المسؤوليـــة العقديــــة

بقلم الأستاذ افرانسيسي
ترجمها بتصرف : الأستاذ محمد ميكو

المسؤولية التزام ناشئ عن تصرفات وهي اما تقصيرية او عقدية، فالمسؤولية التقصيرية التزام شخص ارتكب عملا تسبب في ضرر للغير بتعويض ما نتج عن ذلك العمل من اضرار، والمسؤولية العقدية هي بالنسبة للمدين الالتزام الناشئ عن العقدة لتعويض الضرر اللاحق بالدائن بسبب عدم تنفيذ الالتزام عندما يتضح ان عدم التنفيذ تسبب فيه المدين، فقيام المسؤولية العقدية يفترض ان هناك عقدا صحيحا واجب التنفيذ لم يقم المدين بتنفيذه وعند امكان اجبار المدين على تنفيذ التزامه تنفيذا عينيا فالمسؤولية غير قائمة، اما اذا لم يكن التنفيذ العيني او امكن ولكن الدائن طلب التعويض ولم يبد المدين استعداده للتنفيذ العيني ففي هذه الحالة يحكم بالتعويض عند توفر شروط العقد جزاء عدم تنفيذ الالتزام، ومن الطبيعي ان من الواجب على القاضي ان يبحث هل المدين مسؤول حقا على عدم تنفيذ التزامه العقدي ام لا. واذا فالمسؤولية العقدية تقوم على الاخلال بالتزام عقدي يختلف باختلاف ما اشتمل عليه العقد من الالتزامات، والمسؤولية التقصيرية تقوم على الاخلال بالتزام قانوني واحد لا يتغير هو الالتزام بعدم الاضرار بالغير فالدائن والمدين في المسؤولية العقدية كانا مرتبطين بعقد قبل تحقق المسؤولية، اما في المسؤولية التقصيرية فقد كان المدين اجنبيا عن الدائن قبل توفر شروطها :
1- الصفات المشتركة بين المسؤوليتين
2- الصفات المميزة للمسؤولية العقدية
3- العلاقة بين المسؤوليتين
( الجمع - الاختيار) - ( لا).
4- تطبيق المسؤولية العقدية
أ‌- مسؤولية نقل المسافرين
ب‌- المسؤولية الطبية
ج‌- مظاهر اخرى من المسؤولية العقدية

1- الصفات المشتركة بين المسؤوليتين :
تنحصر الصفات المشتركة بين المسؤوليتين في النقط التالية :
1) فعل منسوب للشخص ( المسؤولية التقصيرية) او للمدين ( المسؤولية العقدية)
2) ضررا نصب على الضحية او الدائن
3) علاقة سببية بين الفعل والضرر
ووجود الخطا فيهما ضروري غير انها قاعدة غير مطردة اذ يمكن وجود مسؤولية بدون خطا او قرينة مسؤولية ( المسؤولية الموضوعية).

2- المسؤولية المميزة للمسؤولية العقدية :
أ‌- الاختصاص
تطبق على المسؤولية العقدية القواعد العادية للاختصاص نوعا ومكانا وشرطا يختار الاطراف بمقتضاه الجهة المختصة.

لا توجد في قضايا المسؤولية العقدية اختصاصات تتغير بتغير النوع كما هو منصوص عليه في الفصل 24 من ظهير قانون المسطرة المدنية الفقرة الرابعة عشر منه ( ظهير 27 يناير1934) " في مادة التعويض عن الضرر الناتج عن جنحة او مخالفة او شبه مخالفة او شبه جنحة امام محكمة المكان الذي وقع فيه الفعل المسبب للضرر او امام محكمة موطن المدعى عليه".

ب‌- الانذار
اذا كان الانذار في المسؤولية التقصيرية غير ضروري للحصول عن تعويض الاضرار الناجمة عن الفعل فيظهر انه غير لازم في المسؤولية العقدية اذ يجب ان يبلغ للمدين بداية العمل الناتج عن العقدة، وهكذا ففي عقدة الاجارة مثلا يجب على المكتري ان يخبر المكري بالاشغال الضرورية لضمان الانتفاع العادي والواقع للعين المكتراة.

ج‌- عبء الاثبات
التزام الغاية والتزام الوسيلة:
الالتزام الذي قصد منه غايته يسمى بالالتزام بالنتيجة والالتزام الذي قصد منه العناية بالشيء من دون ضمان للنتيجة يسمى بالالتزام بالوسيلة، فالعقود التي تتعلق بالالتزام بالغاية يفترض فيها ان المدين مسؤول ويتضح ذلك من عقدة نقل المسافرين اذ هي عقدة نموذجية تقتضي الالتزام بالنتيجة فالناقل مسؤول ما دام لم يصل المسافر سالما الى المكان المحدد في عقدة النقل واذا فالالتزام هو الوسيلة التي يرجوها الدائن اعني المسافر وعدم الحصول على النتيجة لا يعفى المدين من التزامه الا اذا اثبت ان هناك ظرفا خارجا عن ارادته نتج عن القوة القاهرة او عن خطا الضحية او تصرف الغير عند الاقتضاء.

وفي العقود التي لا تضمن الا التزاما بالوسيلة وهي عقود عددها كثير من بينها العقدة الطبية فمحل الالتزام ليس هو النتيجة الحسنة بل العمل بمعرفة ودارية وعناية وجدية كدور رب عائلة صالح اذ الموضوع في العقدة الطبية ينحصر بالخصوص في اعطاء المريض علاجا يعتقده الطبيب صالحا ومطابقا للمعطيات العلمية، فالمدين غير مسؤول اذا الا اذا اثبت الدائن ان الالتزام ينفذ على الطريقة المثلى واذن يقع عبء الاثبات على المريض واذن فالالتزام بالغاية يجعل العبء على المدين اذ مفروض فيه دائما انه مسؤول والالتزام بالوسيلة يجعل العبء على الدائن اذ المفروض ان المدين غير مسؤول الا عن ثبوت الاهمال او التقصير.

د‌- انقضاء الدعوى - ( التقادم)
تتقادم الدعوى في المسؤولية التقصيرية بمرور خمسة اعوام ( الفصل 106 من قانون العقود والالتزامات) اما في المسؤولية العقدية فتتقادم مبدئيا بمرور خمسة عشر عاما الا في بعض القضايا التي نص القانون على مدة اقصر:

ففي قضايا عقدة النقل الجوي ينص الفصل 220 من المرسوم المنظم للطيـــران المدنـــــي والمــــؤرخ فــــي 7 صفر 1382 موافق 10 يوليوز1962، على ان الاجل سنتان تبتدئ من اليوم الذي وصلت فيه الطائرة او الذي كان يجب ان تصل فيه الى المكان المحدد لها.
وفي النقل البحري فالدعاوي الناتجة عن عقدة كراء السفينة تنقضي بمرور سنة واحدة ( انظر الفصل 263 من القانون البحري).

هـ - تقدير الضرر
نقدر التعويضات طبقا للفصلين 263 و264 من قانون العقود والالتزامات " اما بسبب عدم الوفاء بالالتزام واما بسبب التاخر في الوفاء به وذلك ولو لم يكن هناك أي سوء نية من جانب المدين " والضرر هو ما لحق الدائن من خسارة حقيقية وما فاته من كسب متى كانا ناتجين مباشرة عن عدم الوفاء بالالتزام وطبيعي ان تقدير الظروف الخاصة بكل قضية موكول للسلطة التقديرية للمحكمة التي يجب عليها ان تقدر التعويض بكيفية تختلف حسب خطا المدين او تدليسه على انه يمكن في بعض الاحيان ان توجد امام تقدير شرعي وذلك كما في قضايا تاجير السفينة وفي قضايا النقل الجوي الدولي " اتفاقية فرسوفيا". وكثيرا ما يتفق الاطراف المتعاقدون على شروط خاصة تسمى بالشروط الجناية وضمنها تحدد التعويضات بكيفية دقيقة فهذه الشروط المشروعة تستمد صحتها من مبدا حرية التعاقد.

و‌- شروط اعفاء المسؤولية او تخفيفها :
ان شروط الاعفاء من المسؤولية او تخفيفها في المادة التقصيرية غير معتبرة ذلك ان الفصل 77 وما بعده يتعلق بالنظام العام والاتفاقيات الثنائية والشخصية تحول دون تطبيقه اما في المسؤولية العقدية فشروط انعدام المسؤولية مقبولة مبدئيا لاننا سنرى مثلا انها شروط غير شرعية في قضايا نقل المسافرين وان الاجتهاد القضائي يحتفظ دائما بحق التصريح بان شروط الاعفاء غير مشروعة في حالة ما اذا ارتكب المدين غشا او تدليسا او خطا ثقيلا.

3- العلاقة بين المسؤوليتين
استقر الاجتهاد على ان الجمع او على الاصح اختيار المسؤوليتين العقدية والتقصيرية ممنوع، فالدائن (الضحية) عند عدم تنفيذ التزام عقدي لا يجوز له الاغفال عن مبادئ وقواعد المسؤولية العقدية مثيرا ومتمسكا محلها بقواعد المسؤولية الناتجة عن الفصل 88 من قانون العقود والالتزامات اذ هذا الفصل لا يطبق مبدئيا في قضايا المسؤولية العقدية.

4- تطبيق المسؤولية العقدية
كثيرا ما تطبق المسؤولية العقدية عند عدم تنفيذ التزام ومن الضروري القاء نظرة خاطفة على بعض الامثلة حتى يتضح المشكل بصورة قوية.

أ‌- مسؤولية نقل المسافرين
ب‌- المسؤولية الطبية
ج‌- مظاهر اخرى من المسؤولية العقدية

1- مسؤولية نقل المسافرين:
استقر الاجتهاد القضائي قبل تغيير الفصل 106 من القانون التجاري على ان مسؤولية نقل المسافرين تقصيرية معتمدا على مقتضيات الفصل 106 قبل تغييره فقد كان قبل التغيير ينص على ما ياتي :
" ان سائق العربة غير مسؤول عن الحوادث التي تقع للمسافرين اذا لم يثبت ان الحادثة وقعت من جراء تصرفاته وهو مسؤول حتى عن الحالة الغير المنتظرة او حالة القوة القاهرة اذا سبق ذلك خطا ينسب اليه" وفـي سنة 1937 ومنذ ذلك الوقت فلم يعد هناك جدال في انها مسؤولية عقدية والنص الجديد - ( معدل بظهيـر 9 يوليوز37)

" المكري مسؤول عن الحوادث التي تقع للمسافرين اثناء النقل ولا يمكن اعفاؤه من هذه المسؤولية الا باثبات حدوث قوة قاهرة او خطا من طرف المتضرر" فالمسافر اذن له علاقة عقدية مع السائق وهذا الاخير ملتزم بالتزام الغاية اعني ان يسوقه سالما من نقطة الانطلاق الى نقطة الانتهاء واذن فقرينة المسؤولية تقع على عاتق سائق العربة ولا يعفى منها الا اذا اثبت ظرفا خارجا عن ارادته غير منتظر ويستحيل التغلب عليه - مثال ذلك " شخص صعد الى القطار من غير الباب العادي او صعد او نزل منه والقطار ما زال يطوي الطريق طيا او لم يقف بعد بصفة نهائية" وتطبيق المسؤولية العقدية يستبعد المسؤولية التقصيرية وخصوصا قرينة المسؤولية الناتجة عن فعل الاشياء ( الفصل 88 من قانون العقود والالتزامات). وتجدر الاشارة الى ان هذه القواعد لا يعمل بها الا اذا كان النقل مقابل اجرة اما النقل المجاني او الذي فيه فائدة للناقل ولم تؤد عنه اية اجرة فالمسؤولية التقصيرية هي التي يعمل بها وهكذا لا يجوز للمسافر الذي سمح له بالركوب في عربة او المسافر الذي دخل محطة القطار بدون تذكرة ان يتمسك بعقدة النقل غير ان الالتزام بالسلامة ينشأ بمجرد ما يدخل المسافر الى محطة القطار فاذا سقط في الدرج فصاحب العربة هو المسؤول وكذلك اذا تمسك بباب الحافلة قاصدا الصعود اليها ولم يمنعه المكلف من ذلك - وقد صدر قرار في هذا الشان من طرف محكمة لاسين صورته كما ياتي :
" اراد شخص ان ياخذ سيارة اجرة فقصد محطة وقوف السيارات وفتح الباب لاخذ مقعده في احدها غير ان السائق انطلق قبل ان يدخل الشخص الى السيارة فسقط الزبون وجرح" هل هي مسؤولية تقصيرية فالسائل ارتكب خطا لكونه لم يتحقق من دخول المسافر لقد طبقت المحكمة الفصل 1384 الفقرة الاولى اعني الفصل 88 من القانون المغربي - فهل كان هذا الحكم صحيحا من الناحية القانونية ذلك محل مناقشة ؟

انقضاء الدعوى بالمسؤولية
ان التقادم العادي اعني خمسة عشر عاما هو الذي يطبق على عقدة النقل فلا يطبق الفصل 106 من قانون العقود والالتزامات.

شروط الاعفاء من المسؤولية وتخفيفها
ان شروط الاعفاء من مسؤولية الناقل او تخفيفها بالنسبة الى الاضرار الجسيمة غير شرعية فسلامة المسافرين من النظام العام اما بالنسبة للامتعة فالامر يختلف عن ذلك اذ هي شروط تقبل كما هو الشان بصفة عامة في القضايا العقدية.

ممارسة دعوى المسؤولية
ان المسافر هو المعني بالامر وهو الذي له الحق بنفسه او بواسطة ورثته في اقامة الدعوى على الناقل للحصول على التعويض غير ان اقامة الدعوى من الورثة تقتضي التمييز بين ممارسة دعوى ارثية وممارسة دعوى شخصية فممارسة الدعوى الارثية تطبق عليها قواعد المسؤولية العقدية ويقف ضرر الهالك عند موته ويتسنى للناقل ان يقاوم المدعي بنفس الامكانيات المخولة له مع الضحية المباشر - ( ترك الخصومة - الصلح - تحديد المسؤولية في النقل الجوي).

وممارسة دعوى شخصية يميز فيها بدورها بين :
اختيار المدعين التمسك بالمسؤولية العقدية التي كان يتوفر عليها الهالك والقانون يعترف لهم بهذا الحق في نطاق مبدا التعاقد لصالح الغير ( تعاقد المسافر لفائدة ورثته) وهنا يستفيدون من امتيازات الالتزام العقدي ولهم ان يتمسكوا بقرينة المسؤولية ضد المدين ليتخلصوا من تقادم المسؤولية التقصيرية الذي هو اقصر مدة.
اختيارهم المسؤولية التقصيرية تاركين التعاقد لصالح الغير وهنا اعتبرهم الاجتهاد كطرف ثالث واعترف لهم بهذا الحق وهذا الاختيار قد يكون ذا فائدة ( الفصل 88 من قانون العقود والالتزامات) لكن لا يتسنى لهم بمقتضى منع الجمع ان يتمسكوا بالمسؤوليتين في وقت واحد واختيار واحدة يمنعهم من الرجوع الى الاخرى.

2- المسؤولية الطبية :
لقد قرر الاجتهاد بصفة نهائية ان مسؤولية الاطباء في القطاع الخاص هي مسؤولية عقدية تتكون بين الطبيب والزبون والتزام الطبيب هو مبدئيا التزام وسيلة لا غاية فالطبيب لا يعد بشفاء مريض ولا بنجاح عملية فلا يفترض فيه بالتالي بتاتا انه مسؤول لان علاجه لم يفلح وعمليته لم تعط النتيجة المرجوة فهو ملزم حسب الصيغ العامة من القرارات بتحقيق علاج ملؤه العناية مطابق لمقتضيات العلم العصري واذن فلا بد من التصريح بانه مسؤول،

اذا اجرى عملية خطيرة لم تكن توجبها حالة المريض.
اذا ارتكب غلطا فاحشا في التشخيص والفحص.
اذا جهل الطريقة الجارية للعلاج او علاجا جديدا.
اذا ارتكب عملا في اجراء عملية نتيجة عدم تبصره او عدم انتباهه.
اذا لم ياخذ الاحتياطات الضرورية قبل اجراء العملية من تحليلات وفحوص بالراديو الخ … يستلزمها الحرص وعرف المهنة.
فيما يخص الطبيب الذي يشخص الامراض بالاشعة اذا اكثر العمل واطال مدته.
فيما يخص الجراح اذا نسي خرقة او مقصا او ابرة مكسرة في مكان العملية.

ان مجال تطبيق الخطا الطبي وتحديده واسع ويبتدئ من اخف مرض الى اخطر حالات الاجهاض بطريقة طبية والتعقيم وزرع الاعضاء ( زرع القلب) والتلقيح الصناعي وجراحة التجميل الخ …) ومن المعلوم ان للطبيب حرية العلاج والكيفية التي يراهما انجع لكن يجب ان يعطي للمريض معلومات عن حالته وعن الاخطار التي من شانها ان تنتج عن ذلك ويحصل على موافقته او موافقة اقاربه لاجراء كل فحص وعلاج او عملية من شانها ان تتسبب في اخطار تمس بسلامة جسمه او حياته ومن الطبيعي ان يلتجئ القاضي الى الخبرة ليقدر الخطأ الطبي ويتبنى مبدئيا ما جاء في تقارير الخبراء على ان يحتفظ بحريته الكاملة في التقدير وقد سبق ان قلنا ان الاجتهاد يمنع تطبيق قواعد المسؤولية شبه الجنحة بين المتعاقدين ولهذا فلا يمكن تطبيق الفصل 88 من قانون العقود والالتزامات على الحوادث التي تنشأ للمريض من جراء الادوات والالات التي يستعملها الطبيب او الجراح، فالطبيب الذي يشخص الامراض بالاشعة غير مسؤول قانونا عن التهاب جلدي تسبب فيه آلته الا اذا ثبت عليه خطا في وضع او استعمال تلك الالة وبعكس ذلك فان التزام الوسيلة البسيط الذي يلتزم به الطبيب يمكن ان يكتسي في بعض الصور صبغة الالتزام بالغا لان بعض الاعمال الطبية لا تضمن الا النتيجة المنتظرة وهكذا فالتحليل لفصيلة دم مريض لا يجوز ان ينطوي على خطا ولا يمكن ان تكون نتيجة بعض العمليات التي تجري الا نتيجة معينة وحدوث العكس يدل على ان هناك بدون شك تهاونا او لا مبالاة من قبل المحلل او الطبيب فالخطا يظهر عمليا في النتيجة .

هذه هي نظرية الخطا العملي التي تطبق على قضايا العقد.
وقبل ان انهي الحديث عن المسؤولية الطبية اريد ان اتحدث باختصار عن مظهرين من مظاهر تلك المسؤولية اللذين وان لم يكونا نتيجة اجراء تقني فهما يرتبطان بواجبات الطبيب الانسانية.

1) عدم اسعاف مريض في خطر
2) السر المهني للطبيب
يلزم كل طبيب باسعاف شخص في خطر مباشر ومحقق والا ترتب على ذلك متابعته جنائيا ومعاقبته طبق الفصل 431 من القانون الجنائي المغربي ( من امسك عمدا عن تقديم مساعدة لشخص في خطر رغم انه كان يستطيع ان يقدم تلك المساعدة اما بتدخله الشخصي واما بطلب الاغاثة دون تعريض نفسه او غيره لاي خطر يعاقب بالحبس من ثلاثة اشهر الى خمس سنوات وغرامة من مائة وعشرين درهما الى الف درهم او باحدى هاتين العقوبتين).

ان الخطر الذي يشير اليه القانون الجنائي ليس هو خطر الموت فقط بل كل خطر فظيع جسماني على ان يتوفر عنصر العمد ويظهر برفض الاسعاف في حالة حضور شاهد او بعدم تلبية الاستغاثة ويخول للطبيب تعليله الرفض بمانع شرعي تقدر قيمته المحكمة ( مثلا اذا اعتقد الطبيب شرعيا انه عاجز او ان تدخله لا فائدة فيه) وكما هو الشان في سائر القضايا الاخرى فتجوز ممارسة دعوى مدنية على اساس هذه المخالفة.

خرق السر المهني
ينص الفصل 446 من القانون الجنائي المغربي على نتيجة خرق السر المهني فهو التزام مطلق يمتد الى جميع المساعدين والى جميع الادارات التي توضع لديها ملفات طبية يمس بالنظام العام لكن بما ان اساسه هو حماية المريض فلهذا الاخير طلب ايضاحات حول صحته او دلائل تكون فيها فائدة لحقوقه على الغير فطلب المريض تلقائيا من الطبيب الذي عالجه شهادة يريد ان يستعملها لاغراض شخصية حق من حقوق المريض على طبيبه وصبغة النظام العام تخضع للصالح العام حالة وباء او امراض معدية وهكذا عندما يطلب من الطبيب ان يشهد في قضية مدنية تتعلق بالمعاينة او ما اطلعه عليه زبونه فالامر موكول الى تقديره اما في القضايا الجنائية فالقانون يسمح للطبيب في بعض الاحيان بان يبلغ ما علمه كقضايا الاجهاض والامكان لا يقتضي الوجوب وعندما يستدعي قاضي التحقيق او المحكمة الجنائية الطبيب المعالج المتهم فله الحق ان يتمسك بالسر المهني كما اذا سئل عما عاينه في علاجه او فيما اطلعه عليه زبونه فالسر يبقى قائما نظرا لصبغة النظام العام التي يكتسيها ولو أذن له المتهم في غير ذلك لعدم اعتبار هذا التصريح حرا ينطوي على الاتفاق بين الزبون والطبيب.

