقل ارادة احد الطرفين الى الطرف الاخر، لا يهم بعد ذلك اذا ما كان نقل هذه الارادة قد تم شفويا او كتابيا ولا دخل لارادته الشخصية في عملية التعاقد. فالرسول هو بمثابة مبلغ بين الطرفين (30).
ويذهب حشمت ابو ستين الى ان الرسول ناقل لارادة الغير على حالها، أي كما عبر عنها ذلك الغير (31).
اما النائب فعكس الرسول فهو لا ينقل ارادة الاصيل بل يعبر عنها وذلك باحلال ارادته الشخصية محلها.
والتعاقد بنائب يعتبر كالتعاقد بين حاضرين اذ جمع النائب والغير متعاقد معه مجلس واحد، اما التعاقد برسول فيعتبر تعاقدا بين غائبين ما دام الاصيل يتعاقد بنفسه ولكن بواسطة رسول عنه حتى ولو جمع الرسول والطرف الاخر مجلس واحد.
--------------------------
(30) انظر مصطفى الزرقاء - محاضرات في القانون المدني السوري - صفحة 69.
(31) حشمت ابو ستيت - المرجع السابق - صفحة 12.
--------------------------
فالعبرة في التعاقد بالنيابة هي بارادة النائب التي تحل محل ارادة الاصيل، لذا وجب فيه ان يكون متمتعا بالتمييز، اذ لا يحصل ان يكون نائبا للصبي غير المميز لانعدام إرادته، وان تكون ارادته خالية من العيوب التي قد تشوبها كالغلط او التدليس او الاكراه، اما في التعاقد برسول فان العبرة بارادة المرسل لا الرسول الذي يعد ناقلا لها. ولا يشترط توافر اهلية الالتزام فيه ما دام قادرا على نقل الرسالة.
ويجمع الفقه على صحة الرسالة الواقعة من الصبي غير المميز او المجنون، أي انه يصح ان يكون رسولا، الصبي غير المميز او المجنون ما دام عيوب الارادة لا يرجع فيها الى الرسول بل الى المرسل.
فالتعاقد برسول لا يعدو ان يكون سوى مجرد اداة لنقل ارادة المرسل الى المرسل اليه، فدوره في التعاقد لا يختلف عن الدور الذي تقوم به ادارة البريد او التلغراف من اجل تبليغ الرسائل والبرقيات لاصحابها.
ولا يخفى ان التعاقد بالنيابة يدفع بالنائب الى اتخاذ نوع من المبادرة. وتتجلى هذه المبادرة في السلطة الممنوحة له، وبعبارة اخرى في مدى حرية التقدير التي يتوفر عليها بصفته نائبا. وعليه فلا يعتبر نائبا الرسول في التعاقد بين غائبين، ولا المستخدم الذي يبرم عقودا مع زملاء مخدومه ولا المستخدم الذي يوزع اوراق السينما، مقابل مبالغ معينة ما دامت مهامهم لا تسمح لهم باي تدخل شخصي(32).
وعليه كيفما كان نوع التفرقة بين النائب والرسول، فانه يمكن القول بصورة عامة ان النائب هو من يتمتع بقسط وافر من حرية التقدير في اجراء تصرف قانوني تترتب اثاره في ذمة الاصيل، اما الرسول فهو من يقتصر دوره على نقل ارادة شخص الاصيل - المرسل - الى الغير على حالها أي كما عبر عنها دون أي تدخل شخصي من جانبه.
---------------------
(32) موسوعة دالوز- كلمة وكالة - صفحة 196 بند 4.
بودان - المرجع السابق - الجزء 2 بند 296.
---------------------
وعلى الرغم من الفروق الموجودة بين النائب والرسول، فقد يحدث احيانا ان تجتمع في الشخص الواحد، وفي نفس الوقت صفة الرسول والنائب، ويتم ذلك في الحالة التي يصدر اليه فيها الاصيل تعليمات محددة لا يستطيع الخروج عنها في امر من امور العقد المزمع بالنيابة عنه مع ترك حرية التقدير له في بقية الامور (33).

ثانيا : النيابة والوكالة :
كثيرا ما يقع الخلط بين النيابة والوكالة، خصوصا وان القانون الروماني لم يعرف النيابة الا بعد مرور فترة طويلة من الزمن، فبقي الخلط سائدا في بضع التشريعات الحديثة التي لم تفرد بابا خاصا للنيابة حيث كانت تدرج النيابة في الباب الخاص بالوكالة (34).
ونظرا للفروق العملية الموجودة بين النوعين، قامت بعض التشريعات الحديثة ففرقت بين الوكالة والنيابة مبينة بذلك احكام هذه الاخيرة وشروطها واثارها (35).
---------------------
(33) ربير وبلانيول - المرجع السابق - الجزء 8 صفحة 78.
(34) اذا كان المشرع الفرنسي لم يفرد فصلا خاصا بالنيابة وانما اكتفى بما جاء في الوكالة فانه يتبين بالرجوع الى المفهوم المخالف للمادة 1119 مدني فرنسي ان التعاقد بطريقة النيابة جائز ( انظر السنهوري - نظرية العقد - صفحة 218 على الهامش).
(35) نجد القانون المدني الالماني ( في المواد 164-180) والقانون المدني السويسري ( في المواد 32-40) قد افرد كل واحد منهما بحثا خاصا لبيان احكام النيابة وشروطها واثارها.
اما قانون الموجبات والعقود اللبناني فقد اقتصر كما سبق الاشارة، على نظرية النيابة بوجه عام في المادة 223 و224 وان كان لم يتوسع فيها كما فعلت اغلبية التشريعات الحديثة.
انظر زهدي يكن - المرجع السابق - الجزء الرابع صفحة 75.
-----------------------
ويرجع الفضل في هذه التفرقة الى الفقهاء الالمان وعلى راسهم الفقيه اهرنج وهو اول من ميز بين النوعين أي النيابة والوكالة.
وقد عبر الاستاذ السنهوري عن الخلط الموجود بين النوعين بقوله :" ان الموضوعين متصلان احدهما بالاخر اوثق اتصال وان ما يذكر في النيابة يجب ان يكمل بالاحكام الخاصة بعقد الوكالة (36).
وعلى الرغم الخلط القائم بين الوكالة والنيابة قد ميز الفقه بينهما مبينا بان النيابة هي سلطة قانونية لتمثيل شخض معين في ابرام تصرق تستمد مصدرها ممن عقد الوكالة. اما الوكالة فهي العقد التي تستمد منه هذه السلطة، الامر الذي يتجلى منه بكل وضوح الفرق بين السلطة ومصدرها وبالتالي ينبغي عدم الخلط بينهما.
واذا كانت الوكالة اساسها العقد، فان النيابة اساسها الارادة المنفردة اذ الاعمال التي يقوم بها النائب لحساب الاصيل تعود اثارها الى هذا الاخير على الرغم من انه لم يقم بها بنفسه.
يتبين اذن انه ليس من الضروري وجود تلازم بين النيابة والوكالة، فقد توجد النيابة بدون وكالة كما قد توجد الوكالة بدون نيابة، وسنتحدث عن كل حالة على حدة.

