إشكاليات الفقرتين الثانية والخامسة من الفصل 16 من قانون المسطرة المدنية

إشكاليات الفقرتين الثانية والخامسة من الفصل 16 من قانون المسطرة المدنية

بقلم الأستاذ عبد الرفيع جواهري

من البديهي أن الاختصاص النوعي يعتبر من النظام العام كما أن الدفع به يكتسي نفس الطوابع وتترتب عن ذلك نتائج قانونية من أهمها :
1- لا يمكن للأطراف الاتفاق على ما يخالف قواعد ذلك الاختصاص.
2- يمكن للأطراف لإثارته في جميع درجات التقاضي ولو لأول مرة
3- يمكن للمحكمة أن تثيره تلقائيا سواء كانت محكمة درجة أولى أو محكمة استئناف أو محكمة نقض.

تلك أمور بديهية في فقه المسطرة المدنية كما لأن العمل القضائي في المغرب قد استقر على نفس المبادئ في ظل قانون المسطر المدني القديم.

لكن مع صدور قانون المسطرة المدنية الذي بدأ العمل به في 1/10/1974 أثار الفصل السادس عشر (16) منه عدة تساؤلات عندما نص في فقرته الثانية على إمكانية إثارة الدفع بعدم الاختصاص النوعي إلا بالنسبة للإحكام الغيابية إلى الذي ينتج عنه ضمنيا عدم جواز إثارته في المرحلة الاستئنافي بالنسبة للأحكام الحضورية وكذلك عندما نص في فقرته الخامسة على إعطاء الصلاحية لقاضي محكمة الدرجة الأولى لإثارة عدم الاختصاص النوعي تلقائيا مانعا بذلك بصفة ضمنية قضاة محكمة الاستئناف من إثارة نفس الدفع تلقائيا.

ومن بين التساؤلات التي أثارها الفصل الذكور:
أولا : هل تخلى المشرع المغربي عن فكرة اعتبر الدفع بعدم الاختصاص النوعي من النظام العام؟
ثانيا : إذا كانت رغبة المشرع من خلال الفقرتين الثانية والخامسة من الفصل 16 ق.م.م. الجديد الحرص على عدم إطالة إجراءات التقاضي فهل تشفع له تلك الرغبة في أن يتم اختار الوقت على حساب مبدأ من النظام العام؟

قبل مناقشة تلك التساؤلات من المفيد استقراء نصوص المسطرة القديمة فيما يتعلق بالدفع بعدم الاختصاص النوعي حتى يتضح مسار التطور في الاتجاه أي تبناه المشرع في افصل16 من ق.م.م الجديد.

الدفع بعدم الاختصاص النوعي في ظل المسطرة المدنية القديمة
إن المقتضيات القانونية التي تتحدث عن الدفع بعدم الاختصاص النوعي في قانون المسطرة القديم منحصرا أساس في لفصل 124مع ملاحظة لإشارة خفية في المقطع رقم 3 من الفصل 186.

فبالرجوع إلا فصل 124 نجد أن أهم ما فيه هو النص بصيغة الوجوب على لإثارة عدم الاختصاص من طرف القاضي تلقائيا في جميع أطوار القضية .

ومن الملاحظ أن هذا الفصل يتعلق فقط بمحكمة السدد (سابقا) نظرا لكونه داخلا في نطاق قسم الثالث من قانون المسطرة القديم المخصص للمسطرة أمام محاكم السدد.

وهذا الفصل ل تقع إلا حالة عليه مطلقا في أي فصل من فصول القسم الرابع المتعلق بالمسطرة أمام المحكم الإقليمية (سابقا) ولا في الباب الرابع من القسم الخامس المتعلق بالمسطرة أما محاكم الاستئناف .

نستنتج من ذلك أن المشرع المغربي قد سكت عن تنظيم مسألة الدفع بعدم الاختصاص النوعي سواء أمام محاكم الإقليمية آنذاك أو أمام محكمة الاستئناف الشيء الذي جعل الاجتهاد القضائي يسد لك الفراغ بتعميمه للقاعدة المنصوص عليها في الفصل 124 على المحكمة الإقليمية ومحكمة الاستئناف.

ومن جهة نظر شخصية اعتقد أن الاجتهاد القضائي في هذا الباب تبرره إلى حد ما مقتضيات المقطع رقم 3 من الفصل 186 من قانون المسطرة المدنية القديم المطبق أمام المحكمة الإقليمية سابقا والذي يوجب من بين ما يوجب تبليغه من دعاوى إلى وكيل الدولة. الدعاوى التي تثار فيها دفوع متعلقة بالاختصاص النوعي الشيء الذي يفهم منه ضمنيا إمكانية لإثارة الدفوع المذكورة أمام المحكمة الإقليمية ولا فما معنى النص على تبليغ الدفوع إلى وكيل الدولة؟

وبما أن الفصل 237 ق.م.م القديم المتعلق بالمسطرة أمام محكمة الاستئناف يجعل أحكام الفصول المتعلقة بالإجراءات أمام المحاكم الإقليمية ومن بينها الفصل 186 هي نفسها المطبقة أمام محاكم الاستئناف فإن إمكانية الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام تلك المحاكم كانت متوفرة أيضا في جميع الحالات.

إن اتجاه المشرع المغرب في ظل قانون المسطرة المدنية القديم ارتكز على اعتبارا الدفع بعدم الاختصاص النوعي من النظام العام وأوجب على القاضي إثارته ما عدا في حالة استثنائية نص عليها في الفقرة الثانية 222 حيث أجل للأطراف أن يتفقوا فيما بينهم على جعل قاصي المستعجلات ا صلاحية للبث في جوهر النزاع أنه غير مختص نوعيا .

إلا أن ذلك الاتجاه كان يعتريه نقص جعل الاجتهاد القضائي يتدخل ليسده. الشيء الذي يحدونا إلى القول بأن العمل القضائي في المغرب هو الذي أرسى دعامة اعتبار الدفع المذكور من النظام العام.

مقارنات
فلننتقل الآن إلى المقتضيات الجديدة التي أوردها المشرع في قانون المسطرة المدنية الجديد فيما يتعلق بالدفع بعدم الاختصاص النوعي مقارنين بينهما وبن المقتضيات القديمة لنرى ما هو التطور الحال في هذا الباب : وسنخصص تحلينا للفقرتين 2 و 5 من الفصل 16 ق.م.م.

التطور الأول: أن من بين التطورات الملاحظة أن الشرع تراجع عن صيغة الوجوب المستعملة في لفصل 124 من القانون القديم والملزمة للقاضي بإثارة عدم الاختصاص النوعي والتصريح به تلقائيا.

ويستنتج ذلك التراجع من كون الإجبار الذكور استبد في الفقرة الخامس من الفصل 16 من القانون الجديد بمجرد إمكانية متاحة لقاضي متاحة الدرجة الأولى عندما استعمل المشرع في الفقرة المذكورة لفظة (يمكن ) وهذا يجعل قاضي محكمة الدرجة الأولى غير مجبر على الحكم بعدم الاختصاص النوعي ولو كان القاضي المذكور غير مختص نوعيا للبث في النازلة المعروضة عليه .

التطور الثاني : هو منع الدفع بعدم الاختصاص الوعي أما محكمة الدرجة الثانية ما عدا في حالة صدور الحكم لمطعون فيه بصفة غيابية في حين أن مقتضيات المسطرة المدنية القديمة كانت ساكتة في هذا الباب باستثناء الإشارة الخفية للفصل 186 التي ألمحت أليها سابقا وهذا ما جعل العمل الثنائي النقص المذكور وذلك بقبول الدفع المتعلق بعدم الاختصاص النوعي في سائر درجات التقاضي وإثارته تلقائيا من طرف القضاء اعتمادا على كونه من مبادئ النظام العام.

فهل يعتبر هذا التطور تخليا من المشرع المغربي عن فكرة اعتبار الدفع بعدم الاختصاص النوعي من النظام العام ؟

يمكن أن نسجل أن المشرع المغربي قد سار في طريق تجديد الدفع بعدم الاختصاص النوعي من صيغة النظام العام دون أن يكون هناك مبرر مقبول وخلق تناقضا بين ذلك وبين بعض مقتضيات أخرى في قمم الجديد.
فقد جرده من صبغة العام.

1- عندما نص في الفقرة من الفصل 16 ق.م.م على منع إثارته من منع لدن الأطراف أمام محكمة الاستئناف إلا بالنسبة للأحكام أمام محكمة الاستئناف إلا بالنسبة للأحكام الغيابية . ومعنى ذلك انه عند الطعن في حكم حضوري بالاستئناف لا يمكن للأطراف الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام محكمة الاستئناف.

وقد يقال رد على هذا بأن المشرع قد أجاز في الفقرة الخامسة من الفصل 16ق.ق.م.م الجديد لقاصي الدرجة الأول الحكم تلقائيا بعدم الاختصاص النعي وهذا ما يجعل المسألة محسومة من أساسها حيث لن تصل إلى محكمة الاستئناف أحكام تبث خارج الاختصاص النوعي للمحكمة التي أصدرتها باعتبار أن قاضي الدرجة الأولى سيحكم لا محالة بعدم الاختصاص النوعي أن كان له محل.

لكن هذا التفسير مردودا نظرا لكون المشرع لم يلزم قاصي الدرجة الأولى وبالتصريح عدم الاختصاص الوعي تلقائيا عند ثبوته كما كان الحال في لمسطرة المدنية القديمة بل أتاح له فقط إمكانية ذلك ، وفي هذا النطاق له أن يستعملها وهنا نفترض أن قاضي محكمة الدرجة الأولى (ولسبب من الأسباب) لم يصرح بعدم الاختصاص النوعي رغم الدفع به وتوفر حالته وبت في الملف المعروض عليه حضوريا ووقع الطعن بالاستئناف في حكمه الحضوري فإنه حسب الفقر الثانية من الفصل المذكور لا يمكن أمام محكمة الاستئناف سماع الدفع بعدم الاختصاص النوعي لأن الفقرة المذكورة تشترط لجواز ذلك أن يكون الحكم غيابيا .

2- كما يتضح تجريد المشرع للدفع بعدم الاختصاص النوعي من طابع النظام العام عندما لم يتح لقضاة محكمة الاستئناف إثارته على العكس ما فعل بالنسبة لقضاة محاكم الدرجة الأولى في الفقرة الخامسة من الفصل 16 من ق.م.م
فهل أراد المشرع أن يصفي على الدفع بعدم الاختصاص النوعي طالع النظام العام بالنسبة لإثارته من طرف قاضي الدرجة الأولى فقط وسلب الطابع المذكور بالنسبة لقضاة محكمة الاستئناف ؟

ان ذلك غير مقبول لعدم إمكانية وصف قاعدة واحدة وصفين متناقصين وذلك بوصفها بصفة النظام العام تارة وبتجريدها تارة أخرى من نفس الصفة أي اعتبارها ليست من النظام العام.

النتائج المترتبة عن الفقرتين من الفصل 16 ق.م.م

تترتب عن الفقرة الثانية من الفصل 16 من قانون المسطرة المدية الجديدة نتائج خطيرة بينها :

أ- تضيف ممارسة حق الدفاع

ولتوضيح ذلك نعطي المثال التالي :
لنفرض أن شخصا رفع دعوى أمام قاضي المستعجلات وان تلك الدعوى تتعلق بنزاع في الموضوع أن قاضي المستعجلات (لسبب من الأسباب) لم يعمل بالدفع بعدم الاختصاص النوعي المثار من طرف المدعي عليه رغم تقديمه بصفة صحيحة وبث في المنازلة وتم تبليغ القرار عند النطق به في الجلسة طبقا للفقرة الأخيرة من الفصل 153 من قانون المسطرة المدنية فإن الأجل المخول للمستأنف في هذه الحالة هو 15 يوما طبقا للفقرة الرابعة من نفس الفصل رغم أن النزاع يتعلق بالموضوع في حين انه لوبن في ملفه قاضي الموضوع المختص لكان الأجل ثلاثين يوما. ولو أجاز الشرع لهذا المشرع لهذا الطرف الدفع بعدم الاختصاص النوعي رغم كون القرار ليس غيابيا لتمكن من طرح الدفع أمام حكمة الاستئناف وبالتالي من فرصة الفاء القرار الصادر ضده وإحالته على محكمة الموضوع المختصة التي سيتمتع أمامها بممارسة حقه في أن يكون له أجل 30 يوما للطعن في حكمها بعد التبليغ.

ب- إفراغ نظام التقاضي
إن المشرع المغربي أقر نظام التقاضي على درجتين ، ومن الواضح أن روح ذلك النظام تتجلى في تمكين المتقاضين من إثارة الدفوع التي يرونها صالحة في نطاق ممارسة حق الدفاع أما محكمة الدرجة الثانية .
لكن ما فائدة هذا النظام إذا حرمنا أحد أطراف الدعوى من إثارة الدفع بعدم الاختصاص النوعي أما محكمة الدرجة الثانية إذا لم يكن الحكم المطعون فيه غيابيا.

ج- تضييق نطاق بدا الأثر الناشر للاستئناف
بعدم إمكانية نشر الدفع بعدم الاختصاص النوعي من جديد أمام محكمة الاستئناف.
إذا كانت تلك هي بعض النتائج القانونية المترتبة عن الفقرة الثانية من الفصل 16 فما هي النتائج المترتبة عن الفقرة الخامسة من الفصل المذكور؟

النتائج المترتبة عن الفقرة 5 من الفصل 16 ق.م.م


تترتب عن الفقرة الخامسة من الفصل 16 نتائج قانونية أخرى من بينهما:

1- إعطاء حق الدفع بعدم الاختصاص النوعي تلقائيا لقاضي الدرجة ال أولى وحدة (وهو حسب النظام الممول به في المغرب قاضي فرد) يضعنا أمام نتيجة غير مستساغة وهي إعطائه صلاحية أوسع في هذا المجال من صلاحية محكمة لدرجة الثانية رغم أنها تتكون من ثلاثة قضاة الشيء الذي يترتب عنه تضييق مجال سلطة القضاء الجماعي لفائدة الفردي.

2- عدم تمكين محتكم الاستئناف من مراقبة ضمان حسن سير العدالة أمام محاكم الدرجة الأولى فيما يتعلق بالاختصاص النوعي.

3- تناقض مقتضيات الفقرة الثالثة من الفصل 16 مع الفصل الثالث
من قانون المسطرة المدنية: أن الفصل الثالث يلزم القاضي بالبث دائما طبقا للقوانين المطبقة على النازلة ولو لم يطلب الأطراف ذلك بصفة صريحة.
وبما أن الفصل المذكور جاء ضمن الباب الأول من القسم من قانون المسطرة المدنية الجديد في إطار المقتضيات التمهيدية التي تشكل قواعد عامة بالنسبة لجميع المحاكم فإن هذا الفصل واجب التطبيق أمام محاكم الاستئناف.

فلنفرض أن قاضي المستعجلات (لسبب من الأسباب) بت خارج نطاقا اختصاصه النوعي في قضية ما واستأنف قراره الطرف الذي يعينه الأمر وأن هذا الطرف ليس من حقه حسب الفقرة الثانية من الفصل 16 الدفع بعدم الاختصاص النوعي فإن محكمة الاستئناف سيكون عليها حسب الفصل (3) الثالث ق.م.م ان تطبق القانون على النازلة المعروضة عليها ، وتطبيق القانون بالنسبة لقضية استعجالي معناه تطبيق مقتضيات الفصل 149 و 152 ق.م.م.يستفاد منهما أن اختصاص قاضي المستعجلات مربوط بتوفر حالة الاستعجال وعدم المس بما يمكن أن يقضي به في الجوهر.

ويترتب عن تطبيق الفصلين المذكورين أعلاه ضرورة إثارة محكمة الاستئناف اعدم الاختصاص النوعي لكن ذلك حسب الفقرة الخامسة من الفصل 16 ق.م.متاح فقط لقاضي محكمة الدرجة الأولى ولم يتجه المشرع لقضاة محكمة الاستئناف .

وهكذا ينشأ تناقض بين مقتضيات الفقرة الخامسة من الفصل 16 والفصل 3 من قانون المسطرة المدنية.

ما هي غاية المشرع من الاتجاه الذي رسمه في الفقرتين 2 و 5 من الفصل 16 ق.م.م

إن كل ما يتقدم يقودنا إلى طرح التساؤل التالي:
ما هي غاية المشرع من اختياره للاتجاه الذي رسمه في الفقرتين الثانية والخامسة من الفصل 16 ؟

1- هل هي اختصار إجراءات التقاضي؟
2- هل يصح ذلك لتبريرهم قاعدة من قواعد النظام العلم؟ يمكننا الافتراض أن غاية المشرع هي اختصار إجراءات التقاضي وذلك بحسم مسألة عدم الاختصاص النوعي أساس في المرحلة الابتدائية حتى إذا انتقل الملف إلى محكمة الاستئناف لن يكون هناك مجال للدفع بعدم الاختصاص النوعي إثارته كن طرف القضاة وبالتالي لي يكون هناك مجال للحكم به وإعادة النزاع من جديد أمام المحكمة المختصة
إذا كانت تلك هي غاية المشرع فإن اختصار إجراءات التقاضي من الأمور المحمودة لكن ذلك لا يجوز، أن يتم على حساب مبدأ أساس كالدفع بعدم الاختصاص النوعي نظرا لارتباطه بحقوق الدفاع. إذ لا يعقل تجريد المتقاضين من أهم حقوقهم في الدفاع بحجة الإسراع بالإجراءات .

هذا مع العلم انه لو أجاز المشرع الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام محاكم الاستئناف نظرا لكون الفقرة الرابعة (4) من الفصل السادس عشر (16) تنص على أنه إذا قبل الدفع رفع الملف إلى المحكمة المختصة التي تكون الإحالة عليها بقوة القانون وبدون صائر. وعلى هذا الأساس يفقد مبرره الاتجاه الذي سار فيه المشرع المغربي من خلال الفقرتين الثانية والخامسة من الفصل السادس - (16) من قانون المسطرة المدنية الجديد.

الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المجلس الأعلى
إذا كانت هي وضعية الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام محاكم الاستئناف فما هي وضعيته أمام المجلس الأعلى
لقد نص الفصل 359 من ق.م. الجدد على وجوب تركيز طلبات لنقض على خمسة أسباب من بينها عدم الاختصاص
إن إشارة الفصل 359 أو عدم الاختصاص يطرح هذا التساؤل :

ما هي الحالة التي يسمح فيها بإثارة الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المجلس الأعلى؟

هل الدفع خاضع للمقتضيات المنصوص عليها فقي الفقرتين الثانية الخامسة من الفصل 16 من قانون المسطرة المدنية أو انه بالإمكان لإثارته أمام المجلس الأعلى لأول مرة سواء من جانب الأطراف أو تلقائيا من طرف المجلس الأعلى.

يطرح الجواب على هذا السؤال افتراضين اثنين :

الافتراض الأول : قد يقال أن مقتضيات الفل 16 ف.م.ج جاءت صمن الباب الأول الذي يحمل عنوان "مقتضيات عامة " وما دام المشرع قد أصبح المسطرة أمام المجلس الأعلى نص القانون الجديد للمسطرة المدنية وله يفرد له نصا خاصا منفصلا عنها فإن تلك المقتضيات العامة التي تشمل مختلف المحاكم تنطبق كذلك على المجلس الأعلى وبناء عليه فإنه طبقا للفقرة الأخيرة من الفصل 16 تبقى إمكانية إثارة الدفع بعدم الاختصاص النوعي مقتصرة على قاضي الدرجة الأولى الشيء الذي يسلب تلك الإمكانية من قضاة المجلس الأعلى . كما أنه لا يمكن من وجهة الافتراض المذكور الدفع لأول مرة بعدم الاختصاص النوعي أمام المجلس الأعلى. وإن إشارة الفصل 359 إلى جعل أحد أسباب النقض عدم الاختصاص تعني الحالة المنصوص عليها في الفقرة الثانية من الفصل 16 قمم أي مراقبة المجلس الأعلى لحسن تطبيق مقتضيات تلك الفقرة التي لا تجيز إثارة الدفع بعدم الاختصاص النوعي في طور الاستئناف إلا بالنسبة للأحكام الغيابية.

وهكذا إذا كان الحكم غيابيا وطعن أحد الأطراف فيه بالاستئناف دافعا بعدم الاختصاص النوعي لقاضي الدرجة الأولى. ولم تقبل محكمة الاستئناف دفعه فغن بإمكانه في هذه الحالة فقط حسب الافتراض الأول أن يؤسس طلب النقض على الدفع بعدم الاختصاص النوعي أما في غير هذه الحالة فلا يقبل أن يدفع لأول مرة أمام المجلس الأعلى بعدم لاختصاص النوعي.

الافتراض الثاني : ويبرر في مواجهة الافتراض السابق افتراض معاكس يطرح إمكانية الدفع لأول مرة أمام المجلي الأعلى بعدم الاختصاص النوعي أو لإثارته تلقائيا من طرف اعتمادا على أن مقتضيات الفصل 16 ق.م.م وإن كانت داخلة تحت عنوان مقتضيات عامة فإنها متعلقة بمحاكم الدرجة الأولى والثانية وهذا واضح من خلال اقتصار الفقرة الثانية منه على منع إثارة الدفع المذكور أمام محكمة الاستئناف إلا إذا كان لحكم المستأنف غيابيا ولو كانت إرادة المشرع تتجه إلى المجلس الأعلى لوقع النص على ذلك بوضوح في ذلك الفصل.

بالإضافة إلى هذا فإن الفقرة الأخيرة من الفصل 16 ق.م.م تتحدث عن لإثارة الدفع تلقائيا بالنسبة لقاضي الدرجة الأولى.
كل ذلك يعطينا انطباعا من شأنه جعل مقتضيات الفقرتين المذكورتين متعلقين فقط بمحاكم الدرجة الأولى والثانية دون إدخال المجلس الأعلى تحت تلك المقتضيات .

إن الصياغة الحالية للفقرتين الثانية والخامسة من الفصل 16 ق.م.. تطرح الافتراضين معا محل التساؤل .
غير انه من الملاحظ أن الافتراض الأول ينسجم أكثر مع بنية الفقرتين الذكورتين .

أما الافتراض الثاني فإن مسايرة ينتج عنها تناقض أساسي يبرز يلي:
إذا كان المشع في الفقرة الثانية من الفصل 16 ق.م. فد منع الدفع أمام محكمة الاستئناف بعدم الاختصاص النوعي إلا إذا كان الحكم غيابيا كما انه أعطى في الفقرة الخامسة من نفس إمكانية لإثارة الدفع المذكور تلقائيا لقاضي الدرجة الأولى فإن معنى ذلك هو وضع محكمة الاستئناف في حالات معينة مكتوفي الأيدي أمام استعمال سلطتهم في التصريح النوعي تلقائيا رغم ثبوته .وفي مثل هذه الحالة كيف يعقل ان نسمح بإثارة نفس الدفع أمام المجلس الأعلى أي : نسمح المجلس الأعلى بما لم نسمح به لقضاة محاكم الاستئناف ؟

وبتعبير أوضح كيف يعقل أن ينقض المجلي الأعلى حكما صادرا عن محكمة الاستئناف بحجة عدم الاختصاص النوعي (أما بناء على الدفع به لأول مرة من أحد الأطراف أو لإثارته تلقائيا من طرف المجلس الأعلى في حين أننا سلبنا من الأطراف حق الدفع به أمام محاكم الاستئناف ( إلا إذا كان الحكم غيابيا) وسلبنا قضاة محاكم الاستئناف من إمكانية إثارته تلقائيا؟

أن كل ما تقدم يفسر أن هناك على كل حال إشكالية خلقتها البنية القانونية في حالتها الراهنة لمقتضيات الفقرتين الثانية والخامسة من الفصل 16 ق.م.م.