3- مظاهر اخرى للمسؤولية العقدية
ان حالات المسؤولية العقدية كثيرة ونذكر منها على سبيل المثال مسؤولية صاحب النزل والمقهى فالتزامه التزام وسيلة - فان اصيب زبون بجرح نتيجة سقوطه في درج مؤسسته فلا يمكن القول بان صاحب النزل او المقهى ملزم بالتزام النتيجة أي يعيد لزبونه سلامته فالتزامه التزام للوسيلة لا غير يتجلى في انتباهه وعنايته وعلى الزبون ان يدلي بالدليل العكسي.

المسؤولية العقدية لصاحب المستودع
ان كل عقد ايداع مقابل اجر يعد مبدئيا التزام بالوسيلة، ففي حالة سرقة عربة من مستودع فالمسؤولية تقع بصفة صريحة على كاهل صاحبه وهو الملزم باثبات عدم ارتكابه أي خطا في الحراسة وان السرقة تكتسي صبغة القوة القاهرة، فالسرقة في حد ذاتها لا تكتسي القوة القاهرة فوقوعها يكون نتيجة عدم الانتباه واخذ الاحتياطات التي تتطلبها الظروف وحالة المكان.

المسؤولية العقدية لصاحب الحمام
ان صاحب الحمام غير ملزم بالمسؤولية العقدية لان التزامه التزام الوسيلة لا غير ففي حالة سقوط زبون داخل حمام ويجب على هذا الزبون اثبات خطا صاحب الحمام على ان الارض غير مصانة ولا منظفة كما يجب.

مسؤولية صاحب الألعاب المتنقلة
ففي هذه الحالة يجب التمييز بين ما يلي :
عندما يطلب اللاعب من الزبون مشاركته الشخصية يكون متوقع الاخطار، فصاحب الالعاب ملزم باتخاذ اجراءات السلامة الضرورية فقط والتزامه التزام للوسيلة، وبعكس ذلك فاذا كان الزبون طائعا لحركات آلة من غير ان يتدخل مباشرة في تحركات تلك الالة فصاحب الالعاب ملزم بالتزام السلامة أي التزام النتيجة ولا يمكن اعفاؤه منها الا اذا أثبت ان الضرر اللاحق بالزبون منسب الى خطا الغير المنتظر والمستحيل التغلب عليه.

مسؤولية مستغل دكان
هل مجرد دخول الزبون الى الدكان يجعل صاحبه يلتزم للزبون التزام السلامة ؟ هذه الحالة موضوع نقاش قصد معرفة ما هي نوعية عقدة هذا الالتزام، فالزبون بمجرد دخوله الدكان يكون في مرحلة مقدمة تعاقد والصعوبة التي تحصل غالبا في هذه الحالة في العقدة قد ادت بالقضاة الى استبعاد المسؤولية العقدية والعمل بالمسؤولية التقصيرية، لكن الاجتهاد السائد يتجه نحو المسؤولية العقدية والامر ينقسم في معرفة ما إذا كان الامر يتعلق بالتزام بسيط للانتباه والحراسة او بالتزام معين التزام للنتيجة او للضمانة ايضا ولقد عبر هذا الانقسام والردد قرار كان اثار فور صدوره عدة تعاليق ذلك ان طفلا كان صحبة امه في احدى الدكاكين الباريزية الكائنة بالطابق الخامس فاسقط مقعدا اصاب زبونا في الطابق السفلي بجروح بليغة فصدر حكم في هذا الشان جزء المسؤولية بين مستغل الدكان وابوي الطفل غير ان قرار محكمة النقض لم يؤكد بتاتا وجود التزام النتيجة بل صرح بان مستغل الدكان ملزم بان يراعي في تنظيم وسير دكانه قواعد الانتباه والعناية التي تتطلبها سلامة زبونه غير انه صدرت بعد هذا القرار احكام اكدت وفرضت مبدا التزام النتيجة ولقد استقر هذا المبدا في صور طالب فيها الزبناء بتعويض الاضرار اللاحقة بهم من جراء انفجار قارورات كانوا قد تسلموها من اصحاب الدكان - هذا ويظهر لنا قانونا ومنطقا وما دون ان ونعتبر ذلك التزاما بالضمانة ان صاحب الدكان ملزم بالنتيجة فهو الملزم باثبات وجود القوة القاهرة او خطأ الضحية او الخطا الغير المتوقع والمستحيل التغلب عليه.

وبعد ….
لعل من المستحسن ان نقف عند هذا الحد اذ ان مظاهر المسؤولية كثيرة ومتشعبة .
وقد ظهر لكم انه ليس هناك قواعد قارة عدا في بعض العقود. فظروف النازلة هي التي تجعل القضاة يميلون في كثير من الاحيان نحو التصريح بهذا المبدا او ذاك لصالح هذا الالتزام او ذاك من الالتزام بالوسيلة او النتيجة او الضمانة لكن هذا التصريح يمكن ان لا يفرض في ظروف مختلفة ويمكن ان يطرأ على عبء الاثبات تغيير حسب الواقعة والحادثة فالسلطة التقديرية للقضاة قد تدعونا الى الحذر والرزانة الفقهية وكثرة التروي والانتباه.

* مجلة المحاكم المغربية، عدد 4، ص 9.

المسؤولية المدنية للأبناك والاجتهاد القضائي المغربي


ذ. عبد اللطيف مبشال رئيس غرفة
محكمة الاستئناف بالدار البيضاء
أولا : ملامح هذه المسؤولية
قيل ان المسؤولية في كل نظام لبيرالي، هي المقابل الضروري للحرية المهنية . فكلاهما يصبان في نفس الاتجاه، الا وهو تحسين مستوى اداء الخدمات، الامر الذي يؤدي الى المتوخي، وهي تنمية عنصر الزبائن واطراد الربح .

هذه القولة، التي ورد في مقدمة جاك فزيان حول مسؤولية البنكي في القانون الخاص الفرنسي (1) ينبغي ان تكون واضحة في ادهاننا، ونحن نحاول معالجة هذا الموضوع، الذي لا تخفى اهميته ومعاصرته رسميا في مجتمعنا، الذي يعرف ديناميكية حقيقة، تمتد الى مختلف فعالياته.

وفعلا، فان اي نظام ليبرالي، مثلما الذي نعيش في ظله، لا يمكنه سوى ان يستلهم من المبادئ العامة للمسؤولية المدنية، النبراس السوي، لتحسين سبل اداء مختلف المهن لمهامها في احسن الظروف، واتقانها، بل والدفع لمواكبتها العصر ورياحه المتغيرة ، ومن تم فليس هناك ادنى سبب معقول لعدم تطبيق نفس المبادئ على الابناك .

ولا تطرح المسؤولية للابناك اية صعوبات محددة وواضحة، سوى صعوبة واحدة، ويعود مردها السببين، فمن جهة يصعب بالنسبة لهذا الميدان التمييز بين شتى فروع القانون، لافراز ما يمكن ان تخضع له تحديدا المسؤولية المدنية للابناك، ومن جهة اخرى، فمن المؤكد ان بعض القواعد العامة للمسؤولية،
-----------------------
*) عرض القي في الندوة الثالثة للعمل القضائي والبنكي التي عقدت بالمعهد الوطني للدراسات القضائية في يونيو1993 .
1) مسؤولية البنكي في القانون الخاص الفرنسي : جاك فزيان، الطبعة الثانية1977 - الصفحة 9 .
----------------------
تنطبق هي ايضا على البنك، لكنها مصبوغة بالخطوط العامة لمهنته، فضلا عن وجود مجموعة اخرى من القواعد التي تنتمي لأنظمة قانونية مختلفة (2) .
ويتعرض البنك في ظل القانون الوضعي المغربي للمسؤولية، على مستويات متباينة : مدنيا - جنائيا - تأديبيا - صرفيا - ضريبيا، غير ان الذي يهمنا في هذه المداخلة بطبيعة الحال هو موضوع المسؤولية المدنية نظرا لطابعها السائد (3) .

فالمقرر هو قيام مسؤولية البنك، وفق القواعد العادية المنصوص عليها في مدونة الالتزامات والعقود، وتكون مسؤولية تعاقدية، كلما كان هناك عقد يربط البنك بزبونه المتضرر، بمناسبة تنفيذ البنك، لاحد عقود الخدمات المصرفية، كما تكون مسؤولية تقصيرية، كلما كان المتضرر غيرا، بالنسبة للمصرف، وارتكب الاخير خطا اعتبر اخلالا منه بالالتزام، الذي يفرضه القانون على الجميع، فمسؤولية المصرف تنهض اذن على اساس الخطا والضرر معا، ولذلك يتعين على المتضرر بالنسبة للمسؤولية التعاقدية ان يبرهن علاوة على وجود الضرر، بكون البنك قد اخل باحد التزاماته، وفي حين بالنسبة للمسؤولية التقصيرية، يتعين على المدعي ان يبرهن بكون البنك قد ارتكب خطا، سواء عند اداء مهامه، او في علاقته مع الغير، وفي كليهما يتعين على المتضرر، اثبات العلاقة بين الخطا والضرر. (4)

وبالنسبة للمسؤولية التعاقدية، يتم تحديد معيار الخطا البنكي وفق محتوى الالتزام، وعلى ضوء الخصائص العامة للمهنة البنكية، فالعناية لمطلوبة من البنكي - وكما هو عليه الشان بالنسبة للقواعد العامة، يمكن تحديدها على ضوء مدلول القانون المدني، لمدلول الاب الحنون، مع التاكيد على كيفية اداء التزاماته وفق قواعد المهنة ومعاييرها ذاتها، لدرجة ان نوعية المسؤولية ترتبط مع نوعية الخطا (5) .

اما بالنسبة للمسؤولية التقصيرية للبنك، فتقوم اذا لم يوجد بينه وبين الزبون اي عقد، او قام عقد باطل بينهما، او تقرر بطلانه، او كان هناك عقد صحيح، بيد ان الضرر لم ينشا اذ من جراء الاخلال بالتزام ناشئ عنه،
-------------------
2) نفس المرجع السابق - ص 10 .
3) المهنة البنكية بالمغرب، محمد العربي بن عثمان، ص 141 .
4) المسؤولية المدنية للبنك في المغرب، خالد اليزيدي، طبعة 1985، ص 15 .
5) المهنة البنكية بالمغرب، محمد العربي بن عثمان ص 145 .
-------------------
بل نشا بسبب الاخلال بالتزام قانوني، ومن ثم فان مجرد خطا مترتب عن الاهمال، يمكن ان يرقى الى مرتبة الخطا المهني (6) .
ويقع تحديد الخطا على ضوء المقتضيات العامة للقانون المدني، التي تفترض في المصرفي، بذل عناية رجل متبصر، واب حنون، وايضا على ضوء السمات الخاصة للمهنة، علما بان العرف يلعب دورا متزايد الاهمية كمصدر من مصادر القانون البنكي المغربي، وهو ما من شانه، تاكيد الطابع المهني لخطا البنك، وذلك باعتبار ان النادر في العمليات البنكية تحديد التزامات كل طرف بدقة، مما يعطي للعرف قيمة اتفاق ضمني (7) .

وما دام ان العرف يعتبر بمثابة اتفاق، فانه يتعين على الطرف الذي يتمسك به، اثبات وجوده بكافة الوسائل، غير انه يجب ان لا يخالف نصا قانونيا، يتضمن قاعدة آمرة (8) كما ينبغي ان يكون له طابع عرفي حقيقي، وبالتالي مكتسبا صبغة قارة، وصادرة عن حرفيين مهرة (9) .

ويرفض القضاء، النظر الى مجرد اسلوب جرى عليه عمل احد الابناك، طالما ان هذا الاسلوب، هو مجرد تعبير عن ارادته وحده، ويحاول فرضها على الزبون، وهكذا رفضت محكمة جنح باريس تمسك البنك بعادة جرى عليها تتجلى في اضافة عبارة عن الكمبيالات، التي يخصمها لعملائه، دون علمهم، ودون علم المسحوب عليه الذي يكون قد قبلها قبل تقديمها للخصم (10).

كما انه حكم بان العميل، لا يلزم بمثل الشروط التي تتضمنها مطبوعات البنك المقدمة للزبائن، سوى اذا اثبت البنك علم العميل بها بالفعل ما لم (11) تكن هذه الشروط ترديدا لعادة صرفية، تتوافر لها شروطها الملزمة، فيلتزم بها العميل بوصفها عادة لا بسبب التوقيع عليها (12) .
--------------------
6) نفس المرجع
7) نفس المرجع السابق
8) قرار محكمة النقض الفرنسية، الغرفة الجنائية 6/7/1967 مشار اليه بهامش ص 13 من فولف فزيان السابق .
9) مرجع جاك فزيون السابق - ص 13 -
10) قرار محكمة جنح باريز 2/04/69 مشار اليه في مرجع الاستاذ علي جمال الدين - ص 15 -
11) استئناف بواتيي 18/09/1954 مشار اليه بهامش ص 21 من مؤلف جمال الدين عوض.
12) م س علي جمال الدين عوض .
--------------------
ولكون البنك شخصا معنويا، فانه يسال مسؤولية شخصية، اذا كان الخطا قد صدر من ممثله او وكيل عنه، عملا بمبدا مسؤولية المتبوع، عن افعال تابعه، اذا كان الخطا، قد حصل اثناء تأدية الوظيفة او بسببها او مناسبتها(13)
ورغم ان هذه المسؤولية، تقوم على عنصري الخطا والضرر، وليس على اساس الضرر وحده، فان القضاء المصري نحا الى قيام مسؤولية البنكي على اساس الضرر فقط، وقرر قيام هذه المسؤولية رغم ان البنك لم يثبت خطؤه والزمه بتعويض الزبون على الضرر اللاحق به، من جراء قيام البنك باداء قيمة شيك، ثم تزوير توقيعه على الزبون (14) .

وقد جاء في حيثيات هذا القرار :
حيث ان البنك المسحوب عليه، لا تبرا ذمته قبل العميل الذي عهد اليه بامواله، اذا وفي بقيمة شيك مذيل من الاصل، بتوقيع مزور عليه، اذ ان هذه الورقة المقدمة الى البنك، وقد خلت من التوقيع الحقيقي للعميل، يعوزها شرط جوهري لوجود الشيك، ولم يكن لها في اي وقت وصفه القانوني، وتقع تبعة الوفاء بموجب هذه الورقة على البنك المسحوب عليه، ايا كانت درجة إتقان التزوير، وتعتبر هذه التبعة مخاطر المهنة التي يمارسها البنك، وهي مخاطر مهما بلغت أعباؤها لا تتناسب البتة مع المزايا التي تعود على البنوك، من دعم الثقة بها وبث روح الاطمئنان لدى جمهور المتعاملين، وتحمل البنك هذه التبعة، مشروط بعدم وقوع خطا او اهمال من جانب العميل الوارد اسمه بالصك، والا تحمل العميل تبعة خطئه ….." .

ويتجلى من هذا الحكم ان محكمة النقض المصرية اخذت بالمسؤولية الموضوعية، وعلى اساس فكرة المخاطر وتحمل التبعية، وهو موقف سابق لمحكمة النقض الفرنسية. (15)
كما ان بعض التشريعات تسير صراحة في هذا الاتجاه كما هو عليه الامر بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية، انجلترا، النمسا، هونغاريا، سويسرا. (16)
----------------------
13) عمليات البنوك - ص 139 .
14) نقض مدني مصري 11/01/1966 مشار اليه في عقود الخدمات المصرفية - د. حسني - مطبعة 1986 - ص 325 .
15) قرار محكمة النقض الفرنسية 20/04/39 مشار اليه بمرجع ذ. حسن حسني - ص 322 .
16) اليزيدي ص 73 م. س .
---------------------
وفي سبيل التخفيف من هذه المسؤولية، تلجا الابناك الى ابرام اتفاقيات مع الزبون، للتخفيف من مسؤوليتها العقدية، في عقود الخدمات البنكية، وهي جائزة طبعا لان مصدرها توافق الارادة، دون ان يطال ذلك الاعفاء من الفعل العمد او ما يلحق بالفعل العمد، وهو الخطا الجسيم، لكن يجوز للمدين، ان يعفي نفسه من المسؤولية عن عمل الغير، حتى لو كان هذا العمل عمدا او خطا جسيما فان عمد الغير لا ينزل منزلة الشرط الاداري المحض (17).

ولذلك فلا يجوز للبنك ان يشترط اعفاءه من المسؤولية الناشئة عن الغش او الخطا الجسيم الصادر من مديره، او احد ممثليه القانونيين لكون المدير لا يعتبر وكيلا عن البنك بل يعتبر اداة له، فمسؤولية البنك عن فعله تعتبر مسؤولية عن فعل شخصي لا عن فعل الغير (18) من البداهة ايضا عدم امكانية البنك اشتراط اعفاءه من اية مسؤولية ناتجة عن غشه، او عن خطئه الجسيم، وذلك عملا باحكام الفصل 232 من قانون الالتزامات والعقود.

وتبعا لذلك، فمن الجائز ان يشترط البنك على سبيل المثال، في عقد الوفاء عند الزبون، عدم مسؤوليته، عن صرف شيك مزور عليه مادام مستخدم البنك لم يخطئ عند ادائه متى ثبت ان التزوير كان متقنا، ولا يمكن اكتشافه بالعين المجردة، على انه يمكن للزبون، رغم ثبوت شرط الاعفاء، الرجوع على البنك بالتعويض، باثباته ان الضرر كان بسبب خطا البنك، وليس بالسبب الاجنبي (19)، علما بان شروط الاعفاء، لا يمكن تطبيقها سوى في مجال المسؤولية العقدية، (20) وهذا طبيعي، لعدم جواز اعفاء البنك من مسؤوليته التقصيرية، قبل تحققها من وطأتها، نظرا لصراحة الفصل 232 المذكور، ولاعتبار ان احكام المسؤولية التقصيرية من النظام العام، فلا يجوز الاتفاق على مخالفتها (21) .

ثانيا : تقدير الاجتهاد القضائي لمسؤولية البنك.
لا ريب في ان قدرات البنك ضخمة، ويعتبر تاجرا في مدلول القانون التجاري.
والبنك تاجر ميسور الحال، يحظى بثقة من حوله، وهاته الثقة يحولها سلعة يقدمها للزبائن، وتلعب بالتاكيد الابناك أدوارا جد هامة، وعلى مستوى تنمية الثروات، وتوزيع الائتمان عموما،
----------------------
17) الوسيط - السنهوري - مصادر الالتزام - ص 647 .
18) الوسيط هامش 674 .
19) مرجع حسن حسني ص 132 .
20) اليزيدي ص 19 .
21) الوسيط - ص 979، 980 .
----------------------
حتى ان البعض ذهب، وربما عن صواب انها تملك حق الحياة او الموت، بالنسبة للمشروعات الاقتصادية (22)
وقد ازدادت اهمية دور الابناك، الى الحد الذي ادى بالبعض الى اعتبارها مرافق عامة (23)، (24) بل وتركت هذه المناداة تاثيرا واضحا في بعض الاجتهاد القضائي الوطني عندما اعتبرت محكمة العدل الخاصة احد الابناك انه يستجيب للشروط والخصائص، التي تتيح اعتباره بمثابة مؤسسة مكلفة بمرفق عام (25) .

وهذا الاتجاه منتقد لان الاتصال بالمصلحة العامة لا يقتضي بالضرورة القفز الى فكرة المرفق العام (26) فضلا عن وجوب عدم التوسع من مدلول المصلحة العامة، واصباغ نفس المعنى الممنوح له في نطاق المدلول الفني للقانون الاداري (27) .