أ‌) وجود النيابة بدون وكالة :
قد توجد النيابة على الرغم من انعدام الوكالة، وهذا هو الشان في النيابة القانونية كنيابة الولي، او في النيابة القضائية كنيابة الوصي او المقدم او الحارس القضائي او السنديك.
والجدير بالملاحظة ان عقد الوكالة الذي تستمد منه النيابة مصدرها قد ينتهي احيانا قبل انتهاء سلطة النيابة، كما هو الحال بالنسبة للوكيل الذي يستمر في انجاز اعمال تدخل في اطار الوكالة في وقت يكون فيه الموكل قد انهى عقد الوكالة من دون ان يخبره بذلك - كالعزم مثلا -.
---------------
(36) السنهوري - نظرية العقد - صفحة 210.
--------------
ب‌) وجود الوكالة بدون نيابة :
وقد توجد الوكالة ولكن بدون نيابة كما هو الشان في حالة تعاقد شخص الوكيل باسمه الشخصي، وليس باسم موكله - الاسم المستعار - او حالة تعاقد الوكيل بالعمولة.
ويلاحظ ان هناك فرقا بين الحالة التي يتعاقد فيها الوكيل باسم موكله ولحسابه حيث تنسحب اثار العقد الى الاصيل فنكون امام وكالة ونيابة في ان واحد وبين الحالة التي يكون فيها الشخص وكيلا عن الغير ولكنه يتعاقد باسمه حيث تنعدم النيابة وتبقى العلاقة قائمة بين الوكيل المتعاقد باسمه الشخصي والمتعاقد الاخر ومنحصرة عليهما وحدهما فنكون وكالة دون نيابة.
وعليه فالتمييز بين النيابة والوكالة يؤدي الى القول بوجود نوعين من الوكالة : الوكالة النيابة والوكالة غير النيابة (37).
----------------------
(37) الوكالة النيابة هي التي يطلق عليها الوكالة المكشوفة Mandat ostensible لكونها مقترنة بالنيابة والوكيل فيها يعمل باسم موكله ولحسابه حيث تحتوي على عنصرين عنصر الوكالة الذي هو نتيجة اتفاق بين الوكيل والموكل - عقد الوكالة - وعنصر النيابة وهو نتيجة ارادة صادرة عن اصيل تخول النائب صفة النيابة.
والوكالة غير النيابة ويطلق عليها Mandat simulé وهي الوكالة المجردة عن النيابة وتفرض على الوكيل التعاقد باسمه الشخصي وان كان يعمل لحساب الموكل. وفي والكالة غير النيابة قد يقتصر عمل الوكيل على التعاقد فقط بل يتعداه الى التنفيذ ويبقى ملزما بالعقد الى حين نقل اثاره الى ذمة الموكل.
راجع فلاتيه - العقود لحساب الغير - صفحة 174.
------------------------
ولعل اهم ما يميز النيابة عن الوكالة يكمن في اهلية الموكل والوكيل اولا لان اهلية الوكالة ليست هي بذاتها اهلية النيابة، وفي اقرار الموكل لمجاوزة الوكيل لحدود الوكالة ثانيا.

1- التمييز المتعلق بالاهلية :
يبدو للباحث منذ اول وهلة وجود خلط عند دراسة الوكالة كعقد يرتب التزامات متقابلة في جانب كل من الموكل والوكيل، والوكالة كعقد يضفي على الوكيل صفة النيابة عن الموكل.
فالنظر الى الوكالة باعتبارها عقدا يرتب التزامات متقابلة في كلا الجانبين يؤدي الى القول بضرورة توافر اهلية التصرف لدى الوكيل والموكل. فالموكل مثلا ملزم برد النفقات وتعويض الاضرار الناتجة عن تنفيذ الوكالة مع دفع الاجر للوكيل اذا كانت الوكالة ماجورة والوكيل من جانبه ملزم بتنفيذ الوكالة وتقديم الحساب عنها مع رد ما عنده للموكل، فهذه اعمال تدخل كلها في نطاق التصرف الامر الذي يستوجب معه ضرورة توافر اهلية التصرف في كل منهما.
اما اذا نظرنا الى الاهلية اللازمة توافرها عندما يضفي عقد الوكالة صفة النيابة على الوكيل فهي اهلية تختلف عن الاهلية السالف ذكرها.
فلما كان العقد المبرم من طرف الوكيل ستنصرف اثاره الى الموكل لزم في الموكل ان يكون متمتعا باهلية التصرف، وان يعتد بهذه الاهلية وقت مباشرة الوكيل للتصرف. اما الوكيل فلا حاجة لاشتراطها فيه وانما يكتفي فيه بالتمييز ما دامت شخصيته ستنمحي من ساحة التعاقد بمجرد ابرام التصرف وتبرز معها شخصية جديدة وهي شخصية الموكل.