وكل ذلك يطرح بإلحاح ضرورة تعديل الفقرتين المذكورتين وصياغتهما بشكل لا لبس فيه بالنص صراحة على إمكانية الدفع بعدم الاختصاص النوعي في جميع التقاضي ولو لأول مرة وكذلك إمكانية لإثارته من طرف محتكم الدرجة الأولى ومحاكم الدرجة الثانية والمجلس الأعلى.

مراكش في 9/1/1979

غرابة مواقف القانون من الخيانة الزوجية

بقلم الأستاذ محمد العربي المجبود
الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بمراكش

أن أحكام القانون الجنائي بخصوص الخيانة الزوجية تتطلب بعض الملاحظات ذات أهمية بمكان من شأنها أن تبرز غرابتها التي لها انعكاسات معقدة على الحقل التطبيقي والعملي.

فإذا كانت الدعوى العمومية تهدف كل شيء إلى زجر الإخلال بالنظام الاجتماعي وأنها بالتالي ترجع إلى المجتمع بواسطة النيابة العامة اللي تمثله وتسهر على مصالحه، فإن إقامتها في بعض الحالات من شأنها ان تلحق ضرا معنويا جسميا بالضحية نفسها ، لذا أراد المشرع أن يترك في هذه الحالات للمجني عليه وحده دون سواه حق المبادرة بتحريكها.

وعلى غرار معظم التشريعات العصرية فإن المشرع المغربي أراد في حالة الخيانة الزوجية لا تجري المتابعة إلا على أساس شكوى الزوج المهان اعتبارا منه أن تحريك الدعوى العمومية دون ارادة المجني عليه يؤدي حتما بعلنية المحاكمة أو حتى بسيرتها إلا فضح ما لحقه من عار وأساء بسمعة شرفه.

لكن المشع عندما وضع الفصلين 491 و 492 من القانون الجنائي لم يدرس جميع الاحتمالات التي قد تتقدم حين تطبيق هذبن الفصلين .

وبالفعل ان المقطع الأخير من الفصل 492 الذي يقتضي بأن تنازل المهان أو الزوجة المهانة لا يستفيد منه مشارك هذه الزوجة أو مشاركة هذا الزوج لا يؤدي الغاية التي توخاها من ورائه المشرع.

أجل أن هذا الأخير عندما قضى حسب الفصل 491 بأن المتابعة لا تجوز إلا بناء على شكوى الزوج المهان أو الزوجة المهانة أراد أن يبقى تحريك الدعوى العمومية بيد الزوج المهان الذي له الحق وحده في تقدير عواقب المتابعة وتبعات الفضيحة التي يكمن أن تنعكس على رفع الدعوى إلى القضاء وما ينشأ عن ذلك من أثار على توازن العائلة .

انه أراد أيضا أن يترك للزوج المهان المجال فسيحا في وضع حد المتابعة في أي طور من أطوارها وحتى لتنفيذ الحكم الذي صدر إذا صدر إذا كان غير قابل للطعن . وإرضاء لشعور الانتقام من جهة والحفاظ على العنصر الادبي للعقوبة من جهة أراد المشرع أيضا أن لا يستفيد المشارك في الجريمة من التنازل.

لكنه لم يراع إلا احتمال حالة واحدة وهي الخيانة الزوجية البسيطة أي تلك التي يكون فيها المارك غير متزوج أو إذا لم يقدم زوج المشارك شكوى أيضا بالخيانة الزوجية على نفس الفعل.

اما إذا كان من الرجل والمرأة اللذين ساهما في اقتراف الفعل الاجرامي متزوجا فإن تطبيق الفصل 491 لا يخلو من صعوبات فإذا قدمت زوجة الرجل شكاية ضد زوجها ومشاركته فإن هذه الأخيرة تصبح متورطة في المتابعة بالرغم من أن زوجها أصر على التمتع بالحق المخول له في عدم متابعة عقيلته بالامتناع عن تقديم كوى ضدها والعكس بالعكس . فيصبح الفصلان المشار إليهما فارغين من محتواها بسبب أن المشرع لم يصب الهدف المقصود.

إن هذه الصعوبة ترتبط أيضا بتطبيق الفصل 492 بخصوص الفصل 492 بخصوص التنازل، فإذا كانت الحالة البسيطة لا تعارض إلا ثلاثة أطراف بقطع النظر تن النيابة العامة أي الزوج المهان الذي قدم الشكاية وزوجته والمشارك فإن الأطراف في الحالة الثانية يكونون أربعة : الزوجان المهانان اللذان رفعا الشكوى والمشاركان زوجاهما ، أو تنازل أحد الزوجين المهانين لا يجعل حدا للمتابعة بسبب أن المشارك لا يستفيد منه.

هب مثلا أن زوجة ارتكبت جريمة الخيانة الزوجية بمشاركة رجل متزوج ، وأن كلا من زوج المرأة وزوجة المشارك اشتكى لدى النيابة العامة.فكل من الرجل والمرأة اللذين استهلكا الفعل الإجرامي يعد في نفس الوقت جارما رئيسيا ومشاركا. فلنفرض أن المرأة تسمى (أ) والرجل (ب). أ (أ) مرتكبة رئيسية للجريمة بالنسبة لزوجها و (ب) مشارك لها. أما بالنسبة لزوجة (ب) فإن هذا الأخير هو الجارم الرئيسي و (أ) هي المشاركة . فإذا تنازل زوج (أ) عن شكايته بقيت الدعوى جارية ضد(ب)بوصفه جارما رئيسيا ما دامت زوجته ل تتنازل عن شكواها ، كما(أ) نفسها . بالرغم من تنازل زوجها متابعة ل (ب) .

ان هذا لغريب جدا ول يكن توقعه المشرع عندما وضع أحكام القانون الجنائي المتعلقة بالخيانة الزوجية.

وأن الحالة تتشعب أكثر إذا ما تنازل كل من الزوج المهان والزوجة المهانة عن شكواه، فإن كلا من 'أ) و(ب) يستفيد من التنازل بوصفه جارما رئيسيا لكن تبقى المتابعة جارية ضده بوصفه مشاركا ، فيختفي إذن الجارمان الرئيسيان ويبقى المشاركان في نفس الشخصين (أ) و(ب).

يبدو أذن تنازل الزوج والزوجة المهانين بدون فائدة مادامت المتابعة لم تسقط لصالح زوجيهما. وهذا من الغرابة بمكان .
أن المشرع أراد أن يساوي بين الرجل والمرأة وان يزجر المشارك في الخيانة الزوجية ولو بوقوف المتابعة ضد الجارم الرئيسي بطريقة تنازل الزوج المها لكنه لم يوفق على الإطلاق .

أما بخصوص عدم استفادة المشارك بالتنازل فإنه في الحقيقة هو الذي يضع بين الناس إذ هو يؤدي إلى عقاب شخص واحد دون الأخر الذي ساهم في ارتكاب نفس الفعل الإجرامي والذي سيحمل العدلي سابقة سوف تمنعه من استعمال حقوقه الوطني بينما للآخر الحق في استعمالها كاملة ما لم تكن له سوابق من أجل أفعال أخرى.

أما القانون الفرنسي،علاوة على انهه جعل من زنا الزوج وزنا الزوجة جنحتين مختلفتين فإنه يزجر الثاني بعقوبة أشد ما الأول بسبب أن عواقبه أخطر نظرا لما يترتب عنه من فقدان الثقة في شرعية الأولاد. هذا ومن ناحية أخرى فإن التنازل عن الشكوى لا يصدر إلا من الزوج دون الزوجة ويستفيد منه المشارك . إن هذه الأحكام التشريعية تبعد كل الصعبات.

بجانب هذا فإن أحكام الفصل 491 لا تتلاءم مع الفصل 490 الناص على جنحة الفساد والمعقب عنها.

إن أحكام هذا الفصل لها طابع عام ولا يجوز تطبيقها طبعا على الرجل المتزوج والمرأة المتزوجة لأن في هذه الحالة ستكون أمام جنحة الخيانة الزوجية التي لها طابع خاص. والأحكام الخاصة لها امتياز على الأحكام العامة. فلا يطبق إذن الفصل 490إلا على الأشخاص الغير متزوجين أي العزاب والأرامل والذين انقصم زواجهم بالطلاق أو التطبيق أما المتزوجين فإن القانون خولهم حصانة متينة تجعلهم في مأمن من كل متابعة بالزنا وتترك لهم الحرية المطلقة في الميدان ما لم يقدم أزواجهم شكوى ضدهم .

فإذ كان المشرع يعتبر أن الخيانة الزوجية لا تلحق ضررا بالمجتمع بل بالزوج المهان فقط فإن العزاب أو الفساد لا يلحق إذن ضررا بأي أحد ويجب بالتالي حسب هذا المنطق عدم اعتباره جريمة وحذفه من القانون الجنائي.

المصدر
مجلة المحامى

المقررات الضمنية في إطار قانون المحاماة والطعن بالاستئناف

لمقررات الضمنية في إطار قانون المحاماة والطعن بالاستئناف

الاستاذ النقيب الطيب بن لمقدم
محام بهيئة الرباط (الخميسات)


مقدمة :
مقررات مجلس هيئة المحامين بالمغرب كثيرة ومتنوعة، منها المقررات الصادرة في طلبات الترشيح للتمرين سواء بالقبول او بالرفض ومنها الصادرة في طلبات التقييد في جدول المحامين الرسميين سواء بالقبول ايضا او بالرفض ، ومنها الصادرة في طلبات الاستقالة سواء بالقبول او بالرفض، ومنها ايضا الصادرة في الشكايات سواء بالرفض او الحفظ او الادانة او البراءة... وكل هذه المقررات تكون بصفة مبدئية قابلة للطعن
فيها امام محكمة الاستئناف بطريق الاستئناف… .

ومن تلك المقررات تكون ذات اهمية المقررات الصادرة بشان الشكايات وخاصة منها تلك الصادرة بالحفظ، كما انه ظهرت مؤخرا وبواسطة النيابة العامة لدى محكمة الاستئناف ما سمي : " بمقررات الحفظ الضمنية في الشكايات". فهل هناك فعلا ما يسمى بالمقررات الضمنية الصادرة عن مجلس هيئة المحامين في بعض قوانين المحاماة السابقة (I)، وفي قانون المحاماة الحالي (II) فضلا عن تضارب الفقه والقضاء بشان بعض حالاتها ؟(III) ومدى قابليتها للطعن بالاستئناف في تلك الحالات ؟ (IV)، وقبل الرد على هذا التساؤل (V) نستعرض تلك الحالات في ما يلي:

Iا) المقررات الضمنية في قوانين المحاماة السابقة
(المقررات السلبية والصيغة الصريحة) :
نصت بعض قوانين المحاماة السابقة صراحة على المقررات الضمنية او المقررات السلبية الصادرة عن مجلس هيئة المحامين، سواء في طلبات المرشحين للتمرين او طلبات التقييد في الجدول او طلبات الاستقالة؟ او في طلبات ابرام عقد المشاركة بين المحامين او في طلبات فسخه او في الشكايات … .

أ) في طلبات المرشحين للتمرين:
نص الفصل 22 من ظهير 10/1/1924 المتعلق بتنظيم هيئة المحامين ومزاولة مهنة المحاماة على ان مجلس الهيئة يعلن القبول في بالتمرين بعد بحث حول أخلاق المرشح وتعد مقتضيات الفصل 18 قابلة للتطبيق فيما يتعلق بالقبول في التمرين.. أي انه عند عدم تبليغ مقرر ما في الشهر الموالي لتاريخ انتهاء الاجل الممنوح لمجلس الهيئة للبت في الطلب يمكن للمعنى بالامر ان يعتبر طلبه مرفوضا وان يطعن في ذلك، على الكيفية المبينة في الفقرة السابقة.

وفي ما يخص شهادة انجاز التمرين التي يسلمها النقيب للمحامي المتمرن، اذا ما تم رفضها، فانه يجوز للمتمرن احالة هذا القرار على محكمة الاستئناف ضمن الشروط التي حددها الفصل 18 (ف 25).
واحالت الفقرة الاخيرة من الفصل 25 من ظهير 18/5/1959 بشان تنظيم هيئة المحامين ومزاولة مهنة المحاماة(ج. ر عدد 2431 بتاريخ 29/05/1959)، على الفقرة الثالثة من الفصل 20 (1) من نفس الظهير المشار اليه ايضا، فيما يخص المقرر الضمني بالرفض اوالمقرر السلبي بالرفض .

وتطبق نفس الفقرة اعلاه من الفصل 20 من الظهير المذكور في حالة المقرر الضمني برفض شهادة المجلس بإنجاز التمرين للمحامي المتمرن ( ف 28/4) .
اما في المرسوم الملكي الصادر بتاريخ 19/12/1968 بشان تنظيم نقابة المحامين ومزاولة مهنة المحاماة ( ج. ر عدد 2932 بتاريخ 8/1/1969 ) فقد نص في الفقرة الاخيرة من الفصل 24 على ان مقتضيات المقطع
الثاني من الفصل 20 (2) تطبق على المقرر القاضي بالقبول في التمرين،….
-------------------------
1) الفصل 20/3 ينص على ما يلي: "وعند عدم تبليغ مقرر ما في الخمسة عشر يوما الموالية لتاريخ انتهاء الاجل الممنوح لمجلس الهيئة للبت في الطلب، يمكن للمعني بالامر ان يعتبر طلبه مرفوضا وان يطعن في ذلك لدى محكمة الاستئناف في اجل خمسة عشر يوما".
2) الفصل 20/2،3 ينص على ما يلي : " ان مقرر مجلس الهيئة القاضي بقبول التقييد في الجدول يبلغ خلال ثمانية ايام للمعني بالامر والى الوكيل العام، ويمكن للمدعى العام ان يحيل هذا المقرر في الثمانية ايام الموالية لتاريخ التبليغ على محكمة الاستئناف في الاحوال المنصوص عليها في المقطع الخامس، وعند عدم تبليغ المقرر في الثمانية ايام الموالية لتاريخ انتهاء الاجل الممنوح لمجلس الهيئة للبت في الطلب، يمكن للمعني بالامر ان يعتبر طلبه مرفوضا وان يطعن في ذلك لدى محكمة الاستئناف في اجل ثمانية ايام"
--------------------------------
اما مقتضيات المقطعات 3 و 4 و 5 من نفس الفصل فتطبق على المقرر الصادر بالرفض، أي على القرار الضمني، ونفس هذه المقتضيات في المقطعات المذكورة تطبق على القرار الضمني بشان تسليم شهادة قضاء مدة التمرين للمحامي المتمرن (ف 28/4).

واما في قانون 19/79 الصادر في 8/11/1997 الذي تنظم بموجبه نقابات المحامين ومزولة مهنة المحاماة فقد نص في الفقرة الثانية من الفصل 12 على المقرر الضمني بالرفض بقوله ، " يعتبر الطلب مرفوضا في حالة عدم تبليغ مقرر داخل الثمانية ايام الموالية لا نتهاء الاجل المحدد لمجلس الهيئة للبت في الطلب" .

ب) في طلبات التقييد في الجدول:
بعد ان قرر الفصل 18 من ظهير 10/1/1924 المتعلق بتنظيم هيئة المحامين ومزاولة مهنة المحاماة من ان مجلس الهيئة يبت في طلب التقييد في الجدول خلال اجل ثلاثة ايام ابتداء من تاريخ التوصل بالطلب، جاءت الفقرة الخامسة بما يلي : " وعند عدم تبليغ مقرر ما في الشهر الموالي لتاريخ انتهاء الاجل الممنوح للمجلس الهيئة للبت في الطلب يمكن للمعنى بالامر ان يعتبر طلبه مرفوضا وان يطعن في ذلك، على الكيفية المبنية في الفقرة السابقة" .

ونصت الفقرة الاولى الفصل 20 من الظهير الشريف الصادر بتاريخ 18/5/1959 بشان تنظيم هيئة المحامين ومزاولة مهنة المحاماة على ان : " مجلس الهيئة يبت في طلب التقييد في الجدول داخل اجل شهر ابتداء من تاريخ التوصل بالطلب وبعد التوفر على كل المعلومات المفيدة بشان طالب التقييد".

اما فقرته الثالثة فنصت على ما يلي : " وعند عدم تبليغ مقرر ما في الخمسة عشر يوما الموالية لتاريخ انتهاء الاجل الممنوح لمجلس الهيئة للبت في الطلب يمكن للمعني بالامر ان يعتبر طلبه مرفوضا وان يطعن في ذلك لدى محكمة الاستئناف في اجل خمسة عشر يوما".

وفي المرسوم الملكي الصادر بتاريخ 19/12/1968 بشان تنظيم نقابات المحامين ومزاولة مهنة المحاماة. فقد نصت الفقرة الثالثة من الفصل 20 على ما يلي : " وعند عدم تبليغ المقرر في الثمانية ايام الموالية لتاريخ انتهاء الاجل الممنوح لمجلس الهيئة للبت في الطلب يمكن للمعنى بالامر ان يعتبر طلبه مرفوضا وان يطعن في ذلك لدى محكمة الاستئناف في اجل ثمانية ايام" .

اما في قانون 19/79 المشار اليه اعلاه فقد ورد النص على المقرر الضمني بشان تقييد المحامين المتمرنين الناجحين في شهادة الأهلية وكذا المرشحين المعفين من التمرين ومن شهادة الاهلية، في الجدول في الفقرة الثانية من الفصل 23 الذي اعتبر الطلب مرفوضا في حالة عدم تبليغ مقرر داخل الثمانية أيام الموالية لانتهاء الاجل المحدد لمجلس الهيئة للبت في الطلب .

ر) في طلبات ابرام عقد المشاركة بين المحامين :
ينص الفصل 27 من قانون 19/79 الصادر بتاريخ 08/11/1979 المشار اليه اعلاه على ما يلي :
"يسلم خلال الثمانية ايام التالية لابرام عقد المشاركة نظير منه مقابل وصل او يوجه بواسطة رسالة مضمونة مع الاشعار بالتوصل الى مجلس الهيئة الذي يمكن له داخل اجل شهرين إنذار المحامين بتغيير العقد ليصير مطابقا للقواعد المهنية .
يرسل نظير من العقد داخل اجل نفس الاجل الى الوكيل العام للملك بواسطة النقيب.
يمكن للوكيل العام للملك داخل اجل شهرين ان يطلب من مجلس الهيئة الزا م المحامين بتغيير اتفاقهم اذا اعتبر انه متناقض مع قواعد المهنة .
يعتبر الطلب مرفوضا في حالة عدم التوصل بجواب من مجلس الهيئة داخل الشهرين المواليين للطلب المقدم اليه برسالة مضمونة مع الاشعار بالتوصل .


ز) في طلبات فسخ عقد المشاركة بين المحامين:
ينص الفصل 28 من قانون 19/79 المشار اليه اعلاه على ما يلي : "يفسخ عقد المشاركة بين محامين بامر صادر من مجلس الهيئة كلما كانت متناقضة مع قواعد المهنة.
يمكن للوكيل العام للملك ايضا ان يطلب من مجلس الهيئة اصدارالامر المشار اليه في الفقرة السابقة الى المعنيين بالامر.
يعتبر الطلب مرفوضا في حالة عدم التوصل بجواب مجلس الهيئة بعد الشهرين المواليين للطلب المقدم اليه برسالة مضمونة مع الاشعار بالتوصل" .

ج) في طلبات الاستقالة :
نص الفصل 63 من المرسوم الملكي الصادر بتاريخ 19/12/1968 بشان تنظيم نقابات المحامين ومزاولة مهنة المحاماة على انه : " لا تعتبر نهائية الاستقالة التي يقدمها محام الا بعد قبولها من مجلس الهيئة. ويكون المقرر الصادر عن مجلس الهيئة بقبول استقالة محام او رفضها قابلا للاستئناف من لدن المحامي والمدعي العام خلال الثمانية ايام الموالية لتبليغه. وتطبق مقتضيات الفصل 20 باستثناء المقطع 5 بخصوص قبول او رفض الاستقالة".

د) في الشكايات:
نصت الفقرة الثانية من الفصل 33 من نظام المحامين في منطقة طنجة الدولية المصادق عليه من طرف الجمعية العمومية للقضاة الرسميين لدى المحكمة المختلطة في جلستها المنعقدة في 20/12/1949 بشان التنظيم القضائي الدولي بطنجة الصادر على انه : " يجب على المجلس ان يعقد وينظر في القضايا اذا طلب منه ذلك الوكيل لدى المحكمة الجنحية كتابة، واذا لم يتخذ المجلس التأديبي الإجراءات التي طالب بها الوكيل خلال الشهر الذي أقيمت فيه الشكاية يمكن للوكيل متابعة الدعوى التأديبية مباشرة امام لجنة خاصة مكونة من ثلاثة قضاة من المحكمة يقيد القضية ويفصل فيها كما هو منصوص عليه في الفصل 35 .

وقد صرحت الفقرة الاخيرة من الفصل 51 من الظهير الصادر بتاريخ 10 يونيه 1953 بشان اعلان تنظيم المحكمة الدولية بطنجة ( ج. ر. عدد 2126 بتاريخ 24 يوليوز 1953) بانه : "يجب الزاما اخبار النيابة العامة بكل شكاية ضد محام متمرن او مقيد بالجدول والتي لها الحق في اعطاء مهلة الى مجلس هيئة المحامين للبحث في موضوعها وابلاغها بالقرار المتخذ. ان عدم تبليغ قرارها من طرف النقيب داخل هذا الاجل يعادل في نظر مجلس الهيئة قرار رفض ضمني يمكن للنيابة العامة ان تمارس ضده الطعن المنصوص عليه في الفقرة الثانية من هذا لفصل.".

ونصت الفقرة الاخيرة من الفصل 60 من ظهير 18/5/1959 بشان تنظيم هيئة المحامين ومزاولة مهنة المحاماة على انه : " اذا لم يبت المجلس التاديبي في الامر وفي الشهر الموالي لتاريخ وضع الشكاية من طرف الفريق المتضرر او في الخمسة عشر يوما الموالي لتاريخ تقديم طلب المتابعة من طرف المحامي العام، فيمكن اعتبار الشكاية او طلب المتابعة مرفوضا ويجوز اذ ذاك للمحامي العام ان يرفع القضية الى محكمة الاستئناف طبقا لمقتضيات هذا الفصل.

كما نصت الفقرة السابعة من المرسوم الملكي الصادر بتاريخ 19/12/1968 الذي كانت تنظم بموجبه نقابات المحامين ومزاولة مهنة المحاماة على ما يلي : واذا لم يبت المجلس التاديبي في الامر داخل الشهر الذي قدمت فيه الشكاية من طرف المتضرر او قدم فيه طلب المتابعة من طرف المدعي العام، امكن اعتبار الشكاية او طلب المتابعة مرفوضا، ويجوز اذ ذاك للمدعي العام ان يرفع القضية الى محكمة الاستئناف طبقا لمقتضيات هذا الفصل ".

II) المقررات الضمنية او المقررات السلبية في قانون المحاماة الحالي :
في قانون المحاماة الحالي الصادر بتاريخ 10/9/1993 (ج. ر عدد 4222 بتاريخ 29/9/1993) والذي وقع تغييره وتتميمه بمقتضى القانون رقم 39/96 الصادر في 10/8/1996 ( ج. ر عدد 4421 بتاريخ 14/10/1996 ) وردت المقررات الضمنية في المادة 11 المتعلقة بالمرشحين للتمرين، وفي المادة 20 المتعلقة بالتقييد في الجدول بالنسبة للمحامين المتمرنين الذين انهوا مدة التمرين القانونية، والمرشحين المعفيين من شهادة الاهلية ومن التمرين.