ونظرا لهذه المناداة وايضا لاعتبارات متعلقة بالبنك كاحترافي افترض فيه وجوب المحافظة على مصالح زبائنه، فان الفقه الراجح يجمع على وجوب بذله عناية اكبر، من تلك التي يمكن ان تصدر عن اب حنون (28).
وبسبب هذا الاحتراف، فان القضاء يشدد على البنك في كيفية اداء التزاماته، وفي معيار مساءلاته، وايضا لاسباب اخرى متعددة من بينها تخصصه في مهامه، ولوفرة امكانياته المادية ولممارسته عمل له مساس واضح بالانشطة الاقتصادية العامة فضلا عن ممارسته بشكل من الاحتكار الفعلي، لمهنة البنك التي اضحى غالبية الناس في حاجة اليها (29) .
----------------------------
22) فاسور ميشيل - البنكي سنة 1983 - مشار اليه بالصفحة السادسة من مؤلف محمود مختار احمد بزيري : المسؤولية التقصيرية للمعارف عند طلب فتح الاعتماد طبعة 1986 .
23) م س بن عثمان ص 146.
24) مرجع احمد بريري - ص 8.
25) قرار محكمة العدل الخاصة عدد 393 بتاريخ 28/12/75 مشار اليه بمرجع ذا لوزان، احمد بلحاج - الطبعة الاولى 1988 - بالعربية ص 239 .
26) مرجع بريري السابق، ص 34 .
27) القانون الاداري المغربي : ادريس البصري، جاك كرانيون، ميشال روسي، احمد بلحاج - الطبعة الاولى 1988 - بالعربية ص 239 .
28) اليزيدي - ص 18.
29) علي جمال الدين عوض - ص 22/23.
------------------------------
ويمكن ملاحظة هذا التشدد، من خلال العديد من الاحكام، الصادرة عن المحاكم المغربية، والتي تصدت لموضوع المسؤولية المدنية للابناك، ولعل هذا ما يتجلى بكيفية بارزة، من قرار حديث صادر عن محكمة الاستئناف بالبيضاء، الذي جاء فيه (30).
من حيث انه غني عن البيان، ان البنك المستانف لا يعتبر وديعا عاديا، بل هو مؤسسة مؤطرة لقوانين معينة تسعى الى ضمان حقوق المودعين، لذلك يظهر امام العموم بصفة الحريص والحافظ الامين لودائعهم، الامر الذي يجب معه مساءلته بقوة اكثر من الوديع العادي، حسب ما هو مقرر فقها وقضاء .

ثالثا : بعض مظاهر الاجتهاد القضائي المغربي الحديث من المسؤولية المدنية للابناك
يمكن ان تثور مسؤولية البنك بمناسبة اداء احد عقود الخدمات المصرفية، وذلك سواء على المستوى العقدي او التقصيري، فقد يوكل الزبون لاحد المصاريف القيام باحدى الخدمات الصرفية، كالقيام بتصرفات قانونية محددة لحسابه، سواء على شكل اعمال الادارة، او على شكل تصرفات ناقلة للملكية .
فمن خلال تنفيذ هذه العقود او غيرها، تطرح اشكالات وتثور منازعات بين اطرافها قد تعرض على القضاء.
ونحاول جاهدين باختصار شديد، التركيز على موقف القضاء المغربي الحديث، من خلال البعض من الاحكام.

1- المسؤولية المدنية للبنك عند القيام بعمليات التحصيل او الاداء .
من المالوف ان يكلف الزبون مصرفه بتحصيل حقوقه لدى الغير، وهذا يهم عادة الحقوق الثابتة بمقتضى سندات او اوراق لا تحتاج الى ادنى نقاش، حول وجود الحق او مقداره، يضطلع البنك بهذه المهام بصفته وكيل زبونه.
ان هذا يتم بواسطة اعلام بالتسديد، وتبعا لاتفاق عام، فان البنكي يلتزم بتحصيل جميع هذه الاعلامات الصادرة اليه من زبونه، ويقع تسليم هذا الاعلام من البنك بعد مرور عدد من الايام، قبل حلول اجل الاستحقاق الى البنك المكلف بالتحصيل الذي يقوم بالاجراءات اللازمة لهذا الغرض الى حين وصول السند الى غرفة المقاصة.
--------------------------
30) قرار استئناف البيضاء 26/05/87، ملف تجاري 1216/86 منشور بمجلة القضاء والقانون، العدد 140/141، ص 209.
-------------------------
ولذلك يتعين على البنكي، المكلف بالتحصيل، تقديم سند الدين، عند البنكي المكلف بالاداء ( المستوطن لديه Domiciliataire ) خلال اجل معقول وعادة ما يكون خلال بضعة ايام قبل تاريخ الاستحقاق (31).
ويثير هذا النوع من التوكيل، عددا من النزاعات التي تمس في الصميم مسؤولية البنك.

والمعمول عليه هذا الصدد، قيام هاته المسؤولية متى لم يقم البنكي بتحصيل الاوراق التجارية المسلمة اليه من طرف زبونه سواء أكانت كمبيالة او سندا إذنيا، وترتب عن ذلك حصول ضرر للزبون بينما يجوز للبنكي دحض هذه المسؤولية لاثبات ان مرد الضرر هو خطا الزبون كاثبات عدم التوصل بالسندات المرغوب تحصيلها، او ان اقامة المسحوب عليه بالكمبيالات غير موجودة.

ويتعرض البنك الى هاته المسؤولية سيما في ميدان تحصيل الاوراق التجارية لارتباطها بشكليات مواعيد المطالبة وشكلها، مما يعرض الدائن للسقوط في الرجوع على الضامنين، اذا خرج البنكي عن نطاق الوكالة مثل القيام برهن الكمبيالات او منحه مهلة للوفاء للمسحوب عليه. وترتب عن ذلك حدوث ضرر للزبون (32) .

ويتعين على البنكي في هذا المخصوص التقدم نيابة عن زبونه الى المدين للمطالبة بالوفاء، وان يتخذ كل الاجراءات القانونية للمطالبة على الوجه الصحيح، واتخاذ الاجراءات التحفظية، اللازمة لتفادي اعسار مدينه (فصل 138 من قانون الالتزامات والعقود). وعموما على البنكي مراعاة صفته، كمحترف متخصص في مهنته، وما تفرضه قواعد الوكالة بمقتضى الفصل 903 من نفس القانون التي توجب على الوكيل بدل عناية الرجل المتبصر الحي الضمير .

واذا كان الامر يهم تحصيل ورقة تجارية، ورفض المدين الوفاء بمبلغها، فان الواجب يلزم البنك باعادتها الى الزبون لاستعمال حقوقه المخولة له قانونا دون ان يسوغ للبنك التقاضي نيابة عنه في هذه الحالة (33) .
----------------------------
31) فقرة 167، م س .
32) عقود الخدمات المصرفية، حسن حسني - ص 346 .
33) علي جمال الدين عوض ص 723 - فقرة 739.
---------------------------
وفي هذا الصدد يمكن الاشارة الى نازلة عرضت مؤخرا على القضاء تقدمت خلالها المدعية بمقال في 02/06/79 تعرض فيه ان المدعى عليه قد اخل بكيفية خطيرة بواجبه كمؤسسة بنكية عندما تاخر مدة 79 يوم عن اشعارها بان الشيك الاول بمبلغ 26.580.00 درهم المؤرخ في 08/02/77 المدفوع لها من طرف زبونه (س) قد رفض وكذلك الامر بالنسبة لباقي الشيكات المسحوبة على البنك التجاري بخريبكة التي لم تشعر المدعية برفضها، سوى بعد انصرام الاجل العادي لتنفيذ عمليات الاستخلاص، وانه لو تم اشعار المدعية في الاجل لما سلمت لساحب الشيك بضائع اخرى، والتمست الحكم على البنك باداء مبلغ 108.409,60 درهم عن الضرر مع الفائدة القانونية و1.500,00 درهم كتعويض .
وانتهت النازلة بصدور حكم ابتدائي استجاب للطلب استنادا على الحجج المدلى بها.

لكن محكمة الاستئناف الغت الحكم المذكور ورفضت الدعوى عندما لاحظت من جهة ان تواريخ سحب الشيكات حسبما هو مفصل بمقال الدعوى متقاربة للغاية 12/03/77، 20/03/77، 08/04/77، 19/04/77، مما يوجب تحميل المدعية مسؤولية تزويد زبونها الساحب ببضائع دون التاكد من وضعيته المالية، ومن جهة اخرى فان رجوع المدعية على مصرفها لعدم بعثة الاعلام بعدم الاداء لا يكون صحيحا سوى في استحالة الرجوع على الساحب، وانه ليس من الثابت استحالة رجوع المدعية ضد الساحب، او ان المساطر التي سلكتها ضده بارغامه على اداء مبالغ الشيكات ظلت دون جدوى وقد استندت المحكمة على مرجع اساسي في هذه المادة ومؤلف الشيك - فاسور وماريد - الجزء الثاني ص 162. (34) .

كما عرض على القضاء المغربي مؤخرا عددا من القضايا التي تناولت مسؤولية البنكي عن اضاعته اوراقا تجارية كلف بتحصيلها واتخذ بشانها موقفا متشددا وسليما ينحو الى قيام هذه المسؤولية، واستبعد أطروحات البنكي الخاطئة القائمة على اساس وجوب سلوك الزبون لاحكام فصول37 وما يليه من قانون الشيك، والحال ان قابلية هذه النصوص للتطبيق هي عند اقتراض حصول هذا الضياع بيدي الزبون شخصيا لا بيد يدي وكيله (البنك) كما نحى الى ذلك قرار استئنافية البيضاء الصادر بتاريخ 26/05/87 في الملف التجاري 2216/87 (35) يلتقي هذا الاجتهاد مع الاجتهاد القضائي الفرنسي (36) .
-------------------------
34) قرار عدد 557 في الملف التجاري 541/82 منشور بمجلة المحاكم المغربية عدد 36 ص 135.
35) قرار منشور في مجلة القضاء والقانون عدد 140/141 ص 214، مع تعليق ذ. مشبال.
36) نقض فرنسي 21/11/67 جوريس كلاسور الدوري 1968 نبذة 15778 مشار اليه بهامش الصفحة 136 من مؤلف ذ. جاك مزيان ومشار اليه في تعليق ذ. مشبال المذكور ص 222 .
------------------------
لكن هل يمكن مساءلة البنك عن رفض الانصياع لتعليمات زبونه الرامية الى التعرض على ادائه مبلغ الشيك ؟
وفعلا فقد تقدم احد المدعين بتاريخ 16/11/88 بمقال يعرض فيه انه ضاع منه شيك مؤرخ في 09/02/87، وقد نظم تعرضا بين يدي بنكه الذي ادى له عمولة مقابل هذا التعرض، ورغم فقد فوجئ بتسديد الاخير لمبلغ هذا الشيك، الامر الذي اعتبره بمثابة خطا من طرفه، ولذلك التمس الحكم على مصرفه، باداء مبلغ الشيك ( عشرة الاف درهم) مع الفائدة البنكية ومبلغ خمسة الاف درهم كتعويض.

يمكن القول ان محكمة الدرجة الاولى استجابت لهذا الطلب على اساس ان المدعى عليه لم يثبت وجود أية حالة من حالات عدم قبول التعرض المنصوص عليها بمقتضى الفصل 32 من ظهير 19/01/39، مما يبقى معه تسديد البنك الشيك المتعرض عليه امرا مخالفا للمقتضيات القانونية.

وقد طعن المحكوم ضده في هذا الحكم، على اساس عدم توفر حالات قبول التعرض على الوفاء، باعتبار ان الشيك المتعرض عليه قد صدر لفائدة زوجة الساحب المتعرض، ولم يصدر على بياض كما جاء في تعرضه مما لا يمكن معه الحديث عن ضياع الشيك سواء بمعناه الضيق او الواسع.
ونظرا لكون محكمة الدرجة الثانية المعروض عليها النازلة لم تقل بعد كلمتها في النازلة، فانه سيكون من السابق لاوانه الادلاء بادنى تعليق بهذا الصدد رغم اهمية النازلة. (37)

كما يمكن ان تنهض مسؤولية البنكي عند رفض اداء شيك معتمد Certifié، فقد تقدمت المدعية من خلال مسطرة الامر بالاداء، بطلب تبغي من ورائه الحكم على مصرفها بادائه لها مبلغ 76.450,68 درهم ناتجا عن شيك صادر عن الساحب (أ) مؤكد رصيده من طرف البنك.

وقد استجاب رئيس المحكمة الابتدائية للطلب. وقد تمسك البنك المحكوم عليه في معرض الاستئناف، بكونه لم يكن مدينا في اي وقت ازاء المدعية باي مبلغ، وان الاخيرة لا تتوفر على سند للدين، مما تكون معه صفتها منعدمة في النازلة، كما ان البنك لا يمكن ان يتحمل مسؤولية ساحب الشيك،الذي احتال على المدعية مما لا يمكن معه تطبيق مسطرة الامر بالاداء.
---------------------
37) ملف تجاري استئناف 1272/91 المستشار المقرر الاستاذ بنونة.
--------------------
لكن محكمة الاستئناف خالفت وجهة نظر البنك، وايدت الامر بالاداء المستانف، بعلة ان الشيك قدم للاداء داخل الاجل القانوني المنصوص عليه بالفصل 29 من ظهير 19/01/39 المتعلق بالشيك، فيكون البنك مسؤولا عن مبلغه الذي صادق عليه خلال المدة المنصوص عليها بالفصل المذكور، وهو الاجل الذي اقره الفصل الرابع من ظهير 23/08/1955 .(38)

ويبدو لي ان موقف محكمة الدرجة الثانية، كان سليما ومطابقا للقانون اذ لا يخفى ان من اثار اعتماد الشيك او توثيقه، التزام المصرف المسحوب عليه تحت طائلة قيام مسؤوليته بتجميد رصيد الشيك المعتمد لفائدة الساحب الى غاية انصرام اجل التقديم (39) ويمنع بالتالي على المصرف، حتى ان يؤدي من هذا الرصيد قيمة شيكات سابقة التاريخ على الشيك المعتمد (40) .

ولا يخفى ان المجال الواسع للمنازعات البنكية تنجم عن حالات تزوير التوقيع الواردة في الاوراق التجارية، وهي قضايا يصعب البت فيها في اغلب الحالات (41) سيما وان الجميع يعلم ان توقيع الافراد يتغير مع مرور الوقت لدرجة انها لا تعود مسايرة لما كان عليه في السابق (42) .

ويمكن القول بهذا الصدد، ان مسؤولية البنكي، تتعرض اذا كانت المقارنة بين التوقيعين ( التوقيع الوارد على الورقة التجارية والتوقيع المحفوظ في النموذج ) يتضمن ( اختلافات بارزة يمكن لاي مستخدم ان يلاحظها)(43). غير انه بدون شك فانه ليس من إمكان المصرفي عرض كل شيك على حدة على خبرة، وبالتالي فان مهنة البنكي، تقتضي اجراء فحص سريع وسطحي دون ان تكون له مؤهلات خبير في الخطوط، عند قيامه بهذا الفحص، وهو ما اكدته محكمة الاستئناف بباريز من جديد (44) .
----------------------
38) قرار استئناف البيضاء بتاريخ 09/12/86 في الملف التجاري 1485/85 ( غير منشور)
39) الشيك والتحويل : كابرياك - الطبعة الخامسة - الصفحة 115، نبذة 217.
40) فالدا - سطوفلي - الجزء الثاني، نبذة 355.
41) جاك بيك - وكابرياك - المجلة الفصلية للقانون التجاري، العدد الثالث - ص 594.
42) اليزيدي - ص 72 .
43) اليزيدي - ص 73 .
44) مشار اليه بالمحكمة الفصلية للقانون التجاري م س - ص 453.
-----------------------
ويمكن الاشارة بهذا الصدد، الى قرار صادر عن محكمة الاستئناف بالبيضاء بتاريخ 22/03/88 (45) الذي قضى على احد المصارف باداء مبالغ مجموعة من الشيكات بلغت في المجموع 729.185,16 درهم، وذلك على اساس ما ورد بتقرير الخبرة المنجزة استئنافيا، والتي افادت ان التزوير اللاحق بالتوقيعات، كان سهل الاكتشاف بالعين المجردة من طرف المستخدم المكلف بالمراقبة للتوقيعات، دون ان يتطلب ذلك وقتا كبيرا، ودون حاجة الى اي تحليل، كما ان التزوير تم بواسطة النسخ المباشر ( الكالك) .

وانه يتجلى بالاطلاع على وثائق الملف، ان المستخدم المكلف بمقارنة توقيعات الشيكات لدى المصرف، كان عليه ان يتعرف بسهولة، على التزوير، اللاحق بالشيكات محل النزاع خاصة ان من بين هذه الشيكات ما يحمل توقيع لا يدخل تماما ضمن النماذج الموضوعة لدى البنك الطاعن، كما هو الحال بالنسبة للشيك الحامل رقم 018198، ومنها ما يحتوي على تلطيخات، ناتجة عن تزوير في اسم المستفيد، اما باقي الشيكات (20 شيك)، فان التزوير اللاحق، كان سهل الاكتشاف بالعين المجردة، خاصة وان اغلب هذه الشيكات لم تستخلص بشباك البنك الذي يتطلب سرعة في الاداء، وانما دفعت في حساب المستفيدين، بحيث كان للموظف المكلف بمراقبة التوقيعات، الوقت الكافي لتفحصها، ومعرفة هل هي مطابقة للتوقيعات المودعة لدى البنك ام لا ؟

وانه يجب على البنك وبالضرورة ان يتاكد من هوية الاطراف، ومن صحة البيانات التي تتضمنها الورقة ومن سلامتها، وذلك بالفحص العادي، للتاكد من خلوها من كل ما يبعث على الشك والريبة، خصوصا فيما يتعلق بالمطابقة الظاهرة للتوقيع، الذي يحمله النموذج، كما انه ثبت للمحكمة ذاتها عبر قيامها بفحص ظاهري للشيكات موضوع النزاع سهولة الكشف بالعين المجردة للتلطيخ اللاحق باللون الاصفر للشيكات الاربعة (الارقام 18108، 18117، 18134، 18165) (45) .
وتجدر الاشارة الى ان هذه المبادئ مكرسة ايضا على مستوى اجتهاد المجلس الاعلى (46) .
------------------------
45) قرار استئناف البيضاء بتاريخ 22/03/88 ملف تجاري 219/84 ( غير منشور).
46) قرار عدد 434، بتاريخ 26/02/86 ملف مدني عدد 55 منشور بمجلة القضاء القانون عدد 137 - ص 166 .
-----------------------
وللتقليل من المخاطر الناجمة عن ضياع الشيك، او فقدانه او سرقته فقد ابتدع العرف البنكي، وسيلة فعالة في هذا الصدد، تكمن في التخطيط الشيك، الامر الذي ينتج عنه ان الوفاء بالشيك، لا يتم سوى عبر بنك المستفيد، او رئيس مكتب الحوالات البريدية او الى زبون معروف لديه عملا بالفصل 42 من ظهير 29/11/1939، والبنك المسحوب عليه، الذي يخل بهذه القواعد، يكون ملزما بتعويض الضرر (47).

وحيث انه هكذا قضى القضاء المغربي حديثا على احد البنوك باداء مبلغ 22.365,08 درهم مبلغ الشيك و1.500,00 درهم كتعويض مع الفائدة القانونية من تاريخ الشيك، وذلك لان الثابت ان الشيك المخطط يمنع المسحوب عليه ان يؤدي مبلغه سوى الى البنك او الى رئيس مكتب الحوالات البريدية او الى زبون معروف لديه، حسبما يقتضي ذلك صراحة الفصل 41 وما يليه من ظهير 19/01/1939، اذ الغاية من تخطيط الشيك، هو التخفيف من مخاطر السرقة وان البنك بقيامه بصرف مبلغ الشيك لفائدة (السيد س)، رغم ان الشيك المذكور المخطط، وعدم تظهيره لفائدة بنك اخر، ورغم ذكر اسم المستفيد، ورغم التنصيص على انه غير قابل للتظهير، يكون البنك مسؤولا عما اصاب المدعية، من ضرر المتجلى في حرمانها من مبلغ الشيك (48) .

ومن ابرز القضايا التي طرحت على القضاء مؤخرا ما يهم مشكل التأخيرات في تنفيذ اوامر زبائن البنك ويهم تحديدا التاخيرات اللاحقة في تنفيذ اوامر شراء العملة الاجنبية، اذ تكرر عجز البنوك المتلقية لاوامر على شكل وكالة من الزبائن، لتسديد دين خارجي عن تنفيذ هذه التعليمات في الظروف المناسبة، وذلك بسبب توقف البنك المركزي عن تسليم العملات خلال بضعة اسابيع، وقد عرض نزاع، تقدم من خلاله احد الاشخاص بدعوى يعرض فيها انه حرم خلال مدة معينة من الرصيد الذي جعله بين يدي بنكه لتسديد دينه الخارجي، وطالب الحكم عليه باداء الفائدة والتعويض، غير ان القضاء لم يستجب لمثل هذا الطلب لعدم ثبوت ارتكاب البنك لاي خطا (49) .
----------------------------
47) الاوراق التجارية : ذ. علي العبيدي - طبعة 1970، صحيفة 456 .
48) قرار 27/12/88، ملف تجاري 905/87 ( غير منشور) .
49) مشار اليه ببحث الاستاذ الكتاني عز الدين : مسؤولية البنك في اطار الوديعة - المجلة المغربية للقانون، العدد 12، صفحة 85.
---------------------------
2- المسؤولية المدنية للبنك المترتبة عن وجوب اجراء الفحص اللازم للمستندات :
من واجبات البنك القيام بفحص لكافة التعليمات الكتابية، الواردة عليه من زبونه للتنفيذ بادئ الامر من صدورها الفعلي عن موكله، وهذا الفحص يزداد إلحاحا بمناسبة تحقيق الاعتمادات المستندية .
وهكذا سبق لمحكمة الاستئناف الرباط ان قضت بمسؤولية البنك لعدم تيقنه من مطابقة الوثائق لمضمون رسالة الاعتماد الصادرة عن زبونه، (50) غير ان هذا لا يمكن ان يمتد الى حد التيقن من حصول هذه المطابقة مع البضاعة (51) .
ومؤخرا تم تاكيد منحى حكم قضى على احد الابناك، باداء مبالغ مالية لزبونه، لعدم تنفيذ التزاماته الرامية الى تحويل مبلغ القرض المستند لفائدته، رغم اتصاله بالبنك عدة مرات.