2- التمييز المتعلق بخروج الوكيل عن حدود الوكالة :
عندما يتعاقد الوكيل مع الغير خارج الوكالة المعطاة له فانه يفقد صفة التعاقد بالنيابة عن الموكل، وبالتالي فان اثار التصرف لا تنصرف الى الاصيل كما ان هذا الاخير لا يلتزم به.
غير ان هذا لا يعني انعدام صفة النيابة عنه بالمرة، بل على العكس فقد تنقلب الوكالة الى نيابة في حالة الاقرار الصادر عن الموكل سواء كان صريحا او ضمنيا اذ الاقرار اللاحق كالتوكيل السابق (38).
فالاقرار يضفي على النائب صفة النيابة باثر رجعي ما دامت ارادة الموكل قد ارتضت التصرف.

ثالثا : النيابة والاشتراط لمصلحة الغير :
في الاشتراط لمصلحة الغير يتعاقد المشترط باسمه لا باسم المنتفع خلافا للنائب في التعاقد بالنيابة الذي يتعاقد باسم الاصيل ولحسابه.
فالذي يعد طرفا في التعاقد بالنيابة هو الاصيل لا النائب الذي تنتهي مهمته بمجرد ابرام العقد واتمامه. اما في الاشتراط لمصلحة الغير فان المشترط هو الطرف في العقد لا المنتفع (39).
ولما كان المشترط طرفا في العقد، فان قبول المنتفع للاشتراط امر ضروري حتى يسري في حقه عقد لم يكن طرفا فيه، بخلاف في النيابة فلا يحتاج لرضا الاصيل وانما يكتفي برضا النائب، ورضا النائب يغني عن رضاء الاصيل.
----------------------
(38) المادة 927 الفقرة الاولى من قانون الالتزامات والعقود المغربي.
(39) فرج الصدة - المرجع السابق - صفحة 101.
----------------------
ومعلوم ان المشترط لا يشترط لمصلحة الغير الا اذا كانت له مصلحة شخصية في الاشتراط اما النائب فانه ينوب عن الاصيل اما بمقتضى القانون او الاتفاق(40)، والغرض من النيابة هنا هو حماية مصالح الاصيل وضمان استقرارها.
واذا كان من اللازم تعاقد النائب باسم الاصيل فانه ليس ضروريا ذكر اسمه وذلك اكتفاء بان التعاقد يتم بالنيابة عن الغير، اما في الاشتراط لمصلحة الغير فان التعاقد يكون صحيحا حتى ولو كانت شخصية المنتفع غير معينة وقت التعاقد.
فالاشتراط لمصلحة الغير يختلف تمام الاختلاف عن التعاقد بالنيابة.
ففي التعاقد بالنيابة اذا كان النائب يقدم حساب للاصيل ويسترد نفقات المصاريف الناشئة عن النيابة، فان هذا ليس امر ضروريا في الاشتراط لمصلحة الغير ما دام للمشترط مصلحة شخصية فيه. كما ان الحق الناشئ عن التعاقد بالنيابة والذي استقر في ذمة الاصيل لا يستطيع النائب الرجوع عنه، اما المشترط فبامكانه الرجوع عن الاشتراط.

رابعا : النيابة والتعهد عن الغير :
يتعاقد الشخص في التعهد عن الغير باسمه لا باسم المتعهد عنه، كما ان اثار العقد تنصرف اليه لا الى الغير المتعهد عنه، على خلاف النائب في التعاقد بالنيابة فانه يتعاقد باسم الاصيل ولحسابه فكان لزاما ان تنصرف اثار التعاقد الى هذا الاخير فتنتج مفعولها في ذمته ما دامت شخصية النائب ستنمحي بمجرد ابرام العقد.
فالتعاقد بالنيابة ينشئ علاقة مباشرة بين الاصيل والمتعاقد مع النائب كما لو كان العقد قد تم بينهما دون وساطة النائب. اما في التعهد عن الغير فالمتعهد يتعهد بحمل الغير المتعهد عنه على قبول الالتزام، وعند الرفض فان المتعهد يتحمل مسؤولية الالتزام.
-------------------
(40) لقد نص المشرع المغربي في المادة 879 من ق ل ع م على " انه يسوغ اعطاء الوكالة ايضا لمصلحة الموكل والوكيل او لمصلحة الموكل والغير بل ولمصلحة الغير وحده.
-------------------
وذا كان من المفروض ان يتحمل المتعهد مسؤولية الالتزام في حالة رفض المتعهد، عنه فانه لا وجود لمثل هذه المسؤولية في التعاقد بالنيابة ما دام النائب قد تعامل مع الغير باسم الاصيل ولحسابه وفي الحدود المرسومة للنيابة.
وعند قبول المتعهد عنه الالتزام، فان عقدا جديدا ينشا بينه وبين الغير المتعاقد معه، في حين نجد عقدا واحدا في التعاقد بالنيابة هو الذي تسري اثاره القانونية بين الغير والاصيل وهو العقد الذي ابرمه النائب مع الغير.
غير انه قد يحدث احيانا الا يتمكن النائب من الحصول على اذن الاصيل لسبب من الاسباب في خصوص امر معين، اما لبعده عن مكان العقد او وجود مانع كقطع شبكة المواصلات، وخوفا من ضياع صفقة رابحة يتعاقد النائب مع الغير متجاوزا حدود النيابة ومتعهدا عن الاصيل، فيقر الاصيل العمل الذي قام به النائب فيضحى عملا صحيحا، ويدخل في اطار النيابة.