وهكذا فقد نصت الفقرة الاخيرة من المادة 11 المشار اليها اعلاه على : " ان الطلب يعتبر مرفوضا في حالة عدم تبليغ مقرر المجلس خلال الخمسة عشر يوما التالية لانتهاء الاجل المحدد للبت في الطلب."

اما الفقرة الاخيرة من المادة 20 المشار اليها اعلاه تنص على : " ان الطلبات تعتبر مرفوضة اذا لم تبلغ المقررات بشانها داخل الخمسة عشر يوما التالية لانتهاء المدة للبت فيها " .
ومما يلاحظ ان هاتين الفقرتين لم يرد فيهما النص على امكانية الطعن من عدمه، غير ان المشرع تدارك ذلك في المادة 90 من قانون المحاماة اذ اورد نصا عاما بشان الطعن بالاستئناف امام محكمة الاستئناف فجاءت كما يلي : "يحق لجميع الاطراف المعنية والوكيل العام لدى محكمة الاستئناف الطعن في المقررات الصادرة عن مجلس الهيئة، وكذلك في انتخاب مجلس الهيئة والنقيب، وذلك بمقتضى مقال يوضع بكتابة الضبط بمحكمة الاستئناف داخل اجل خمسة عشر يوما من تاريخ التبليغ او اجراء الانتخاب او من اليوم الذي يعتبر تاريخ لاتخاذ المقرر الضمني" .

هذا وقد جاء النص كذلك على المقرر الضمني او المقرر السلبي بشان عدم ذكر اسم المحامي المرشح لمنصب النقيب او لعضوية المجلس في قائمة المرشحين، في الفقرتين الاخيرتين من المادة 83 من قانون المحاماة الصادر بتاريخ 10/9/1993 بعد تعديلها، كما يلي :" يصدر المجلس يوم 31 من السنة التي تجري فيها الانتخابات مقررا بتحديد اسماء المحامين الذين لهم حق الترشيح لمنصب النقيب ولعضوية المجلس مع مراعاة توفر شروط الاهلية للترشيح المنصوص عليه اعلاه .

" يحق لكل محامى لم يرد ذكر اسمه في مقرر المجلس الطعن فيه، داخل اجل ثمانية ايام من تاريخ التعليق بكتابة الهيئة، امام غرفة المشورة بمحكمة الاستئناف التي تبت داخل اجل ثمانية ايام من تاريخ ايداع العريضة بكتابة الضبط بالحكمة المختصة وذلك بقرار غير قابل لاي طعن" .

III) المقررات الضمنية في رأي الفقه والقضاء :
لقد تناول الفقه والقضاء موضوع المقررات الضمنية الصادرة عن مجالس هيئاة المحامين بالمغرب بشان الشكايات وابدى فيها اراءا مختلفة ومتناقضة.
أ) راي الفقه:
لقد تناول الفقه المقررات الضمنية بصورة متباينة في موضوع كينونتها بالنسبة للشكايات.
فذهب راي الى انه ليس من حق النيابة العامة الطعن في ما يسمى بالقرار الضمني بحفظ الشكايات، مرتكزا على اساس : " ان نسخ قانون بكامله بقانون جديد لم يرد فيه بعض مما كان في الاول من مقتضيات تعتبر ملغاة . وبهذه القاعدة فان القرار الضمني بالنسبة لحفظ الشكاية والذي كان منصوصا على امكانية الطعن فيه في ظهير 59 ومرسوم 1968 الذي نسخه قانون 5/6/99 وبدوره نسخه ظهير 10/9/1993، لا يمكن تطبيقه على اساس ان ممارسته اجتهاد لانه لا اجتهاد مع الغاء نص كان موجودا" (1) .

اما الراي المؤيد لطعن النيابة العامة في تلك القرارت فقد ارتكز على اساس ان : " إحجام مجلس الهيئة عن اتخاذ مقرر بشان الشكاية المحالة عليه داخل اجل الشهرين المنصوص عليه قانونا يعتبر في نظر القانون وفي نظر المادة 90 من قانون المحاماة بمثابة اتخاذ مقرر ضمني بحفظ الشكاية.
ويتولى الوكيل العام للملك الطعن في المقرر المذكور داخل اجل 15 يوما من تاريخ التبليغ او من اليوم الذي يعتبر تاريخا لاتخاذ المقرر الضمني. وان الموقف الذي تسلكه النيابات العامة في مثل هذه الظروف، انما يدخل في اطار سلطة المراقبة، أي مراقبة مدى حسن سير العدالة والسهر على عدم مخالفة القانون، ولما لها من دور خصها به المشرع في القانون المنظم لمهنة المحاماة والمتمثل في ا عطائه الحق باحالة اية…
--------------------------
1) محمد بلهاشمي . الاشكاليات التي تثيرها الطعون بالاستئناف ضد القرارت المتعلقة بحفظ الشكايات في ظهير 10/9/93 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة جريدة العلم عدد 18050 بتاريخ 20/10/ 1999 .
--------------------------
شكوى في مواجهة أي محام على النقيب قصد عرضها على مجلس الهيئة، لاتخاذ مقرر بشانها داخل اجل محدد ومراقبة مدى احترام الاجال والمسطرة المنصوص عليها في هذا القانون واتخاذ الاجراء المناسب في حالة صدور مقرر مخالف" (1) .
وقد سار في نفس هذا الاتجاه الاخير الاستاذ ادريس بلمحجوب، ودلك باعتقاده ان القراءة المعمقة لقانون المهنة واهدافها النبيلة وضوابطها المتينة، توحي بان التظلم من استنكاف مجلس الهيئة عن اصدار المقرر في الموضوع بمثابة حفظ للشكاية، سيما اذا كان الملف يتوفر على العناصر الكافية لاحتوائه اجرائيا وقانونيا وموضوعيا للتقرير فيه بالمتابعة او بعدمها (2) .

كما سارت في الاتجاه الاول هيئة المحامين بالرباط عندما حررت مذكرة حول الطعون في قرارات الحفظ الضمنية للشكايات والتي رفعتها الى السيد الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالرباط على اثر الطعون المقدمة منه في مثل هذه المسائل، وقد ارتكزت الهيئة في مذكرتها على اساس : "انه فيما يخص الشكايات التي لم يتخذ المجلس فيها أي قرار رغم الاجل المضروب قانونا للبت فيها، فاننا نجد نفس الوضع القانوني بشانها والموجود في الحالتين المعروضتين اعلاه ( حالة طلب تحديد الاتعاب وحالة طلب رفع المنع المؤقت)، أي ان المشرع لم يرتب أي جزاء على فواة الاجل المحدد للبت فيها، ذلك ان الرفض الضمني القابل للطعن لا يمكن تصوره الا بنص قانوني صريح او في حالة اغفال البت في احدى الطلبات. وقد اعتبرت المذكرة ان مثل هذه الطعون تعتبر سابقة خطيرة في القضاء المغربي" (3) .
------------------------
1) رشيد تاشفين. حول اشكالية الطعن في مقررات الحفظ الضمني المتخذ من طرف مجلس هيئة المحامين. جريدة الاتحاد الاشتراكي ع 6121 بتاريخ 14/5/2000.
2 ) ادريس بلمحجوب. الطعن في القرار الضمني بالحفظ الصادر عن هيئة المحامين. مجلة الاشعاع عدد 19 ص 257.
3) المذكرة منشورة في " مؤسسة النقيب" النشرة الداخلية لهيئة المحامين بالرباط عدد 3 نفومبر - دجنبر 1999 ص 28 (المذكرة من إنجاز وتوقيع الأستاذ النقيب الطيب بن لمقدم) .
-----------------------
هذا وقد طرحت جريدة "العلم" في صفحتها الاسبوعية المخصصة "للمجتمع والقانون" هذا الموضوع على الراي العام لاثارة النقاش بشانه مبدية كون ترتيب الاثر القانوني على مجرد السكوت دون ان يكون هناك ثمة نص قانوني يبرره، يكون بمثابة تجاوز للاختصاص، خاصة فيما يخص موضوع قانون المحاماة اذا كان النص المعاقب لا يتحدث مطلقا عن الحفظ الضمني بخصوص الشكايات التي تتلقاها مجالس نقابات هيئة المحامين، فان الاستعانة بفصول اخرى لا يعد توجها سليما ويخالف مطلقا المبادئ القانونية (1) .
فهذا كان الاختلاف في الراي الفقهي، وكذلك كان الاختلاف حتى لدى القضاء المغربي بين مختلف محاكم الاستئناف بالمملكة.

ب) راي القضاء:
القضاء المغربي اصدر عدة قرارات على مستوى محاكم الاستئناف وعلى مستوى المجلس الاعلى، في موضوع المقررات الضمنية التي يمكن اعتبار مجلس هيئة المحامين قد اتخذها وذلك في ما يخص طلبات تحديد الاتعاب او طلبات التراجع عن مقرر المنع المؤقت او الشكايات .

- في طلب تحديد الاتعاب :
في طلب تحديد الاتعاب قررت المحكمة الاستئناف بالرباط تحت عدد 1964 وبتاريخ 11/3/1999 في الملف المدني عدد 4260/98 من انه : " لا يمكن اعتبار الاجل المحدد للنقيب لاصدار القرار بشان طلب تحديد الاتعاب المرفوع اليه، وفوات هذا الاجل بمثابة رفض ضمني للطلب الموجه اليه، خلاف ما تمت الاشارة اليه في المادة 90 من نفس القانون بشان الطعون المتعلقة بالقرارات الصادرة عن مجلس الهيئة، وذلك لكون المادة 50 وما بعدها من قانون المحاماة الصادر بتاريخ 10/9/1993، لم ترتب عنه أي جزاء" ( قرار غير منشور) .

- في طلب التراجع عن مقرر المنع المؤقت :
قررت غرفة المشورة بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء بتاريخ 4/6/1999 في الملف عدد 11/99 تحت عدد 210 من : " ان طلب رفع المنع المؤقت من ممارسة مهنة المحاماة اذا عرض على مجلس هيئة المحامين لا بد ان يتم الفصل فيه بقرار صريح في حالة ادانة جنائية قطعية مع توفر امكانية متابعة تأديبية بينما يرتفع المنع اذا انتهت المتابعة الجنائية "( قرار غير منشور).
-------------------------------
1) جريدة العلم عدد 18359 الصادر بتاريخ 23/8/2000 صفحة "المجتمع والقانون" ( عمود للمناقشة).
------------------------------


- في الشكايات :
اما في ما يخص الشكايات فقد قررت غرفة المشورة بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء تحت عدد 210 وتاريخ 4/6/1999 في الملف عدد 11/99 من ان : "قانون المحاماة المؤرخ في 8/11/1979 قد نص في فصله 23 على الحالة الوحيدة التي يعتبر فيها سكوت مجلس هيئة المحاميين بعد اجل قدرة شهرين وثمانية ايام ابتداء من تاريخ التوصل بالطلب قرارا ضمنيا بالرفض وهي في مجال تسجيل الراغبين في لائحة المحاميين، وهذه الحالة وردت في قانون المحاماة على وجه التخصيص فليس للقضاء التوسع خارج الحدود التي رسمها ليشمل بها مجال التاديب. لان الامساك عن الفصل في طلب او نزاع بدون سبب مشروع لا يعتبر قرارا ضمنيا بالرفض في غياب نص قانوني على غرار الفصل 23 من قانون المحاماة الصادر بتاريخ 08/11/79 وانما يمكن اعتباره انكارا للعدالة او مخالفة مهنية في نصيب الجهة الموكل اليها الفصل او بعبارة اخرى فان الرفض الضمني القابل للطعن لا يمكن تصوره الا بنص قانوني صريح في حالة اغفال البت في احدى الطلبات" (قرار غير منشور)

كما قررت محكمة الاستئناف بالرباط بتاريخ 19/11/1999 تحت عدد 8970 من ان : "عدم البت في الشكاية المحالة على نقابة هيئة المحامين من طرف الوكيل العام للملك داخل اجل شهرين يعتبر قرارا ضمنيا يتعين على الوكيل العام استئنافه داخل اجل خمسة عشر يوما. والاستئناف الحاصل بعد خمسة عشر يوما المذكورة يعتبر قد قدم خارج الاجل ويكون مصيره عدم القبول " (مجلة الاشعاع، عدد 21 ص 159 ).

وقد سارت محكمة الاستئناف بالرباط على هذا النهج في جميع الطعون من هذا القبيل والتي بتت فيها، مستندة في ذلك على اساس انه: " اذا كان المجلس ملزما في مادة التاديب باتخاد مقرر صريح بحفظ الشكاية المحالة عليه كما يفهم من نص المادة 65 ق. م. على تبليغ هذا القرار للاطراف المعنية، فعدم وجود مقتضى بشان مقرر الحفظ الضمني في مادة التاديب لا يعني ان للمجلس الحق في ان يظل ساكتا عن البت في الشكاية الى ما لا نهاية لان ذلك سيجعله في منأى عن كل مراقبة قضائية على اعماله في حين ان هذه المراقبة كرستها المادة 65 التي اجازت الطعن في قرار الحفظ الصريح والمادة 90 التي اجازت بصفة عامة الطعن في كل مقررات المجلس بما فيها الضمنية، ولم ينص صراحة على ان المقررات الضمنية القابلة للطعن هي الواردة حصرا في المادتين 11 و 20 من ق. م. ومبدا الرقابة اقره المجلس الاعلى في قرار له بتاريخ 23/11/97 عندما اكد على ان المشرع لم يعط مجالس هيئات المحامين سلطة تقديرية مطلقة لتحريك المتابعة التأديبية من عدمها وانما قيد سلطتها بمراقبة القضاء لما سن للوكيل العام للملك حق الطعن في مقرارات الحفظ حسب المادة 65 بشان اللتاديب، وتبعا لذلك فسكوت المجلس عن البت في الشكاية المقدمة اليه بعد مضي الشهرين المقرر للبت فيها ينبغي ان يعتبر بمثابة مقرر ضمني بالحفظ استئناسا بالقاعدة المقررة في المادتين 11 و 20 على اعتبار ان قانون المهنة تضمن حالات لم يرتب جزاء على عدم البت فيها داخل الاجل مثل حالة تحديد الاتعاب وحالة طلب المنع المؤقت من ممارسة المهنة عندما يتقدم به الوكيل العام للملك طبقا للمادة 64 من ق.م. التي لم تحدد اجلا للبت في هذا الطلب ولا يعقل ان يبقى عمل النقيب او المجلس دون مراقبة بحجة سكوت النص، خاصة وان المشرع قد اعطى صفة على وجوده المقرر الضمني في المادتين 11 و 20 من ق. م. ولا يجوز ان يكرر هذا المقتضى في كل المواد المسكوت عنها لان دلك غير جائز تشريعا" (1) .

وفي نفس السياق قررت محكمة الاستئناف بالرباط تحت عدد 9915 ما يلي: "ان الفصل 65 من قانون المحاماة حينما نص على قرار الحفظ وتبليغه الى السيد الوكيل العام للملك فانه لم يكن في حاجة الى التنصيص على تبليغ القرار الضمني لان المشرع لا يشرع العبث ما دام ان قرار الحفظ الضمني غير مادي ولا يصد ر في محضر او مقرر بحكم طبيعته المستفادة من فوات الاجل المحدد للنقابة لاصدار القرار…
---------------------------
1) قرار محكمة الاستئناف بالرباط ع 3221 بتاريخ 3/5/2000 ملف عدد 7046/99 (غير منشور). في نفس الاتجاه قرار ع 8968 بتاريخ 19/11/99 ملف ع 1141/99 (غير منشور)
---------------------------
…الملائم ذلك لانه لا يتصور ان تبقى الهيئة غير مراقبة من طرف القضاء في القيام بالمهام الموكولة اليها تشريعا وانجاز المقررات المتخذة في الاجال المحددة لها لاسيما اذا كانت تتعلق بشكايات تهم حقوق الزبناء تجاه المحامين الذين لا يهمهم أي الزبناء الا التعرف على مآل ما ا شتكوا به لدى الهيئة"(1) .

وقد اصدرت محكمة الاستئناف بمراكش بتاريخ 17/3/1999 يسير في نفس الاتجاه الذي سارت فيه محكمة الاستئناف بالرباط، جاء في تعليله ما يلي : " لئن كان المشرع في معرض المادة 65 لم يرتب جزاء صريحا على عدم التزام مجلس الهيئة باجل الشهرين المنصوص، عليه فانه بالمقابل لم يعط صراحة لمجالس هيئات المحامين سلطة مطلقة لا حدود زمنية لها، وانه لا معنى للرقابة القضائية اذا لم تقيد من هذه السلطة الى الحد الذي يكفل فعالية مسطرة التاديب كما هي نفسها حريصة عليها، ولا معنى لها اذا لم ترتب جزاء قضائيا يخدم الاهداف العليا لقانون المحاماة وضوابطها نفسها. وان مواكبة الوكيل العام للملك من موقعه المؤسساتي في المجال التاديبي، يعتبر احدى وسائل تجسيد الرقابة القضائية التي يفترض انطلاقها ابتداءا من اليوم الموالي لانقضاء الاجل المنصوص عليه في المادة 65، في الحالة التي تكون فيها النيابة العامة على علم بجريان المسطرة التأديبية امام مجلس الهيئة (2).

اما المجلس الاعلى فهوا ايضا سار في نفس النهج الذي سارت فيه كل من محكمتي الاستئنافي بمراكش والرباط مقررا ما يلي : "لما كان التاديب نشاط اداري تمارسه السلطة الادارية لضمان حسن سير المرفق العام تحت رقابة القضاء فان اسناد المشرع هذا النشاط لهيئة غير ادارية لا ينزع عن النشاط صبغته الادارية، ولا يطلق للهيئة الغير الادارية المسند الى هذا النشاط ممارسته في غياب الرقابة القضائية.

يترتب - ولو لم تنص المادة 65 على الاثر- على عدم اتخاذ مقرر صريح داخل الشهرين اعتباره متخدا مقررا بحفظ الشكاية اذ النشاط المطلوب نشاط اداري يترتب على التغاضي عن اعلانه صراحة داخل اجل الشهرين اعتباره ضمنيا- بعد ذلك- حفظا للشكاية ( رفض) يخول للوكيل العام الطعن فيه.
----------------------------
1) قرار محكمة الاستئناف بالرباط ع 9915 بتاريخ 17/12/1999 ( غير منشور).
2) قرار ع 1146 بتاريخ 17/3/1999 في الملف ع 5616/99 جريدة ا لعلم ع 18273 الصادرة بتاريخ 28/5/2000.
-------------------------
ان ما رتبه المشرع في المادتين 11 و 20 من القانون المنظم للمحاماة من اعتبار طلبي التقييد في التمرين وفي جدول المحامين مرفوضا اذا لم تبلغ مقررات الرفض داخل 15 يوما من انتهاء المدة للبت لا يتعلق بمجال التاديب .
لا بد لقبول استئناف الوكيل العام في المقرر الضمني بحفظ الشكاية من تقديمه داخل اجل 15 يوما الموالية لليوم الذي يعتبر تاريخا لاتخاد المقرر الضمني عملا بالمقطع الاخير من المادة 90 من القانون المنظم لمهنة المحاماة، لا ان ينتظر اربع سنوات" (1) .

وامام هذه الاختلافات في الفقه من جهة وفي القضاء من جهة ثانية وفيما بينهما من جهة ثالثة، يحق لنا التساؤل حول ما مدى قابلية المقررات الضمنية او السلبية للطعن بالاستئناف انطلاقا من عدة حالات مختلفة، ومركزين الراي بعد ذلك في انعدام الوجود القانوني للمقررات الضمنية بحفظ الشكايات في الوضع القانوني الحالي لمهنة المحاماة.
IV) ما مدى قابلية المقررات الضمنية الطعن بالاستئناف؟
يعتبر المشرع سكوت مجلس الهيئة عن اتخاد مقرر في حالات نص عليها بصفة صريحة، كونه قرر فيها ورفضها بصفة ضمنية، وجعلها تخضع للطعن بنص صريح (1)، وحالات اخرى لم يفصل فيها المشرع وسكت عنها ولكن القضاء قرر بشانها ولم يعتبرها من المقررات الضمنية (2) بينما هناك حالة خاصة اختلف فيها الفقه والقضاء معا (3) .

1) حالات من المقررات الضمنية قابلة للطعن تشريعا (قاعدة قانونية) :
فالمقررات الضمنية التي اعتبرها المشرع صادرة عن مجلس هيئة المحامين بالرفض هي المتعلقة بحالة طلب التقييد في لائحة المحامين من قبل المرشحين للتمرين، وكذلك حالة طلب التقييد في جدول المحامين من قبل المحامين المتمرنين وغيرهم من….
------------------------------
1) قرار المجلس الاعلى الغرفة الادارية ع 1496 بتاريخ 2/11/2000 ملف اداري ع 273/14/2000 (غير منشور).
-----------------------------
المعفون من شهادة الاهلية، والمحامين المنتقلين من نقابة اخرى وكذلك حالة اغفال اسم المحامي الذي له الحق للترشيح في الانتخابات لمنصب النقيب ولعضوية المجلس. فهذه الحالات جميعها اذا ما سكت مجلس الهيئة عن التقرير بشانها ومر الاجل القانوني المحدد لذلك، فيعتبر هذا السكوت بمثابة مقرر ضمني بالرفض يكون قابلا للطعن بالاستئناف لدى محكمة الاستئناف. وقد نص المشرع على هذه المقتضيات القانونية في الفصول 83.20.11 و90 من قانون المحاماة الصادر بتاريخ 10/09/1993 كما تم تعديله وتتميمه بمقتضى القانون رقم 39/96 الصادر بتاريخ 10/8/1996.

2) حالات لم يعتبرها القضاء من المقررات الضمنية (قاعدة قضائية).
ساهم القضاء المغربي في ابراز عدة حالات لم يعتبرها من المقرارات الضمنية الصادرة عن مجلس هيئة المحامين على اساس ان قانون المحاماة لم ينص عليها ويعتبرها كذلك. وكما هو الشان بالنسبة لحالة عدم اتخاذ مجلس الهيئة لمقرر حول طلب التراجع عن مقرر المنع المؤقت ( قرار محكمة الاستئناف بالدار البيضاء ع 210 بتاريخ 4/6/1999 المشار اليه اعلاه )، وحالة كون عدم الفصل في الطلبات او النزعات بسبب غير مشروع لا يعتبر قرارا ضمنيا بالرفض في غياب نص قانوني… (قرار محكمة الاستئناف بالدار البيضاء ع 210 المذكور ).
وبطبيعة الحال فان محكمة الاستئناف المذكورة قررت في طعن تقدم به احد الاطراف غير النيابة العامة، على اساس انه مقرر ضمني بالرفض صادر عن مجلس الهيئة.