واستندت محكمة الاستئـناف بالبيضاء على انه تجلى من وثائق الملف، وسيما الامر الصادر عن قاضي المستعجلات بباريز بتاريخ 4/11/87 ان المكلفة من طرف المشترية لتلقي البضاعة الموجهة للاخيرة من طرف البائعة ( المدعية) ومراقبة مدى موافقتها للشروط المتفق عليها، لم تلاحظ عليها وجود اية شائبة جديرة بالملاحظة، الامر الذي ينفد مزاعم البنك بكون اوراق الاعتماد غير متطابقة مع شروط الاعتماد المتفق عليها (52).

كما ان مسؤولية المصرفي تتحقق عند عدم مراقبته لمدى انتظام سلسلة التظهيرات (53) وقد اكد المجلس الاعلى هذه القاعدة، حينما اعتبر ان من حق البنك ان يتحقق من تسلسل التظهيرات للتاكد من ان المدعي هو الحامل للكمبيالة دون فحص توقيعات ولذلك فانه لم يكن من حق المدعى عليه ان ينازع الشركة الحاملة للكمبيالة ( احد الابناك) في صحة توقيع من ظهر لها الكمبيالة (54) .
-------------------------
50) استئناف الرباط 7/2/59 مشار اليه بكتاب ذ. اليزيدي ص 62 .
51) نفس المرجع، الهامش عدد 128 من نفس الصفحة.
52) قرار استئناف البيضاء بتاريخ 7/4/92، الملف التجاري 849/90.
53) حكم محكمة ليون الابتدائية، مشار اليه في كتاب مسؤولية المصرفي في القانون الخاص الفرنسي.
م س صحيفة 135 جاك فزيان .
54) قرار المجلس الاعلى الصادر بتاريخ 12/10/77 تحت رقم 572 منشور بالمجلة المغربية للقانون والسياسة والاقتصاد العدد الرابع - صفحة 115.
-------------------------
ختاما …. هل يمكن الزام البنك بتقديم المعلومات التي يعرفها، عندما يطلب منه ذلك متى لم تكتس طابع السر المهني ؟
بهذا الصدد يقول ديموج :
ان احدى النتائج المترتبة عن تعاون المتعاقدين، هو التزام كل طرف منهما باعلام الطرف الاخر خلال جريان العقد بالاحداث التي له مصلحة في معرفتها عند تنفيذ العقد (55) .
وهذه الفكرة ليست سوى صدى للمدلول المعاصر للعقد، وهي احد انعكاسات روح التضامن، التي تطبع عصرنا ضدا على روح الفردية للقرن التاسع عشر. (56)

ودون دخول في تفصيلات لا حصر لها، فانه يمكن القول، ان البنك غير ملزم بتقديم معلومات عن شخص اخر ليغر زبونه، رغم وجود عادة في هذا السياق(57) اما اذا كان طلب المعلومات صادرا عن زبون للبنك بشان معلومات عن الغير، فعلى البنك ان يدلى له بما يعرفه في هذا الخصوص، ويسال امام زبونه مسؤولية عقدية عن الغلط (58) .

وحول مدى حق الاعلام الممنوح للزبون، يشير الاستاذ فاسور بان : " …. ممارسة علاقات مستمرة وقديمة، بين البنكي وزبونه، والمطبوعة بروح الثقة، ومن يجعل الزبون ينتظر الكثير من بنكه وكل هذا لا يمكن ان يحول دون تقديم الاخير معلومات ونصيحة(59) .

وبهذا الصدد، يمكن الاشارة الى قرار مهم، كرس هذه المبادئ كلها في نازلة عرضت حديثا على القضاء تقدمت خلالها المدعية بدعوى بتاريخ 18/01/85 تعرض فيها ان لها حسابا عند البنك المدعي عليه، وقد ادت مبلغا كرائيا للمالك بواسطة شيك بمبلغ 9.900,00 درهم غير انه امام انكار المستفيد تسلم الشيك واستغلال مبلغه فقد تقدم المالك بدعوى ضدها كأداء نفس الدين المؤدى بواسطة الشيك، ولذلك اضطرت لمكاتبة بنكها المسحوب عليه لموافاتها بالبيانات الكافية حول سحب الشيك المذكور، وبشان الساحب وتاريخ السحب ….. الخ دون ان يستجيب لطلبها رغم انه ملزم قانونا بذلك وفق الاعراف البنكية مما تسبب لها في ضرر فادح حددته في مبلغ 15.000,00 درهم .
-----------------------
55) ديموج - ر - حول تغيير العقود بارادة منفردة- المجلة الفصلية للقانون المدني 1907 - صفحة 245 وما يليها مشار اليه في اطروحة ايف بيكو : واجب الاخلاص في تنفيذ العقد - طبعة 1989 - صفحة 111.
56) ميشيل جوكلار : واجب الاستعلام في العقود - المجلة الفصلية للقانون المدني 1945 - صفحة 1 - مشار اليه بنفس اطروحة بيكو ونفس الصفحة.
57) مرجع جمال الدين عوض - صفحة 812 - والهامش.
58) نفس المرجع .
59) حول مسؤولية الابناك بصدد تقديم المعلومات، مجلة البنك، 1983، العدد الثامن، صفحة 947، مشار اليه في اطروحة بيكو، المرجع السابق .
------------------------
وقد استجاب القاضي الابتدائي للطلب، وقضى على البنك المدعى عليه، باداء تعويض بمبلغ خمسة الاف درهم، وامام مرحلة الاستئناف تمسك المحكوم عليه بدفوعاته، المتمثلة في كونه زود المدعى بصورة من الشيك المذكور، وهي تحمل كل البيانات المتعلقة به، وان القاضي الابتدائي، لم يحسن قراءة محتوى هذه الوثيقة فضلا عن انه يوجه بياناته بقوة القانون الى جميع الزبائن، بصورة مستمرة، وتتمثل في الكشف الحسابي، وهذه البيانات كافية لتبرئة ساحة المدعية، من الدين الذي يطالبها به المالك، وان دور البنك ليس هو التوثيق والاشهاد على الناس، لان عملها مصرفي لا غير .

فضلا عن انه كان على المدعية ان تطالب المالك بوصل عن المبلغ الذي سلمته للمكري وتقاعسها في ذلك هو الذي دفع بالمالك الى المطالبة بنفس الدين مرتين، وان كان هناك خطا فان العارض ليس بمسؤول عنه (60) .
وقد ردت محكمة الاستئناف بالرباط هذه الدفوعات كلها، وايدت الحكم الابتدائي مع تعديله بتخفيض التعويض الى مبلغ ثلاثة الاف درهم استنادا على الحيثيات التالية.

من حيث ان المستقر عليه، ان المصرفي يعتبر في مواجهة زبونه بمثابة وكيل. وهو ليس بمثابة وكيل عادي، بالنظر لجملة من المعطيات المعروفة التي تحوط كيفية ادائه مهامه. وهو ملزم تاصيلا عن ذلك كله بالقيام بتنفيذ التعليمات التي يصدرها اليه زبونه، وايضا ما تقتضيه القوانين والاعراف البنكية.

ومن حيث انه على هذا الاساس، فان الطاعن يعتبر مقصرا في التزاماته تجاه موكله حينما امتنع دون ان يبدي له اي عذر مقبول قبل مقاضاته بشان طلبه تزويده بمعلومات معينة حول الشيك الذي قدمته له المطعون عليها قصد الاداء لفائدة السيد الناصري محمد الذي يكريها اياها محلا للسكن.
ومن حيث انه ليس من المسوغ للطاعن التذرع بمقولة انه وجه الى المطعون عليها صورة من الشيك المشار اليه، كحجة كافية على توفره على المعلومات المتعلقة بتاريخ ادائه وهوية المستفيد طالما ان الثابت انه حتى على فرض ثبوت هذا الواقع بدليل ادلاء المدعية بهذه الوثيقة صحبة مقالها الافتتاحي، فان هذا لا يمكنه وحده ان يكون مبررا حقيقيا، وحائلا دون الجواب على المراسلات، التي تصول بها المصرف المستانف من زبونته.
---------------------------
60) قرار استئناف الرباط 21/05/90 في الملف التجاري 8545/89 .
---------------------------
ومن حيث ان موقف المصرف يكون بالتالي مشوبا بسوء تنفيذ للمهام المنوطة به قانونا، وهذا من شانه ان يرتب تعويضا للمستانف عليها جبرا للضرر اللاحق بها من هذا الموقف، والمتجسم على وجه الخصوص في عدم تمكنها من الدفاع عن مصالحها بالكيفية الملائمة امام القضاء لدفع الدعوى التي وجهها ضدها مالك العين المؤجرة الموما اليه لاستخلاص قدر من الواجبات الكرائية، ثم اداء جزء مهم منها بمقتضى الشيك محل النزاع".
*
* *
خلاصة الامر ان القانون البنكي المغربي يعرف تطورا ملموسا وايجابيا، وان هناك المزيد من الالمام بجوانب المسؤولية المدنية للابناك من طرف المحاكم التي تكرس منذ مدة لا يستهان بها مبادئ وقواعد واجتهادات قضائية غنية فعلا تثرى هذا العمل ومن شانه ان يكون حافزا حقيقيا، لإتقان افضل للممارسات البنكية السائدة، وفق ما ورد في مقدمة هذا البحث.

ولا يمكن لي في الختام سوى ان التمس من القارئ المعذرة لعدم التمكن من التطرق الى باقي جوانب المسؤولية المثارة لتشعب الموضوع وتنوع عدد القضايا التي تهم هذا الجانب، فضلا عن ضيق الوقت وفضلا عن الاخطاء التي قد تشوب العرض باعتبار سمة الخطا البشرية.

لكن المؤكد فعلا ان الاجتهاد القضائي المغربي في مادة المسؤولية المدنية للابناك يزداد تطورا ويزداد الماما بجوانب هذا الموضوع، ويتلقى مع افضل الاتجاهات القضائية الاجنبية التي تناولت هذه الاشكالات.

* مجلة المحاكم المغربية، عدد 71، ص 7.

المسؤولية المدنية 3



الأستاذ عبد العزيز توفيق رئيس القسم المدني بالمحكمة الابتدائية
بالدار البيضاء

المطلب الثالث :
خطــــا الغيــــــر

تعريف الغير : يقصد بالغير هنا كل من سوى المضرور والمدعى عليه، والاشخاص الذين يساءل عنهم، اما الاشخاص الذين يساءل عنهم المدعى عليه بمقتضى القانون كابنائه القاصرين الساكنين معه، او مختلي العقل او بمقتضى العقد كخدامه اثناء حالة التبعية او التلاميذ في المدارس بالنسبة للمعلمين او الاطفال في اندية الشبيبة والرياضة بالنسبة لمدربيهم او مختلي العقل بالنسبة لمن كلفوا بمراقبتهم وحراستهم، او متعلمي الحرف والصناعات بالنسبة لمعلمي هذه الحرف الفصلان 85 و85 مكرر من قانون العقود والالتزامات. فهؤلاء جميعا لا يعتبرون من الغير، في حالة ما اذا ارتكب المسؤول عنهم خطا او ارتكب احدهم خطا ساعد على وقوع الضرر لاحد من الغير .

وهكذا، اذا ما ارتكب المدعى عليه خطا ادى الى احداث ضرر للمضرور، وساعد على هذا الضرر خطا ارتكبه احد الذين يسال عنهم المدعى عليه المذكورين اعلاه، فان المدعى عليه يسال عن الضرر الكامل، ولا يمكنه ان يدفع بخطا الغير، لان هذا الغير ليس اجنبيا عنه .

ولنضرب لذلك امثلة :
شخص يقود سيارة في ملكه ويحمل معه صديقا له، وفي الطريق يقع اصطدام بين سيارته وسيارة آتية من الاتجاه المعاكس، وذلك بخطا من السائقين معا لكون ان اي منهما لم يلتزم يمينه عند التقابل، واصيب الراكب بجروح نتيجة الاصطدام وتقدم بدعوى المطالبة بتعويض الضرر اللاحق به من جراء الاصطدام، وتبين ان السيارة الثانية في ملك سائق السيارة الاولي يسوقها مستخدمه في مهمة للمالك او ابنه القاصر الساكن معه فان المدعى عليه الاول الذي اقام عليه المدعي دعوى التعويض لا يمكنه ان يدفع بخطا الغير، لان الغير وان ارتكب خطا ساعد على وقوع الضرر فان هذا الغير، لا يعد اجنبيا عن المدعى عليه، ولا غيرا بالنسبة له .

او يحاول سائق السيارة تفادي دوس عابر الطريق يعبرها فجاة، وبدون احتياط من غير المكان المخصص للراجلين. فينحرف تحت المفاجاة بسرعة الى اليمن مما يجعله يصدم سيارة كانت متوقفة على جانب الطريق الايمن ويلحق بها اضرارا مادية، واذا بعابر الطريق هو ابن المدعي عليه مالك السيارة او احد خدمه في حالة التبعية واي شخص اخر من الذين يسال عنهم المدعى عليه ففي هذه الحالة كما في الحالة الاولى لا يمكن للمدعى عليه ان يدفع بخطا الغير، وانما يتحمل هو وحده، كامل مسؤولية الضرر .

وتجب التفرقة هنا بين حالة المسؤولية الشخصية، التي يكون فيها الشخص مسؤولا عن افعاله الشخصية، كما يتاتى تفصيل ذلك فيما يعد، وبين حالة المسؤولية عن الاشياء التي تحت حراسة الشخص، ففي حالة المسؤولية عن الاشياء عندما يكون سائق السيارة الثانية - كما في المثال الاول - هو ابن مالك السيارة الاولى، الا ان السيارة التي كان يسوقها الابن او التابع، ليست في ملك الاب او المتبوع وانما هي في ملك شخص اجنبي عنه فان المدعى عليه مالك السيارة الاولى، يستفيد من خطا الغير، ويعفيه عند ثبوته من جزء من المسؤولية، لان الغير المسؤول هنا - والمسؤولية عن الاشياء - هو مالك السيارة الثانية لا سائقها وهو غير بالنسبة لسائق السيارة الاولى .

وفي المثال الثاني، اذا كان عابر الطريق ابنا او تابعا لسائق السيارة، الا ان السيارة ليست في ملك السائق، وانما هي في ملك شخص اخر سلمها له لقضاء بعض اغراضه ففي هذه الحالة كذلك، ومناط المسؤولية هنا هو المسؤولية عن الاشياء. فان الغير الذي ارتكب خطا يعد اجنبيا عن المسؤول وبالتالي يحق لهذا الاخير ان يتمسك بخطا الغير .

الا انه في حالة ما اذا كانت السيارة في المثال الاول في ملك صاحب السيارة الاولى، كان سائقها اجنبيا عن مالكها، فان مالك السيارة الاول الذي هو في نفس الوقت مالك السيارة الثانية - والمسؤولية هنا عن الاشياء - لا يمكنه ان يدفع بخطا الغير، الذي هو سائق الثانية والذي لا تربطه به اي رابطة من حيث المسؤولية (1) .

قد يرتكب الغير خطا يكون هو السبب المباشر والمنتج للضرر، فيقطع العلاقة السببية بين خطا المدعى عليه والضرر الحاصل للمدعي، فنقول ان خطا الغير، قد اعفى المدعى عليه من كل المسؤولية، وقد يرتكب الغير خطا ساعد على احداث الضرر بالاضافة الى خطا المدعى عليه فنكون في حالة تعدد المسؤولية، وقد يضاف الى هذين الخطاين خطا المضرور نفسه، وسنخصص فرعا لكل حالة من هذه الحالات الثلاث :

الفرع الاول :
خطا الغير وحده

قد يرتكب غير المدعى عليه، خطا احدث ضررا للمدعي، وفي هذه الحالة اذا ما ثبت ان خطا الغير هو السبب المنتج وحده لاحداث الضرر للمدعي فان خطا هذا الغير، يقطع العلاقة السببية بين فعل المدعى عليه، والضرر الحاصل للمدعي، ويعفى المدعى عليه من كل مسؤولية اتجاه المضرور المدعي، فالشخص الذي يركب سيارة اجرة، فتنقلب هذه الاخيرة نتيجة اجتياز سيارة اخرى لها، وقطعها الطريق عليها بانحرافها الى اليمين بمجرد الاجتياز، مما اضطر معه سائق السيارة الاولى الى الانحراف الى اليمين بسرعة لتفادي الاصطدام بالسيارة المجتازة، لتنقلب السيارة ويصاب بعض الركاب بجروح، فلا شك ان خطا سائق السيارة الثانية هو السبب المباشر في وقوع الحادثة واصابة الركاب بجروح وبالتالي يعفى المدعى عليه سائق السيارة الاولى - الناقل - من كل مسؤولية اتجاه الركاب. وسائق السيارة الذي يوقفها عند اشارة الضوء الاحمر، فياتي سائق سيارة اخرى يريد الوقوف الا انه لم يتمكن من ذلك لعطب في الحصار فيصدم السيارة الاولى التي يدورها وتحت تاثير الصدمة تصدم دراجيا كان متوقفا امامها في انتظار اشارة الضوء الاخضر ويصاب بجروح فلا شك ان مسؤولية هذه الحادثة لا يتحملها حارس السيارة الاولى التي صدمت الدراجي، وانما يتحملها حارس السيارة الثانية التي صدمت السيارة الاولى، وان خطا هذا الغير يعفي المدعى عليه مالك السيارة الاولى بل انه - اي
مالك السيارة الاولى - من حقه ان يحصل على تعويض ما لحق سيارته من خسارة نتيجة صدمها .

والممثل الذي يمثل في افلام رعاة البقر او يمثل في دور شرطي في محاربة العصابات، او احد افراد هذه العصابات في الافلام البوليسية يستعمل مسدسا مخصصا لهذه الغاية محشوا بذخيرة ميتة خاصة بالتمثيل واذا بالشخص المكلف بملء هذه المسدسات وقد اراد قتل عدو له من الممثلين او فعل ذلك عن خطا، يعمد الى حشو المسدس برصاص قاتل، ويصوب الممثل مسدسه الى احد افراد العصابة او الى شرطي وهو يؤدي دوره وبدون علم منه بالحشو فيطلق رصاصة تصيب الممثل الاخير في مقتل وترديه قتيلا، فلا شك ان فعل المكلف بحشو المسدسات سواء كان عمدا او خطا، - هو السبب المباشر في احداث الضرر للممثل الاخر، وبالتالي يعفى الممثل الذي اطلق الرصاص، من كل مسؤولية اتجاه ذوي حقوق الضحية، او اتجاه الضحية نفسه ان اصيب بجروح لم تؤد الى وفاته .

وفي المسؤولية العقدية : خياط سلمه الزبناء الاثواب لخياطتها، فتندلع النار في دكان بجوار دكانه نتيجة ترك صاحبه فرن الغاز مثلا، وتحترق الاثواب المودعة عند الخياط، فلا شك ان الخياط لا يتحمل اية مسؤولية اتجاه زبنائه لان خطا صاحب الدكان الذي اشتعلت فيه النار هو المسؤول اتجاه اصحاب الاثواب .

مستودع لحفظ البضائع، يودع فيه الزبناء بضاعتهم لحفظها واسترجاعها متى شاءوا لقاء اجر عن ذلك فيعمد ساكن فوق المستودع الى محاولة تصريف مياه تجمعت في مطبخه او في بيت النظافة ويدخل قضيب حديد في مجرى الماء، فيثقب انبوبا يمر من المستودع فيمتلئ المستودع ماء ويفسد البضائع المودعة، فلا شك ان خطا الساكن الذي ثقب الانبوب يكون هو السبب المباشر في احداث الضرر بالبضاعة المودعة في المستودع، وبالتالي يكون خطا - خطا الساكن - قد اعفى صاحب المستودع من كل مسؤولية اتجاه زبنائه اصحاب البضائع. وقد جاء في قرار لمحكمة النقض المصرية صادر بتاريخ 13/7/66. " ان احداث وفاة المريض نتيجة خطا في عملية التخدير وثبوت عدم وقوع اي خطا في الجراحة من الطبيب الذي اجراها وعدم استطاعة هذا الاخير منع الطبيب الذي عينته ادارة المستشفى من مباشرة عملية التخدير ينتفي معه الخطا التقصيري في جانب الطبيب الجراح" (2) .