خامسا : النيابة والالتزام عن الغير شرط اقراره اياه :
سبق القول ان النيابة هي حلول ارادة النائب محل ارادة الاصيل في ابرام تصرف قانوني تنصرف اثاره الى الاصيل الذي لم يكن حاضرا ساعة ابرامه. اما الالتزام عن الغير شرط اقراره اياه فهو قيام الشخص بابرام تصرف باسم الغير يلتزم فيه الحصول على رضاء هذا الغير.
فالنائب كالملتزم يتعاقد باسم شخص ثان لم يكن حاضرا ساعة التعاقد الا ان النائب في التعاقد بالنيابة عندما يتعاقد مع الغير باسم الاصيل ولحسابه فان اثار التصرف تنسحب الى هذا الاخير دون قيد ولا شرط. اما في الالتزام عن الغير شرط اقراره اياه فلابد من اقرار الملتزم عنه وحصول قبوله داخل اجل لا يتجاوز خمسة عشر يوما بعد اعلامه بالعقد حتى تنصرف اليه اثاره (41).

سادسا : النيابة والسمسرة :
اذا كان التعاقد بالنيابة يتلخص في كون النائب يقوم بابرام تصرف قانوني لحساب الاصيل وباسمه وذلك باحلال ارادته محل ارادة الاصيل وضمن حدود السلطة الممنوحة له فان السمسرة هي قيام شخص يدعى السمسار بربط العلاقة بين شخصين والعمل على التقريب بين وجهتي نظرهما في خصوص امر معين حتى يحصل الاتفاق بينهما.
فالسمسار اذن شخص يسعى الى حمل المتعاقدين على التعاقد وذلك بغية تحقيق الغرض الذي يقوم بالتوسط من اجله. اما النائب فانه ينوب عن الاصيل في ابرام العقد ومن ثم كان يعمل باسمه ولحسابه (42).
وعليه فارادة السمسار تقف عند حدودها ولا دخل لها في عملية التعاقد فهي تنتهي بمجرد ما يعثر السمسار على المتعاقد الاخر. اما النائب فهو يحل بارادته محل ارادة الاصيل في التعاقد.
ومن الملاحظ ان مشاركة السمسار احيانا في بعض المفاوضات الدائرة بين الطرفين المتعاقدين او تحرير العقد لا تاثير لها بتاتا في عملية التعاقد ما دام السمسار لا يعتبر طرفا في العقد خصوصا وان مهمته تنتهي بمجرد اتفاق الطرفين، غير انه ليس هناك ما يمنع من تكليف السمسار بابرام العقد، فيصبح نائبا وسمسارا في نفس الوقت، اذ ان قيامه بابرام العقد نيابة عن الاصيل لا يدخل في نطاق اعمال السمسرة بل على العكس في اطار النيابة،
------------------
(41) المادة 36 من قانون الالتزامات والعقود المغربي.
(42) مصطفى كمال طه - الوجيز من القانوني التجاري، صفحة 299.
حسن يونس - العقود التجارية، صفحة 83.
------------------
وفي هذه الحالة يجب القول اننا بصدد مرحلتين : مرحلة اولية يقوم فيها السمسار باعمال مادية كالتعريف بشخصية المتعاقدين والتقريب بين وجهتي نظرهما من اجل حملهما على التعاقد وهذا هو الغرض الاساسي من السمسرة ومرحلة ثانية يقوم فيها السمسار باعمال قانونية حيث لا يقتصر دوره على التوسط فقط بل يتعداه حتى يشمل ابرام العقد ذاته نيابة عن الاصيل ويصبح نائبا فتطبق عليه احكام التعاقد بالنيابة.

الفرع الثالث
انواع النيابة
ان نوعية النيابة تحدد، اما بتحديد المصدر المنشئ لها والذي يضفي على النائب صفة النيابة فتكون النيابة اما نيابة قانونية او نيابة قضائية او نيابة اتفاقية، واما بتحديد المصدر الذي يحدد مدى ولاية النائب فتكون النيابة اما نيابة قانونية او نيابة اتفاقية.
فاذا نظرنا الى نوعية النيابة من حيث المصدر المنشئ لها فسنجدها تنقسم الى ثلاثة انواع : النيابة القانونية، النيابة القضائية، والنيابة الاتفاقية.

اولا : النيابة القانونية :
تكون النيابة قانونية عندما يتولى القانون امر تعيين النائب الذي يقوم بشؤون الاصيل كالولي الذي يقوم بابرام تصرفات قانونية نيابة عن قاصره والفضولي الذي يعمل نيابة عن رب العمل والدائن في الدعوى غير المباشرة الذي يقيم دعوى نيابة عن مدينه المتقاعس عن دفعها (43).
--------------------------
(43) ذلك ان التشريعات التي تاخذ بالدعوى غير المباشرة كالقانون المصري والقانوني السوري والفرنسي واللبناني. اما التشريع المغربي وان كان لم ياخذ بالدعوى غير المباشرة فانه اجاز للدائن التمسك بالتقادم نيابة عن مدينه فيما اذا اقيمت عليه دعوى وكانت قد تقادمت وتنازل المدين عن التمسك بالتقادم ( المادة 374 من قانون الالتزامات والعقود المغربي).
-------------------------
فالمشرع حماية لمصالح بعض الفئات من افراد المجتمع من الضياع اما لقصرهم او لضعف ادراكهم او لاغفالهم او لبعدهم او لعدم كفاءتهم وضمانا للاستقرار نظم هذا النوع من النيابة.
ويذهب الدكتور مختار القاضي الى القول : " الى جانب هؤلاء الاشخاص هناك اخرون اعتبرهم القانون بحكم الوظيفة نوابا، وبامكانهم ان يباشروا بعض التصرفات القانونية كالوزراء ومديري المصالح حيث يعتبرون نوابا عن الحكومة في تصرفاتهم المالية بمقتضى القوانين الدستورية والادارية، ولما كانت هذه القوانين تعتبر الوظيفة تكليفا فان نيابتهم تعتبر نيابة قانونية وان تعيينهم في وظائفهم يكون عادة باختيارهم" (44).