3) الحالة الخاصة المختلف بشانها فقها وقضاء (الشكايات) :
هذه الحالة الخاصة هي المتعلقة بالشكايات .
فالشكايات ا لتي تحال من طرف النيابة العامة لدى محكمة الاستئناف على هيئة المحامين، للبت فيها تمر من طريقتين اثنتين : احالتها اولا على نقيب الهيئة وبعد ذلك احالتها من طرفه ثانيا على مجلس الهيئة. وهذا المسار حدد له المشرع اجلا لا يتجاوز شهرين تكون الشكاية بعد استيفائها لهما اما قد تم حفظها او قد تمت المتابعة بشانها…
لكن الاشكال يطرح عندما لا تجد الشكاية مسارها الطبيعي ويمضي الاجل القانوني عليها بدون اية نتيجة… فهل الامر اذا هو مقرر ضمني بحفظ هذه الشكاية ام ان وجود الشكاية لا زال قائما الى حين اتخاذ مقرر صريح بالحفظ او المتابعة؟

في بعض فصول تشريعات المحاماة السابقة كان المشرع بشان هذا الاشكال واضحا، فقد اعتبر المشرع الحل هو بمثابة مقرر ضمني بحفظ الشكاية ويكون من حق الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف الطعن فيه بالاستئناف امام محكمة الاستئناف، وهذا ما سبق ان اشرنا اليه وبينا قاعدته القانونية اثناء بحثنا في الفقرة الاولى اعلاه.
وقد زاد الاشكال تعقيدا عندما اختلف بشانه الفقه من جهة والقضاء من جهة اخرى، وذلك في الوضع التشريعي الحالي للمحاماة، حيث لا وضوح للقاعدة القانونية فية بشان هذا الاشكال، فهل للمقررات الضمنية بحفط الشكايات وجود قانوني ا م لا؟

V) المقررات الضمنية بحفظ الشكايات هل لها وجود قانوني؟
في اعتقادي انه عندما يكون المشرع قد فصل الراي واوضحه في مسالة معينة وبعد ذلك الغى هذه القاعدة ولم يعد اليها، يكون قد هجرها، ومن العبث اعتمادها في القضاء .
ذلك ان المشرع كان يعتمد المقررات الضمنية في الشكايات ويعتبرها كانها مقررات صادرة بحفظ تلك الشكايات، ويترتب عنها حق النيابة العامة للطعن فيها بطريق الاستئناف امام محكمة الاستئناف في اطار حق الرقابة على النقابة، غيرانه لم يعد حاليا يعتمد تلك القاعدة بحيث يكون قد سكت عنها بعدما فصل الراي فيها سابقا - كما بينا- مما تكون معه المسالة، لا تحتمل ابدا كونه تركها لاجتهاد القضاء، خاصة وان نية المشرع كانت ظاهرة واستمرت ما يقرب من ثلاثة عقود وبعد ذلك خالفها في النصوص الحالية لقانون المحاماة.

ومما يؤكد وجهة نظرنا هذه، كون المشرع سلك طريق الوضوح بشان المقرر الضمني عندما قام بتعديل وتتميم بعض فصول قانون المحاماة الحالي الصادر بتاريخ 10/9/1993، بواسطة القانون رقم 39/96 الصادر في 10/8/1996 حيث قرر ضمن المادة 83 حق كل محام للطعن في المقرر الضمني الذي اغفل المجلس فيه ذكر اسمه في قائمة المرشحين للانتخابات لمنصب النقيب ولعضوية المجلس، محددا اجل الطعن ونوعه والجهة التي يرفع اليها، ومدة بت المحكمة بقرار غير قابل لاي طعن . وبذلك يكون المشرع قد نظم طريقة الطعن في المقررات السلبية التي ينسب صدورها الى مجلس النقابة وهو بصدد اعداد قوائم المرشحين للانتخابات، مما يكون معه حرص المشرع على ايراد تنظيم لحالة الطعن في المقرر السلبي مرده الى ان هذه الخصوصية قد تكون محل خلاف في التفسير في حالة السكوت عنها، وعدم معالجتها بنص صريح كما جاء في حكم المحكمة الادارية العليا بمصر(1) .
وفي هذا الصدد فان المشرع الفرنسي في قانون المحاماة لسنة 1972 كان واضحا وصريحا فيما يخص الشكايات، واعتبر سكوت مجلس النقابة عن اتخاذ مقرر بشان طلب ا لوكيل العام اجراء المتابعة خلال شهرين بمثابة رفض يجعل من حق الوكيل العام الطعن فيه بالاستئناف (2) .

وهكذا فمراجعة المادة 65 من قانون المحاماة المغربي لا تشفع لنا سوى القول بعدم وجود المقرر الضمني او السلبي الناتج عن سكوت مجلس الهيئة عن اتخاذ مقرر بشان الشكايات، وبالتالي تشفع لنا للقول بانعدام امكانية الطعن مطلقا لانعدام النص الصريح في هذه الحالة. ولا يمكن القول بجواز ذلك الا في حالة مراجعة المشرع لهذه المادة والنص بصفة صريحة على المقرر الضمني او المقرر السلبي اما بالرفض او بالحفظ، والنص كذلك على حق ممارسة الطعن فيه من الطرف المعني ومن….
---------------------------
1) طعن رقم 3089 لسنة 35 القضائية. جلسة 16/12/1990 ذكره الدكتور عبد الفتاح مراد في كتابه الاحكام الكبرى للمحكمة الادارية العليا المصرية الطبعة الاولى بدون تاريخ ولا مكان الطبع ص 239.
2)الفصل 122 من مرسوم رقم 468/72 بتاريخ 9/6/1972 ، ج. ر بتاريخ 11/6/1972 ويلاحظ هنا ان هذا الفصل متشابه الى حد ما للفقرة السابعة من المرسوم الملكي الصادر بتاريخ 19/12/1968 الذي كان ينظم بموجبه نقابات المحامين ومزاولة مهنة المحاماة.
------------------------------
الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف. ذلك انه اذا كان اللمحكمة ان تؤول قرارتها فان حق تاويل القوانين على سبيل الالتزام انما هو موكل للمشرع (1) .
وكيفما كان الحال فانه لا يمكن للقضاء تاويل مقتضيات المادة 65 من قانون المحاماة لوضوحها اولا ولعدم ذكرها للمقرر الضمني او السلبي ثانيا ولعدم النص فيها لا بصورة صريحة ولا بصورة ضمنية على حق الطعن امام القضاء فيما عدا مقرر حفظ الشكايات الصريح ثالثا.
وفي هذا الاطار تجدر الاشارة هنا الى ان ما ذهبت اليه محكمة الاستئناف بالرباط في قرارها عدد 3221 والقرارات الصادرة بعده، من انه : "لا يعقل ان يبقى عمل النقيب او المجلس دون مراقبة بحجة سكوت النص، خاصة وان المشرع قد اعطى صفة على وجود المقرر الضمني في المادتين 11 و 20 من قانون المحاماة ولا يجوز ان يكون هذا المقتضى في كل المواد المسكوت عنها لان ذلك لا يجوز تشريعا…"، هنا اعتقد ان المشرع لم يعط اشارة واحدة فقط على وجود المقرر الضمني او السلبي، كما اشار الى ذلك القرار السالف الذكر، بل اعطى اشارات اخرى على وجود المقرر الضمني او السلبي في مواد من قانون المحاماة، منها ما هو مذكور في قوانين المحاماة السابقة، ومنها ما هو مذكور بالنسبة لقانون المحاماة منها ما هو مذكور في قوانين المحاماة السابقة، ومنها ما هو مذكور بالنسبة لقانون المحاماة الحالي في المادة 83 بعد تعديلها وتتميمها بمقتضى القانون رقم 39/96 الصادر بتاريخ 10/8/1996 بشان عدم ذكر اسم المحامي في قائمة المرشحين للانتخابات لمنصب النقيب ولعضوية المجلس وحق الطعن في ذلك خلال اجل محدد… مما يكون معه المشرع على علم يقيني بالمقرر الضمني في قانون المحاماة منذ الازل ، حيث تعامل معه بالنص الصريح الكامل شكلا وموضوعا في مادة واحدة، وتعامل معه في الوقت الراهن مرة بفصل الشكل عن الموضوع في مواد مختلفة من قانون المحاماة، ذلك انه نص على وجوده في مادة معينة ( ف 11) وعلى الطعن فيه في مادة اخرى (ف 90). و نص مرة اخرى على وجوده وطريقة الطعن فيه في مادة واحدة كما كان عليه الشان في قوانين المحاماة السابقة (ف 83) .
----------------------------------
1) قرار بتاريخ13/7/1928 ذكره، ابراهيم زعيم ومحمد فركت في وكالة الخصام - المحاماة ج 1 مؤسسة بنشرة للطباعة والنشر الدار البيضاء 1991 ص 158.
---------------------------------
وهنا ايضا فان ما ذهب اليه قرار محكمة الاستئناف بالرباط عدد 9915 من ان : " الفصل 65 من قانون المحاماة لم يكن في حاجة الى التنصيص على تبليغ القرار الضمني لان المشرع لا يشرع العبث ما دام ان قرار الحفظ الضمني غير مادي ولا يصدر في محضر او مقرر…" وهذا الراي صحيح الا حد ما، وذلك لانه فعلا فان القرار الضمني يكون مبلغا في حد ذاته ولا يحتاج الى تبليغ لانه ينتج من امرين هما ايداع الطلب وعدم البت بعد مضي الاحل على ايداعه (1)، ولكنه من جهة اخرى فهو غير صحيح لعدم النص ضمن نفس المادة على وجود المقرر الضمني سواء بصفة صريحة او بصفة ضمنية، وهذا ينطبق ايضا على ما ذهب اليه قرار محكمة الاستئناف بمراكش عدد 1146 المشار اليه اعلاه كسابقيه.

وفي هذا الاطار يجدر بنا لفت النظر الى ان قرار المجلس الاعلى الصادر عن الغرفة الادارية عدد 1496 المشار اليه اعلاه رغم كونه سار في اتجاهات بعض القرارات الصادرة عن محاكم الاستئناف بشان وجود المقرر الضمني بحفظ الشكاية وامكانية الطعن فيه من طرف الوكيل العام، فانه بالرغم من هذا الانحياز الغير مبرر، فهو متناقض في تعليلاته، حيث اعتبر التاديب وممارسته من طرف هيئة غير ادارية هو نشاط اداري بينما اخرج من هذا النشاط الاداري لهذه الهيئة ما يتخذه مجلس هيئة المحامين من مقررات سلبية او ضمنية بشان طلبي التقييد في التمرين وفي جدول المحامين لكونه لا يتعلق بمجال التاديب… وكان مجال التاديب هو الوحيد المشكل للنشاط الاداري لهيئة غير ادارية كما هو الشان مع هيئة المحاميين بينما هذا الطرح ليس صحيحا، اذ ان كل المقررات الصادرة عن مجلس هذه الهيئة هي ذات صبغة ادارية في مجالات غير مجال التاديب، بل وقد كان للمجلس الاعلى فيما سبق موقف منذ 13/5/1970 يفهم منه الطابع الاداري لقرارات نقابة المحامين (2)، غير انه تراجع عن هذا الموقف بعد ذلك واعتبر ان مجلس هيئة المحامين ليس بسلطة ادارية وبالتالي لا يسوغ…
---------------------------------
1) قرار محكمة الاستئناف بمكناس عدد 664 بتاريخ19/10/1978. الطيب بن لمقدم في مبادىء الاحكام والقرارات القضائية. مطبعة النجاح الجديدة 1992 قاعدة رقم168 ص 78.
2) قرار المجلس الاعلى عدد 238 بتاريخ 13/5/1970 مجلة قضاء المجلس الاعلى عدد 20 ص 56.
--------------------------------
الطعن في القرارات الصادرة عنه عن طريق مسطرة الالغاء بسبب الشطط في استعمال السلطة (1) .

وبهذا القرار الحديث المتناقض في حد ذاته مع تعليلاته يكون المجلس الاعلى قد رجع الى سالف عهده خلا ل السبعينات باسباغه على هيئة المحامين الصبغة الادارية بنشاطها الاداري رغم المحتويات الخجولة للقرار، الشيء الذي يستخلص منه تناقض احكام المجلس الاعلى الغرفة الادارية في الموضوع مما يكون معه كون القرار لم يحترم ارادة ونية المشرع الضمنية المتجلية في عدم النص من طرفه على المقررات السلبية بشان الشكايات في المادة 65 من قانون المحاماة، خاصة وان اجال الطعون واحترام هذه الاجال هي من النظام العام.
---------------------------------
1) قرار المجلس الاعلى عدد 52 بتاريخ 26/2/1982 لاجتهادات المجلس الاعلى الغرفة الادارية للأستاذين احمد البخاري وامينة جبران مطبعة وليلي مراكش 1996 ص 412.
---------------------------------

مجلة المحاكم المغربية عدد87، ص: 13

خصوصية نظام الاكراه البدني

(قانون رقم 97-15)

السيد محمد الهيني
مقدمة:
يعتبر الاكراه البدني ضمن الوسائل التهديدية لتنفيذ الاحكام وغيرها من السندات التنفيذية ويتم ذلك عبر زج المدين في السجن لفرض انصياعه لاحكام القانون محافظة على ما لهذه الاحكام والسندات من هيبة وقدسية.
ويعد الاكراه البدني استثناءا من قاعدة ان الشخص يلزم في ماله لا في شخصه لانه في العصور الغابرة كان المدين يقتل ويسترق ( ثم تطور القانون الروماني فلم يصبح للدائن الا حق حبس المدين واجباره على العمل لمصلحته ثم تحول الالزام من الجسم الى المال (1) ومن المذهب الشخصي الى المادي للالتزام بشكل يظهر الصراع بين المدرسة اللاتينية والجرمانية في تحديد طبيعة الالزام ومن ثم مشروعية الاكراه البدني (2) .
---------------------
1) ذ. عبد الرزاق السنهوري الوسيط في شرح القانون المدني (ج 2) دار النهضة العربية 1968 ص 800 وراجع ايضا سليمان مرقس احكام المنشورات الحقوقية ص 120.
2) فالمدرسة اللاتينية ترى في الالتزام العنصر الشخصي فيه الذي يخول للدائن سلطة على شخص المدين مما جعلها تقر بالاكراه البدني على خلاف المدرسة الجرمانية التي غلبت العنصر المالي فيه ولم تقر للدائن بحق حبس المدين بدنيا على تنفيذ الالتزام مادام ان هذا الاخير مجرد عن طرفيه وملتصق بمحله.
--------------------
واذا كانت بعض التشريعات كالفرنسي والمصري ضيقت كثيرا من تطبيقات الاكراه البدني الى حد الغائه في الديون المدنية و التجارية (3) فان المشرع المغربي رغم مصادقته على ميثاق الامم المتحدة للحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966 فان ذلك لم يؤد الى الغاء النصوص المنظمة للاكراه البدني (4) او تجميد تطبيقها على الاقل من الناحية العملية تكريسا لمبدا لازال نظريا عندنا وهو سمو الاتفاقيات الدولية على القانون الداخلي.
ومن المفيد الاشارة الى ان الشريعة الاسلامية حرمت الاكراه البدني في حق المدين المعسر لقول الله عز وجل: { واذا كان ذو عسرة فنظرة الى ميسرة}.
واجازته في حق المدين الموسر لانه كما جاء في الحديث الشريف " مطل الغني ظلم" كما جاء في تحفة ابن العاصم الاندلسي (5).
ومن عليه الدين اما موسر فمطلــــة ظلــم ولا يؤخـــر
او معســر قضاؤه اضـــرار فيـنبغـي فـي شانـه الانظـار
او معـدم وقـد ابـان مغــدره فـواجب انظـاره لمسيـــــرة
----------------------------
3) ذ. عبد الرزاق السنهوري مرجع سابق ص 801، ذ. سليمان مرقس مرجع سابق ص 121 والجدير بالذكر ان المشرع الليبي ما زال ياخذ بفكرة حبس المدين القادر على الوفاء اذا لم يسدد دينه بموجب المادة السابعة من القانون رقم 74 لسنة 1972 بتحريم ربا النسيئة في المعاملات المدنية والتجارية، ذ. جمعة محمود الزريقي احكام الافلاس واستغراق الذمة بالمال الحرام في الفقه الاسلامي مركز دراسة العالم الاسلامي ط. 1-1999 ص 17.
4) الفصول 675 من ق.م .ج، ظهير شريف رقم 305/60/1 بشان استعمال الاكراه البدني في القضايا المدنية الصادر بتاريخ 20/2/1961، ظهير 6/3/1961 المغير والمتمم لظهير 12/8/1953 بشان ضبط المتابعات في ميدان الضرائب المباشرة والاداءات المماثلة لها و محصولات ومداخيل الاملاك المخزنية وغيرها من الديون التي يستخلصها القابضون في فصله 27، 30 مكرر.
5) احكام الاحكام على تحفة الحكام للعلامة الشيخ محمد بن يوسف الكافي شرح وتعليق مامون البهجة في شرح التحفة ضبطه وصححه محمد عبد القادر شاهين "(ج 2) دار الكتب العلمية بيروت لبنان ط 1، 1998 ص 336 وما بعدها.
---------------------------
ونهدف من وراء مناقشة نظام الاكراه البدني في مدونة تحصيل الديون العمومية الفصول 67-83 ابراز خصوصية هذا النظام والجديد الذي جاءته مقارنة مع ما ورد في ظهير1961 المنسوخ وكذلك الفصول 675-687 من ق.م .ج بالاضافة الى ملامسة بعض الاشكاليات التي يطرحها هذا الظهير الجديد.
تنص المادة 39 من المدونة الى انه تباشر اجراءات التحصيل الجبري للديون العمومية (6) حسب الترتيب التالي : الانذار - الحجز- البيع.

ويمكن اللجوء ايضا الى الاكراه البدني وفق الشروط المنصوص عليها في الفصول 67-83. مما يدل على ان الاكراه البدني ياتي في اسفل وخاتمة درجات التحصيل الجبري ما دام ان طرق التحصيل الاخرى لم تؤد الى نتيجة .

1) الاشخاص الذين تطبق في حقهم مسطرة الاكراه البدني
- المدينين الذين لم يثبت عسرهم.
ويثبت العسر حسب الفصل 57 اما بمحضر عدم وجود ما يحجز او شهادة العوز.
- المدينين مفتعلي العسر.
---------------------------
6) تعتبر ديون عمومية بمقتضى هذا القانون .
الضرائب المباشرة للدولة والرسوم المماثلة وكذا الضريبة على القيمة المضافة المشار اليها بعبارة الضرائب والرسوم فيما يلي من هذا القانون.
الحقوق والرسوم الجمركية
حقوق التسجيل والتمبر والرسوم المماثلة
مداخيل وعائدات املاك الدولة
الغرامات والادانات النقدية ( التي تبقى خاضعة لقواعد ق. م. ج) في الاكراه البدني المتعلق بها
ضرائب ورسوم الجماعات المحلية وهيئاتها
سائر الديون الاخرى لفائدة الدولة والجماعات وهيئاتها المؤسسات العمومية التي يعهد بقبضها للمحاسبين المكلفين بالتحصيل باستثناء الديون ذات الطابع التجاري.
--------------------
وقد عرف المشرع هذه الطائفة في الفصل (84) بكونها المدينين اللذين بعد توصلهم باعلام ضريبي قاموا باعمال ترتب عنها تبديد الاموال التي تكون ضمان الخزينة بهدف عدم اخضاعها لاجراءات التحصيل او الحيلولة دون القيام بهذه الاجراءات.

2) الاشخاص المستثنون من هذا النظام
اذا كان سن المدين يقل عن 20 سنة او بلغ 60 سنة فما فوق
اذا كان المدين امراة حامل
اذا كان المدين مرضعة وذلك في حدود سنتين ابتداء من تاريخ الولادة.
المدين المعسر
الزوج وزوجته في ان واحد ولو من اجل ديون مختلفة.
اذا كانت مجموع المبالغ المستحقة على المدين تقل عن 8000 درهم

وقد راعى المشرع من خلال هذه الاستثناءات مجموعة من الاعتبارات العائلية الاجتماعية والاقتصادية والشخصية للمدين، ولا شك ان من شان ذلك حماية الحقوق والحريات على هذا الصعيد، فالمشرع وازن بين حق الدولة في اقتضاء حقوقها وحق الفرد في الحرية والكرامة، ومراعاة لمصالح اجدر بالحماية رجح هذه الاخيرة لتحقيق عدالة هذا النظام.

3) الاجراءات الاولية لمباشرة المسطرة
تباشر مسطرة الاكراه البدني عبر تقديم طلب الى السيد رئيس المحكمة الابتدائية من طرف المحاسب المكلف بالتحصيل او الشخص الذي يفوضه في ذلك (7).
------------------
7) تباشر هذه المسطرة دون الحاجة الى الحصول على حكم نهائي لان السندات التنفيذية الصادرة عن الادارة تثبت الالتزام مما يدل على ان هذه المسطرة امتيازية لصالح الادارة (الفصل 10، 9، 8 ) وفي حالة وجود منازعات حول استخلاص هذه الديون يتعين البث فيها قبل تطبيق الاكراه البدني بشانها اما لعدم قانونية الاجراء المتخذ من حيث الشكل، او عدم اعتبار اداءات يكون قد قام بها.
---------------------------------
ويبث قاضي المستعجلات في الطلب المعروض عليه داخل 30 يوما ويحدد مدة الحبس.
والمقصود تحديد مدة الحبس بدقة دون الاقتصار على الادنى والاقصى ويتم تطبيق الاكراه البدني فورا يعمل على تنفيذه وكيل الملك لدى المحكمة المختصة ( محكمة المكان المستحقة فيه الديون العمومية) بالقرار المحدد لمدة الحبس.

ومن المعلوم انه لا يمكن اللجوء الى رئيس المحكمة مباشرة الا بعد استيفاء اجراء الانذار دون نتيجة بعد 30 يوما من تاريخ الاستحقاق و20 يوما من ارسال اخر اشعار للمدين بعد اتباع مسطرة الحجز والبيع (الفصل 36 و41).

4) مسطرة ايقاف اثار الاكراه البدني
يفرج على المدين المعتقل بامر من وكيل الملك بعد الادلاء بما يفيد:
الاداء الكلي للديون
اداء قسط يعادل على الاقل نصف المبالغ الواجبة وتعهده باداء الباقي داخل اجل لا يتعدى 3 اشهر بناء على طلب من المحاسب المكلف بالتحصيل، مع تقديم الضمانات المنصوص عليها في الفصل (118) (8) تحت طائلة اكراه من جديد في حالة عدم وفائه بتعهداته.
وفي ذلك محاولة من المشرع تجنب الاثر السيئ من تطبيق الاكراه البدني على حقوق وحرية المدين ودفعه الى تسوية دينه عبر منحه اجل الميسرة.
واذا كان لا يمكن اكراه المدين من جديد من اجل نفس الدين فان حبس المدين لا يسقط الدين الذي يمكن تحصيله من جديد.
----------------------------------
8) وتتمثل هذه الضمانات في
ايداع في حساب الخزينة - كفالة بنكية
سند التخزين - سندات ممثلة لحقوق دين
رهن اصل تجاري - تخصيص عقار للرهن الرسمي
ديون على الخزينة، وغيرها من الضمانات التي يقبلها المحاسب المكلف بالتحصيل
--------------------------------
5) مدد الاكراه البدني
- من 15 الى 21 يوما بالنسبة للديون التي يعادل او يفوق مبلغها 8000 درهم ويقل عن 20000 درهم.
- من شهر الى شهرين بالنسبة للديون التي يعادل او يفوق مبلغها 20000 دهم ويقل عن 50000 درهم.
- من ثلاثة اشهر الى خمسة اشهر بالنسبة للديون التي يعادل او يفوق مبلغها 200000 درهم و يقل عن مليون درهم.
- من عشرة اشهر الى خمسة عشر شهرا بالنسبة للديون التي يعادل او يفوق مبلغها مليون درهم.