وعلى الجملة، فكلما كان خطا الغير هو السبب المباشر في احداث الضرر للغير ولم يقم المدعى عليه باي خطا فان المسؤولية كلها يتحملها الغير، ويعفى المدعى عليه من كل مسؤولية .

وفي جميع الحالات المتقدمة في خطا الغير فان المدعي عادة يقيم الدعوى ضد المتسبب في الضرر مباشرة ثم يعمد هذا الاخير، الى ادخال الغير المتسبب في الضرر في الدعوى، وفي حالة ثبوت خطئه فان المحكمة تخرج المدعى عليه الاول من الدعوى متى تبين انه لم يرتكب اي خطا وتحكم على المدخل المسؤول بكل التعويض المستحق للمدعي .

ومن غير الضروري ان يكون هذا الغير معلوما، ليكون خطاه معفيا للمدعى عليه، فقد يمكن ان يكون الغير مجهولا متى ثبت من التحقيق او اثبت المدعى عليه ان الخطا ارتكبه الغير وان هذا الغير مجهول .

ففي المسؤولية العقدية، ناخذ كمثال صاحب مصبنة يقوم بتصبين الملابس وتنظيفها وصبغها، وفي الليل تتعرض مصبنته - التي احكم اغلاق ابوابها كالعادة - الى كسر الاقفال، او الى ثقب الجدار من طرف لصوص ويستولون على كل ما فيها من ملابس واثواب، ولم يقع العثور على السارق فلا شك ان هذا السارق ما دام لم يقع العثور عليه يعتبر مجهولا، ومع ذلك فان فعله هذا يعد قوة قاهرة بالنسبة لصاحب المصبنة ويعفيه من كل مسؤولية وهو المفهوم المخالف لمقتضيات الفصل 807 من قانون الالتزامات والعقود الذي ينص على ان "يضمن المودع عنده الهلاك او الضرر الناتج عن اي سبب كان يمكنه التحرز منه .
اولا - عندما ياخذ اجرا عن حفظ الوديعة .
ثانيا - عندما يتسلم الودائع بحكم مهنته او وظيفته" وعلى العكس من ذلك لو ان صاحب المصبغة لم يحكم اغلاق اقفالها، او لو ترك احدى النوافذ بدون اغلاق ودخل منها اللصوص ليتحمل كامل المسؤولية اتجاه الزبائن وذلك نتيجة اهماله .

وفي المسؤولية التقصيرية : سائق السيارة تسير بسرعة معتدلة ملتزما يمينه واذا بسائق شاحنة يجتازه ثم تقطع عليه الطريق بغتة وبرجوعه الى اليمين " ذنب السمكة" فيضطر سائق السيارة الاولى الى الانحراف بغتة وبسرعة لتفادي الاصطدام بالشاحنة المذكورة فيصيب راجلا يسير بجانب الطريق وتابع سائق الشاحنة طريقه دون توقف ودون ان يتمكن احد من اخذ رقم الشاحنة ويبقى الغير المتسبب في الحادثة مجهولا .

وكذلك سائق السيارة الذي يتقابل مع سيارة اخرى وترمي حجرة على الزجاج الامامي للسيارة الاولى فينكسر ويصيب السائق بجروح يتعذر معها عليه التحكم في السيارة فيصطدم بشجرة او سيارة اخرى اتية من الاتجاه المعاكس ويصاب بعض الاشخاص بجروح بسبب الحادثة وتابع سائق السيارة الثانية طريقه دون توقف ولم يتمكن احد من التعرف عليه ويبقى مجهولا (3) مثل هذين الحالتين معا، رغم ان المتسبب في الحادثة مجهول فان خطا هذا الغير المجهول يعفي المدعى عليه من كل مسؤولية بعد ان يثبت هذا الاخير ان خطا الغير المجهول يعفي المدعى عليه من كل مسؤولية بعد ان يثبت هذا الاخير ان خطا الغير هو المسؤول عن الحادثة وانه - اي المدعى عليه - لم يرتكب اي خطا يحاسب عليه .

الفرع الثاني
تعدد المسؤولين

قد يرتكب المدعى عليه خطا ويرتكب الغير خطا دون ان يستغرق احدهما الاخر - راجع استغراق احد الخطاين الاخر، عدد 21 من هذه المجلة - " فنكون في حالة تعدد المسؤولين، بمعنى ان كل واحد منهما او منهم يعد مسؤولا عن جزء من التعويض عن الضرار اللاحق بالمدعي، حسب جسامة او بساطة الخطا الذي ارتكبه اتجاه المضرور، ولا فرق في ذلك سواء كانت المسؤولية عقدية او تقصيرية، وسواء كان الخطا واجب الاثبات او مفترضا تجاههما معا او تجاه احدهما دون الاخر .

ففي المسؤولية التقصيرية سائق السيارة يسير ليلا ، وعند تقابله مع سيارة اخرى، لم يقم سائقها بتبديل الانارة ويترك الضوء القوي مشتعلا فيعشي السائق الآتي من الاتجاه المعاكس والذي كان يسير بسرعة مرتفعة ويصدم دراجيا كان يسير امامه، فلا شك ان سائق السيارة الذي صدم الدراجي - ولنفرض ان الدراجة التي كان يركبها الضحية كانت مضاءة بكيفية قانونية - يكون قد ارتكب خطا بعدم تخفيضه السرعة لتكون متلائمة مع الزمان والمكان الذي يجتازه - الليل التقابل الانارة القوية - ولو ادى الامر الى وقوفه عند عدم رؤيته الطريق وان سائق السيارة الاتي من الاتجاه المعاكس هو الاخر قد ارتكب خطا بعدم تخفيضه الانارة عند التقابل، ولا شك ان خطا احدهما لم يستغرق خطا الاخر كما لم يكن نتيجة طبيعية له وبذلك فان كلاهما قد ارتكب خطا مستقلا عن الاخر وبالتالي يكون مسؤولا عن خطاه. وان خطا السائقين في هذا المثال متساو الشيء الذي يجعل كلا منهما يتحمل نصف المسؤولية .

وكذلك الشخص الذي يركب المقعد الخلفي من دراجة نارية، فيقع اصطدام بينها وبين دراجة اخرى اتية من الاتجاه المعاكس لعدم التزام اي من السائقين اليمين عند التقابل فلا شك ان كلا من السائقين ارتكب خطا وان خطاهما متساو وان من حق المضرور وهو راكب المقعد الخلفي ان يحصل على تعويض الضرر منهما معا كلا حسب نصيبه في المسؤولية، ولا يمكن ان يواجه الضحية بتجزئة المسؤولية بين السائقين لانه - اي الضحية- لم يرتكب اي خطا .

وفي المسؤولية العقدية : الشخص الذي يركب سيارة اجرة، وفي الطريق يقع اصطدام بينها وبين سيارة اخرى اتية عن يمين الاولى، الا ان سائقها لم يحترم علامة " قف" الموجودة عن يمينه، فيصاب بعض ركاب السيارة الاولى بجروح فلا شك ان كلا من السائقين ارتكب خطا ساهم في ارتكاب الحادثة، سائق سيارة الاجرة كان يسير بسرعة مرتفعة ولم يخفضها عند اقترابه من ملتقى الطرق تحسبا لما عسى ان يقع، وسائق السيارة الثانية لم يحترم علامة قف. ومن حق المضرور ان يحصل على تعويضه الكامل منهما معا او من ايهما يختار : سائق السيارة التي كان يركبها في نطاق المسؤولية العقدية (عقد النقل) وسائق السيارة الثانية في نطاق المسؤولية التقصيرية .

ومقاول في البناء يتعهد بناء عمارة ولما ينهي اعماله يتعاقد مالكها مع مقاول في الماء وبعد مدة وجيزة تصاب العمارة بشقوق خطيرة في بعض الجدران، ثم تبين ان الماء تسرب من بعض الانابيب الداخلية الباطنية، والذي لم يحكم مقاول الماء تلحيمها عند الالتقاء وينزل الماء على اساس العمارة الذي لم يقم مقاول البناء بوضع الاسمنت المسلح بالكيفية التي وضعها المهندس واضع التصميم، وانما هناك نقص في الحديد والاسمنت وملأ الفراغ برمل مما ساعد على وقوع انخفاض في الاساس نتج عنه نزول في الجدران فلا شك ان كلا من المقاول في البناء والمقاول في ادخال الماء قد ارتكب خطا ساهم في وقوع الضرر، ولا شك ان كلا منهما يعتبر مسؤولا تجاه مالك العمارة حسب ما يقدره الخبراء .

وغالبا ما يتقدم المضرور بدعوى التعويض ضد من يظن انه المسؤول عن الضرر، ثم يدخل المدعى عليه الطرف الاخر في الدعوى ليمكن ان يحكم عليه باداء تعويض يناسب الخطا الذي ارتكبه حسب جسامته او يسره، ويعفى منه المدعى عليه الاول .

وفي حالة ما اذا لم يمكن تحديد نصيب كل من المدعى عليهما، فان القاضي يجعل نصيب كل منهم متساويا مع الاخر اي يقسم التعويض الذي يستحقه المدعي بالتساوي على المدعى عليهم او عليهما (الفصلان 99 و100 من قانون الالتزامات والعقود) كما يجب ان يحكم عليهم متضامنين باداء المبلغ المحكوم به ولمن ادى المبلغ ان يرجع على المحكوم عليه الاخر باداء ما نابه من التعويض .

واذا لم يدخل المدعي في الدعوى - وفي حالة تعدد المسؤولية - الا مسؤولا واحدا ظنا منه ان المسؤولية تقع عليه وحده، وبعد دراسة القضية ومرافعة الاطراف تبين للمحكمة ان المدعى عليه لا يتحمل اي جزء من المسؤولية وان الطرف الذي لم يدخل في الدعوى، يتحمل جزءا منها فانها لا تستطيع ان تحكم على من لم يدخل في الدعوى، وانما تحكم على المدعى عليه بان يؤدي للمدعي كامل التعويض الذي يستحقه، ولمن ادى التعويض الكامل ان يرجع على المتسبب الاخر في الدعوى ليحصل منه على تعويض يعادل نصيبه في المسؤولية، (5) .

الفرع الثالث
خطا الضحية يضاف الى خطا الغير

قد ترتكب الضحية خطا يضاف الى خطا الغير فيكون اطراف العلاقة ثلاثة ضحية من جهة ومسؤولين الا ان الضحية في هذه الحالة يكون هو الاخر قد ارتكب خطا ساهم في ارتكاب الحادثة مثال ذلك سائق سيارة نقل يقف في مكان غير مخصص لنزول الركاب وبعيد عن الطوار الايمن ويفتح الباب لينزل احد الركاب وعند نزول هذا الاخير دون احتياط ودون التاكد من خلو الطريق يمر راكب دراجة نارية ويصدم النازل فيصاب بجروح فلا شك ان كلا من سائق الناقلة قد ارتكب خطا بوقوفه في مكان غير مخصص للوقوف، كما لم يلتزم يمينه عند الوقوف وان الضحية هو الاخر قد ارتكب خطا بنزوله دون احتياط ودون ان يتاكد من خلو الطريق .

كما ان سائق الدارجة النارية قد ارتكب خطا بعدم انتباهه وقت اجتياز الناقلة بالاضافة الى انه اجتاز من اليمين وهي الجهة التي ينزل منها الركاب لوجود البابين بها، وبما ان الاطراف الثلاثة قد ارتكب كل منهم خطا، فانه يتحمل نصيبه من التعويض يعادل الخطا الذي ارتكبه ولنفرض ان خطا كل منهم يمثل الثلث، فانه لا حق للمضرور الا في الثلثين فقط وانه هو يتحمل الثلث الاخر مقابل خطئه .

هوامش :
(1) هذا مع العلم ان حارس السيارة يعد مسؤولا عن الاضرار التي تسبب فيها عملا بالفصل 88 من قانون الالتزامات والعقود، وقد ضربنا هذا المثال فقط لتوضيح معنى الغير .
(2) التعليق على نصوص القانون المدني 1 ص 49 للاستاذ العروسي .
(3) ان خطاء الغير لايمكن ان يعفى من المسؤولية، الا اذا كون هذا الخطا القوة القاهرة او الحادث الفجائي : حكم عدد 148 الصادر بتاريخ 7 محرم 1389 موافق 26 مارس 1969 .
(4) وقد قضى المجلس الاعلى في قرار له صدر بتاريخ 15/4/1970 تحت عدد 197 " ان المحكمة تكون قد خرقت الفصل 88 من ق ل ع عندما رفضت دعوى الضحية لعلة ان الحادث الواقع في المصعد يرجع الى حدث فجائي تسبب فيه شخص لم يتعرف على هويته، في حين ان هذا الاعتبار مجرد افتراض لم يثبت. في هذا الفصل لا نتكلم عن المسؤولية المفترضة، وانما على المسؤولية الواجبة الاتباث اي المسؤولية الشخصية وسنخصص فصولا اخرى ان شاء الله للمسؤولية عن الغير .
(5) الوسيط من 1 هامش ص 1019 للدكتور الاستاذ السنهوري .

* عن مجلة المحاكم المغربية، العدد 22 ، ص 33 .

المسؤولية المدنية 2

للأستاذ عبد العزيز توفيق رئيس القسم
المدني بالمحكمة الابتدائية بالبيضاء


الركن الثالث
العلاقة السببية بين الخطأ والضرر
تعريــف: السببية هي اسناد فعل من الافعال آلي مصدره المباشر، وهي في معرض بحثنا : العلاقة المباشرة التي تقوم بين خطا شخص والضرر الحاصل لشخص اخر نتيجة ذلك، الخطا وهي الركن الثالث من اركان المسؤولية المدنية الذي لا تقوم آلا بتوافره، وكثيرا ما يحدث خطا من شخص وضرر لشخص اخر، آلا ان العلاقة السببية بين الخطا والضرر تنعدم، وبانعدامها تنعدم مسؤولية المخطئ رغم الخطا الذي ارتكبه. فمن يسوق سيارة وهو لا يتوفر على رخصة السياقة ويسير بسرعة معتدلة مراعيا قانون السير فيصدم شخصا ثملا يسير ذات اليمين وذات الشمال في الطريق العام ويصاب هذا الاخير بجروح، فلا شك ان سائق السيارة ارتكب خطا بسياقته السيارة بدون رخصة، ولا شك ايضا ان الشخص الثمل تضرر من جراء الجروح التي اصيب بها نتيجة اصطدامه بالسيارة، آلا انه ليس هناك علاقة سببية بين خطا السائق الذي هو السياقة بدون رخصة وبين ضرر المجروح، ذلك ان سبب وقوع الضرر للمار يرجع آلي خطئه لا آلي السياقة بدون رخصة. وكذلك من يقوم بوضع سم لشخص في الطعام فيتناول هذا الشخص الطعام المسموم آلا انه قبل ان يفعل السم فعله في الاكل، يأتي شخص ويطلق عليه عيارا ناريا فيرديه في الحال فلا شك ان اطلاق الرصاص على الشخص المسموم هو الذي ادى آلي قتله، وقد قطع السببية بين فعل واضع السم وموت الأكل وبالتالي فان واضع السم لا يعد مسؤولا مدنيا عن وفاة الضحية، ولا يمكن لورثة هذا الاخير ان يطالبوه بتعويض عن وفاته، وان كان جنائيا بعد مرتكبا لمحاولة جناية التسمم المنصوص عليه في الفصلين 114 و998 من القانون الجنائي المعاقب عليه كالجريمة التامة.

وقد يقع ضرر لشخص نتيجة فعل قام به شخص اخر وتقوم السببية بين فعل الاول وضرر الثاني الا ان مرتكب الفعل لا يعد مسؤولا عن الضرر الحاصل للمتضرر وذلك اذا كان الفعل الذي قام به الفاعل لا يعتبر خطا، كالدائن الذي يوقع الحجز على منقولات مدينة نتيجة عدم وفاء المدين بالتزامه وتباع بالمزاد العلني بأبخس الاثمان، فلا شك ان المدين تضرر من بيع منقولاته، الا ان الدائن الذي تسبب في هذا البيع لا يعد مسؤولا لانه مارس حقا له مشروعا، ولان الضرر يرجع الى خطا المدين نفسه.

ومعرفة ما اذا كانت السببية بين خطا المخطئ وضرر المتضرر قائمة ام لا ؟ وما هو الضرر الذي يستحق المتضرر عنه التعويض مسالة دقيقة وذلك راجع من جهة آلي ان الضرر كثيرا ما ينشا عن اكثر من سبب واحد، وقد يكون من بين هذه الاسباب المتضرر نفسه فيجب البحث في هذه الحالة عن مدى توافر السببية في أي فعل من هذه الافعال آو فيها جميعا، ومن جهة أخرى فان كثيرا ما تنشا عن خطا واحد اضرار متلاحقة، فأي ضرر يمكن ان يسال عنه المخطئ ام عنها جميعا وهناك حالات أخرى تنتفي فيها المسؤولية بين خطا المخطئ وضرر المتضرر، وعليه فسنبحث موضوع السببية في ثلاثة مباحث.

المبحث الاول : انعدام السببية - المبحث الثاني : تلاحق الاضرار - المبحث الثالث : انعدام السببية وهذا المبحث الاخير يحتوي على مطلبين :
المطلب الاول : خطا المضرور- المطلب الثاني : القوة القاهرة والحادث المفاجئ وخطا المضرور.

المبحث الاول
نظرية تعدد الأسباب
كثيرا ما تتعدد الاسباب التي تتدخل في احداث الضرر للغير سواء كانت قريبة ام بعيدة، مما ادى الى قيام نظرتين في الأفق القانوني وكلتاهما ألمانية، فالاولى تعرف تكافؤ الاسباب وتعادلها، والثانية تعرف بالسبب المنتج او الفعال.


نظرية تكافؤ الأسباب وتعادلها :
قال بها الفقيه الألماني جون فيرى وتتلخص في ان كل سبب تدخل في احداث الضرر مهما كان اثره ضئيلا يعتبر سبيلا متكافئا مع الاسباب الاخرى التي تدخلت في احداثه، وبالتالي يسال مرتكبه بالاضافة الى مرتكب او مرتكبي الافعال الاخرى بنفس النسبة، لان حسب هذه النظرية كل من هذه الافعال يعد سببا في احداث الضرر للمضرور ومساهم فيه، ولولاه لما وقع الضرر. فلو ان شخصا ترك باب سيارته مفتوحا وجاء سارق فسرقها وساقها بسرعة فائقة فصدم شخصا كان يعبر الطريق فان مسؤولية الحادثة بمقتضى هذه النظرية يتحملها بالتساوي كل من مالك السيارة والسارق، اذ لولا خطا المالك بترك السيارة مفتوحة لما أغرى ذلك السارق وسرقتها، ولولا سرعة السارق في سيره لما وقعت الحادثة وبذلك يسال كل من المالك والسارق. ولو اضيف الى هذين الخطأين خطا الضحية نفسه الذي كان يسير وسط الطريق في انعراج لانصهر خطاه الى خطا المالكة والسارق واصبح الثلاثة مسؤولين بالتساوي عن الضرر الحاصل للمضرور بمن فيهم المضرور نفسه، ولا شك ان هذه النظرية : نظرية الضرر الحاصل للمضرور بمن فيهم المضرور نفسه، ولا شك ان هذه النظرية: نظرية تكافؤ الاسباب غير عملية اذ انها تسوي بين جميع الاسباب الي ساهمت ولو بقسط ضئيل في احداث الضرر بل وحتى ما كان منها بعيدا ما دام ساهم في احداث الخطأ. فبحسب هذه النظرية يسال المضرور الذي قطع الطريق وصدم من طرف سائق سيارة يسير بسرعة مفرطة، وذنب المار انه عبر الطريق ولو لم يعبر الطريق ولم يخرج من مسكنه لما وقعت الحادثة، وتحت تاثير النقد الشديد الذي وجه الى نظرية تكافؤ الاسباب بعدم ملاءمتها لواقع الحياة ظهرت نظرية ثانية هي نظرية السبب المنتج.