ثانيا : النيابة القضائية:
تكون النيابة قضائية حين يكون تعيين النائب قد تم من طرف القضاء كما هو الشان بالنسبة للوصي والمقدم والحارس القضائي ووكيل التفليسة والمصفي القضائي .
والنائب يعتبر معينا من طرف القضاء ولو كان اختياره للنيابة قد جاء نتيجة اتفاق بين الاطراف ما دام تعيينه او تثبيته يتوقف على اجازة القضاء (45).
----------------------
(44) الدكتور مختار القاضي - اصول الالتزامات في القانون المدني - صفحة 80.
(45) جاء في المادة 151 الفقرة 2 من مدونة الاحوال الشخصية : " تعرض الوصاية بمجرد وفاة الاب على على القاضي لتثبيتها".
وجاء في المادة 152 من نفس المدونة " يعين القاضي مقدما اذا لم يكن للقاصر او الحمل وصي".
وجاء في المادة 819 من قانون الالتزامات العقود المغربي ويجوز بموافقة الاطراف المعينة اسناد الحراسة لشخص يتفقون عليه فيما عليهم كما يجوز الامر بها من القاضي في الاحوال التي يحددها قانون المسطرة" =
----------------------
ثالثا : النيابة الاتفاقية :
تكون النيابة اتفاقية اذا كان مصدرها العقد، وبعبارة اخرى هي النيابة الناتجة عن اتفاق بين الاصيل - الموكل - والنائب - والوكيل - بمقتضاه يتعامل هذا الاخير مع الغير نيابة عن الاصيل وباسمه.
والنيابة الاتفاقية قد ترد صراحة كأن يوكل زيد عمرو في شراء عقار له بمدينة الرباط فيقبل عمرو التوكيل، وقد ترد ضمنيا ويستفاد من ظروف الحال، كما لو قام الوكيل وادى مبلغا ماليا نيابة عن الموكل ولم يصدر أي اعتراض عن هذا الاخير بشان الاداء الحاصل، اذ يعتبر سكوته قبولا ضمنيا للتصرف المجري او كما هو الشان في الميدان التجاري اذ تثبت الادارة لكل واحد من الشركاء في شركة المفاوضة ويعتبر مفوضا في ادارتها.
غير انه اذا نظرنا الى نوعية النيابة في الوجهة الثانية أي من خلال المصدر الذي يحدد مدى ولاية النائب امكن القول بان الامر يختلف تمام الاختلاف عن الحالة الاولى ما دام القانون هو الذي يحدد ولاية النائب في كل من النيابة القانونية والنيابة القضائية والاتفاق هو الذي يحددها في النيابة الاتفاقية.
-------------------------
= وجاء في المادة 1065 من نفس القانون " لجميع الشركاء حتى من لم يكن مشاركا في الادارة الحق في المشاركة في اجراء التصفية.
وتجرى التصفية بواسطة الشركاء جميعا او بواسطة نصف يعين باجماعهم ما لم يكن قد حدد من قبل بمقتضى عقد الشركة .
واذا تعذر اتفاق المعنيين بالامر على اختيار المصفي او كانت هناك اسباب معتبرة تقتضي الا يعهد بمهمة التصفية للاشخاص المعينين في عقد الشركة فان التصفية تتم قضاء بناء على الطلب أي واحد من الشركاء".
وجاء في المادة 273 من مدونة الاحوال الشخصية : " يعين القاضي لتصفية الشركة من يتفق الورثة على اختياره فاذا لم يتفقوا على احد ورأى القاضي موجبا لتعيينه اجبرهم على اختياره على ان يكون من الورثة بقدر المستطاع وذلك بعد سماع اقوال هؤلاء وتحفظاتهم".
وجاء في المادة 217 من القانون التجاري المغربي " تعين المحكمة في حكمها باشهار الافلاس وكيلا للدائنين او عدة وكلاء ….."
--------------------------
وعليه فتكون نيابة الوكيل عن الموكل نيابة اتفاقية سواء بالنسبة للمصدر الذي يضفي على النائب صفة النيابة والمصدر الذي يحدد نطاق هذه النيابة.
ويرى الاستاذ السنهوري ان نيابة كل من الولي والفضولي والدائن تكون نيابة قانونية بالنسبة الى كل من المصدرين كذلك، وتكون نيابة كل من الوصي والقيم والحارس القضائي والسنديك نيابة قضائية بالنسبة الى المصدر الذي يضفي صفة النيابة، ونيابة قانونية بالنسبة الى المصدر الذي يحدد مدى ولاية النائب (46).