وبالمقارنة مع ظهير 6 مارس 1961 المحدث للاكراه البدني في الديون العمومية فان مدة الاكراه البدني كانت محددة بين شهر واحد وسنة، لذلك فيعاب على المشرع الرجوع الى الوراء في هذه النقطة.

6) اشكالية تعدد طلبات الاكراه البدني
قد تتعدد طلبات الاكراه البدني في حق نفس الشخص المكره وفي هذه الحالة هل يتعين تطبيق قواعد الضم ام الادماج؟
ينص الفصل 687 ق.م.ج ( اذا انتهى الاكراه البدني ليست ما باستثناء الحالة المنصوص عليها في الفصل السابق تستحيل بعدئذ المطالبة به لا من اجل نفس الدين ولا من اجل عقوبات اخرى صدرت قبل تنفيذه ما لم تكن هذه العقوبات تستلزم بسبب مجموع مبالغها مدة الاكراه اطول من المدة التي تم تنفيذها على المحكوم عليه في هذه الحالة يتعين دائما اسقاط مدة الاعتقال الاول من الاكراه الجديد)

يستخلص من هذا النص انه يتعين تطبيق قواعد الادماج سواء اكانت هذه الطلبات في موضع التنفيذ ام لا، ما دام ان المشرع في مدونة تحصيل الديون العمومية لم يتطرق لهذه الاشكالية لان قواعد المسطرة الجنائية في هذا الشان تعتبر الشريعة العامة التي يرجع اليها عند غياب النص.
واذا كان البعض (9) يرى ان القاعدة التي يتضمنها الفصل 687 لا تستعمل في خصوص الضرائب المباشرة عملا بفحوى الفصل 30 مكرر من الظهر المؤرخ في 21 غشت 1935 كما غير في 6 مارس 1961 حيث ان الاكراهات تخضع لقواعد خاصة ويتحتم قضاؤها بكاملها ( منشور وزارة العد ل عدد 471 بتاريخ 5 فبراير 1969) لكن هذا القول مردود عليه بعلة ان الفصل 30 مكرر تعرض لاشكالية الاداء الجزئي للدين ولم يتطرق لمسالة الضم او الادماج.

7) اشكالية الاداء الجزئي للدين.
ويطرح هنا التساؤل هل يترتب عن الاداء الجزئي للدين الانقاص من مدة الاكراه البدني المحددة قانونا بحسب المبالغ المؤداة ؟
ينص الفصل 30 مكرر من ظهير 6 مارس 1961 على انه اذا كان الاداء جزئيا ام كان للمدعي العمومي ان يوقف عند الاقتضاء اجراء الاكراه البدني، على ان مدة السجن التي لم يتم قضاؤها تنخفض في جميع الاحوال الى المدة المقررة بخصوص الديون المعادلة للمبلغ الباقي بدون اداء.
واذا كانت المدونة لم تتعرض للمسالة كما هو الحال بالنسبة للمسطرة الجنائية فانه لا مانع من تبني اتجاه الفصل المذكور ما دام انه يحقق حماية للمكرهين بشكل يجعل اثر الضغط على المدين يوازن المبلغ الغير المدفوع، كما ان من شان ذلك حث المدينين على الاداء الجزئي والذين لا يتوفرون على ضمانات او على نصف المبالغ المستحقة حسب الفصل 81 من المدونة.

9) اشكالية تنازع الاختصاص بين المحاكم في مجال الاكراه البدني
ظهر هذا التنازع مؤخرا من خلال الاطلاع على بعض اجتهادات القضاء الاداري التي اقرت باختصاصها في البث في صحة اجراءات الاكراه البدني على
-------------------------
9). ذ. ادريس بلمحجوب قواعد تنفيذ العقوبات ج 1 المعهد الوطني للدراسات القضائية ص 252 وما بعدها.
------------------------
اعتبار انه وبموجب المادة الثامنة من قانون المحاكم الادارية اصبح القاضي الاداري الوريث الشرعي للاختصاصات التي كان يمارسها القاضي الاستعجالي العادي ومنها ما نص عليه الفصل 683 ق. م. ج.
فقد جاء في امر رئاسي للمحكمة الادارية بفاس رقم 11/94 في الملف عدد 10/94 س ( تكون الجهة المختصة للنظر في طلب الايقاف المؤقت لاجراءات الاكراه البدني المتعلق بما يدخل في اختصاص المحاكم الاداري هو القضاء الاستعجالي المنعقد لرئيس المحكمة الادارية (10).

وقد نصت المدونة الجديدة في الفصل 141 على ان النزاعات التي تنشا عن تطبيق احكام هذا القانون تعرض على المحاكم الادارية الموجودة بالمكان الذي تستحق فيه الديون العمومية.
وحيث ان قاضي المستعجلات بالنسبة للمحاكم الابتدائية هو المختص في البث في طلبات الاكراه البدني وتحديد مدة الحبس فيها حسب الفصل (80) فاليه يرجع امر البث في صحة اجراءات الاكراه البدني حيادا على مقتضيات الفصل (141) مما يفيد ان المشرع حسم الاشكالية لفائدة المحاكم العادية (11).

10) شرعية الاكراه البدني في الديون العمومية
تنص المادة 11 من ميثاق الامم المتحدة لحماية الحقوق المدنية والسياسية المؤرخة في 16/12/66 والمصادق عليها في المغرب في 8/11/70 على عدم جواز سجن انسان بسبب عدم قدرته على الوفاء بالتزام تعاقدي (12).
--------------------------------------
10) مجلة المعيار عدد 22 ص 195 ( راجع ايضا الاحكام المشار اليها في مقال ذ. ابراهيم احطاب تنازع الاختصاص في منازعات الاكراه البدني بين المحاكم الادارية والمحاكم القضائية المدنية جريدة الاتحاد الاشتراكي عدد 6170/2 يوليوز2000.
11) فالمنازعات المتعلقة باستخلاص الديون العمومية تبقى خاضعة للمحاكم الاداية، اما المنازعات المتعلقة بصحة اجراءات الاكراه البدني التي تتطلب ان تكون اجراءات الاستخلاص صحيحة من الناحية القانونية فيرجع امر البث فيها لرئيس المحكمة الابتدائية (راجع الفصل 119).
12) للمزيد من التعمق راجع مؤلف ذ. حسن الرملي الاكراه البدني على ضوء التشريع المغربي والمقارن
- ذ. مصطفى التراب الاكراه البدني كوسيلة للاجبار على التنفيذ مجلة القسطاس عدد 1
--------------------------------
ولما كان اساس الضريبة في المدونة هو القانون وليس العقد فان الاكراه البدني في الديون العمومية يحتفظ بكامل الشرعية (13).
وفي الختام نرى انه من المفيد للاشارة الى مفارقة غريبة تتجلى في ان المشرع كان رحيما بالمكرهين بدنيا مقارنة مع ما تم سنه من قواعد في نصوص المسطرة الجنائية.
فمجرد الادلاء بشهادة العوز تجعل المدين في حل من هذه المسطرة اما في الفصل 679 ق. م.ج فيقتصر الامر على تخفيض مدة الاكراه البدني الى النصف .
المدة القصوى للاكراه البدني 15 شهرا عوض سنتين في الفصل 678 ق. م. ج المدة الدنيا 15 يوما عوض يومين في نفس الفصل
المبالغ الدنيا لتطبيق الاكراه 8000 الف درهم عوض 100 درهم مراعاة وضعية المراة الحامل والمرضعة وفي ذلك اهتمام مبالغ لحقوق المراة.
الافراج المؤقت عن المدين مقابل الاداء الجزئي للدين.
عدم تطبيق الاكراه البدني اذا كان المدين سنه 60 سنة فما فوق عوض 65.
كما اضاف المشرع ضمن المستثنيات من الحجز سكنى المدين على ان لا تتجاوز قيمتها 200.000 درهم حفاظا على استقرار الاسر في مساكنهم.
-----------------------------------------
13) ونشير الى ان شرعية الاكراه البدني في الديون التعاقدية من موقف الاجتهاد القضائي للمجلس الاعلى لم تستقر على حال، فالقرار رقم 2163 والمؤرخ في 9/4/1997 والمنشور بقضاء المجلس الاعلى على عدد 52 قد ميز بين العجز عن الوفاء والذي يمنع فيه الاكراه البدني حسب الاتفاقية والامتناع عن الوفاء الذي لا يقع تحت طائلة الاتفاقية، رغم انعدام هذا الاساس لسند في الواقع، لكن القرار عدد 3585 والمؤرخ في 10/6/1997 والمنشور بقضاء المجلس الاعلى عدد 53-54 خالف اتجاه القرار السابق وقضى بان المحكمة ملزمة بتطبيق القانون وليس من اختصاصها تعديله او الغاؤه وتبعا لذلك فان ظهير61 لازال ساري المفعول ولم يصدر أي قانون يامر بالغائه. لكن التساؤل المطروح ماذا تعني المصادقة والنشر غير الالتزام القانوني باحكام الاتفاقية، ام ان مبدا المجاملة السياسية الدولية يؤثر على النظام القانوني ليصبح الامر يتعلق فقط بمجاملة قانونية تجد مكانها في صلب الاخلاق والمجاملات.
-----------------------------------------

* مجلة المحاكم المغربية، عدد 88، ص 65.

ازمة قمع الجريمة في الفقه المعاصر

احمد محمد بوستة استاذ بجامعة خليج سرت- ليبيا

تمهيد: لاشك ان العقوبة تمثل وجهين لعملة واحدة بالنسبة للنظم العقابية سواء القديم منها ام الحديث، فهي صورة تقليدية لرد فعل الجماعة على السلوك الاجرامي، وهي كذلك في وقتنا الحاضر، وتنحصر وظيفتها منذ القدم في الايلام والزجر.

وعند تحديدها لا يؤخذ في الاعتبار سوى جسامة الفعل المرتكب ومدى خطورته على الجماعة دون الاعتداد بشخصية الجاني(1)، وما دامت كذلك فمن غير المتصور تطبيقها الا في مواجهة شخص له ارادة حرة واعية نتج عنها السلوك الاجرامي من ذلك الشخص، وبسبب مسؤوليته تلك عن فعله الذي ارتكبه يستحق ان ينزل به العقاب الذي ينطوي على الايلام كجزاء مساو لما اقترفه من اثم.

وعلى هذه الاسس- كانت وما تزال- في اغلب الاحيان تتم عملية حماية المجتمع من الجريمة وبالتالي وقايته منها، فكان المجتمع يحمي نفسه من الجريمة ويتقيها عن طريق انزال العقاب بالمارقين على انظمة وقوانينه، وبالتالي فانها وسيلة الخلاص الاجتماعي من براثن الجريمة والمجرم على السواء، ونتيجة لذلك نادى بعض الفقهاء (2) بانزال العقوبات القاسية على الجاني باعتبارها دفاعا اجتماعيا ووسيلة مهمة للردع العام ضد ظاهرة الاجرام المتزايدة.
--------------------------
1) وذلك في النظم العقابية القديمة .
2) جيرمي بنثام الذي يدافع عن فكرة (( منفعة العقوبة )) التي نادى بها بيكاريا، غيرانه اعطاها تفسيرا اخر، مضمونه: انه لما كان الانسان مسوقا في تصرفاته بهدي من مصلحته الخاصة وهي التي دفعته الى طريق الجريمة، فان العقوبة يجب ان تتصف بالقسوة والالم الذي يفوق الفائدة التي يتوقعها المجرم من الجريمة.
-------------------------
وابتداء من القرن الثامن عشر ظهرت افكار واراء جديدة تنادي برفض مبدا العقوبة واستبدلها باجراءات اصلاحية علاجية بديلة(1) على اعتبار انها ليست وسيلة ايلام وزجر وتشفي من الجاني بقدر ما هي وسيلة اصلاح وتهذيب وتاهيل للمجرم ذاته، فهي بهذه الوظيفة الثانية - الاصلاح والتهذيب- انما تحقق الوقاية العامة بواسطة عزل الجاني عن المجتمع لكي يتم اصلاحه مما يقود الى عدم عودته الى سبيل الجريمة مرة اخرى (2).

ولقد سادت القسوة المعبرة عن الانتقام سواء كان انتقاما فرديا ام جماعيا ام دينيا كما في العصور الاولى، ثم ساد العقاب" التفكيري" أي ان العقوبة تعتبر تكفيرا من الجاني عما اقترفته يداه وردعا للاخرين وحماية للمجتمع، وذلك كله يتطلب عقوبة قاسية لتحقيق تلك الاغراض، وبعدها جاءت اخرى سادت فيها فلسفة العقاب"العادل" والاصلاحي في العصور الوسطى متاثرة بالفكر الديني المسيحي.

غير انه مع بداية النصف الاخير من القرن الثامن عشر بدات الدراسات العقابية تاخذ منحى اخر لتصب اهتماماتها في قالب يحدد اغراض العقوبة، وتمخض عن هذه الافكار ظهور عدد من النظريات الفلسفية التي تبحث في اساس حق العقاب واهدافه، وبالتالي يمكن التمييز في الفكر الجنائي الحديث والمعاصر بين عدة مذاهب، لكل منها ذاتيته الخاصة بشان تحديد غرض العقوبة.

وهذه الاراء الاصلاحية التي اعتمدتها المدارس الجنائية فيما بعد وخاصة قاعدة(( لا جريمة ولا عقوبة بغير نص)) كان لها اثر كبير في قوانين العقوبات في العصر الحديث(3)، واقرارها مبدا المساواة امام القانون لكل مرتكبي الجرائم والتخفيف من
--------------------
1) مامون محمد سلامة، قانون العقوبات، القسم العام، ط3، 1990، دار الفكر العربي، القاهرة، مصر، ص 736، مصطفى عبد المجيد كارة، مقدمة في الانحراف الاجتماعي، ط 1، 1985، معهد الانماء العربي، بيروت، لبنان، ص 131.
2) مامون محمد سلامة، المرجع السابق، ص 736، العلمي عبد الواحد، المبادئ العامة للقانون الجنائي المغربي، الجزء الاول، الجريمة، 1993، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء ، المغرب، ص 43.ط
3) كالمادة الاولى من قانون العقوبات الليبي التي تنص على انه(( لا جريمة ولا عقوبة الا بنص)).
----------------------
العقوبات التي اتسمت بها العصور الوسطى واقرارها مبدا حرية الاختيار، مما ادى الى ظهور اراء جديدة(1)، تنادي بدراسة شخصية المجرم والظروف التي احاطت به عند ارتكابه للجريمة ومحاولة اصلاحه وتاهيله عن طريق وضع برامج وخطط لعلاجه بعد دراسة الاسباب التي ادت الى اجرامه.
وبسبب الاتجاهات الفقهية والفكرية وتعاقبها تكونت مدارس في علم الاجرام والعقاب لكل منها فلسفته الخاصة به وتبلورت تلك الاراء حول فكرة الجريمة والعقاب التي نحن بصدد دراستها.

ونستعرض هذه المذاهب حسب التسلسل التاريخي كالتالي:
اولا: المدرسة التقليدية التي تميزت بالبحث النطري المجرد ( فلسفي قانوني).
ثانيا: المدرسة الوضعية التي تميزت بالواقعية، حيث بنت مبادئها على اساس دراسة الواقع ثم استقراء النتائج التي تسفر عنها تلك الدراسة الواقعية، أي ( عملي ميداني تجريبي - المشاهدة والملاحظة)، وبذلك فهي تناقض تماما المدرسة التقليدية، وقبلها كانت المدرسة التقليدية الجديدة التي يرى اقطابها ان العقوبة يجب ان تجمع بين العدالة والمنفعة الاجتماعية فقد نهجت نهجا توفيقيا، وظهور مدارس اخرى تسمى مدارس الوسط او التخيير، ثم ظهور حركة الدفاع الاجتماعي الحديث هدفها بناء سياسة جنائية جديدة، وهناك اتجاه اخر يسعى الى التوفيق بين سياسة الدفاع الاجتماعي الحديث والسياسة الكلاسيكية الذي اصطلح على تسميته بـ ((الاتجاه الكلاسيكي الجديد المعاصر)).

وعليه سنعالج هذا الموضوع في :
المبحث الاول: المدرسة التقليدية.
المبحث الثاني: المدرسة التقليدية الجديدة.
المبحث الثالث: المدرسة الوضعية.
المبحث الرابع: المدارس التوفيقية.
المبحث الخامس: حركة الدفاع الاجتماعي الحديث.
المبحث السادس: الفكر التقليدي الجديد المعاصر.
---------------
1) حول وسيلة قمع الجريمة والوقاية منها.
---------------
المبحث الاول
المدرسة التقليدية (école classique)

يعتبر سيزاري بيكاريا ( cesare beccaria) الايطالي (1738-1794) بحق رائد المدرسة التقليدية، ومن اقطابها ايضا جيرمي بنثام ( Geremy Benthan) الالماني الانجليزي(1748-1832)، والعالم انسلم فويرباخ (Anselme Feuerbach ) الالماني (1775-1883). والفقيه فيلامجيري (Filamgerie ) الايطالي (1702-1788).

وقد جاءت افكار وتعاليم هؤلاء المؤسسين لهذه المدرسة نتيجة افرازات النصف الاخير من القرن الثامن عشر، حيث كان القضاة يملكون سلطات واسعة(1) بما يصدرونه من احكام على المتهمين تحت مظلة تفسير القوانين السائدة في ذلك الوقت، حيث كان يسودها الغموض ومن ثم فان الاحكام تختلف باختلاف المتهمين، تبعا لمراكزهم الاجتماعية وما يقدمونه من رشاوي للقضاة (2)، وكانت الاتهامات سرية في اغلب الاحوال وتنتزع الاعترافات من المتهمين انتزاعا حيث كانوا يخضعون لأبشع انواع التعذيب (3).

والسجون كانت من المهانة بمكان لافتقادها ابسط حقوق الانسان، ناهيك عن تصنيف المجرمين بداخلها، حيث كان المبتدئ مع العائد، والحدث مع البالغ، فاصبح السجين يتلقى الدروس في الجريمة والاجرام حتى اذا ما خرج من السجن كان اسوا حضا واكثر اجراما وعاد اليه مرة ثانية وهكذا ذواليك.
------------------------
1) محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات، القسم العام، النظرية العامة للجريمة، 1962، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، رقم 20، ص 18، العلمي عبد الواحد، المرجع السابق، ص 44.
2) قال احد اعضاء البرلمان الانجليزي في القرن الثامن عشر وهو يصف احد قضاة الصلح بانه "حيوان يستطيع ان يعطل تطبيق دستة من القوانين في مقابل نصف دستة من البيض"، اورده احمد عوض بلال، النظرية العامة للجزاء الجنائي، 1995، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، رقم 159، هامش 312، ص 152.
3) مصطفى عبد المجيد كاره، المرجع السابق، ص96 وما بعدها، احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم 159، ص، احمد شوقي عمر ابو خطورة، شرح الاحكام العامة لقانون العقوبات، لدولة الامارات العربية المتحدة، الجزء الاول، النظرية العامة للجريمة، 1989، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، رقم 13، ص23، العلمي عبد الواحد، المرجع السابق، ص44.
------------------------

- الأسس التي قامت عليها المدرسة.
ترعرعت هذه المدرسة في عصر سادت فيه فكرة العقد الاجتماعي التي نادى بها الفيلسوف الفرنسي"جان جاك روسو" مفادها: ان الفرد يخضع للمجتمع بارادته الحرة وينضوي تحت مظلته مقابل دفاع المجتمع عنه وعن ممتلكاته بمسؤولية كل منهما تجاه الاخر، وبالتالي فان الفرد لا يتنازل عن حريته الا بالقدر اللازم لاستقرار الحياة في المجتمع، وذلك يؤسس بالتالي حق الدولة في العقاب استنادا الى العقد الاجتماعي، وكل طغيان وعسف يتجاوز القدر اللازم لحماية الامن العام في المجتمع يعتبر عقوبة طاغية لا تمت للعدالة بصلة يجب محاربتها(1).

وعلى هدي العقد الاجتماعي الذي نادى به " روسو" بنى رجال هذه المدرسة افكارهم على اسس اهمها: المنفعة وحرية الاختيار والمساواة امام القانون، التي تعتبر من اهم ركائز التشريع العقابي، وسنعالج هذه الاسس باختصار فيما ياتي:

1-المنفعة : هي اساس حق العقاب: يرى" بيكاريا" ان الهدف الاساسي من العقوبة هو المنفعة العامة مما يجعل الجاني يحجم عن ارتكاب جرائم اخرى حتى يعيش المجتمع في امن وسلام، وهذه الغاية تتحقق عندما تتناسب العقوبة مع ما تحدثه الجريمة من ضرر بالجماعة، وعلى هذا الاساس ينبغي الا تتعسف الجماعة في تقريرها للعقوبة متجاوزة مقدار ما احدثته الجريمة من ضرر لها، ولا مانع من ان يزيد الالم الذي تحدثه العقوبة الفائدة التي يؤملها الجاني من ارتكابه للجريمة(2)، ولا يرى" بيكاريا" التوسع في عقوبة الاعدام لما تخلفه من صدمة في الشعور العام للمجتمع وتعتبر من الوحشية والعنف والقسوة بمكان واقتراح الغاءها(3).

اما العالم الانجليزي " جيرمي بنثام" فقد دافع عن فكرة منفعة العقوبة التي قال بها"بكياريا"، ولكنه فسرها تفسيرا اخر حيث قال: ان الانسان عندما كان مسوقا في تصرفاته بوحي من مصلحته الخاصة التي عن طريقها ارتكب الجريمة، فان
----------------------------
1) محمود نجيب حسني ، شرح قانون العقوبات، رقم 20، ص 18، احمد عوض بلال المرجع السابق، رقم 161، ص154.
2) احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 14، ص25.
3) المصدر نفسه ونفس الصفحة، احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم 164، ص 156.
----------------------------
العقوبة يجب ان تكون قاسية شديدة تفوق تلك المصلحة المتوقعة حتى يقلع عن ارتكاب الجريمة، وتحديد العقوبة مقدما لكل جريمة بحيث تجعل الافراد يعرفون انهم اذا ما اقدموا على الجريمة فان العقوبة القاسية تنتظرهم، فهم بالتالي : يحجمون عن ارتكاب الجريمة لكي يفلتوا من العقاب، وبذلك تحقق العقوبة الردع العام(1).

والعالم الالماني " فويرباخ" فقد قال بنظرية "الاكراه النفسي" التي مفادها ان الجاني عندما يرتكب الجريمة فانه يستشعر لذة يرضي بها احدى شهواته.
وبالتالي يجب ان تكون العقوبة شديدة توازن تلك اللذة او تفوقها حتى تقمع الجريمة فيه وتصرفه عن الاجرام(2).
ولقد تاثر بهذه الافكار النفعية التي نتيجتها تشديد العقاب، كل من قانون " نابليون" سنة 1810 والقانون"البافاري" سنة 1813.