نظرية السبب المنتج او الفعال
ظهرت هي الاخرى في ألمانيا ينادي بها الفقيه الالماني فون كريس، وخلاصتها انه عند تعدد الاخطاء التي تتسبب في احداث ضرر فانه ينظر الى الخطا الذي يؤدي عادة الى هذه النتيجة دون غيره من الاخطاء الاخرى المشاركة. ففي مثالنا الاول، فان مالك السيارة الذي تركها مفتوحة لا يعد مسؤولا عن الضرر الحاصل للشخص المصدوم لان ترك السيار مفتوحة لا يؤدي عادة الى صدم احد وبالتالي يكون صاحب السيارة غير مسؤول عن الضرر الحاصل للمصدوم، بينما السارق الذي ساق السيارة بسرعة فائقة ولم يحترم قوانين ونظم المرور هو الذي تسبب في الحادثة وحده لان سياقة السيارة بسرعة فائقة مع عدم احترام قواعد السير يؤدي عادة الى الحوادث اذن فخطا سائق السيارة هو السبب المنتج للحادثة، وقد يضاف اليه خطا المتضرر اذا ما عبر الطريق دون احتياط ودون ان يتاكد من خلوها من السيارات، او قطع الطريق وهو ثمل يسير ذات اليمين وذات الشمال فان فعله هذا يعد شيئا طبيعيا وعاديا في ارتكاب الحادثة يضاف الى السبب الاول وهو سياقة السيارة بسرعة فائقة مع عدم احترام قوانين المرور، ومن هنا نرى ان نظرية السبب الناتج تاخذ بالسبب العادي والفعال في ارتكاب الفعل الضار، ولو تعددت بنفس الدرجة وتهمل الافعال الاخرى العارضة التي لا تحدث عادة حوادث وقد استقر القضاء اخيرا على الاخذ بنظرية السبب المنتج وقد احسن المشرع المغربي صنعا عندما اخذ هو الاخر بنظرية السبب المنتج اذ نص في الفصل 78 من قانون الالتزامات والعقود على ان " كل شخص مسؤول عن الضرر المعنوي او المادي الذي احدثه لا بفعله فقط، ولكن بخطاه أيضا، وذلك عندما يثبت ان هذا الخطا هو السبب المباشر في ذلك الضرر" ونص الفصل 79 من نفس القانون على ان " الدولة والبلديات مسؤولة عن الاضرار الناتجة مباشرة عن تسيير ادارتها وعن الاخطاء المصلحية لمستخدميها".
فمن هذين الفصلين يتبين ان المشرع المغربي حذا حذو المشرع الفرنسي في الاخذ بنظرية السبب المنتج.

المبحث الثاني
نظرية تسلسل الأضرار وتعاقبها
تعريف، نظرية تسلسل الاضرار عكس نظرية تعدد الاسباب التي رأيناها من قبل، ان نظرية تعدد الاسباب تعني تعدد الاخطاء التي ادت كلها الى ضرر واحد او عدة اضرار ولكن في وقت واحد، بينما نظرية، تسلسل الاضرار تعني ان سببا واحدا نشأت عنه عدة أضرار متلاحقة واقول متلاحقة لا متعددة، لان التلاحق أو التعاقب او التسلسل كلها الفاظ تفيد ان هذه الاضرار وقعت متلاحقة نتيجة خطا واحد ولم تقع في وقت واحد.

بينما تعدد الاضرار ينشا في وقت واحد من خطا واحد او متعدد. ولنضرب مثلا لتعدد الاضرار، شخصا يسوق سيارة تحمل بضاعة، فتصدم في الطريق من طرف شاحنة وتسفر الحادثة عن انقلاب السيارة وإحراقها، واصابة سائقها بجروح، ادت الى بتر ساقه فلا شك ان هذا الشخص - سائق السيارة - أصيب باضرار مادية في سيارته وبضاعته وملابسه وجسمانية في بدنه ومعنوية في بتر ساقه الذي يلازمه طول حياته، كل هذه أضرار متعددة الا انها نتجت عن خطا واحد في وقت واحد اما تسلسل الاضرار او تعاقبها فقد وجدت له مثالا واحدا في اكثر من عشرة كتب في الموضوع وهو المثال الذي ضربه الفقيه الفرنسي بواثييب ( البقرة الموبوءة) تاجر في المواشي باع بقرة موبوءة الى شخص اخر يشتغل بتربية الماشية والزراعة فتنقل العدوى الى مواشي المشتري وتموت عن اخرها فيعجز المشتري عن زارعة أراضيه ويقترض مبالغ مالية تمكنه من الزراعة ويرهن في ذلك أرضه فلا يستطيع أداء الدين مما يجعل الدائنين يوقعون الحجز على الارض ويبيعونها بأبخص الاثمان وفاء لدينهم فلا شك ان مشتري البقرة تضرر أضرارا متلاحقة، موت البقرة، موت المواشي ببيع الأرض، ويرى بواتيي ان الاضرار المباشرة التي يستحق عليها المشتري التعويض هي موت البقرة الموبوءة وعدوى المواشي اما العجز عن الزراعة او العجز عن عدم الوفاء بالديون فهي أضرار غير مباشرة كان في استطاعة المزارع ان يتوقاها بشيء من التدبير الحكيم، وان كان هذا المثال يطبق على المسؤولية العقدية ونحن بصدد المسؤولية التقصيرية، فانه يمكن ان يضرب مثلا اخر عن تلاحق الأضرار وتسلسلها. ساعي البريد يقوم بتوزيع البريد داخل المدينة فيصدم من طرف سائق سيارة وينقل الى المستشفى، قبل ان تبلغ الرسائل الى اصحابها وتشعر ادارة البريد بالحادث، فلم تكلف ساعيا اخر باتمام عمل الساعي المتضرر فهل يسال صاحب السيارة عن الاضرار التي لحقت بشخص ادعى انه لم يتوصل بالاستدعاء الى امتحان في الوقت المحدد، بسبب الحادثة التي تعرض لها ساعي البريد او الاضرار التي لحقت تاجرا لم يتوصل باشعار باستلام بضاعته التي وصلت بالطائرة من أمين النقل للسبب نفسه، واضطر الى اداء مبالغ مهمة اضافية عن كراء المخزن الذي وضعت فيه البضائع، فلا شك ان ساعي البريد تضرر من جراء الحادثة التي اصيب بها ولا شك ان المرشح آلي الامتحان تضرر كذلك نتيجة عدم اتمام ساعي البريد عمله، ولا شك كذلك ان التاجر تضرر بدفع مبالغ زائدة على المبلغ الذي كان سيدفعه الى امين النقل لو انه توصل بالاشعار في الوقت المحدد، آلا ان هذه الاضرار كلها ليست نتيجة طبيعية لخطا سائق السيارة، اذا كان على ادارة البريد المحلية ان تكلف ساعيا اخر بإتمام عمل الساعي المصاب ولا يسال سائق السيارة آلا عن الضرر المباشر بسبب خطئه وهو جرح ساعي البريد، آما غيره من الاضرار فلا يسال عنها لانها اضرار غير مباشرة وكذلك الشخص الذي يصاب بجروح نتيجة صدمة من طرف سائق السيارة فيهمل معالجة تلك الجروح الى ان تطورت وادت الى مضاعفات اضطر معها الى عرض نفسه أخيرا على طبيب يشير عليه باجراء عملية جراحية يستصعبها المتضرر فيتطور الآمر الى مرض لا ينفع فيه العلاج ولا العملية الجراحية ويؤدي الى وفاة المتضرر فلا شك ان المتضرر أصيب باضرار متلاحقة : جروح عادية، ثم ضرر يتطلب عملية جراحية ثم ضرر لا ينفع فيه العلاج واخيرا الوفاة، فهل يعتبر سائق السيارة المتسبب في الحادث مسؤولا عن كل هذه الاضرار بما فيها الوفاة.

أولا يسال عن الجرح وحده، ويعتبر غيره من الأضرار الأخرى ناشئة عن خطا المتضرر الذي لم يبادر الى العلاج، اعتقد ان الامر ليس في غاية السهولة فيجب ان ينظر اولا الى هذا الضحية ومستواه الفكري والحضاري، فاذا كان من سكان البوادي الذين لا يؤمنون بجدوى الطب الحديث ويستعملون التداوي بالأعشاب او الكي او الرقي، او كانت العملية غير محققة النتائج فان مرتكب الحادثة يعد مسؤولا عن الوفاة، اما اذا كان الضحية من سكان المدن واهمل علاج نفسه حتى ساءت حالته فلا شك ان خطا هذا قطع خطا مرتكب الحادثة الذي لا يسال الا عن الجرح الذي حصل للضحية لإنه كان في استطاعته ان يتوفى هذه الاضرار ببدل جهد معقول في العلاج والتداوي، وعرض نفسه على الاطباء ليتمكن من حصر المرض في اوله والقضاء عليه، فاذا عمل ولم ينفع العلاج بذلك يسال مرتكب الحادثة عن نتائج عمله ولو أتت متلاحقة.

وكذلك الشخص الذي يصاب بحادثة سير فيضطر لملازمة الفراش مدة يهمل فيها تجارته حتى تبور فيضطر الى اقتراض مبالغ مالية لاستئناف نشاطه التجاري، ويرهن منزله ضمانا للدين، إلا ان تجارته تكسد مرة اخرى، فيضطر تحت طلب الدائنين الى بيع منزله المرهون بابخس الاثمان، فلا شك هنا ان هذا الشخص اصيب بأضرار متلاحقة جروح في جسمه، كساد تجارته الأولى، كساد تجارته الثانية توقيع الحجز على منزله وبيعه بابخس الاثمان وأخيرا إفلاسه، فهل يسال مرتكب الحادثة عن كل هذه الاضرار المتلاحقة ؟ اعتقد انه لا يسال آلا عن الجروح وما ترتب عنها من كساد التجارة الاولى بسبب ملازمته الفراش، آما كساد تجارته الثانية وبيع منزله وافلاسه فان هذه الاضرار كان في استطاعته ان يتوقاها ببذل جهد معقول ولذلك فان المعيار الذي يجب ان نقيس به الضرر المباشر، هو الضرر الذي لا يمكن للمتضرر ان يتوقاه ببذل جهد معقول فاذا امكن ان يتوقاه كان ضررا غير مباشر لا يستحق عليه تعويضا ألانه هو الذي اهمل وأخطأ في بذل الجهد، ولذلك يجب ان يتحمل نتيجة خطاه.

وقد وقع خلاف في بادئ الامر في الفقه و القضاء حول الضرر الذي يجب التعويض عنه اهو الضرر المباشر فقط ؟ أو جميع الاضرار الناشئة عن خطا ولو تلاحقت آو تسلسلت ؟ كما في الامثلة التي سقناها اعلاه، وأخيرا استقر الاجتهاد وبعده التشريع على ان الضرر الذي يجب ان يعوض هو ما كان نتيجة عادية وطبيعية ومباشرة لخطا المسؤول والى هذا الاتجاه ذهب المشرع المغربي في قانون الالتزامات والعقود.
فقد نص الفصل 98 من نفس القانون على ان " الضرر في الجرائم وأشباه الجرائم، هي الخسارة التي لحقت المدعى فعلا والمصروفات الضرورية التي اضطر الى إنفاقها او سيضطر الى إنفاقها لاصلاح نتائج الفعل الذي ارتكبه إضرارا به وكذلك ما حرم من نفع في دائرة الحدود العادية لنتائج هذا الفعل".

ونص الفصل 264 من القانون المذكور في فقرته الاولى على ان " الضرر هو ما لحق الدائن من خسارة حقيقية وما فاته من كسب متى كان ناتجين مباشرة عن عدم الوفاء بالالتزام".

من النصين السابقين تبين ان الضرر الذي أعطى فيه المشرع المغربي الحق للمتضرر في طلب التعويض، سواء كان الضرر ناشئا عن المسؤولية العقدية او التقصيرية هو ما كان نتيجة عادية ومباشرة ومألوفة للفعل الضار الذي ارتكبه المسؤول، اما الأضرار المتلاحقة غير العادية فلا يسال عنها مرتكب الخطا، وانما يسال عنها من تدخل بصفة مباشرة في إحداثها ونسوق هنا امثلة اخرى في حالة تدخل أسباب أخرى مستقلة عن خطا المخطئ الاول بالإضافة الى الأمثلة التي سقناها اعلاه، فالشخص الذي يصاب بحادثة سيارة بجروح، وينقل الى المستشفى على سيارة إسعاف ثم تتعرض هذه الأخيرة الى حادثة تؤدي الى انقلابها، مما سبب في وفاة الضحية المجروح فلا شك ان سبب الوفاة يرجع الى انقلاب سيارة الإسعاف لا الى سائق السيارة الأولى الذي يسال فقط عن الجروح التي تسبب فيها للضحية وكذلك الشخص الذي يجرح نتيجة خطا شخص اخر فنقل الى المستشفى للعلاج فيحترق المستشفى بمن فيه، او يخطئ الطبيب في وصف الدواء او وصف العملية او في العملية نفسها مما يؤدي الى وفاة المجروح او الى مضاعفات اخرى ما كانت لتحدث بسبب الجروح الاولى فهذه الأسباب أجنبية عن خطا المخطئ وبالتالي تعفيه مما قد يترتب عنها من اضرار للغير.
للبحث بقية


* مجلة المحاكم المغربية، عدد 20/19، ص 31.

المسؤولية المدنية

للأستاذ توفيق عبد العزيز

العرض الذي ألقاه الأستاذ عبد العزيز توفيق رئيس القسم المدني بالمحكمة الابتدائية بالدار البيضاء في المناظرة الوطنية التي أقامتها وزارة العدل ما بين 18 ماي 78 و25 منه، حول حوادث السير .

ايها السيدات والسادة ،
لبسط المسؤولية المدنية في ميدان حوادث السير، نرى ان نخصص فصلا أولا لتعريف المسؤولية المدنية، وتقسيمها الى مسؤولية عقدية، ومسؤولية تقصيرية، ونخصص فصلا ثانيا لأركان المسؤولية التقصيرية، نبحث الخطا في بحث أول، والضرر في بحث ثان، والعلاقة السببية بين الخطا والضرر في بحث ثالث، ونخصص البحث الرابع لتشطير المسؤولية المدنية .

الفصل الأول :
تعريف المسؤولية المدنية :
المسؤولية المدنية هي التزام شخص بتعويض عن ضرر الحقه بالغير، سواء كان هذا الالتزام محددا في نصوص او غير محدد، وهي عقدية إذا وقع الإخلال بعقد قائم بين المخطئ والمتضرر، وتقصيرية وهي موضوع عرضنا هذا - وتقوم إذا وقع الإخلال بالتزام قانوني عام، يوجب عدم إلحاق ضرر بالغير سواء كان هذا الإخلال عمدا كمن يرمي حجرا على شخص عمدا فيصيبه بجروح، او غير عمد، كمن يجري فيعثر ويمسك بشخص بجواره ليتفادى السقوط فيمزق ثيابه او يسقط شيئا كان يحمله الشخص في يده فيتكسر، وقديما قال فقهاء الشريعة الإسلامية " العمد والخطا في أموال الناس سواء" اي ان المتسبب في الضرر يضمن سواء كان فعله عمدا او خطا.

والمسؤولية المدنية تقوم في كلتا الحالتين، اي سواء كان الفعل مقصودا او غير مقصود، فقد نص الفصل 77 من قانون الالتزامات والعقود على ان " كل فعل ارتكبه إنسان عن بينة واختيار ومن غير ان يسمح له به القانون فأحدث ضررا ماديا او معنويا للغير، الزم مرتكبه بتعويض هذا الضرر، اذا اثبت ان ذلك الفعل هو السبب المباشر في حصول الضرر، وكل شرط مخالف لذلك يكون عديم الأثر".

ونص الفصل 78 من نفس القانون على ان "كل شخص مسؤول عن الضرر المعنوي او المادي الذي أحدثه لا بفعله فقط، ولكن بخطاه أيضا، وذلك عندما يثبت ان هذا الخطا هو السبب المباشر في ذلك الضرر" .

من التدقيق في الفصلين السابقين يتبين ان المشرع المغربي على غرار الشريعة الإسلامية، الزم كل من تسبب في الضرر سواء بخطإه او بفعله العمدي، ان يعوض المتضرر عما احدثه له من ضرر .

الفصل الثاني :
أركان المسؤولية التقصيرية من التدقيق في الفصلين المشار اليهما أعلاه يتبين ان أركان المسؤولية
التقصيرية ثلاثة وهي :
1) الخطا - 2 - الضرر - 3 - العلاقة السببية بين الخطا والضرر

البحث الأول : الخطا :
الخطا هو الركن الأول والاهم في المسؤولية التقصيرية، وهو الإخلال بالتزام قانوني عام، مع ادراك هذا الإخلال من طرف المخطئ. والخطا سواء كان بالفعل او بالترك يوجب المسؤولية .

فالخطأ بالفعل هو الخطأ الإيجابي أي عندما يقوم المخطئ بعمل مخالف للقانون والاعراف واللوائح، كمن يقتل شخصا او يتلف مال غيره، وكل جريمة تنشا عنها مسؤولية تقصيرية متى نتج عنها ضرر للغير .

والخطأ بالترك او الخطأ السلبي، يقوم اذا ترك المخطىء ما كان يجب عليه فعله، كأن يحفر شخص حفرة على حاشية الطريق، ويهمل الإشارة اليها او اضاءتها ليلا لينبه المارة اليها فيسقط فيها شخص - ويصاب بجروح او ان يوقف سائق عربته اختياريا او اضطراريا على قارعة الطريق، ولا يضع علامة العطب أمام وخلف العربة بمسافة محددة فتصطدم بها عربة أخرى، فان كلا من الشخصين يكون مسؤولا عن الاضرار التي احدثها للغير بسبب تركه ما كان يجب عليه فعله، وكذلك مالك منزل يتركه يتآكل ولا يقوم بصيانته والمحافظة عليه فيسقط نتيجة القدم فيصيب أشخاصا في ابدانهم او أموالهم فان مالك المنزل يكون مسؤولا عن هذه الأضرار، (الفصل 89 من قانون الالتزامات والعقود ) .

والخطأ السلبي أوسع من الخطأ الإيجابي في الحياة اليومية، ذلك ان الخطا الإيجابي ينشا عن كل مخالفة للأعراف والعادات والقوانين والتقاليد متى تسببت هذه المخالفات في احداث ضرر للغير، لان كل شخص ملزم بان يتخذ ما من شانه ان يمنع الضرر والأذى عن الغير، والا كان مسؤولا عن هذا الضرر .

والخطاء بدوره، يتكون من عنصرين :
الأول : عنصر مادي او موضوعي وهو الفعل الضار ويسمى اصطلاحا بالتعدي .
الثاني : عنصر معنوي وهو ادراك الشخص للخطا الذي ارتكبه ويسمى ايضا التمييز .

1) التعدي :
التعدي هو الإخلال بالتزام قانوني عام، سواء كان محددا في نصوص او غير محدد، وهو ايضا الانحراف عن سلوك الشخص العادي في تصرفاته .
ولكن ما معيار هذا الانحراف ؟ ومن هو الشخص العادي الذي يجب ان يتخذ مثالا ومقياسا لكل شخص وقع به الخطا حتى نتمكن من مساءلته ؟ الواقع ان هناك خلافا كبيرا بين الفقهاء في تحديد المعيار الذي يجب ان يقاس به هذا الانحراف، اهو معيار شخصي ينظر فيه الى الشخص المعتدي ؟ ام هو معيار موضوعي ينظر فيه الى الاعتداء نفسه بقطع النظر عن الشخص الذي قام به ؟ ، فاذا اعتمدنا على المعيار الشخصي، كان علينا ان ننظر الى الاعتداء من خلال الشخص المعتدي، فنبحث هل الفعل الذي قام به يعتبر بالنسبة اليه انحرافا عن السلوك العام القويم ام لا ؟ والحقيقة انه بالاعتماد على المعيار الشخصي نكون امام عدة معايير تختلف باختلاف الاشخاص وتتعدد بتعددهم، ذلك ان سلوك الشخص الذكي الحاذق يختلف عن سلوك الشخص الغبي البليد، كما ان سلوك الشخص الحذر اليقظ يختلف عن سلوك الشخص المتهور المهمل، فاي انحراف من الشخص الذكي اليقظ يعد تعديا يستوجب مسؤولية بينما نفس الانحراف من الشخص المتوسط الذكاء او الغبي لا يعد تعديا، وبالتالي فلا مسؤولية عليه، وفي الاعتماد على هذا المعيار اي المعيار الشخصي ضرر على المعتدى عليه وضياع لحقوقه .

ولنفرض ان شخصا واحدا تعرض لاعتدائين بنفس المستوى من شخصين احدهما ذكي متبصر والثاني غبي مهمل، فان المتضرر يستحق تعويضا عما لحقه من ضرر بسبب تعدي الشخص الذكي، بينما لا يستحق تعويضا من الشخص البليد المتهور، لان ما قام به هذا الاخير لا يعد تعديا بالنسبة اليه يوجب مسؤوليته .
هذا بالإضافة الى ان هذا المعيار يتعدد حسب تعدد الأشخاص ودرجات ذكائهم ويقظتهم وسلوكهم في الحياة، وهو امر يصعب معه حصر حالة كل شخص على حدة .