التفرقة بين النيابة القانونية والنيابة الاتفاقية :
سبق القول ان النيابة هي حلول ارادة النائب محل ارادة الاصيل في اجراء تصرف قانوني باسمه ولحسابه ضمن حدود النيابة. وهذا الحلول اما ان يكون ذا اصل تعاقدي عندما ينيب الموكل وكيلا عنه في ابرام التصرف - نيابة اتفاقية - واما ان يكون ذا اصل قانوني فيكون القانون هو الذي سمح لبعض الاشخاص بمباشرة بعض التصرفات نيابة عن الغير لكون هذا الغير - الاصيل - لا يتمتع بالقدرة اللازمة للقيام بها بنفسه - نيابة قانونية.
فمعيار التمييز اذن بين النيابة الاتفاقية والنيابة القانونية يكمن في كون النائب في النيابة الاتفاقية رغم احلال ارادته محل ارادة الاصيل في ابرام التصرف فانه غالبا ما يسير حسب تعليماته، كما لو اراد الموكل شراء دار معينة،
------------------
(46) السنهوري - مصادر الحق - صفحة 166.
في هذا المعنى انظر كاربونيه - القانون المدني - صفحة 115.
------------------
فينيب عنه الوكيل فيها ويحدد له ثمنا اقصى للشراء، فالنائب هنا لا يمكنه الخروج عن الثمن المعين له لشراء الدار. اما في النيابة القانونية فانه لا دخل لارادة الاصيل في اجراء التصرف ما دامت النيابة مشروطة بحكم القانون واشتراطها قائم على اساس حماية مصالح الاصيل (47).
فالعلاقة اذن بين النائب والاصيل ينظمها القانون في النيابة القانونية والاتفاق في النيابة الاتفاقية.
ووجود النائب الاتفاقي لا يمنع الاصيل القيام بنفسه بالعمل الذي وكل فيه النائب. فمثلا يقع صحيحا بيع الموكل السيارة التي وكل الوكيل في بيعها لان انابة الشخص غيره في القيام بتصرفات قانونية لا يحرمه اهلية القيام بها بنفسه (48).
اما في النيابة القانونية فالاصيل لا يستطيع مباشرة التصرف الذي ينوب عنه فيه النائب القانوني ما دام القانون هو الذي فرضها لوجود مانع يمنع الاصيل من القيام به بنفسه والا لما كان لوجود النيابة القانونية اهمية ولما تحققت الغاية المرجوة من النيابة وهي حماية مصالح الاصيل وضمان استقرارها.
-------------------
(47) فلاتيه - العقود لحساب الغير - صفحة 77.
(48) السنهوري - نظرية الحق - صفحة 225.
-------------------

الفصل الثاني
شروط النيابة واثارها
سنتحدث اولا عن شروط النيابة في فرع اول ثم عن اثارها ثانيا في فرع ثان.

الفرع الاول
شروط النيابة
لكي تتحقق النيابة ويلتزم الاصيل بالعقد المبرم من طرف النائب يجب ان تحل ارادة هذا الاخير محل ارادة الاصيل وان يتم التعاقد باسمه ولحسابه وذلك ضمن حدود السلطة الممنوحة له.
فالتعاقد بطريق النيابة حتى يكون صحيحا ومنتجا لكافة اثاره القانونية يجب ان تتوافر فيه الشروط الاتية :
اولا : ان تحل ارادة النائب محل ارادة الاصيل.
ثانيا : ان تجري ارادة النائب ضمن حدود السلطة المخولة له.
ثالثا : ان يتم التعاقد باسم الاصيل ولحسابه.
والحديث عن كل شرط من هذه الشروط يقتضي منا ان نستعرض في مبحث اول شرك الاول وهو حلول ارادة النائب محل ارادة الاصيل، وفي مبحث ثان الشرط الثاني وهو جريان ارادة النائب ضمن حدود السلطة المخولة له، وفي مبحث ثالث الشرط الثالث وهو وجوب تعاقد النائب مع الغير باسم الاصيل ولحسابه.

المبحث الاول
حلول ارادة النائب محل إرادة الاصيل
يتعاقد النائب بارادته الشخصية لا بارادة الاصيل فهو يعبر عنها ويقصد من وراء احلالها محل ارادة الاصيل احداث اثار قانونية في ذمة هذا الاخير.
فالتعاقد بالنيابة لا يعتبر حاصلا اذا كان النائب لا يقصد من وراء تعبيره احلال ارادته محل ارادة الاصيل اذ لا يكون نائبا بل مجرد رسول تقتصر مهمته على نقل ارادة الاصيل الى الغير (49).
فالنائب لا تكون له صفة النيابة الا اذا كان لارادته دور ايجابي في انشاء التصرف القانوني. وهذا لا يتم الا باحلال ارادته محل ارادة الاصيل وهي الفكرة الحديثة التي اهتدى اليها الفقه الحديث في موضوع النيابة بعد ان هجر الفكرة القدمية التي كانت تقضي بان النائب يتقمص شخصية الاصيل ويتكلم بلسانه.
والجدير بالذكر ان دور النائب في ابرام التصرف القانوني بالنيابة عن الاصيل ليس واحدا، فهو رهين بما يتمتع به النائب من سلطة في التقدير والتصرف ويختلف ذلك باختلاف الحالات :

الحالة الاولى : نقل ارادة الاصيل الى الغير :
يقتصر دور النائب في هذه الحالة على نقل ارادة الاصيل الىالغير كما لو كلف شخص شخصا اخر بنقل ارادة التعاقد الى شخص ثالث يسكن بالرباط او كلفه بتبليغ خطاب يتضمن التعبير عن ارادة المرسل في ابرام صفقة تجارية الى المرسل اليه.
فالناقل للارادة في كلا المثالين لا يعدو ان يكون سوى مجرد ناقل ولا يمكن القول بوجود نيابته ما دامت ارادته لم تحل محل ارادة المرسل بل اقتصر على نقلها ارادة الاصيل أي المرسل - الى الغير بالكيفية التي ارادها الاصيل.