2- حرية الاختيار: لقد ساد مبدأ اخر في فترة نشاة المدرسة التقليدية الاولى هو مبدا "حرية الاختيار" كاساس للمسؤولية الجنائية، واعتنقه "بيكاريا" بلهفة ونادى به، ومفاده ان الانسان يولد حرا ويعيش في كنف هذه الحرية وله حرية الاختيار بين الخير والشر بما له من عقل، وبتلك التصرفات الغائبة(3)أي التي تحقق غاية معينة يستطيع التمييز بين الافعال التي تجلب اليه لذة ويتحاشى تلك التي تصيبه بالم، وما دامت حرية الاختيار متساوية عند جميع الافراد فيجب المساواة التامة في المسؤولية بين جميع المجرمين الذين يتمتعون بملكتي الادراك والاختيار، ويخرج عن هذا المجنون والصغير اللذان هما غير اهل للمسؤولية الجنائية(4).
----------------------
1) محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات، رقم 20، ص 18، محمد خلف، مبادئ علم الاجرام، ط2، 1977، دار الحقيقة، بنغازي، ليبيا، ص 110، احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم14، ص25.
2) محمود خلف، المرجع السابق، ص111، وكتابيا، العود في التشريع الجنائي الاسلامي والقوانين الوضعية، 1990، رسالة غير منشورة، جامعة الفاتح، طرابلس، ليبيا، ص 34، العلمي عبد الواحد، المرجع السابق، ص44.
-----------------------
وبسبب اعتناق هذا المذهب الذي يؤسس المسؤولية الجنائية على حرية الاختيار وقيام المسؤولية الجنائية على اساس الضرر المترتب عن الجريمة، وعدم الالتفات الى شخصية الجاني ومراعاة ظروفه الشخصية والاجتماعية وميوله ومدى خطورته، الامر الذي يجعل العقوبة ذات حد واحد لكل جريمة ويصبح دور القاضي مجرد اداة في يد العدالة تقتصر مهمته على الفصل في ثبوت البراءة او الادانة والنطق بالعقوبة المحددة سلفا طبقا للقانون، وبالتالي ليس هناك محل لمبدا تقرير العقوبة الذي عن طريقة تختلف المعاملة العقابية من جان الى اخر حسب ظروفه التي قادته الى ارتكاب الجريمة، وبالتالي انزال العقوبة الملائمة عليه، ويعتقد "بيكاريا" ان مثل هذا النظام يحقق اكبر قدر من الضمانات للجاني ضد تعسف وشطط القضاة، والحد من حريتهم الزائدة في تطبيق الاحكام.

3- الجميع امام القانون سواء: بسبب التاثر الكبير لانصار المدرسة التقليدية في تقرير حق المجتمع في انزال العقاب على المجرم بنظرية العقد الاجتماعي، فقد نادوا بالمساواة بين الافراد في تطبيق القانون وعدم النظر الى شخصياتهم وانتماءاتهم واحوالهم المعيشية، وبالتالي فلا مجال لشخصية العقوبة ومراعاة ظروف الجاني، فيمتنع على القاضي ان يوقع عقوبة غير منصوص عليها في قانون العقوبات ولا مجال للقياس ووضع حد لشطط القضاة واستبدادهم باحكام جائرة(1)، والواقع ان "بيكاريا" يعتقد ان المساواة في العقوبة وتوقيعها على كل من يرتكب الفعل نفسه - بغض النظر عن موقعه في المجتمع- يؤمن الحفاظ على حماية الحريات الفردية التي يجب ان يتمتع بها الافراد، والنأي بهم عن السلطات الواسعة المخولة لقضاة ذلك العصر(2)، ووجد هذا المبدا صداه في القوانين الحديثة ايضا.

- تقييم هذه المدرسة: من حيث قيمتها العلمية يمكن القول بان لها فضل القضاء على مساوئ النظام العقابي السائد في ذلك العصر، حيث كان يقتص من الجاني باساليب وحشية، فخففت من السلطات التحكيمية التي يتمتع بها القضاة(3)
--------------------------
1) احمد محمد بونه، المرجع السابق، ص35.
2) مصطفى عبد المجيد كاره، المرجع السابق، ص99.
3) احمد شوقي عمر ابو خطوه، المرجع السابق، رقم 14، ص27.
--------------------------
مما احدث انقلابا في فلسفة النظام الجنائي القديم برمته، ويرجع اليها الفضل في ارساء قواعد التشريع الجنائي الحديث حيث كان ذلك واضحا في اعلان حقوق الانسان الصادر في فرنسا في 26 اغسطس1789، وظهر اساسها في قانون العقوبات الفرنسي الصادر في عام1791 (1)، وابرز هذه القواعد: حرية الاختيار والمسؤولية الشخصية للعقوبة والتخفيف من غلواء العقوبات.

غير ان هذه المدرسة لم تسلم من العيوب وابرزها: انها اتجهت نحو التجريد المطلق (2) باغفالها شخص الجاني وبواعثه والظروف المحيطة به والدوافع التي قادته الى الجريمة، أي بمعنى التركيز على الجريمة دون فاعلها، وذلك مؤسس على الهدف الاسمى لدعاتها بتحقيق المساواة المطلقة بين المجرمين في العقوبة بسبب رواسب الماضي اثناء فترة تحكم القضاة واستبدادهم، غير ان المساواة المجردة لا تحقق العدالة لارتكازها على جانب واحد من جوانب الجريمة وهو الجانب المادي، اما الجانب النفسي الذي يتمثل في الارادة الاجرامية التي تهدف الى تحقيق ماديات الجريمة فقد كان مهملا(3).

وواقع الامر ان اخضاع كل من ارتكبوا نفس الجريمة لعقوبة واحدة لاشك انه يعبر عن الاخلال الفاضح بقواعد العدالة التي تتطلب ضرورة ملائمة العقوبة لشخصية مرتكبها في الكم وطريقة التنفيذ(4).
واهم نقد وجه للمدرسة التقليدية الاولى انها ليست سياستها الجنائية على ما للعقوبة من اثر في الردع العام، وبالتالي المغالاة في العقاب من ناحية جسامته واغفلت شخصية الجاني وظروفه ومحاولة لاصلاحه وتهذيبه وتاهيله لكي تجنبه العودة الى ارتكاب الجريمة مستقبلا(5).

هذه ابرز الانتقادات التي وجهت الى المدرسة التقليدية الاولى مما مهد الطريق الى ظهور المدرسة التقليدية الجديدة على انقاضها.
-------------------------
1) احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم 165، ص156.
2) محمد خلف، المرجع السابق، ص 112، احمد عوض، المرجع السابق، رقم 165، ص157.
3) نفسه، ص113، نفسه والصفحة نفسها.
4) محمود نجيب حسني، علم العقاب، ص3، 1973، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، ص65.
5) احمد محمد بونه، المرجع السابق، ص 36.
-------------------------

المبحث الثاني
المدرسة التقليدية الجديدة (L'école néo-classique)
لقد داعت وانتشرت افكار جديدة خلال القرن التاسع عشر تبلورت فيما يعرف بالمدرسة التقليدية الجديدة التي قامت على انقاض المدرسة التقليدية القديمة، وان عدلت منها بعض الشيء وخاصة افكار الفيلسوف الالماني كانت "kant" س (1804-1724)، الذي كان معاصرا لاقطاب المدرسة التقليدية، فقد كان يؤسس حق العقاب على اساس تحقيق"العدالة المطلقة" وليس كما هو في المدرسة التقليدية الاولى، فهو على الاساس النفعي الاجتماعي.

ومن اقطابها ايضا: روسي (Rossi)، واورتولان(Ortolan)، ومولينيه (Molinier) في فرنسا، وكرارا (Carrara) في ايطاليا، وبرويشن ((Preuschen، وميترماير (Mitteremaier) في المانيا، وهوس (Haus) في بلجيكا.(1).
وانضم عدد من الفقهاء الى هذه المدرسة في النصف الاول من القرن العشرين وعلى راسهم غارسون (Garson)، وجاروفالو(Garofalo)، ودونديو دفابر (Donnedieu de vabres) (2).
الاسس الفلسفية التي ارتكزت عليها هذه المدرسة: قامت فلسفة هذه المدرسة على دعامتين اساسيتين هما حرية الارادة، والتوفيق بين العدالة والمنفعة، ونعرض فيما ياتي لهاتين الدعامتين:

1- حرية الارادة: كانت نظرة المدرسة التقليدية الاولى نظرة مجردة لحرية الارادة او الاختيار باعتبارها القدرة على اختيار طريق التصرف، اما المدرسة التقليدية الجديدة فقد جاءت بمفهوم جديد لتلك الحرية ينطوي على القدرة على مقاومة البواعث الشريرة(3)، وهي تعتبر ميزان المسؤولية الجنائية، فالناس ليسوا سواسية من حيث قدراتهم على مقاومة الدوافع التي تقود الى الجريمة، فظروف كل شخص وسنه
-------------------------
1) عبود السراج، قانون العقوبات، القسم العام، 1987، مطبعة الاسكان العسكرية، دمشق، سوريا، رقم22، ص 19.
2) نفسه، رقم 22، ص14.
3) احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم 168، ص 158.
------------------------
وحالته الصحية والعقلية والنفسية تختلف من شخص الى اخر(1)، بل ان الشخص الواحد تتغير تصرفاته من حين الى اخر حسب ظروفه ومقدرته عل حرية الاختيار(2).

2- التوفيق بين العدالة والمنفعة: لقد تاثرت هذه المدرسة براي الفلسفة الالمانية بزعامة(( كانت)) الذي يقول : ان العقاب غايته ارضاء شعور العدالة عند الجماعة، ويتمثل في انزال العقاب بالجاني كمقابل حتمي لحرية الارادة التي دفعته لارتكاب الجريمة بغض النظر عن فكرة المنفعة الاجتماعية، وبالتالي فان رجال هذه المدرسة قد جمعوا بين فكرة العدالة وفكرة المنفعة الاجتماعية (3).

وعليه فان العقوبة اساسها العدالة وهدفها تحقيقها في حدود المنفعة الاجتماعية فلا يحق للمجتمع ان يعاقب الجاني بما يفوق الحدود التي تتطلبها المصلحة العامة للمجتمع، فالعقوبة لا تكون مشروعة الا في نطاق اجتماعها بالعدالة والمصلحة العامة(4).
والواقع ان هدف هذه المدرسة عموما التوفيق بين اراء المدرسة التقليدية والافكار الحديثة المستندة على العدالة.

- تقييم هذه المدرسة: تعتبر هذه المدرسة اول من ربط بين العدالة والمنفعة الاجتماعية، فهي تهدف الى العدالة، ولكن في حدود معينة يجب الا تتجاوزها،
---------------------------
1) تعتبر المدرسة التقليدية الجديدة اول من ابتدع فكرة استعانة القاضي بالخبرة القضائية، وعليه يمكن له الاستعانة بخبراء في مختلف التخصصات كالاطباء ( عامون ومتخصصون ) واخصائيين اجتماعيين ومحللين نفسيين وخبراء الاسلحة النارية، الى غيرهم من المتخصصين في الجريمة والمجرم، وفي هذا الاطار نلفت النظر وبقوة الى ايجاد القاضي المتخصص حتى يستطيع فهم الجاني الفهم العلمي الدقيق من خلال مراعاة ظروف الجاني والملابسات التي تحيط بالقضايا المطروحة امامه على بساط البحث.
2) عبود السراج، المرجع السابق، رقم 23، ص20، احمد محمد بونه، المرجع السابق، ص37.
3) محمد خلف، المرجع السابق، ص116، احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 15، ص 28.
4) محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات، رقم21، ص20، محمد خلف، المرجع السابق، ص116، احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم 169، ص159، احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم15، ص29، محمود نجيب حسني، علم العقاب، ص67.
--------------------------
فالعقوبة يجب ان لا تكون اكثر مما هو عادل ولا اكثر مما هو ضروري(1)، وعلى الرغم من اتفاق هذه المدرسة مع المدرسة التقليدية القديمة في ان اساس المسؤولية الجنائية يقوم على مبدا حرية الاختيار (الارادة) الا ان اقطاب هذه المدرسة يخالفون نظراءهم برفضهم لفكرة المساواة بين الافراد في حرية الاختيار، لان هذه الحرية تختلف من شخص الى اخر، فمنهم من هو عديمها وغيره ناقصة وثالث كاملها ولكن المسؤولية تكون بقدر هذه الحرية، فضابطها اذن هو مقدرة الشخص على مقاومة البواعث الشريرة التي تدفعه الى سلوك طريق الجريمة، وهي بالطبع تتفاوت من فرد الى اخر.

ومن جهة اخرى فقد وضعت هذه المدرسة حجز الزاوية لنظام تفريد العقوبة حيث نقلت الاهتمام من الجريمة الى الاهتمام بالمجرم مع مراعاة ظروفه الشخصية والبواعث التي دفعته الى الاجرام ومدى خطورته(2).
وانارت هذه الافكار الطريق امام قوانين العقوبات فيما بعد، كقانون العقوبات الفرنسية المعدل سنة 1832 حيث استبعدت منه العقوبات الوحشية كقطع اليد قبل تنفيذ عقوبة الاعدام، ووضع بعض العقوبات بين حدين ادنى و اقصى، والاعتراف بنظرية الظروف القضائية المخففة ولكنها في نطاق ضيق مما يسمح للقاضي بسلطة تقديرية يستطيع استخدامها في حالة توافرها في شخص الجاني، او الظروف المحيطة بارتكاب الجريمة(3).

وامتدت هذه الافكار خارج فرنسا حيث تاثر بها قانون العقوبات الالماني الصادر في عام 1870، وقانون العقوبات الايطالي الصادر في عام 1889(4).
الا ان بعض انصار هذه المدرسة دعوا الى اعادة النظر في نظام التنفيذ العقابي (السجون ) برمته، لما لاحظوه من فساد السجون وعدم الاهتمام بها، بوضع برامج اصلاحية تهذيبية لنزلائها، كما انها تفتقر الى اساسيات الحياة، الامر
----------------
1) محمود نجيب حسني، علم العقاب، ص 67.
2) محمد خلف، المرجع السابق، ص117، احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم171، ص159، احمد محمد بونه، المرجع السابق، ص38، العلمي عبد الواحد، المرجع السابق، ص 48.
3) احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 15، ص30، احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم 171، ص159، احمد محمد بونه، المرجع السابق، ص 38، العلمي عبد الواحد، المرجع السابق، ص 48.
4) محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات، رقم21، ص 22.
----------------
الذي اسهم في زيادة معدل الجريمة وعلى راس هؤلاء الانصار الفرنسي شارلي لوكاس (Charles lucas) الذي نشر كتابه الشهير حول ( نظام السجون في اوروبا والولايات المتحدة الامريكية) عام 1828 (1).
وعلى الرغم من هذا كله ان هذه المدرسة لم تسلم من النقد، فقد عيب عليها انها لم تاخذ بمدلول محدد لحرية الاختيار وفقا لمعيار يمكن به قياس مقدرة الشخص على مقاومة البواعث الشريرة التي تجرفه نحو الجريمة مما يقود - وفق هذه النظرية- الى نتيجة شاذة مقتضاها تخفيف العقاب على من لا يستحقه كالمجرمين العائدين والمعتادين للاجرام الذين تتناقض لديهم المقدرة على مقاومة البواعث الشريرة، الامر الذي جعل اختلاطهم بالجناة المبتدئين كارثة عارمة، فيتعلمون منهم دروسا في الجريمة والاجرام حتى اذا ما خرجوا هم ايضا اصبحوا عائدين بسبب ارتكابهم لجرائم اخرى، كذلك ما يؤدي به اختلاطهم من ناحية اخرى لارتكاب جرائم جنسية داخل السجون ذاتها، كذلك تؤدي فكرة حرية الاختيار التي نادت بها هذه المدرسة الى التوسع في تطبيق عقوبات قصيرة المدة سالبة للحرية مما ادى الى النتيجة السابقة ايضا، وبالتالي إهدار جانب مهم وخطير في اثناء تنفيذ العقوبة على الجناة وهو غرض الاصلاح والتاهيل الذي يجب ان تضطلع به السجون(2).

كما عيب عليها ايضا اخذها بنظام المسؤولية المخففة الذي يستفيد منه المجرم الخطير الذي مسحت من ذهنه العوامل المنفرة من الجريمة، دون الجاني المبتدئ مما يؤدي الى نتيجة غير منطقية وليست عادلة في نفس الوقت(3).

وبسبب هذه الانتقادات وغيرها اصبح الطريق مفتوحا لظهور المدرسة ((الوضعية))التي تعتمد الملاحظة والتجربة اساسا للدراسات العقابية .
----------------------
1) وهو ذلك نصب نفسه (( في مقدمة اتجاه فكري جديد نشا في اطار الفكر التقليدي الحديث وعرف بالمدرسة العقابية)).
(Ecole pénitentiaire) اورده احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم 171، ص 161.
2) محمد خلف، المرجع السابق، ص118 وبعدها، احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم5، ص30، احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم 171، ص 160، احمد محمد بونة، المرجع السابق، ص 38.
3) بمعنى ان المجرم المعتاد الاجرام الاكثر خطورة تطبق عليه عقوبة اخف من المجرم الاقل خطورة عند تطبيق نظام المسؤولية المخففة، وذلك لا يمت للعدالة العقابية السليمة بصلة.
-----------------------
المبحث الثالث
المدرسة الوضعية (l'école positive)
نتيجة لعدم نجاح الفكر التقليدي في مكافحة ظاهرة الاجرام والتصدي لها بسبب الازدياد المضطر في عدد مرتكبي الجرائم، الامر الذي جعل السجون تئن بمن فيها، وانعدام البرامج التهذيبية والاصلاحية المترتبة على الحبس قصير المدة، الذي يستفيد منه المجرم الخطير الذي اعتاد الاجرام دون غيره من السجناء المبتدئين، واتجاه العقوبة نحو الردع العام دون الردع الخاص الذي يهدف الى اصلاح الجاني وعودته الى المجتمع عضوا نافعا فيه بعد ان يقضي العقوبة المحكوم بها عليه، مما قاد الى اختلاط المحكوم عليهم باشخاص لهم باع طويل في عالم الاجرام، وبعد طول هذا التخبط الكبير فقد لاح في الافق نظام جديد اساسه الملاحظة والتجربة والاهتمام الخاص بشخص الجاني، ومحاولة اصلاحه بعد تلك الدراسة.

ونشأت المدرسة الوضعية في ايطاليا في الربع الاخير من القرن التاسع عشر على يد ثلاثة روادهم: لومبروزو (Lombroso )1836-1909، استاذ الطب الشرعي الذي نشر افكاره في كتاب اسماه (( الرجل المجرم)) عام 1876، فيرى( Ferri )1865-1929، استاذ القانون الجنائي الذي نشر كتابه حول " نظرية تفنيد ورفض حرية الاختيار" عام 1878، وجاورفالو(Garofalo) 1852-1934، القاضي والفقيه الايطالي الذي صاغ نظريته في كتابه (علم الاجرام) عام 1885(1).

وقد كان للافكار التي نادى بها هؤلاء الرواد الاثر الكبير المهم في تطور الفكر الجنائي والعقابي بصورة عامة، ولمحاولة فهم فكر وفلسفة هذه المدرسة لابد من البحث فيما نادى به اقطابها ومنهجهم الذي سلكوه، ومنهم:
1- سيزار لمبروزو: اعتقد " لمبروزو" بوجود ما اسماه بالمجرم بطبيعته او بالوراثة، بمعنى انه غالبا ما يحمل بعض العلامات الارتدادية التي ترجعه الى اسلافه
-----------------------
1) لمزيد من الايضاح راجع، محمد خلف، المرجع السابق، ص130، عبود السراج، المرجع السابق، رقم 26، هوامش 1،2،3، وما بعدها، مصطفى عبد المجيد كاره، المرجع السابق، ص 114، احمد شوقي عمر، ابو خطوة، رقم 16، ص31 وما بعدها احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم 172، ص 162.
----------------------
البعيدين، أي الى الانسان المتخلف، ولكن هذه الصفات لا تؤدي بطبيعة الحال الى الجريمة مباشرة، ما لم تندمج في شخصية صاحبها، وبالتالي فان الانسان المجرم هو الذي ما يزال محتفظا بواسطة الوراثة بخصائص انثروبولوجية (1) وفسيولوجية (2) كانت في الاساس خاصة بالانسان البدائي(3)، وبناء عليه يصبح هذا الانسان مرغما على ارتكاب الجريمة دون اختيار منه وهو بالتالي مجرم بالفطرة او الميلاد(4).

ومن خلال التجارب والدراسات التي قام بها ( لمبروزو) قسم المجرمين الى خمس طوائف (5) وهي:
1- المجرم بالميلاد او بالغريزة : وهو الشخص الذي يحمل منذ ولادته صفات عضوية وفسيولوجية ونفسية، فلا يستطيع مقاومتها وهي التي تدفعه بقوة نحو الجريمة بسبب تلك الدوافع الاجرامية الموروثة لديه منذ ولادته.
2- المجرم المجنون : وهو من اصيب بمرض عقلي افقده القدرة على ادراك طبيعة افعاله ونتائجها، فينقاد نحو الجريمة تبعا لذلك، ويدخل تحت هذه المظلة: المصابون بالصرع، وانصاف المجانين، ومن لا يملكون اتزانا نفسيا وعقليا.
3- المجرم بالعادة : وهو من يرتكب الجريمة بعدما تكونت لديه العادة على ارتكاب الافعال المخالفة للقانون مرة بعد مرة سبب الظروف الاجتماعية المحيطة به، كالفقر، والبطالة، وادمانه الخمر، واتصاله باصحاب السوابق الجنائية فيؤثرون في اتجاه سلوكه نحو الجريمة ويكتسب تكوينا اجراميا حتى تصبح الجريمة مورد رزقه.
--------------------------
1) الانثروبولوجيا: هي علم دراسة الانسان.
2) الفسيولوجيا: هي علم وظائف الاعضاء.
3) وهو الذي تاصلت فيه نوازع الشر بطبيعته وظروف البيئة الصعبة المحيطة به، والتي تتجسد في المثل القائل ( ان لم تكن دئبا اكلتك الذئاب).
4) محمد خلف، المرجع السابق، ص133، احمد شوقي عمر ابو خطور، المرجع السابق، رقم 16، ص 32.
5) لمزيد من الايضاح راجع، محمد خلف، المرجع السابق، الصفحات من 137-134، عبود السراج، المرجع السابق، رقم 28، ص24 وما بعدها، مصطفى عبد المجيد كاره، المرجع السابق، ص 120 وما بعدها، احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 16، ص 35 وما بعدها، احمد محمد بونه، المرجع السابق، ص 35 وما بعدها، العلمي عبد الواحد، المرجع السابق، ص49.
----------------------------

4- المجرم العرضي او مجرم الصدفة: هذا لا يوجد لديه ميل تكويني نحو الجريمة أي بالميلاد، وانما يرتكب جريمته بسبب ظروفه يعجز عن مقاومتها كالفقر او البطالة، او ظروف عائلية وبيئية، واحيانا بدافع التقليد وحب الظهور، غيران هذا النوع من المجرمين كثيرا ما يعاوده الندم على فعله .
5- المجرم العاطفي او الانفعالي : عادة ما يكون طيب القلب، ولكنه في ذات الوقت شديد الحساسية وينفعل بسرعة، ومزاجه عصبي، يرتكب جريمته بدوافع عاطفية كالحب والغيرة والكراهية، غير انه سريع الندم.

2- انريكوفيري: واصل" فيري" بعد " لمبروزو" الابحاث متجها بالمدرسة الوضعية اتجاها اجتماعيا، أي لم يقتصر بحثه على دراسة العوامل الداخلية للمجرم كما فعل سلفه" لمبروزو"، بل تعداها الى دراسة العوامل الخارجية المحيطة به، فالجريمة - وفق رايه - خليط من عوامل داخلية ( شخصية) عضوية ونفسية، واخرى خارجية طبيعية واجتماعية.
وقد جاء بنظرية ( التشبع الاجرامي) أي فكرة حتمية الجريمة(1)التي مفادها: ان الجريمة تسببها ثلاثة عوامل تكون على هيئة مثلث.
اولها: عوامل انثروبولوجية ( شخصية ترتبط بشخص المجرم، عضوية، نفسية، وعوامل اخرى كالسن والجنس والمهنة والحالة الاجتماعية..
ثاينها: عوامل طبيعية كالمناخ والفصول الاربعة.
ثالثها: عوامل اجتماعية، أي البيئة المحيطة بالشخص، كالاسرة والتعليم والصناعة والمستوى الاقتصادي وكثافة السكان.