كما ان الاعتماد على المعيار الموضوعي، اي النظر الى التعدي في حد ذاته بقطع النظر عن الشخص المعتدي، فيه ضرر كبير على أولئك المعتدين الذين يتمتعون بمواصفات عقلية بسيطة متخلفة. وقد استقر الفقه ثم القضاء من بعده على الاعتماد على المعيار الشخصي، ولكن باتخاذ الشخص المتوسط في الحياة لا الشديد الذكاء والحذر واليقظ، ولا الغبي المتهور المهمل، وهو الشخص العادي الذي اطلق عليه "رب الأسرة" وهو شخص عادة يكون متبصرا ومحافظا على مستقبل أسرته وسلامتها، من غير ان يتمتع بذكاء حاد وحذاقة مرموقة فكل شخص وجد في نفس ظروف هذا الشخص الخارجية لا الداخلية، لان الظروف الداخلية تختلف باختلاف الأشخاص من حيث الجسم والجنس والمزاج - وارتكب عملا فيه انحراف نقيسه بهذا الرجل الذي اذا ما وجد في مثل ظروفه، هل ينحرف هذا الانحراف ام لا ؟ وهل يقوم بما قام به هذا الشخص المعتدي ام لا ؟ فاذا كان في مثل ظروفه وانحرف بالنسبة لهذا الشخص يعد مسؤولا، واذا لم ينحرف لا يعد مسؤولا، لنضرب لذلك مثلا ما دامت مناظرتنا هذه حول حوادث السير : شخص يسوق سيارة ليلا فيدوس احد المارة ويتسبب له في جروح، فينبغي ان ننظر الى سلوك هذا الشخص في ظروفه الخارجية لا الداخلية من حيث كونه متوتر الأعصاب او ضعيف البصر، او مرهقا بكثرة العمل" لان رب الأسرة النموذجي الذي اخترناه مقياسا لا يتصف بواحدة من هذه الصفات واذا كان في حالة منها فانه يمتنع عن السياقة، وننظر هل كان السائق يسير بسرعة غير متلائمة مع الزمان والمكان الذي يجتازه وهل الطريق واضحة الرؤية ام لا ؟ وهل يتوفر على فرامل؟ وهل استعمل الفرامل فعلا في الوقت المناسب فاذا تبين ان السائق فعل كل هذه الاحتياطات وهي الاحتياطات التي يمكن للرجل العادي ان يقوم بها، فان ما قام به هذا السائق لا يعد انحرافا يوجب مسؤولية .
وان لم يفعل بعضها او لم يقم باي منها فان فعله هذا يعد انحرافا يستوجب - مسؤوليته وهكذا نرى ان المعيار الشخصي معيار مرن يحقق العدالة للطرفين اكثر من المعيار الموضوعي .

2 ) الإدراك :
نص الفصل 177 اعلاه " كل فعل ارتكبه الانسان عن بينة واختيار " فالبينة اذن وهي ادراك الشخص للعمل الذي يقوم به ويعرف انه فعلا يقوم بعمل فيه ضرر للغير، فاذا انعدم هذا الادراك انعدمت مسؤولية المعتدي وقد اكد هذا الاتجاه الفصل 96 من نفس القانون فقد نص على ان القاصر عديم التمييز لا يسال مدنيا عن الضرر الحاصل بفعله" ويطبق نفس الحكم على فاقد العقل بالنسبة الى الاعمال الحاصلة في حالة جنونه .
وبالعكس من ذلك يسال القاصر عن الضرر الحاصل بفعله اذا كان له من التمييز الدرجة اللازمة لتقدير نتائج اعماله " .

فالادراك او التمييز هو مناط الخطا وبالتالي مناط المسؤولية التقصيرية تقوم بقيامه وتنعدم بانعدامه .
وقد سوى المشرع المغربي بين القاصر الذي يقل عمره عن 12 سنة وبين فاقد العقل اذا ارتكب هذا الاخير خطا وهو في حالته هذه، وذلك لانعدام التمييز لدى كل منهما .
فالقاصر غير المميز او المجنون لايسال كل منهما عن الاخطاء التي يرتكبها وذلك لعدم امكان نسبة الخطا لكل منهما، لانعدام ادراكه، لكن اذا كان المتضرر لايمكنه مقاضاة القاصر غير المميز او فاقد العقل، فان باستطاعته مقاضاة المسؤول عن رقابة كل منهما، سواء كانت الرقابة قانونية كالاب او الوصي او المقدم او كانت اتفاقية كمراقبي مختلي العقل، او المعلمين او معلمي الحرف اثناء وجود المتسببين في الضرر تحت رقابتهم .

مسالة فاقد التمييز مباشرة
تميل بعض التشريعات الحديثة الى مساءلة عديم التمييز وفاقد العقل عن الاخطاء - التي يرتكبها كل منهما في حالة عدم امكان مساءلة غيرهما وكان المتسبب في الضرر مليئا والضحية فقيرا وهم يعتمدون في هذا المعيار الموضوعي ومن هذه التشريعات .

1) التشريع المدني الالماني : فقد نصت المادة 829 منه على انه " من لا يكون مسؤولا عن ضرر وقع منه يجب عليه مع ذلك اذا لم يمكن الحصول على تعويض ممن تجب عليه رقابته ان يعوض هذا الضرر بقدر ما تقضي به العدالة مع مراعاة الظروف وعلى الاخص مركز الطرفين " .
2) التشريع السويسري : فقد نص الفصل 54 من قانون الالتزامات السويسري على انه " يجوز للقاضي ان يحكم على عديم التمييز باصلاح كل او بعض الضرر الذي وقع منه " .
3) القانون المدني الايطالي : فقد نصت المادة 2047 منه في فقرتها الثالثة على انه "عند عدم استطاعة المضرور الحصول على تعويض ممن تجب عليه رقابة عديم التمييز يجوز للقاضي على اساس الظروف الاقتصادية للطرفين ان يحكم على عديم التمييز، بتعويض عادل" .

ومن التشريعات العربية التي اتجهت هذا الاتجاه. التشريعين المدنيين المصري والسوري فقد نص الفصل 164 من القانون المدني المصري المطابق تماما للفصل 165 من القانون المدني السوري على انه " يكون الشخص مسؤولا عن اعماله غير المشروعة متى صدرت منه وهو مميز .
ومع ذلك اذا وقع الضرر من شخص غير مميز ولم يكن هناك من هو مسؤول عنه او تعذر الحصول على تعويض من المسؤول جاز للقاضي ان يلزم من وقع منه الضرر بتعويض عادل مراعيا في ذلك مركز الخصوم" ومن الجدير بالذكر ان كلا من المدنيين المصري والسوري جعل من التمييز هو بلوغ 7 سنوات كاملة .

ومن الملاحظ ان النصوص المشار اليها اعلاه تنص في اغلبها على التعويض العادل ومركز الخصوم، ومعنى هذا، التعويض يجب ان يكون اقل من التعويض العادي فاذا ما ارتكب شخص مميز ضررا ضد شخص اخر بنفس درجة الضرر الاول فان المتضرر يحصل على تعويض من الشخص الراشد اكثر من التعويض الذي يحصل عليه المتضرر من عديم التمييز ذلك ان التعويض المحكوم به على فاقد التمييز هو تعويض استثنائي والاستثنائي يجب الا يتوسع فيه .

ومما ينبغي ملاحظته ان حالة عديم التمييز هذا اي الذي ليس له وصي او مقدم تكاد تكون منعدمة في تشريعنا، ذلك ان لكل قاصر مقدما او وصيا وخاصة اذا ورث مالا فانه يقام له مقدم لتدبير امواله ومراقبة احواله وبالتالي يكون مسؤولا عن الاخطاء التي يرتكبها في الظروف العادية اي في الاحوال التي يكون تحت رقابته .

الركن الثاني
الضرر :
الضرر هو الركن الثاني من اركان المسؤولية التقصيرية ذلك انه لا مسؤولية تقصيرية اذا ما ارتكب شخص مخالفة للقانون ولم يحدث ضررا للغير كمن يقود ليلا سيارته بدون انارة او من يسوقها في اتجاه ممنوع، او من يسوق ناقلة بدون رخصة السياقة فهؤلاء الاشخاص قد ارتكب كل منهم مخالفة للقانون وبالتالي ارتكب خطا الا ان هذا الخطا لم يتسبب في احداث ضرر للغير وبذلك ينتفي الركن الثاني من اركان المسؤولية، وبالتالي تنتفي المسؤولية التقصيرية، والضرر قد يكون ماديا اي يصيب المتضرر في ماله كمن تمزقت ملابسه او تحطمت سيارته نتيجة اصطدام او احترقت بضائعه المنقولة على متن ناقلة او اصيب في جسمه بجروح تستدعي علاجه، وتوقيفه عن العمل وقد تصل الى موت شخص نتيجة حادثة فيتضرر ورثته الذين تحت كفالة بفقد معيلهم وقد يكون الضرر معنويا اي يصيب المتضرر في عاطفته او شعوره كمن يفقد عزيزا عليه او تهان كرامته او يصاب بتشويه في جسمه وان كان التشويه يحدث ضررا ماديا ومعنويا يستحق عليه المتضرر تعويضا وسنتكلم عن كل منهما في بحث خاص .

البحث الاول :
الضرر المادي :
الضرر المادي هو الاخلال المحقق بمصلحة للمتضرر ذات قيمة مالية ولا يعتد بالضرر الا اذا توفر فيه الشرطان الاتيان .
1) ان يكون الضرر محققا .
2) ان يصيب حقا او مصلحة مالية للمتضرر .

1) ان يكون الضرر محققا .
ان مسؤولية المخطئ كما رأينا اعلاه لا تقوم، الا اذا وقع للمتضرر ضرر، لذلك نقول ان الضرر يجب ان يكون محققا وهو اما ان يكون قد وقع فعلا كالشخص الذي تعرض لحادثة سير اودت بحياته فيتضرر ورثته من جراء ذلك، وهذا الضرر تحقق وقد وقع فعلا كمن تعرض لحادثة واصيب بجروح، الا ان هذه الجروح لم تشف بعد ولم تستقر لمعرفة هل تركت عجزا جزئيا دائما للضحية ام لا ؟ فهذا ضرر محقق الوقوع وهو ما يسمى بالضرر المستقبل الا انه لم يحدد بعد ذلك كمن يحرق متجره فيهرع رجال المطافئ لمكان الحريق ويطفونها فبعضها اتت عليه النيران وبعضها اغرقته مياه رجال الاطفاء كما انه من الممكن ان يصاب مبنى المتجر باضرار نتيجة الحريق فهذه اضرار محققة الا انها لم تحدد بعد .

اما الضرر المحتمل وهو الضرر الذي قد يقع وقد لا يقع فلا تعويض عليه فالشخص الذي توفي ابنه في حادثة سير فيطالب بتعويض مادي عن الضرر الذي اصابه من جراء وفاة ابنه القاصر الذي كان منتظرا منه ان يدرس ويحصل على منصب عال يذر عليه ارباحا يتمكن بواسطتها من مساعدة ابيه على تكاليف الحياة، او ورثة مقتول يطلبون تعويضا ماديا عما كما ينتظر ان يعود عليهم من نفع مادي لو ان موروثهم بقي على قيد الحياة وتحقق احتمال ترقيته الى منصب اعلى فهذه كلها اضرار محتملة قد تحقق وقد لا تحقق وبالتالي يجب استبعادها - .

2) ان يصيب الضرر مصلحة مالية للمتضرر :
يشترط لقيام المسؤولية التقصيرية ان يكون الضرر قد اصاب مصلحة مادية للمتضرر وهناك فرق بين الحق المالي والمصلحة المالية، فالمصلحة المالية اوسع من الحق المالي واشمل ذلك ان الحق المالي هو المتعلق مباشرة بحقه في الحياة وحقه في المحافظة على املاكه واستغلالها، فالشخص الذي يصاب باضرار جسمانية يكون قد اصيب في حقه في المحافظة على سلامة جسمه، ومن اصيب في ماله كمن احرقت داره او تهدمت بفعل الغير يكون قد تضرر في حق مالي، وقد يصيب الضرر شخصا اخر بالتبعية باصابة هذا الشخص يصاب شخص اخر نتيجة لاصابة الشخص الاول فاذا ما قتل شخص فانه يصاب في حياته ويصاب اولاده وزوجته في حقهم في النفقة بوفاته، لانهم فقدوا فيه معيلهم .

اما المصلحة المالية فهي الاخرى تصيب شخصا اخر بسبب الضرر الحاصل لشخص اخر، فشركة التامين التي تؤمن رب معمل عن الحوادث التي يتعرض لها عماله بسبب العمل ويصاب احد هؤلاء العمال بحادثة تؤدي بحياته، فان شركة التامين المؤمن القانوني تضطر لدفع مبالغ تعويض، او ايراد لورثة الضحية الهالك ولها الحق في الرجوع على المتسبب في الحادثة، والذي اضطرها الى دفع مبالغ التعويضات، فان الشركة في هذه الحالة تصاب في مصلحة مالية، وكذلك الدولة لما تضطر لاحالة موظف على التقاعد بسبب الجروح التي اصيب بها نتيجة تعرضه لحادثة، فان من حق الدولة ان ترفع دعوى على المتسبب في الضرر لاسترجاع الصوائر المدفوعة (الفصل 28 من قانون التقاعد المدني) .

وهكذا نرى ان الضرر سواء اصاب حقا ماليا او مجرد مصلحة مالية فان المتضرر يستحق تعويضا عما لحقه من ضرر اما اذا كانت المصلحة المالية غير محققة او غير محققة الاستمرار فانها لا تعوض كمن يقيم دعوى ضد المتسبب في ضرر شخص اودى بحياته يطلب تعويضا من المتسبب في الحادثة عما لحقه من ضرر بسبب وفاة المتوفى بدعوى انه كان يساعده في معاشه او انه كان يقدم له بعض المساعدات بين الحين والاخر فان هذا الشخص لم يصب في مصلحة مالية محققة الاستمرار، او فرض وقوعها .

وكذلك يجب ان تكون المصلحة المالية مشروعة فالخليلة التي ترفع دعوى ضد المتسبب في وفاة خليلها تطلب التعويض عما لحقها من اضرار بسبب وفاته لان لها مصلحة في بقاءه حيا اذا كان ينفق عليها باستمرار، فان دعواها لا تسمع لعدم مشروعية علاقة الخليلة بالمتوفى .

الحرمان من فرصة :
هناك حالة لم تبلغ درجة الحق ولا درجة المصلحة المالية وتسمى الحرمان من فرصة وهي حرمان شخص من المشاركة في مباراة او مسابقة او اية فرصة اخرى قد يحصل فيها على نتائج حسنة .
فهل يعتبر هذا الحرمان ضررا لحق بالشخص او لا ؟ وهل يستحق عليه المحروم تعويضا ؟ ولنضرب لذلك امثلة :
طالب اراد ان يتقدم لامتحان لشغل وظيف، او لامتحان دراسي وقدم الاوراق الضرورية وقبل طلبه وبينما هو في طريقه الى مقر الامتحان اصيب بحادثة سير استدعت نقله الى المستشفى وعلى الاقل اخرته عن موعد الامتحان او المباراة وتسببت في منعه من المشاركة فيه فهل هذا الشخص يستحق تعويضا ممن تسبب له في الحادثة ومنعه من المشاركة في الامتحان ؟ واعتقد انه اذا - كانت فرصة النجاح في الامتحان غير محققة اذ انه قد ينجح وقد لا ينجح فان فرصة المشاركة في الامتحان كانت محققة وانه حرم منها بسبب الحادثة لذلك لا ارى مانعا من اعطائه تعويضا عن حرمانه من فرصة المشاركة في الامتحان، وقد جرى القضاء المصري على منح تعويضات عن الحرمان من الفرصة، كعدم المشاركة في الامتحان او فصل الموظف او احالته على التقاعد تعسفا قبل وصوله درجة اعلى كان يستحقها لو بقي في وظيفته، واعتقد انه لا ضرر على القضاء المغربي في ان يمنح من حرم من فرصة المشاركة في الامتحان تعويضا يعادل الضرر الذي حصل له والمجهود الذي بذله في التهيء اليه لا بسبب عدم نجاحه ولكن بسبب حرمانه من المشاركة فيه، وكحرمان الطالب من المشاركة في الامتحان حرمان فرس المشاركة في سباق الخيل بسبب الحادثة التي تعرض لها او بسبب التاخير الذي حصل له وفوات المباراة عليه، وكذلك حرمان التاجر او المقاول فرصة المشاركة في سمسرة او مناقصة كانت تعود عليه بارباح او شارك فيها ونالها الا انه يجب ان يكون التعويض عن الحرمان من فرصة المشاركة لا عن عدم الفوز بالامتحان او بالمناقصة او المسابقة لان هذه غير محققة الوقوع ولقاضي الموضوع كامل الحرية في تقدير التعويض الذي يستحقه المحروم حسب ما ضاع عليه من وقت في التهيء الى الامتحان والانقطاع اليه، او في الوقت الذي اضاعه المقاول في السفر الى مكان المناقصة .

لكن، ما الحكم في مثالنا الاول اذا اصيب الطالب وهو في طريقه الى مركز الامتحان ونقل الى المستشفى ثم حدث ان الغت الامتحان الجهة المنظمة له، او اجلته الى فرصة اخرى، فهل نقول ان سبب حرمان الطالب من فرصة المشاركة في الامتحان راجع الى المتسبب في الحادثة او راجع الى الجهة المنظمة للامتحان ؟ الحقيقة ان سبب عدم المشاركة لا يرجع الى الحادثة ولكنه يرجع الى الادارة، المنظمة للامتحان لانه على فرض ان الطالب وصل سليما الى مركز الامتحان فانه لا يشارك فيه لالغائه او تاجيله، وكذلك الشان فيما يخص الفرس او التاجر او المقاول اذا ما الغيت المسابقة او السمسرة فان المتضرر لا يستحق تعويضا عنها من طرف المتسبب في الحادثة لان العلاقة السببية تبين خطا المتسبب والنتيجة التي هي حرمان المرشح من فرصة المشاركة غير موجودة .

الضرر الادبي :
الضرر الادبي او المعنوي هو الضرر الذي لا يصيب الشخص في ماله او في مصلحة مالية ولكنه يصيبه في عاطفته وشعوره .
فالشخص الذي يتعرض للاهانة او السب او القذف من طرف اخر فانه يصاب بضرر معنوي وكذلك الشخص الذي يصاب بفقد عزيز عليه، كمن يفقد ولده الصغير او اخاه، او الابن الراشد البالغ الذي يفقد اباه او امه كل هؤلاء اصيبوا باضرار مادية ومعنوية في نفس الوقت ومن الفعل الواحد فالشخص الذي يتوفى نتيجة حادثة سير ويترك اطفالا صغارا تحت كفالته، فان هؤلاء الاطفال اصيبوا بضرر معنوي بسبب وفاة والدهم وبضرر مادي بسبب وفاة معيلهم وكذلك الشخص الذي يصاب باضرار جسمانية تترك له تشويها في خلقته، فانه يصاب باضرار مادية بسبب المبالغ المالية التي انفقها في العلاج او الكسب الذي فاته بسبب توقفه عن العمل نتيجة اصابته بالجروح ويصاب باضرار معنوية من جراء الالام التي عاناها بسبب الحادثة ومن جراء التشويه الذي اصيب به والذي يصاحبه طول حياته .

واذا كان يصعب تقدير التعويض عن الضرر المعنوي فان هذه الصعوبة لا تحول دون منح هذا التعويض، ويجب ان لا تكون في صالح المتسبب في الضرر لانه لا يمكن ان ينتفع شخص من خطاه والتعويض عن الضرر المعنوي كالتعويض عن الضرر المادي يجب ان يكون كاملا، اي يجب ان يكون جابرا لكسر الشيء الذي وقع للمتضرر، لا تعويضا رمزيا فقط .

وقد سوى المشرع المغربي في التعويض بين الضرر المادي والضرر المعنوي اذ نص الفصل 78 المشار اليه اعلاه، على ان " كل شخص مسؤول عن الضرر المعنوي او المادي الذي احدثه"، ومن ثم لم يبق اشكال في منح التعويض المعنوي .