الحالة الثانية : اكمال وتحديد ارادة الاصيل :
قد يرغب الاصيل في التعاقد مع الغير كان يريد شراء دار معينة غير ان ارادته ليست محددة بصورة كاملة كان يترك حرية اختيار اللون او اختيار الموقع او تحديد الثمن.
فعلى الرغم من ارادة النائب لم تتدخل تدخلا كاملا في ابرام التصرف ان دوره يعتبر دورا ايجابيا ما دامت ارادته قد تدخلت في اكمال وتحديد ارادة الاصيل. غير انه قد يحصل احيانا ان النائب قد ينفرد بتقدير كامل حول ما اذا كان بالامكان ابرام العقد ام لا فيصبح هو صاحب التقدير (50). والمثال الواضح على ذلك ما لو كلف الموكل الوكيل بشراء ارض فلاحية دون تحديد الثمن او كلفه بادارة امواله مخولا اياه سلطة ابرام أي عقد من شانه ان يؤدي الى استغلالها.
ودور الارادة في مثل هذه الحالة يظهر جليا في النيابة الاتفاقية حيث ان كلا من ارادتي النائب والاصيل تشتركان في ابرام التصرف بدرجات متفاوتة تبعا لسلطة التقدير والتصرف (51).
-----------------------
(49) سليمان مرقس - المرجع السابق، ص 94.
(50) ان اشتراك ارادة الاصيل مع ارادة النائب تظهر اهميتها بالخصوص عند البحث في عيوب الارادة وشروطها.
(51) يبدو ان الطابع الذي يسود حالات النيابة الاتفاقية هو ان النيابة هنا عبارة عن نيابة في الارادة، فارادة الاصيل لا تكون قد وصلت الى الحد الذي يسمح لها بابرام العقد فتتدخل ارادة النائب وتحل محلها.
----------------------
الحالة الثالثة : تخلف ارادة الاصيل :
هي الحالة التي لا يكون لارادة الاصيل فيها أي دور ايجابي. فارادته غير موجودة، وارادة النائب هي وحدها التي تنفرد بابرام العقد، ويظهر ذلك جليا في النيابة القانونية حيث تنعدم فيها على الغالب اهلية الاصيل - القاصر- ويتمتع النائب بارادة مطلقة وذلك مع التزامه الحدود التي يفرضها القانون.
فالنائب وان كان يعمل بحرية واستقلال، فانه يحافظ على مصالح الاصيل بل من واجبه المحافظة عليها لانه يعمل بالنيابة عنه.
ويذهب الاستاذ فرج الصدة الى " ان النيابة في هذه الحالة تكون قانونية وان النائب فيها يبرم التصرف بنفس الحرية والاستقلال اللذان يتوفران له حين يعمل لصالحه الخاص فليس عليه ان يعنى بارادة الاصيل لان هذه لا تكون موجودة وقت ابرام العقد، وانما يجب عليه ان يجعل محل اعتباره المصالح التي عهد اليها بها واراد ان يتحمل عبئها، فالنيابة هنا عبارة عن نيابة قانونية (52).

اولا :الاعتداد بارادة النائب وبنيته :
يتبين مما سبق ان حلول ارادة النائب محل ارادة الاصيل في ابرام التصرف هو اساس التعاقد بالنيابة فما دام النائب يعبر عن ارادته وما دامت هذه الارادة هي التي تنشئ التصرف او تساهم احيانا في انشائه وجب النظر الى هذا التعبير من حيث توفره على كل المقاولات الاساسية حتى يكون تعبيرا عن ارادة صحيحة ومتجها الى احداث اثاره القانونية في ذمة شخص الاصيل.
-------------------------
(52) فرج الصدة - المرجع السابق - صفحة 138.
-------------------------
فقد ينظر الى ارادة النائب وحدها من حيث الشروط والعيوب وغير ذلك من الحالات (53). كما ينظر اليها في حالة اشتراكها بارادة الاصيل فيقع تعاون بين الارادتين من اجل انشاء التصرف ينبغي معه الاعتداد بالارادتين معا وبالقدر الذي ساهمت به كل واحدة منهما في انشاء التصرف.
فارادة النائب قد تنفرد وحدها في ابرام التصرف القانوني نيابة عن الاصيل ودون أي تدخل من جانب ارادة هذا الاخير، واكثر ما يتحقق هذا الانفراد في النيابة القانونية كنيابة الولي مثلا.
فعيوب الارادة يجب مراعاتها في شخص النائب، لا في شخص الاصيل، ما دامت ارادته وحدها هي التي انفردت بابرام التصرف، فالعقد يكون قابلا للابطال اذا ما تعيبت ارادة النائب بعيب من عيوب الرضا كالغلط او التدليس او الاكراه او الاستغلال او صدر اكراه او تدليس تجاه الطرف الاخر المتعاقد معه.
فاذا اشترى الولي مثلا خاتما لحساب قاصره معتقدا انه من الذهب الخالص، فتبين بعد ذلك انه من الفضة المطلية بالذهب، فان ارادته تكون قد تعيبت بعيب من عيوب الرضا وهي الغلط ويكون العقد قابلا للابطال حتى ولو كان الاصيل - القاصر - الذي ستنصرف اليه اثار العقد لم يقع في الغلط بل حتى ولو كان يعمل حقيقة الامر وبان خاتم ليس من ذهب. اما اذا كان الولي يعلم بحقيقة الخاتم الذي اشتراه لقاصره في حين ان القاصر يعتقد ان الخاتم هو من ذهب فيقع في غلط ، فان العقد يعتبر صحيحا والبيع سليم وصحيح ولا يعتد بما وقع فيه القاصر من غلط.
---------------------
(53) كحالة العلم ببعض الظروف مثلا او افتراض علمه بها.
---------------------
فحسن نية او سوءها يرجع فيها الى شخص النائب دون الاصيل ما دامت ارادته قد حلت محل ارادة الاصيل، كما ان العلم ببعض الظروف او الجهل بها يرجع فيها الى النائب كذلك، ولو قام النائب الحسن النية وتعامل مع مدين له في اجراء تصرف بعوض فلا يحق للدائن في الطعن بالدعوى الا بوصية في هذا التصرف ما دام النائب الذي تعامل مع المدين غير عالم باعساره. اما اذا كان النائب سيء النية أي كان يعلم بحالة اعسار المدين وتصرف معه على الرغم من علمه بحالته امكن للدائن ممارسة الطعن في التصرف حتى لو كان الاصيل حسن النية، فلو قام النائب ووفى دينا على الاصيل الى دائن ظاهر وكان يعتقد انه هو الدائن الحقيقي فان الوفاء يكون صحيحا مبرءا لذمة الاصيل حتى ولو كان الاصيل يعلم حقيقة الامر. اما اذا كان النائب سيء النية أي كان يعلم بان الشخص ليس بدائن حقيقي، فان الوفاء يقع باطلا وغير صحيح حتى ولو كان الاصيل يعتقد ان ذاك هو الدائن الحقيقي (54).
من خلال ما سبق يتضح ان الاصل في التعاقد بالنيابة ان العقد ينعقد بارادة النائب لا باردة الاصيل، كما ان العبرة بحسن النية وسوئها يرجع فيها بالدرجة الاولى الى النائب (55) ما دامت ارادته قد حلت محل ارادة الاصيل في التعاقد.
ولما كانت ارادة اصيل قد تشترك احيانا الى جانب ارادة النائب في ابرام التصرف، فانه ينبغي الاعتداد كذلك بحسن وسوء نية الاصيل عندما يصدر الى النائب تعليمات محددة يتصرف ضمن حدودها.