فاذا اجتمعت هذه العوامل في مجتمع ما، فانه ينتج حتما عددا من الجرائم لا يزيد ولا ينقص، وهو ما يسمى "بدرجة التشبع الاجرامي للمجتمع"، واذا ما قامت معدل الجريمة يزيد باضطراد، ويرجع الى ما هو عليه عند زوال ذلك المؤثر (2).
-----------------------
1) محمد خلف، المرجع السابق، ص 138، مصطفى عبد المجيد كاره، المرجع السابق، ص122، احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 16، ص 33.
2) احمد شوقي، عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم16، ص 33 وما بعدها.
----------------------
3- رافائيل جاروفالو: يعتبر "جاروفالو" اول من استخدم مصطلح"علم الاجرام" عن طريق وضعه اسما لكتابه الذي اصدره عام 1885، حيث درس فيه ظاهرة الاجرام واسبابها دراسة تعتمد على الموضوعية العلمية، مفرقا فيه بين الجرائم الطبيعية والجرائم المصطنعة.

فالجريمة الطبيعية تتمثل في السلوك غير الاخلاقي وتعافها الانفس وتزدريها وتعاقب عليها جميع الشرائع باعتبارها منافية لكل مشاعر الخير والعدالة .
اما الجريمة المصطنعة فهي من صنع المشرع، وتختلف من مجتمع الى اخر حسب النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية لكل جماعة(1).
وعلى ضوء هذه التفرقة فان"جاروفالو" يولي انزال العقاب بمرتكب الجريمة الطبيعية، الذي يمتاز بالانانية وبعدم الشعور بالمسؤولية اهمية خاصة، حيث يقترح تمييزا في المعاملة يلائم كل صنف من المجرمين حسب خطورته الاجرامية.

الاسس الفكرية للمدرسة: احدثت المدرسة الوضعية انقلابا خطيرا على الافكار التي سبقتها وخاصة المدرستين التقليدية، والمدرسة التقليدية الجديدة بان وجهت الاذهان نحو الملاحظة والتجربة والعمل الميداني بدلا من الاراء والافكار الفقهية فقط في كشف الحقائق، واعتماد شخصية المجرم في الدراسة بدلا من الجريمة، وعليه نفسر القول فيما ياتي :

1- مفهوم الحتمية : من خصائص هذه المدرسة رفضها لمبدا ( حرية الاختيار) والمناداة بمفهوم الجبرية او الحتمية المطلقة بالمجرم - على رأيها- مدفوع على سبيل الحتم نحو الجريمة بقوى طبيعية وبيولوجية واجتماعية لا قبل له بمقاومتها، فاذا كان الجاني مدفوعا نحو الجريمة بتاثير هذه العوامل التي لا دخل لارادته فيها(2)، فمن العبث اذن تاسيس مسؤوليته الجنائية على اسس اخلاقية اجتماعية قائمة على حرية الاختيار، وبالتالي فان كل شخص مسؤول عن الجرائم التي يرتكبها مهما كان مميزا او غير مميز، عاقلا او مجنونا.
--------------------
1) محمد خلف، المرجع السابق، ص 139، احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم16، ص 34.
2) عبود السراج، المرجع السابق، رقم29، ص 26، احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم16، ص 37، احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم 173، ص 163، احمد محمد بونه، المرجع السابق، ص 40، العلمي عبد الواحد، المرجع السابق، ص 50.
--------------------
2- الخطوة الاجرامية : ان المجتمع مضطر للدفاع عن نفسه ضد الجريمة ايا كانت لا عن طريق توقع العقوبة على المجرمين بل عن طريق اتخاذ تدابير وقائية احترازية تطبق على المجرم عند ارتكابه للجريمة، لتمنعه من ارتكاب جرائم اخرى غيرها مستقبلا او مع غيره من الافراد، اذن الحل هو احلال المسؤولية الاجتماعية او القانونية محل المسؤولية الاخلاقية، فالواجب الاجتماعي يفرض عليه ان يخضع لاجراءات بديلة عن العقوبة يفرضها المجتمع الذي يعيش فيه لكي يبعد شبح الجريمة ويوقف خطرها(1)، ويمثل ذلك رد الفعل الطبيعي للمجتمع الذي يدافع به عن نفسه ضد الجريمة.

3- التدابير الوقائية ( الاحترازية او الاصلاحية ) : هذه التدابير ليست عقوبات يكون القصد منها الايلام والتشفي بقدر ما هي وسيلة لقمع الجريمة في المستقبل ومكافحة الظاهرة الاجرامية، فالجريمة حدث تم في الماضي فالقصد ليس العقاب على فعل قد تم وقوعه وانتهى ليتم التفكير عنه ورد اعتبار من وقع ضده، بل المهم والمفيد والاجدر هو فرض تدبير يهدف الى الحيلولة دون وقوع الجريمة التي تضر بالمجتمع، وفي الوقت ذاته علاج الجاني بوسائل ملائمة لاتقاء خطورته الاجرامية(2).
---------------------
1) عبود السراج، المرجع السابق، رقم 29، ص26، احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 16، ص37.
- وجدير بالذكر ان انصار المدرسة التقليدية يرجع اليهم الفضل في التركيز على اهمية تدابير الوقاية المانعة من الجريمة، بحيث تجعل الفرد يعيش في بيئة خالية من العوامل التي تقربه من الجريمة، وذلك برفع مستوى معيشته بجميع صورها كمعالجته من الادمان بانواعه وحمايته من التشرد والفقر والدعارة …. الخ.
2) عبود السراج، المرجع السابق، رقم 29، ص 27، احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 16، ص37 وما بعدها، احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم 173، ص163، العلمي عبد الواحد، المرجع السابق، ص51.
- الخطورة الاجرامية حالة كامنة في الشخص، وموجودة فيه قبل ارتكاب الجريمة، فينساق المجرم الى الجريمة مدفوعا بغريزته، بمجرد وجود عوامل تهيئ له ظروف الجريمة، وبالتالي فلا مبرر للانتظار حتى يقترف الشخص الخطر جريمته ويتدخل المجتمع لعقابه عن طريق هيئاته المنوط بها تلك الوظيفة، بل ان ضرورات الدفاع الاجتماعي تفرض التحرك وبسرعة فائقة قبل وقوع الجريمة وصدها بتدابير تقمع الاجرام كالحبس والمراقبة اللاحقة والابعاد.
-------------------
ووفقا لهذه النظرية ان المجرمين لا يعاقبون بالعقوبة المعهودة. وانما تطبق عليهم تدابير الوقاية والاصلاح، فالمجرمون بالطبيعة او الميلاد ومعتادوا الاجرام، تطبق بشانهم تدابير الاستئصال او الابعاد في مستعمرة زراعية لانهم غير قابلين الاصلاح، والمجرم المجنون او المصاب بعاهة عقلية يعالج في مصحة عقلية متخصصة، والمجرم العرضي يجب في حقه تنظيم الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه حتى لا تجد العوامل المكونة للجريمة سبيلا اليه، ومن بين الاجراءات التي تتخذ حياله تسليم الحدث الى عائلة موثوق بها تتكفل برعايته، او وضعه في مؤسسة صناعية او زراعية الى غيرها من الوسائل البديلة، اما المجرم العاطفي او الانفعالي فيجب اتخاذ تدابير منشؤها التسامح بتوفير المناخ الملائم لعواطفه، ومطالبته بتعويض عادل للمجني عليه واصلاح الضرر(1).

- تقييم هذه المدرسة: يرجع الفضل للمدرسة الوضعية في توجيه الانتباه الى دراسة شخصية المجرم دراسة علمية قوامها المنهج التجريبي الذي يعتمد على الملاحظة والتجربة في دراسة الظاهرة الاجرامية والبعد عن التسليم بالافتراضات والاراء السابقة، كما بنت المسؤولية الجنائية على اساس من الخطورة الاجرامية مما قاد الى تفريد العقوبة التي تلائم كل جان على حده بتدبير احترازي واحلاله محل العقوبة (2) التي تطبق على جميع المجرمين الذين يرتكبون الفعل نفسه وذلك مما نادت به المدرسة التقليدية الجديدة، كما ان هذه المدرسة اول من نبه الى اهمية العقوبة غير محددة المدة حتى تنتهي الخطورة الاجرامية.

ولا ينكر احد ما لهذه المدرسة من اثر على التشريعات الجنائية المختلفة في العالم حيث اخذت بنظام وقف تنفيذ العقوبة والافراج الشرطي، والتدابير الاحترازية سواء أكانت منفصلة ام مع العقوبة، وجعلت انظمة عقابية تخص الاحداث الجانحين، انشات السجون المفتوحة وشبه المفتوحة، وابعاد العائدين، واعطاء القضاة سلطة تقديرية، وتخصص القاضي الجنائي، ونظام تفريد العقوبة (3)، ومن التشريعات
--------------------
1) عبود السراج، المرج السابق، رقم 29، ص27، احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم 173، ص 164.
2) احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم 175، ص 165، محمد خلف، المرجع السابق، ص 141.
3) عبود السراج، المرجع السابق، رقم30، ص 28.
--------------------
التي تلقفت هذه المبادئ ونص عليها قانون العقوبات الايطالي الصادر عام 1930، والبولوني عام 1932، والسويسري عام 1937 وغيرها من التشريعات الحديثة (1).
غير انه يعاب على هذه المدرسة اغفالها للجريمة تماما والاثار المادية او الاجتماعية الناتجة عنها، واهتمت بشخص المجرم وذلك مما لا يتفق مع الواقع المعاش، فلولا الجريمة لما وجد المجرم(2).
واذا كان ما نادت به هذه المدرسة من ان الحالة الخطرة في حالة وجودها في أي شخص فذلك سبب رئيسي لاخضاعه لتدابير الوقاية قبل ارتكابه للجريمة، فذلك مما يعد اعتداءا صارخا على مبدا صيانة الحرية الفردية التي يجب ان يتمتع بها الفرد من منطلق الفكر الجنائي الكلاسيكي الذي نادى بمبدا شرعية الجرائم والعقوبات بحيث يفترض ان يتلقى الجاني انذارا قبل عقابه.

ومما اخذ عليها ايضا انكارها لحرية الاختيار والاخذ بمبدا الحتمية، ولاشك انها بذلك ساوت بين الانسان الذي يتميز بالعقل وبقية الموجودات منعدمة الارادة، ويترتب على ذلك انه حتى المجرم بالميلاد - الذي له خصائص عضوية ونفسية تقوده الى الجريمة- ستطبق عليه التدابير الوقائية حتى قبل ارتكابه لاية جريمة، ناهيك عما لاقته فكرة (( المجرم بالميلاد)) من نقد شديد واتخاذ تدبير حيالها يصل الى حد الاستئصال، الامر الذي يعتبر انتهاكا صارخا للحريات الفردية اذا ما اتخذت التدابير الوقائية دون ضوابط، ومدعاة لاستبداد المشرعين والقضاة والادارات المشرفة على التنفيذ العقابي على حد سواء(3).

ثم ان التفرقة التي نادى بها " لمبروزو" لتصنيف طوائف المجرمين المعتمدة اساسا على خصائص عضوية ونفسية، فانها لا تصدق في كل الحالات، فكثير من الافراد توجد فيهم بعض هذه الصفات ولكنهم غير مجرمين، فمنهم من لم يرتكب جريمة ابدا، ومن جهة اخرى فقد وقعت جرائم خطيرة من اناس لا توجد فيهم هذه الصفات وذلك مما يؤكد ان الاسس التي استند عليها" لمبروزو" غير سليمة (4)، كما
------------------------
1) احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم16، ص 38.
2) انظر محمود نجيب حسني، علم العقاب، ص74.
3) احمد عوض بلال، المرجع السابق، ر قم 175، ص166.
4) احمد شوقي عمر خطوة، المرجع السابق، رقم16، ص 39.
------------------------
ان العينة التي تمثل "المجموعة الضابطة" في البحوث التي اعتمد عليها انصار المدرسة الوضعية وقعت في خطا منهجي يعرف "بالمغالطة الثنائية" عندما اعتمدوا على مسلمة مبدئية بان نزلاء السجون هم وحدهم يمثلون طائفة المجرمين، والذين خارج السجن يمثلون الطائفة الاخرى عكس الاولى، وهذا التصنيف المزدوج في الواقع لا يمت الى الحقيقة بصلة(1).

المبحث الرابع
المدارس التوفيقية
تمهيد: لاحظنا ان المدرسة التقليدية - وهي في كفة- قد بالغت في الاعتداد بالجريمة واهملت شخص المجرم مؤسسة المسؤولية الجنائية على المبدا الاخلاقي، اما الكفة الثانية فقد احتلتها المدرسة الوضعية التي بالغت في الاعتداد بشخص المجرم وحالته الخطرة واهملت الجريمة مؤسسة المسؤولية الجنائية على فكرة الدفاع الاجتماعي .

وبعد اخذ ورد وجدل طويل بين انصار النظرية التقليدية وانصار النظرية الوضعية، فقد ظهرت اراء اخرى تحاول التوفيق بين النظريتين تاخذ ما هو صواب وتبقي عليه، وتتبين اوجه النقص فتتجاوزها، وقد اشتهرت هذه الدراسات التي حاولت التوفيق بين تلك الاراء بمذهب " التوفيق" او الوسط، ونعرض فيما ياتي لاهمها وهي:
المدرسة الثالثة، والاتحاد الدولي لقانون العقوبات في الفقرتين الاتيتين:

الفقرة الاولى : المدرسة الثالثة(2)
نشات هذه المدرسة في ايطاليا، ومن ابرز رجالها اليمينا(Alimena)، وكارنفالي (Carnavale) .
------------------------
1) راجع احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم 175، ص166 وما بعدها.
2) سميت بالثالثة باعتبار ان المدرسة التقليدية ( بنوعيها) هي الاولى، والوضعية هي الثانية، انظر محمود نجيب حسني، علم العقاب، ص 77.
-----------------------
حاول انصارها التوفيق بين الافكار التقليدية والوضعية وتفادي عيوب كل منهما.
واهم الاسس التي قامت عليها ثلاثة:
اولها: ان الهدف الاساسي للعقوبة هو الردع العام، متاثرة في ذلك بالمدرسة التقليدية التي قالت بحتمية الظاهرة الاجرامية في حال توافر عواملها ( الفرد + البيئة).
ثانيها: اخذت بالمبدا الذي يجمع بين العقوبة والتدبير الوقائي (الاحترازي)، فالمجرم كامل الاهلية تطبق عليه العقوبة، وناقصها تتخذ حياله تدابير الوقاية.

وبالتالي يرجع الفضل لهذه المدرسة في جمعها بين فكري الردع العام والردع الخاص محاولة التوفيق بينهما(1)، وذلك ما اخذ به كثير من التشريعات الجنائية في العصر الحديث ونص عليه في قوانين العقوبات.

الفقرة الثانية : الاتحاد الدولي لقانون العقوبات
تاسس هذا الاتحاد عام 1880 على يد ثلاثة من الفقهاء الكبار للقانون الجنائي، المعاصرين لرواد المدرسة الوضعية الايطالية وهم:
فان هامل (Van hamel) الهولندي الاستاذ بجامعة امستردام، وادولف برنس (Adolf Prins) البلجيكي الاستاذ بجامعة بروكسيل، وفون ليست (Von liszt) الالماني الاستاذ بجامعة برلين.
ومن خلال المؤتمرات الدولية التي عقدها الاتحاد، واولها تم عقده عام1889 فقد تمخض عنه ومن خلال البحث العلمي التجريبي مجموعة من الافكار والمبادئ التوفيقية: وافضل وانجح اساليب السياسة الجنائية بما فيها تصنيف المساجين، وتنظيم السجون ، فقد شجع الاتحاد اعضاءه على اجراء البحوث في السياسة العقابية الكائنة وما ستكون عليه (2).
---------------------------
1) احمد شوقي عمر أبو خطوة، المرجع السابق، رقم18، ص 40، احمد عوض بلال، المرجع السابق، 177، ص167 وما بعدها.
2) احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم 178، ص169.
---------------------------
الاسس الفكرية للاتحاد :
1- يعترف انصار الاتحاد بان للعقوبة - بصفتها كجزاء، متاثرين في ذلك بالمدرسة التقليدية - اغراضا متعددة كالانذار او الاصلاح او الاستئصال.
2- كما ان انصار الاتحاد تبنوا منهج المدرسة الوضعية- العلمي التجريبي- الذي يهتم اساسا بشخص المجرم ومن ثم اختيار المعاملة العقابية التي تلائمه، وذلك بهدف اصلاحه وعلاجه لكيلا يعود الى ارتكاب الجريمة مرة ثانية، مما يقود الى فكرة التقرير التنفيذي - أي تصنيف المحكوم عليهم داخل السجون - بحسب العوامل التي تدفعهم الى ارتكاب الجريمة وذلك الى مجموعتين:

الاولى : مجموعة المجرمين بالميلاد ومعتادي الاجرام.
الثانية: المجرمون بالصدفة والذين يرجع اجرامهم الى عوامل خارجية.
3- اخذ انصار الاتحاد بالتدابير الوقائية (الاحترازية) عندما تعجز العقوبة عن الوصول الى اغراضها، أي عندما تنعدم او تنقص حرية الارادة، غير انه ينبغي الاخذ بعين الاعتبار الضمانات التي تحيط بالعقوبة ذاتها، فلا توقع بغير نص في القانون وبعد وقوع الجريمة بالفعل وعلى حكم قضائي بات(1).
غير ان انصار الاتحاد قالوا: انه يمكن اتخاد تدابير الوقاية في مواجهة الاشخاص الذين تنبأ حالتهم عن خطورة اجرامية وان لم يرتكبوا الجريمة بعد، كمدمن السكر والمخدرات، والمتشردين، هذا وقد توقف نشاط الاتحاد الدولي لقانون العقوبات اثر نشوب الحرب الكونية الاولى، وفي عام 1924 قد استانف نشاطه تحت اسم"الجمعية الدولية للقانون الجنائي" الذي يمارس الاهداف نفسها، وعلى راسها عقد مؤتمرات دورية ومناقشة ما يستجد من تطورات في علم الجريمة والعقاب، واصدار المجلة الدولية لقانون العقوبات (2).
--------------------------
1) محمود نجيب حسني، علم العقاب، ص 80 وما بعدها، احمد شوقي عمر ابو خطوة ، المرجع السابق، رقم 19، ص 41.
2) احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم19، ص41، العلمي عبد الواحد، المرجع السابق، ص 53.
-------------------------
وهذه المبادئ لاقت تاييدا من قبل عدد من فقهاء القانون الجنائي الذين نجحوا في تاسيس مدارس تسير على هدى مبادئ الاتحاد وعلى راسها : "الجمعية الدولية لقانون العقوبات في باريس"، "المدرسة العملية" التي تاسست في مدريد باسبانيا على يد الفقيه سالدانا(Saldana) (1)، و"المؤسسة الفنية القانونية" التي تاسست في روما بايطاليا على يد مجموعة من الفقهاء على راسهم ما ساري (Massari)، وروكو(Rocco)، وسافاتيري (Savatiri) (2).

- تقييم الاتحاد: كرس الاتحاد جهوده للجمع بين العقوبة والتدابير الوقائية محددا نطاق تطبيق صورتي الجزاء الجنائي في كل منها مما يكفل احترام الحريات الفردية التي ينادي بها الفقهاء في هذا العصر بحيث تكون بناء على نص في القانون وبسبب الجريمة واثر حكم قضائي بات(3).
كما ان الاتحاد وقف ضد تطرف كل من السياستين الجنائية التقليدية والوضعية واخذه باحسن المبادئ والافكار التي نادى بها كل من هاتين السياستين، مما اضفى الكثير على اراء الفقهاء والتشريعات الجنائية المعاصرة، كما يولي الاتحاد التفريد التنفيذي للعقوبة وتصنيف المجرمين الاهمية المناسبة(4).

غير انه عيب على هذه الافكار عدم اتساقها، وانها مجرد حلول عملية يعوزها التسلسل المنطقي مما يؤدي الى عدم ترابطها حتى تصنع مذهبا او مدرسة فقهية، كما ان الاتحاد لم يكترث بمبدا حرية الاختيار الامر الذي يلغي فكرة العدالة كهدف اخلاقي، كما ان انصاره لم يحددوا اغراض العقوبة - الردع العام والخاص- لاسيما التوفيق بين اغراض العقوبة واغراض التدبير الوقائي من جهة اخرى (5).
----------------------
1) محمود نجيب حسني ، علم العقاب، ص80 وما بعدها، احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 19، ص 41.
2) احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 19، ص 41.
3) محمود نجيب حسني، علم العقاب، ص 80 وما بعدها، احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 19، ص 41.
4) احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 19، ص 41، احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم 180، ص 170.
5) محمود نجيب حسني، علم العقاب، ص 81.
----------------------
المبحث الخامس
حركة الدفاع الاجتماعي الحديث
(le mouvement de défense sociale nouvelle)

تمهيد: بعد ان وضعت الحرب الكونية الثانية اوزارها بزغ اتجاه فكري جديد يقوم على سياسة جنائية جديدة قوامها احترام ادمية الانسان باقامة حركة نظرية وعلمية هدفها اقامة العدالة الاجتماعية على اسس انسانية جديدة ويرجع الفضل في ظهور حركة الدفاع الاجتماعي الى الفقيه الايطالي (Gramatic filipo) الرائد الاول والمؤسس لهذه الحركة، حيث انشا مركزا لدراسات (( الدفاع الاجتماعي )) في ((جنوا)) بايطاليا واصدر مجلة تتحدث باسم هذه الحركة وتنشر اراءها تحت اسم ((مجلة الدفاع الاجتماعي)) ممهدا بذلك لاول مؤتمر للدفاع الاجتماعي في (( سان ريمو)) بايطاليا عام 1947 حيث كانت اول ولادة طبيعية لهذه الحركة تحت اسم ((حركة الدفاع الاجتماعي)) (1)، ومنذ ذلك الوقت ذاعت وانتشرت مبادئ هذه الحركة، حيث كان صداها يتمثل في اخذ مجموعة لا بأس بها من التشريعات (2) العقابية في القرن العشرين بتلك المبادئ.