انتقال الحق في التعويض عن الضرر :
لما يتعرض شخص لضرر مادي بالشروط المبينة اعلاه يصبح له الحق في المطالبة بالتعويض عن الاضرار التي لحقته من المتسبب في الضرر وله ان يحول هذا الحق الى غيره بعوض او بغير عوض، ولورثته في حالة وفاته قبل ان يقيم الدعوى ان يقيموا الدعوى ضد المتسبب في الحادثة لطلب التعويض عن الاضرار المادية التي لحقت بموروثهم في ماله وهي السيارة التي تحطمت بسبب الحادثة، والتي تدخل في التعويض المادي للضحية لانها تتعلق بماله وتدخل في الذمة المالية له وبالتالي في تركته وتقسم بين الورثة حسب قواعد الارث كما ان لهم اي لورثته ان يطلب كل منهم تعويض الضرر الذي لحقه بسبب وفاة الهالك سواء كان الضرر الذي لحق به ماديا او معنويا وللورثة ان يواصلوا الدعوى التي كان مورثهم قد اقامها بسبب الضرر الذي تعرض له قبل وفاته والتعويض المحكوم به في هذه الحالة ما دام المتضرر قد حدد مبلغه قبل وفاته فانه يدخل في الذمة المالية للهالك ويدخل ضمن تركته، ويقسم بين الورثة حسب قواعد الارث لا للمتضررين فقط، ذلك ان هناك ورثة غير متضررين من وفاة الهالك، كالعم او ابنه عندما يكون احدهما هو الوريث الوحيد للضحية الهالك، اذ ان العم او ابنه لا يعد متضررا من وفاة الهالك وبالتالي لا يستحق تعويضا ما دام لم يثبت انه كان تحت كفالة الضحية وباستمرار، وهناك متضررون غير ورثة كاخوة الضحية عند وجود ابيه او فروعه بشرط وجود الذكر بالاضافة الى انه من حقهم ان يواصلوا الدعوى التي اقامها مورثهم اذا لم يبث فيها اذا تبين ان سبب وفاته يرجع الى الجروح التي اصابته بسبب الحادثة وفي هذه الحالة يواصلون الدعوى التي كان قد اقامها قيد حياته كما ان من حقهم ان يتدخلوا ليطالبوا بتعويض الضرر الذي لحقهم بسبب وفاته، وهذا التعويض يعطى حسب الضرر لا حسب الارث .
اما في الضرر المعنوي فان الورثة لا يستطيعون ان يقيموا دعوى بطلب التعويض عن الضرر المعنوي الذي لحق مورثهم ما دام هو لم يقم هذه الدعوى قيد حياته ذلك ان الضرر المعنوي ضرر شخصي لاحق بالمتضرر وحده، وهو الذي من حقه ان يطالب به ويحدد الضرر الحاصل له بسببه .

رقابة المجلس الاعلى ركن الضرر :
ان تقدير الوقائع المتسببة في الضرر، ومقدار التعويض الممنوح لتغطية الضرر مسالة واقع لا رقابة للمجلس الاعلى فيها على المحكمة. ولكن تكييف تلك الوقائع من حيث كونها تكون ضررا ام لا وهل الضرر محقق او محتمل وما الضرر المعنوي الذي يجب تعويضه؟، فانها مسائل تخضع المحكمة في تقديريها لرقابة المجلس الاعلى .

( للبحث بقية)
* مجلة المحاكم المغربية، العدد 18، ص: 7.

المحامي

هنري روبير نقيب محامي باريس سابقا
ان حياة المحامي وما يتخللها من المشاغل والمتاعب لا يشعر بها انسان اخر لبعده عنها، وقد وصفها ( ايزوب) بانها من اجل الاشياء واقساها ايضا. ولعله لم يعد وجه الصواب لانه ليس هناك ما هو اجمل ولا اشهى من هذه المهنة، وايزوب الذي يقول ذلك ليس بمحام حتى يتهم في رايه، فهو شاهد عدل متنزه عن الغرض نظرا لمكانته وتجاربه، فهو قاض مشهود له بالذكاء والحذق لا يذكر اسمه الا في معرض الرمزعن النزاهة والصلاح،وقد انصف هذه المهنة بقوله في معرض الكلام عن استقلال المحامي، " ان نظام المحاماة قديم كالقضاء ونبيل كالفضيلة ولازم لزوم العدالة" .

ولقد جاء بعد ذلك بشيء من التفصيل فقال : " وهي مهنة تجمع بين اغراض شاقة من الفن الى الواجب ومن الجدارة الى النبل، يقبض صاحبها الذي فضله في كفه على اعنة الناس فيستضيئون بنوره ويحتمون عند ظل قوته، وهم مضطرون الى الاعتراف بنبوغه وفضله" .
تلك شهادة ذلك القاضي الكبير في عصره ولا يتهم فيها كما لو شهد بها محام، ولكننا نزيد على ذلك- مغلفين الجهة المشرفة لهذه المهنة - انها الفرصة التي تتاح للانسان لينفع فيها بني جنسه ويخفف عنهم عبء الشقاء وظلم الحظوظ، وهي من اجمل المشاغل العقلية تفتح امام المحامي سبيل استخدام مواهبه احسن استخدام .

---------------------
* ترجمة الاستاذ محمود خيرت السكرتير بمجلس الشيوخ بمصر، اختارها واستخرجها من العدد الاول لمجلتنا سنة 1939، المحامي، الاستاذ سامي معلول من دمشق .
--------------------
ومع ذلك فانها من اثقل الاعباء فليس هناك ما هو اتعب من حياة المحامي لانها تاخذ من زمنه وعقله على السواء، والمحامي ليس كالموظف يمكن له خارج عمله ان يتذوق طعم الراحة، ولا كالطبيب يكون بعد الانتهاء من عيادة مرضاه حرا طليقا، ولا كالجندي يصبح وهو بعيد عن الخدمة كاحد الناس غير مسؤول عن شيء ولا كالمهندس او الصانع لانه في وسعها ان يضعا حدا بين عملهما وراحتهما .

فالمحامي محروم من نعمة هذه الحياة الحرة الخاصة. واذا استثنى الساعات القليلة التي يستريح بعض الراحة فيها لا نجد امامه دقيقة واحدة يمكنه ان يقطعها في غير شؤون مهنته، ويسألونك لماذا ؟ وقد غاب عنهم ان مكتبه ليس مكان عمله وان مكان عمله انما هو مخه وحياته. نعم انه بعد ان يفرغ من دفاعه يخلع عنه ثوبه تاركا المحكمة بما فيها خلف ظهره، ولكن هذه الحركة التي يفهم الناس منها انه اصبح بعدها حرا لا يذوق خاطره بعدها مع ذلك طعم الراحة، ان ملف القضايا الذي يحمله تحت ابطه وهو منصرف، ربما كان اثقل على مخه منه على ساعده، لانه لا ينفك لحظة واحدة عن التفكير فيه .

كتب عليه ان يجهل معنى الراحة، وهو يستيقظ في الشتاء من الساعة السادسة صباحا وقبل هذه الساعة في فصل الصيف ثم ينكب على عمله بغير ملل حتى اذا دقت الساعة الثامنة انحدر الى مكتبه ليفض الرسائل التي تنتظره وليجيب عليها اما بنفسه او بواسطة كاتب يملي عليه، وهو في كل لحظة يرد في التلفون على مخاطبيه، ولا يخفى عليك ما في ذلك من التعب وضياع الزمن، خصوصا اذا انقطعت المحادثة مما يضطره الى انتظار عودتها ثم استئناف ما بدا فيه، وهكذا مما قد يتكرر .

واذا فرغ من فض رسائله والرد عليها وانتهى من محادثة مخاطبيه على ما مر وقد دقت الساعة التاسعة، اضطر الى استقبال زبنائه الذين يقصدونه عند تلك الساعة .
هذه هي الادوار التي تمر على المحامي كل يوم حتى اذا وقف امام القاضي صاح فيه : "من فضلك تكلم في الموضوع"..
ولكن هذا القاضي لم يستقبل مثل الزبائن الذين استقبلهم وهو في مكتبه من خلال سنتي التمرين اللتين قضاهما .
نعم انها كمدرسة شاقة تطلب صبرا وحلما، لانه اذا كان من هؤلاء الناس من يضيع على المحامي بعض زمنه، فان اخرين منهم يدخلون معه في تفاصيل لا نهاية لها، وقد تكون بعيدة كل البعد عن موضوع الدعوى. والمحامي مضطر، على كل حال، الى الاصغاء اليهم، فقد يكون في بعض احاديثهم الطويلة ما يصلح ان يكون اساسا صالحا للدفاع .

وفي يقيني ان مكتب المحامي مورد غزير يجد فيه القصصي والواعظ والحكيم مجالا فسيحا للتحليل والتقدير، يخفق عنده دائما فؤاد الحياة البشرية، لان قاصديه يدخلونه وهم تحت تاثير مشاغل لا حد لها قد تكون خطيرة، وهم يتقدمون الى المحامي وفي ايديهم حياتهم الحافلة بشتى الاشكال والصور، فيقدر مواقفهم التي لم يخطر لهم هم تقديرها، وهكذا يقبل عليهم غير حاسب حسابا للعبارات التي يغفلون فيها ما يدور بين جنوبهم من الشهوات والعواطف .
يذكرون له كل شيء لانهم يعلمونه الامين على اسرارهم، وان هذه الاسرار لا يمكن ان تتجاوز الجدران الاربعة التي يفضون اليه بها فيها .

ومن هذه الوجهة يتساوى الطبيب والمحامي من حيث الحياء، فحيث لا يوجد للحياء الجسماني امام الطبيب، كذلك ولا وجود للحياء الادبي امام المحامي وهو يستقبل كل يوم اناسا ما كان يخطر بباله انهم احياء يستامنونه على حوادثهم الخاصة التي كتموها حتى عن اقرب الناس اليهم .
وقد يكون بين هؤلاء الناس سيدات قد يكن قصدنه على غير علم من اوليائهن، فيبحن له كانهن قسيس يتلقى اعترافهن باسرار لم تتخط من قبل شفاهنن. تراهن وهن ينتظرن على سواهن من القاصرات يتحاشين ان يبدوا على ملامحن شيء من تلك الاسرار الدامية التي تحز في احشائهن، حتى اذا دخلن على المحامي ووثقن من اغلاق الابواب خلفهن، فاضت دموعهن وما عدن يتحملن الم تلك الاسرار فيخرجنها من حبوسها ورؤوسهن في ايديهن وهن يذكرنها بعبارات متقطعة وبصوت مختنق متوسلات اليه في ارشادهن الى ما لهن من الحقوق. وهكذا لا يعود لهن هدوءهن الا متى خرجن من هذا المكتب ( ملجا الاسرار) وعدن الى منازلهن حريصات على الا تنطق ملامحهن بتلك اللحظة الرهيبة التي قضت ظروف الحال بان يظهر ضعفهن فيها .

نعم ان القصصي الذي ينقب عن المواضيع ليتخذ منها اسبابا لاقاصيصه ليجد في مكتب المحامي طلبه من الوقائع الحية الاليمة يحللها ويمتحنها ليستخلص منها صورة صحيحة للحياة البشرية وهي في اقصى حالات اضطرابها .
وقد يقف الكاتب ساعات طويلة امام هذه الوقائع ينسى عندها ما يدور فوق المسرح من الحوادث المتكلفة، ولكن المحامي ليس هذا الكاتب وليس لديه وقت يسمح له بالوقوف لملاحظة تلك العواطف وتحليلها وتقديرها، لانه محكوم بطبيعة اخرى تجعله يراها تحت زاوية خاصة مركزها الوجهة الفنية التي تحتمها مهنته، وهذه الوجهة وحدها تصرفه عن الاشغال بسواها، تراه حين ينفجر بركان احقادهن والامهن لا ينظر عادة الا الى الوجه القضائي، يجري خلف الوسيلة الى كسب الدعوى التي يطلبن اليه رفعها، فيستعيد في ذاكرته ما مر عليها من الاحكام الصادرة في مثل هذه الحالات ويرسم في نفسه الاسلوب الذي يصيغ فيه اعلان الدعوى او مذكرته فيها، فهو مثله كمثل الطبيب امام مريض لئن بين يديه لا يشغله سوى تشخيص الداء .

وهكذا يدعم دفاعه بكل ما يراه صالحا من تلك الظروف ولكنه يجتهد ايضا في ان يصوغ في قالب قانوني ذلك الصراخ المؤلم الذي دوى في اذنه وحرك اوتار الرحمة في قلبه بغير ان يظهر ذلك غالبا عليه .
من هذا نرى انه ليس هناك وجه شبه بين المحاماة وبين الكتابة، كما يزعم الناس، لان الغموض الذي يجري خلفه المحامي والقصصي مختلف باختلاف الاسلوب الذي يجب ان يتبعه كل منهما، فالمحامي لا هم له الا ان يسير بسفينة موكله الى الربح، فهو يقتصر على الشكل الذي يتطلبه القانون والدفاع، واما الكاتب فلا يهمه الا ان يبحث عن ناحية الجمال يجري اليها غير مقيد الا بوحي خاطره .

ولو ان كاتبا ومحاميا اشتغلا بموضوع واحد لوجدت في النهاية فرقا كبيرا بين قصة الاول ومذكرة الثاني .
ولكن هذا ليس معناه ان هذه المذكرة لا تصل الى مستوى الجمال الذي ينشده الكاتب، الا ان تحقيق ذلك يكون مقصودا ويتحقق بوسائل غير الوسائل التي يجد الكاتب في قلمه سواها، فمثلا التفاصيل الكثيرة التي هي افعل في نجاح القصصي قد لا تراها في مذكرة المحامي او دفاعه لان الدعوى قد تضطره الى ان يسكت عنها .
وقد يضطر الكاتب كذلك الى تخير الاسلوب الكتابي الذي يخرج به سفر طليا قويا، ولكن المحامي مدفوع الى تجاوز هذا الاسلوب في مرافعته حتى يكون دفاعه سهلا على الاسماع لان خير الاساليب في الدعاوي هي التي اعتاد ان يسمعها القضاة جلية صحيحة .

وربما كانت رشاقة المحامي في صفاء تعبير ودقة وبحثه، ومع ذلك فان كثيرا من الكتاب الشبان يغالون في الاسلوب الى حد يجعله مشوشا غير مفهوم .
على ان القصصي في الواقع لا يرتبط الا بنفسه ولا يخضع الا لوحي خاطره ولا يبحث في غير ما يرضى قراءه بتصوير ما يلتذون به. اما المحامي فليس له هذه الحرية، لانه مقيد باصول مهنته وبمقتضيات دفاعه ثم ان امامه ايضا موكله الذي يجب ان يصل الى غاية يرضاها بكسب قضيته، فهو ملزم باتباع الاسلوب القانوني بغير حاجة الى اجهاد نفسه لادخال الاعجاب على سامعيه مقتصرا على اقناع القاضي الذي سيحكم له او عليه .
ولهذا لا يكون للمظهر الخلاب قيمة الدليل الصحيح، فيجب ان يذكر المحامي انه عند الدفاع في مقام يتطلب الاقناع قبل لفت الانظار اليه .
وما دام الامر كذلك، فمن الطبيعي ان يروض نفسه على تقدير كل شيء تحت تلك الزاوية التي اشرنا اليها، وان يكون رائده دائما ميزان المنفعة، اما الفن فانه في الدرجة الثانية، ومع ذلك فيجب ان يكون بمقدار لا يترتب عليه الاخلال بالدفاع.

واذا ذكرت كل ما سلف ادركت لماذا يضيق صدر المحامي كلما فكر في الزمن الذي تضيعه عليه ثرثرة المنتظرين من قاصديه، ثرثرة في المطالب لا فائدة منها، حتى ان بعض الكتاب الهزليين آسف لعدم وجود مقعد ذي لولب يتحرك من نفسه كلما جلس عليه زبون ثقيل فلا يلبث ان يرى نفسه خارج الباب بعد خمس دقائق .
وكلما نظر المحامي الى ساعته المطروحة فوق مكتبه، ذكر انه لم يعد امامه من الوقت ما يكفي لتناول طعامه حتى لا يفوته الدفاع في قضاياه، لان الجلسات بالرغم من افتتاحها متاخرة من بضع سنوات لا تبدأ مع ذلك الا عند الساعة التي يستريح فيها الباريسيون وبخاصة السيدات منهم لتناول طعام العشاء .
وربما كانت هذه الساعة هي الوحيدة في حياة المحامي من حيث ان يكون فيها بمعزل عن زبنائه .
ومع ذلك فانه اثناء طعامه لا ينقطع عن التفكير كلما ذكر الدعاوي التي سيترافع فيها، ولذلك لا يتجاوز ربع الساعة حتى يسرع الى دار المحكمة .

واما الساكنون من المحامين بعيدا عنها، فانهم يضطرون الى عربة كيفما كانت تنقلهم اليها، ولكنهم لا يسرعون بها حشية ان يوقفهم البوليس في الطريق فلا يجنون من وراء السرعة غير التعطيل، ومتى صار في المحكمة واخذ يتناول ثيابه وجدها لمالك غيره من زملائه يبحثون هم ايضا عن اثوابهم وكل منهم يجتهد ان يرتديه بسرعة ليجري الى الدائرة التي ينادون فيها باسمه وقد ينادى عليه في اكثر من دائرة .
وقد يجد ايضا في تلك اللحظة ربطة من الرسائل يبعث بها اليه من يجهلون عنوان مكتبه او يكتبها له بعض رفقائه او وكلاؤهم يحددون له فيها موعدا للاتفاق على ما يجب عمله في قضية تكون مشتركة بينه وبينهم .
ولكنه لا يجد من الوقت ما يسمح له بفض تلك الرسائل فياخذها معه ليقرأها بالجلسة في فترة انتظار دعواه .
وقد يطول الزمن الذي يترافع فيه مستغرقا النهار فيشد هذا المجهود اعصابه وينهكها خصوصا اذا كان مضطرا الى الدفاع امام عدة دوائر .

ومن المحتمل ايضا بعد ان يفرغ من عمله بالمحكمة ان يطوي ذلك الثوب وياخذه معه في محفظته الى المجلس العسكري ليترافع امام وجهة بعيدة كان يكون من بين دعاويه من اختصاص محكم او من اختصاص قاض جزائي. وقد تكون ايضا الجهة التي تنتظره للمرافعة امامها في الناحية الاخرى من طريق المحكمة، فيضطر الى سلوكه تحت انظار الناس الا اذا سلك طريق النفق، ولكن مهما تعددت الجهات التي ينتقل اليها او حتى لو ظل عمله قاصرا على دائرة واحدة، فان التعب الذي يناله واحد على كل حال بسبب اجهاد عقله او اعصابه وقواه في دفاعه وانتظاره في جو الجلسة الساخن الذي افسدته الانفاس وتعرضه بعد ذلك لتيار الهواء مما يؤثر في صحته ويجعله خالي الذهن من متاعب هذه المهنة الشاقة .

وبالرغم من الجلسات توقف احيانا للاستراحة، فان المحامي لا يجد في فترتها فرصة للراحة مادام لابد ان في ممرات المحكمة من ينتظره من زملائه او وكلاؤهم او ارباب القضايا الذين يريدون توكيله عنهم في شؤونهم، فيضطر بحكم هذا الموقف الى مناقشتهم فيها .
اضف الى ذلك انه يجب عليه ان يعلق في ذاكرته ملفات قضاياه حسب ترتيبها في مكتبه، بحيث اذا نودي على واحدة منها، تذكرها وتذكر تفاصيلها فيجيب على كل سؤال يطرح عليه بشانها .
وقد يضطر بعد فراغه من المرافعة الى البقاء ساعة اخرى امام احد قضاة التحقيق ليحضر استجواب موكله وبعد ذلك يعود الى منزله .
على انه لا يصل اليه الا ليستانف العمل من جديد كفض ما يجده من الوسائل او مقابلة من ينتظره من الزبائن او الرد من يطلبه في التليفون، وهكذا عند ساعة الغذاء قد تصادفه فترة - لا اقول ليستريح بها - بل ليلقي نظرة على القضايا المقبلة المستعجلة .

اما بعد الغذاء، فانه اذا لم يكن امام محكم يحضر لديه، فانه يختلس ساعات قليلة ليستريح فيها من مضض هذا العناء .
وربما لا تتاح له فرصة هذه الراحة نوعا الا حين يضطر الى السفر للدفاع في بلدة اخرى، ففي هذه الحالة يتسنى له في ذهابه وايابه هذه الفرصة، وربما ظن انه يستريح في ايام الاحد، ولكنه وهم منهم، لانه في مثل هذه الايام يخلو بنفسه الى قضاياه ليراجع ما دونه بشانها من الملاحظات ويتهيأ للدفاع عنها حتى اذا اقبل يوم الاثنين عادت حمى العمل الى حياته .

واذا اضفت الى هذه الصورة بانه مضطر الى استقبال اخوانه وتناول غذائه في المدينة والقاء بعض الخطب او المحاضرات في الجمعيات وغيرها مما هو واجب لا يصح ان يتنحى عنه بحكم مهنته، أمكنك ان تتصور كيف تكون حياة المحامي على وجه تقريبي .
واذا كانت هذه المهنة من اجمل المهن وأشهاها، فهل تراها ايضا في اشدها نصبا وكدا ؟
ان امام المحامي فرصا جمة ينعم فيها، ولكنه يحيا حياة متقدمة وهو يعمل في اليوم الواحد ما لا يقل عن خمس عشرة ساعة وعقله منهوك وزمنه موزع بسبب تلك المهنة التي لا تفارقه الا وهو على سرير الموت .

* مجلة المحاكم المغربية، عدد 77-78، ص 47.