ثانيا : استثناء الاعتداد بارادة الاصيل وبنيته :
قد تشترك ارادة الاصيل الى جانب ارادة النائب في التعاقد فينتج عن ذلك تعاون بين الارادتين بسبب هذا التدخل، فقد تكون ارادة الاصيل غير محددة فيترك للنائب امر تحديدها، ومثال ذلك ما لو عزم الموكل على شراء سيارة معينة فيترك للنائب امر تحديد الثمن واختيار اللون.
----------------------
(54) السنهوري - نظرية العقد - صفحة 172.
(55) بلانيول وربير المرجع السابق، صفحة 75.
----------------------
في هذه الحالة نجد ان كل واحدة من الارادتين ستلعب دورها في ابرام التصرف اذا وجب الاعتداد بهما معا، وبالقدر الذي ستساهم بها كل واحدة منهما في ابرام التصرف، وعلى هذا الاساس ينبغي النظر الى العيوب التي يمكن ان تشوب كل واحدة منهما كالعلم ببعض الظروف او جهلها فلو ان الموكل كلف الوكيل بشراء ارض معينة صالحة للزارعة بمنطقة معينة، فتبين بعد الشراء انها غير صالحة للزراعة فوقع في غلط، فان العقد المبرم من طرف الوكيل بناء على تعليمات الموكل يكون قابلا للابطال على الرغم من سلامة ارادة الوكيل ما دامت ارادة الموكل معيبة وذلك في نطاق القدر الذي ساهمت به في ابرام التصرف.
كذلك يجب الاعتداد بحسن وسوء نية الاصيل في الحالة التي يعمل بها النائب وفق تعليماته (56)، اذ لا يحق للاصيل ان يتمسك بجهل النائب لظروف كان يعلمها او كان من المفروض حتما ان يعلمها بحكم طبيعتها، فلو وكل شخص شخصا اخر في شراء عقار معين بذاته، وكان الموكل يعلم بان الشيء الموكل فيه مشوب بعيب وهو امر يجهله الوكيل، فلا يصح القول لا بضمان العيب ولا برجوع الموكل على البائع بالضمان ما دام قد علم بالعيب وعلة ذلك ان النائب عندما يقوم بهذا العمل فهو لا يقوم به وحده، وانما بمساهمة ارادة الاصيل معه في انشاء التصرف الامر الذي ينبغي معه القول بوجوب تحمل الأصيل قسطه من المسؤولية. (57)
------------------------
(56) حشمت ابو ستيت - المرجع السابق - صفحة 120.
سليمان مرقس المرجع السابق - صفحة 94 و95.
السنهوري - نظرية العقد - صحفة 172.
(57) يذهب بعض الفقه الى القول الى ان النائب في هذه الحالة يكون اقرب من الرسول منه الى النائب ( عبد الفتاح عبد الباقي - المرجع السابق - صفحة 124 والسنهوري - المرجع السابق - صفحة 172).
------------------------
غير ان هذا الاستثناء لا يطبق الا على النيابة الاتفاقية دون النيابة القانونية. والسبب في ذلك واضح وهو ان النائب القانوني اذا ما عين في اطار النيابة القانونية فان ارادة الاصيل لا يعتد بها في اجراء التصرف بخلاف في النيابة الاتفاقية فان الاصيل - الموكل - على الرغم من تعيين نائب عنه فهو لا يحرم من سلطته في ابرام التصرفات التي وكل الغير فيها ويبقى محفتظا بها.

ثالثا : حكم العقد يخضع لاهلية الاصيل :
اذا كان النيابة تسوجب حلول ارادة النائب محل ارادة الاصيل في اجراء التصرف حتى يكون صحيحا، فان ذلك لا يستلزم توافر اهلية التصرف في النائب ما دامت اثار التصرف ستنصرف الى الاصيل فالذي يجب ان تتوفر فيه الاهلية اللازمة للتعاقد. وقد علق الاستاذ سليمان مرقس على هذه الوضعية بقوله : " بانه اذا كان النيابة قانونية فلا يشترط اهلية الاصيل للعقد الذي يبرمه نائبه. والغالب ان يشترط القانون الاهلية الكاملة فيمن يعتبره نائبا عن غيره" (58).

مجلة المحاكم المغربية