ثم عقدت الحركة عدة مؤتمرات علمية، وعقد المؤتمر الثاني في " لييج" عام 1949 حيث اسست الجمعية الدولية للدفاع الاجتماعي برئاسة ((جراما تيكا))، وبعدها مؤتمر (( انفرست)) عام 1954، و((ميلانو)) عام 1956 حتى كان اخرها المؤتمر الدولي السابع للدفاع الاجتماعي بمدينة (( ليتنتي)) في ايطاليا عام 1966، اما على المستوى الدولي فقد انشات الامم المتحدة عام 1948 (( قسما للدفاع الاجتماعي)) يكون تابعا (( للمجلس الاقتصادي والاجتماعي)).
--------------------------
1) محمود نجيب حسني ، علم العقاب، ص 84، العلمي عبد الواحد، المرجع السابق، ص 54.
2) نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، قانون الوقاية من الجريمة الانجليزية عام1908، وقانون العقوبات الاسباني عام 1928، وقانون العقوبات النرويجي عام 1902، وقانون العقوبات السوفيتي "سابقا" عام 1919، 1926، وقانون العقوبات الكوبي عام 1936، وقانون العقوبات السويسري عام 1936، وقانون العقوبات البرازيلي عام 1940، وقانون العقوبات الايطالي عام 1930، والقانون البلجيكي للدفاع الاجتماعي عام 1930، اورده عبود السراج، المرجع السابق، رقم 39، هامش 2، ص 36.
-----------------------
اما على الصعيد العربي فقد انشئت (( المنظمة الدولية العربية للدفاع الاجتماعي)) بمقتضى الاتفاقية التي اقرها مجلس جامعة الدول العربية عام 1960، حيث عقدت حلقات عديدة في ((القاهرة )) كان اولها عام 1966، وحضرها ((جراماتيكا)) نفسه(1).
ومن الجدير بالملاحظة في هذا المقام ان مصطلح الدفاع الاجتماعي موغل في القدم حيث كان في الفلسفة الاغريقية عند ارسو، كما ان ابرز الكتاب والمفكرين قد نادوا به لحماية المجتمع من الجريمة وعلى راسهم: مونتسيكو وفولتير وبيكاريا وهوارد وبنثام.

الا انه في كل مرحلة من مراحل تطور الفكر الجنائي ياخذ مفهوما مختلفا، فكان عند المدرسة التقليدية بزعامة(( بيكاريا)) ان الدفاع عن المجتمع ووقايته من الجريمة يحقق الردع العام، وفي المدرسة الوضعية يتم الدفاع عن المجتمع ليس من شبح الجريمة وانما من المجرم ذاته، تختلف معاملة كل مجرم على حده مركزة على شكل اخر من اشكال الدفاع الاجتماعي قوامه احلال التدابير الوقائية محل العقوبة.
وللوقوف عن كثب لفهم هذه الحركة الجديدة يجدر بنا ان نبين المبادئ الاساسية التي نادت بها الحركة، عن طريق ابراز اتجاهين، احدهما متطرف نادى به (( جراماتيكا)) وثانيهما معتدل، نادى به ((مارك انسل)) (2).

الفقرة الاولى : المبادئ التي نادى بها جراماتيكا
1- الجماعة في خدمة الفرد: فالفرد هوالاساس، والمجتمع والدولة يؤلفان نظاما متماسكا لخدمته، ولحل المشاكل التي تحيط بالفرد على مختلف الاصعدة، فلا بد من طبيعة الفرد وكذلك طبيعة العلاقات بينه وبين المجتمع وكذلك الدولة - النظام
-----------------------
1) عبود السراج، المرجع السابق، رقم39، ص37، احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 22، ص 44.
2) مستشار فرنسي يرجع له الفضل في ارساء وتاصيل حركة الدفاع الاجتماعي الجديد، نشر كتابه حول"الدفاع الاجتماعي الحديث" عام 1945، فقد نال هذا الكتاب شهرة كبيرة محاولا فيه التوفيق بين الاعتبارات الانسانية من جهة والاعتبارات القانونية من جهة اخرى، وقد لاقت هذه الحركة قبولا واسعا من قبل جانب كبير من الفقهاء في فرنسا وفقهاء من بلدان العامل.
----------------------
السياسي - فالانسان يتطلع الى اشباع حاجاته ورغباته التي كثيرا ما تصطدم بالقيود والضوابط التي يفرضها المجتمع عليه، وهو في الوقت ذاته في حاجة ماسة الى المجتمع باعتبار الانسان مدنيا بالطبع، وعلى ذلك تعمل الدولة على تحقيق التوازن بين رغبات الفرد وبين القيود المفروضة من قبل المجتمع، واضعة نفسها في خدمة الفرد، وفي الوقت نفسه يجب الا تتعسف في تقييد حريات الافراد ليتكيف اولئك الافراد داخل المجتمع، الامر الذي يؤدي الى تاهيلهم واصلاحهم للدخول في معترك الحياة الاجتماعية لتحقيق صالح الفرد الذي هو جزء من المجتمع (1).

2- قدرة الفرد على الانحراف الاجتماعي : يركز ((جراماتيكا)) على الجوانب الشخصية للفرد، وان اهليته لمناهضة المجتمع تتكون من مجموعة الظروف البيولوجية والنفسية التي تجعل الفرد من الناحية القانونية بافعاله مناهضا للمجتمع الذي يعيش فيه، وبذلك نادى بربط المسؤولية الجنائية بحالة مرتكب الجريمة النفسية والصحية والاجتماعية، أي مدى قدرته على الفهم والادراك للوصول الى تحديد مدى قدرته على الانحراف الاجتماعي وعدائه للمجتمع، وبالتالي يكون من حق الفرد ان تتكيف حياته النفسية داخل مجتمعه، ومن واجب المجتمع توفير تلك البيئة حتى تتوافق حياته النفسية مع حياته الاجتماعية(2).

3- التدابير الاجتماعية : يركز(( جراماتيكا)) على تدابير الدفاع الاجتماعي مؤسسا اياها على عامل الانحراف الاجتماعي، فهو يدعو الى الغاء القانون الجنائي بكل ما فيه من افكار تقليدية- العقوبات بانواعها والتدابير الوقائية ايضا- واستبدالها بنظام جديد وهو قانون الدفاع الاجتماعي الذي يهدف الى اعادة تاهيل الفرد اجتماعيا أي تكييفه حتى ينصهر في الحياة الاجتماعية التي تواضع الناس عليها، فهو على هذا النحو قد استبدل مفاهيم جديدة تلغي كل ما هو معهود منها، فالجريمة هي الانحراف الاجتماعي، والمجرم هو المناهض للمجتمع، واستبدل فكرة التكيف الاجتماعي بدلا من فكرة المسؤولية الجنائية.
--------------------------------
1) محمد خلف، المرجع السابق، ص 156، عبود السراج، المرجع السابق، رقم 41، ص 38.
2) محمد خلف، المرجع السابق، ص 157، احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 22، ص 45، العلمي عبد الواحد، المرجع السابق، ص57.
------------------------------
وبذلك فان الدفاع الاجتماعي يمثل فرعا اخر من فروع القانون مبنيا على نظام وقواعد معينة، وتطبيقه يتسع عن مجال القانون الجنائي التقليدي، لانه يستهدف تقويم الجاني عن طريق اصلاحه وتاهيله اجتماعيا(1).

4- الانحراف الاجتماعي : استبدل ((جراماتيكا)) فكرة المسؤولية الشخصية التي نادت بها المدرسة التقليدية، والخطورة الاجرامية والخطورة الاجتماعية التي اخذت بها المدرسة الوضعية، بفكرة اخرى هي الانحراف الاجتماعي او مناهضة المجتمع، وتتمثل في الوصف الذي يطلق على سلوك الافراد عندما يخالف قاعدة قانونية امرة او ناهية (2).

- تقييم هذه الحركة : يرجع الى الفضل في الاهتمام بفحص شخصية المجرم، لكي تتم معرفة العوامل المؤدية الى انحرافه الاجتماعي ويتسنى اصلاحه بتقرير تدابير الدفاع الاجتماعي التي تلائمه وكذلك تنفيذها باجراءات مناسبة له، كما ابرز الدور الاصلاحي لتدابير الدفاع الاجتماعي وتحديدها على مبادئ علمية ضمن الظاهرة الاجرامية (3).
الا انه قد عيب عليه تطرفه واهداره لمبدا القانونية بالغائه فكرة الجريمة والعقوبة، بل نادى بالغاء القانون العقابي والقضاء الجنائي برمته وافساح المجال امام مبدا الدفاع الاجتماعي لكي يسود بدلا من ذلك، الامر الذي يلغي ضمانات الحماية القضائية التي حصل عليها الانسان عبر نضاله الطويل كحماية الحريات الفردية التي يصبو اليها كل فرد، كما اخذ عليه ايضا اخذه بافكار شمولية غير محددة يكتنفها الغموض كما يصعب فهمها مثل فكرة اعادة التكييف الاجتماعي، والانحراف الاجتماعي، والفرد المناهض للمجتمع، بدلا من الافكار الواضحة والمتعارف عليها مثل الجريمة والمجرم والعقوبة، والمسؤولية الجنائية (4).
---------------------------
1) محمد خلف، المرجع السابق، ص 157، احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 22، ص 44، وما بعدها.
2) عبود السراج، المرجع السابق، رقم 41، محمد خلف، المرجع السابق، ص 157.
3) محمد خلف، المرجع السابق، ص 158.
4) عبود السراج، المرجع السابق، رقم 41، ص 39، احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 22، ص46.
--------------------------

الفقرة الثانية : مارك آنسل
" مارك انسل" يمثل الجناح المعتدل لحركة الدفاع الاجتماعي، ونلخص فيما ياتي الاسس التي يقوم عليها مذهبه في هذه الحركة:
1- ينبع مذهب"مارك انسل" و"جراماتيكا" من منطلق فلسفي واحد قوامه اعتبار الفرد (المجرم) محور النظرية السياسية للدفاع الاجتماعي التي تسعى الى دراسة شخصية المجرم بكافة جوانبها، البيولوجية والاجتماعية والنفسية لكي تصل الى الظروف التي دفعت به الى هذه الجريمة حتى يمكن تحديد انسب الطرق لمعاملته وتاهيله اجتماعيا(1).

اضافة الى ذلك يمكن الوصول لفهم اعمق وأدق لشخصية المجرم باعداد ملف خاص يضم جميع الدراسات والبحوث والفحوصات التي اجريت له بتعاون من عدة خبراء واختصاصيين ليستطيع القاضي اختيار نوع المعاملة العقابية التي يخضع لها.

2- لم تطالب حركة الدفاع الاجتماعي بالغاء قانون العقوبات بفروعه المختلفة، بل يجب ان يخدم هذا القانون المجتمع ويحمي في الوقت ذاته الفرد من الانزلاق في مهاوي الاجرام بالوقوف ضد الجريمة بوسائل علمية لتكييف الفرد داخل المجتمع ادبيا واجتماعيا بالاستعانة بالعلوم الانسانية من طب بانواعه وعلم نفس وعلم اجتماع وعلم عقاب، كما يعترف "مارك انسل" بمبدا شرعية الجرائم والعقوبات وما ينجم عن ذلك من خطر انتهاك الحريات الفردية، ولا يقر عقوبة الاعدام لمنافاتها للقيم الانسانية (2)، وكذلك التدابير الوقائية التي تسبق ارتكاب الجريمة(3).

3- تلتقي هذه الحركة بالفقه الوضعي التقليدي من حيث ان المسؤولية الجنائية يجب ان تؤسس على الخطا القائم على حرية الارادة، غير انها لا تقر بان هذه
----------------------
1) عبود السراج، المرجع السابق، رقم42، ص 40، احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 23، ص 47.
2) على حد زعمه.
3) احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 23، ص47.
----------------------
المسؤولية تعد اساسا لقيام النظام الجنائي، وانما هي الغاية او الهدف من ذلك النظام، وبالتالي فان معاملة المحكوم عليه يجب ان تحقق نظام الوقاية من الجريمة وعلاج المدمنين بوضع اجراءات منظمة، تستهدف تنشئة الجانح تنشئة اجتماعية تحول بينه وبين الجريمة مستقلا باحساسه بقيمه وكرامته الانسانية والاجتماعية(1).

- تقييم حركة الدفاع الاجتماعي الحديث: تميزت هذه الحركة بنزعتها الاخلاقية العالمية التي تهدف الى خلق انسان جديد عن طريق تنشئته وتاهيله اجتماعيا بالاستخدام الامثل للوسائل العلمية الحديثة في معالجة الجانحين واحترام حقوقهم الاساسية، للوصول الى مجتمعات تنكمش فيه الجريمة الى ادنى مستوى، وتعتبر حركة تقدمية لارتباطها الوثيق بعلم الاجرام ومحاولتها خلق تضامن وثيق بين المسؤولية الخلقية والمسؤولية الجنائية، مما جعل رجالات القانون يلتفون حولها وتبني العديد من التشريعات بعض مبادئها(2).

غير انها لم تسلم من العيوب حيث يؤخذ عليها:
1- انها نادت بافكار تفتقر للاساس المنطقي حيث يصعب جمعها في نظرية واحدة لتجعل منها مدرسة قائمة بذاتها.
2- خلطها بين العقوبة والتدابير الوقائية (الاحترازية) وعدم فصلها عن بعضها على الرغم من اختلاف غرض كل منها، ويلاحظ ان ازدواجية الجزاء الجنائي اصبحت ضرورة لا غنى عنها في الوقت الراهن.
3- انه اهملت لما للعقوبة من جزاء اخلاقي ووظيفتها في تحقيق مقتضيات الردع العام.
4- كما ان حركة الدفاع الاجتماعي الحديث في دعوتها الى تقويم المجرم وتاهيله اجتماعيا قبل ان يسبق ذلك انذار له على ما اقترف من ذنب، فذلك تناقض يسلب الجريمة من مضمونها الاخلاقي مما يسبب اختلالا بالقيم الاجتماعية التي تسود
-----------------------
1) محمد خلف، المرجع السابق، ص 160، احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 23، ص 47، العلمي عبد الواحد، المرجع السابق، ص 58.
2) عبود السراج، المرجع السابق، رقم43، ص42، محمد خلف، المرجع السابق، ص 161.
----------------------
في المجتمع ويجرد الاحساس الاجتماعي من المسؤولية الذي يعتبره اغلب علماء الاجتماع حقيقة اجتماعية يجب اخذها بعين الاعتبار في دراسة كل ظاهرة اجتماعية (1).

المبحث السادس
الفكر التقليدي الجديد المعاصر
( Néo classicisme contemeporain)

تمهيد : ظهر في العصر الحديث - أي في النصف الاخير من القرن العشرين - اتجاه فكري معاصر يهدف الى التوفيق بين السياسة التقليدية وسياسة الدفاع الاجتماعي، وهو الذي يتربع على قمة الهرم في الوقت الحاضر ويسمى بالاتجاه الجديد المعاصر .
يرى هذا الاتجاه ان الفكر التقليدي جيد في ذاته الا انه يحتاج الى اعادة صياغة وتاصيل جديدين وفقا لذاتيه التي تملك العديد من الافكار والاراء الصائبة في البعض منها.

وينادي بهذا الاتجاه عدد من فقهاء القانون الجنائي المعاصر الذين لعبوا دورا كبيرا في هذا العصر وعلى راسهم سالي (Sally)، وليفاسور (Levasseur)، وريتشارد (Richard) وميرل (Merle)، ولارجييه (Larguier)، وليوتيه (Léaute)، وفرانشيمون (Franchimont)، وايدالوا (Aydalot) (2).

الاسس التي يقوم عليها هذا الاتجاه :
1- تمسك انصار هذا الاتجاه بالابقاء على فكرة الجزاء الجنائي، بحيث يحتفظ بصفته التقليدية كمقابل للجريمة، وعلى ذلك فهم ينادون باهمية ابقاء المسؤولية الجنائية كاساس للمحاكمة القضائية .
-----------------------
1) لمزيد من الاطلاع على عيوب هذه الحركة، راجع في هذا المعنى، احمد شوقي عمر ابو خطوة المرجع السابق، رقم 23، ص 49، عبود السراج، المرجع السابق، رقم 43، ص 42 وما بعدها، احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم 186، ص 176 وما بعدها .
2) احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 24، ص 49 وما بعدها..
-----------------------
بمعنى ان تبقى العقوبة كمقابل عادل للجريمة، لان الضرورة الاجتماعية تتطلب الابقاء على تلك الخصائص من اجل تنمية الشعور الفردي واحساسه بالمسؤولية، الامر الذي جعل الابحاث الحديثة سواء في طب الامراض العقلية ام النفسية تؤكد ايضا على ضرورته، كما ان الاحساس الشعبي الذي يكون داخل كل فرد يؤكد ايضا على ضرورة مساءلة المجرم عما ارتكبه من ذنب لينال جزاءه العادل، وهذه المعاني وغيرها ستهدر في حالة ما اذا غلب على الجزاء صفة التهذيب او الاصلاح والتاهيل دون العقوبة (1).

وهذه العقوبة التي تكون مترتبة على ارتكاب الفعل الذي يعد جريمة بمعنى ان المسؤولية الجنائية لا ترتبط بالضرورة بالمسؤولية الاخلاقية، ولا بين هذه الاخيرة وحرية الاختيار(2)، ومن ناحية اخرى فانه لا يمكن انكار الدور الذي تمارسه فكرة الجبرية او الحتمية على حرية الاختيار عند الانسان، فالمسؤولية الجنائية ينبغي ان تبقى بحيث لا تخضع لتاثير الماضي فقط وانما حتى المستقبل، فالجريمة يتم تقديرها في لحظة وقوعها وما يترتب على ذلك من جزاء جنائي معاقب عليه في ذلك الوقت فيتم تقديرها على هذا النحو، فاختيار العقاب يتطلب ان تتوافر فيه اعتبارات واقعية لا تستند الى حرية الاختيار ودرجة المسؤولية فقط، وانما بالنظر الى مدى قدرة الجاني على تحمل العقوبة التي يتم توقيعها عليه وبالتالي الاستفادة منها في المستقبل، فاذا كانت المسؤولية عن الخطا - حسب راي الفكر التقليدي- هي مناط العقاب فان قدرة الجاني على تحمل العقوبة هي التي يجب ان تكون مجالا للبحث عن معيار العقاب الذي يتم تطبيقه عليه(3).

2- تترتب نتائج جد مهمة على الراي السابق الذي يبقى على العقوبة صفتها كجزاء يقابل الجريمة ومن اهمها:
-----------------
1) احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم 188، ص 178.
2) انصار هذا الاتجاه لا ينكرون فكرة الجبرية (الحتمية) وذلك خلافا للفقه التقليدي المتمثل في المدرسة الوضعية.
3) احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم24، ص 50 احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم188، ص 178.
----------------
انه بسبب الجريمة تقرر الادانة التي ينبغي ان يتم دورها في هذا الاطار ولا يمتد الى مرحلة اختيار تنفيذ العقاب الذي يجب ان تحيطه عوامل تتعلق بشخص المحكوم عليه، وللوصول الى ذلك فانه يتعين جمع بيانات كاملة عن شخصية الجاني - عضوية، نفسية، اجتماعية- يكون بمثابة ملف كامل توضع تحت تصرف القاضي قبل النطق بالعقوبة حتى يراعي ظروف تلك الشخصية الماثلة امامه لكي يوقع عليها العقوبة المناسبة، وهناك راي يقول : بارجاء ذلك الفحص لشخصية المحكوم عليه اثناء مرحلة التنفيذ الاداري باعتبار ان خصائص هذه الشخصية لا يمكن التعرف اليها بدقة الا في هذه المرحلة، اضافة الى شغل القاضي عن مهامه القانونية.

كما رفض انصار هذا الاتجاه مفهوم العقوبة باعتبارها مقابل عادل للجريمة كما نادت به المدرسة التقليدية الجديدة، وسبب ذلك يعود الى ان العقوبة عندما ترتبط بالمسؤولية الاخلاقية فذلك امر يؤدي بلا شك الى كثرة اصدار احكام قصيرة المدة، وتلك لا تؤدي الى معاملة عقابية جدية، كما ان رفض العقوبة كمقابل للجريمة - وعدم اطلاقه على عواهنه - يجنب مشاكل عديدة تنتج عن ذلك الارتباط بين العقوبة والمسؤولية بسبب الظروف المخففة والمشددة التي يستخدمها القضاة في الاحكام قصيرة المدة.

وبذلك فليس هناك ما يدعو الى ربط حتمي بين درجة المسؤولية الاخلاقية ومدة العقوبة، بحيث اذا تم اخضاع المحكوم عليه لمعاملة عقابية معينة فانه يفترض استمرارها حتى ينتهي الهدف منها، وبالتالي فانه لا خوف من اصدار عقوبات طويلة المدة في الحدود القانونية، ولكن يتم العفو عن المحكوم عليه، او الافراج عنه تحت شرط عندما يتم تاهيله فعلا(1).

وعليه فان انصار هذا الاتجاه نجحوا في الابقاء على العقوبة كمقابل للجزاء الجنائي دون قياسها بطريقة مجردة على مدى حرية الاختيار، وفي الوقت نفسه الابقاء على دورها في الاصلاح والتقويم عند تنفيذها على المحكوم عليه(2).
------------------
1) احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم 189، ص 179.
2) احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 24، ص 50.
-----------------
3- من الاهداف المهمة التي يسعى الى تحقيقها الاتجاه الجديد المعاصر، الاخذ بما في قانون العقوبات من مزايا مفيدة لا يستطيع احد انكارها، وما يتمخض عنه من نتائج الدراسات العلمية الفقهية في مجال القانون وعلم الاجرام والعقاب حتى تتم الاستفادة المرجوة منها داخل الاطر التي تتركب منها المعاملة العقابية على المحكوم عليه التي تضفي عليه استفادة من جراء قضاءه لتلك المدة بما يقضي لتاهيله واصلاحه لكي يشق طريقه في المجتمع الى المستقبل بنجاح (1).

4- من الدعامات الاساسية لما نادى به هذا الاتجاه ضرورة توفير شروط واجراءات تهدف الى احترام الحريات الفردية التي ينشدها كل فرد في المجتمع ضد شطط السلطة العامة، وعدم الافراط في خلع هالة من تقديس العمل الفني والعلمي على قانون العقوبات يؤدي الى اعطاء تلك السلطة حقوقا جائرة تشكل خطرا حقيقيا على تلك الحريات بجعل رقابة مشددة على حرية كثير من الافراد بحجة خطورتها وضرورة مواجهتها بتلك الاجراءات لقمع الجريمة، كما ان تاهيل المحكوم عليه يستوجب تدخلا اوسع واشمل لاقحامه في الحياة الاجتماعية وتكييفه فيها، ليس من خلال التاثير على سلوكه فقط وانما من خلال ما يفهمه للعلاقات الاجتماعية ودفعه الى الامام حتى يتقبل تلك القيم والاتجاهات التي تسود في الجماعة التي يكون هو احد اعضائها(2).

- تقييم الفكر التقليدي الجديد المعاصر:
1- ينادي انصار الفكر التقليدي الجديد المعاصر بضرورة تفريد العقوبة اثناء تنفيذها حسب شخصية المحكوم عليه، متاثرين في ذلك بافكار الفقيه الفرنسي "سالي" عندما نشر كتابة" تفريد العقوبة" عام 1898، وهو ما نادت به ايضا حركة الدفاع الاجتماعي.
2- يتمسك انصار هذا الاتجاه بان فكرة الجزاء الجنائي (العقوبة) تعتبر تكفيرا عن الذنب، وهو ما نادت به المدرسة التقليدية.
------------------
1) احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم191، ص 180.
2) احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم191، ص 180.
------------------
غير انه يؤخذ عليه عدم اخذه بالتدابير المانعة من الجريمة قبل وقوعها التي تواجه بها الخطوة الاجرامية .
كما اعتبر التدبير التنفيذي عوضا عن التدابير الوقائية (الاحترازية)، فالقاضي وظيفته النطق بالعقوبة ولا ينشغل باختيار المعاملة العقابية الملائمة للمحكوم عليه، وانما سلطة التنفيذ هي المنوط بها ذلك في اختيار الاسلوب العقابي الذي يلائم شخصية المحكوم عليه وذلك باشراف قاضي التنفيذ وتحت مسؤوليته(1).
-----------------
1) راجع احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 24، ص 50 وما بعدها.
-----------------
* مجلة المحاكم المغربية، عدد 89، ص 90.