ضمان العيب في المبيع في القانون المغربي والقانون المقارن

الأستاذ: الصابري محمد
المحامي بهيئة أكادير - تارودانت

أهمية الموضوع:
يحتل عقد البيع أهمية بالغة في الحياة اليومية للفرد والمجتمع، باعتباره أكثر العقود شيوعا في التعامل، وقد زاد من هذه الأهمية التطور المطرد في الحياة الاقتصادية للأمم مما أدى إلى اتساع نطاق عقد البيع سواء من حيث طبيعة محله أو من حيث أطرافه أو زمان أو مكان انعقاده. فأصبح عقد البيع من حيث موضوعه وشكله وأحكامه يختلف كثيرا عما كان عليه منذ زمن بعيد، فقد تطورت العلاقات الفردية والدولية وتنوعت وأصبحت المعاملات المالية في المجتمعات الحديثة لا تقتصر على المواطنين فحسب بل تجاوزت حدود الإقليم، وتعددت أساليب استخدام عقد البيع بفضل زيادة وسائل الاتصالات البشرية مما سبب ظاهرة التجارة الدولية وتقدمها وتنوعها.

إلا أن الحرص على الحصول على أكبر قدر ن الربح بأقل كلفة قد أدى إلى أن انصرفت الجهود إلى غزو الأسواق بالبضائع والمنتوجات الصناعية والزراعية بأقل تكاليف ممكنة بغض النظر عن مدى جودتها وعما تنطوي عليه تلك السلع والمنتجات والبضائع من عيوب.

ومن هذا المنطلق تبدو أهمية هذا الموضوع ومكانته بالنسبة لجل التشريعات سواء الحديثة منها أو القديمة، وكيف عنت بدراسته دراسة وافية وسطرت أحكامه بعناية فائقة، هادفة من وراء ذلك استعادة التوازن بين أطراف البيع، حرصا منها على حصول كل ذي حقه على حقه، لبث الطمأنينة في نفوس المتعاملين.

والمشرع المغربي مغيره من التشريعات الحديثة أولى هذا الموضوع أهمية كبيرة عندما تعرض له في الباب الثاني من القسم الأول المخصص لآثار البيع في قانون الالتزامات والعقود. وخصص له ما يزيد على سبعة وعشرين فصلا.
فلماذا أسهب المشرع المغربي عند تطرقه لهذا الموضوع؟
الفصل الأول: سأتطرق فيه للعيب الموجب للضمان.
الفصل الثاني: ما هي الشروط التي يجب توفرها في العيب الموجب للضمان.
الفصل الثالث: ما هي أحكام ضمان العيب الخفي.

الفصل الأول : في العيب الموجب للضمان

في هذا الفصل سنتعرض أولا إلى تعريف العيب لخفي وماهيته. ثانيا إلى وجود التزام على عاتق البائع بضمان العيب الخفي. ثالثا وأخيرا إلى تمييزه عن غيره من الأنظمة القانونية الأخرى المقاربة له.

المبحث الأول: ماهية العيب الخفي.
لم يورد المشرع المغربي كغيره من التشريعات الأخرى (1) تعريفا للعيب الخفي، وإن كان قد حدد شروط ضمان هذا العيب وقد انفرد التشريع العراقي بين التشريعات العربية بتعريفه في المادة 556 بأن :" العيب ما ينقص ثمن المبيع عند التجار وأرباب الخبرة، أو ما يفوت به غرض صحيح إذا كان الغالب في أمثال المبيع عدمه..." (2) وهذا التعريف مستخلص من بعض التعريفات التي وضعها فقهاء الشريعة الإسلامية للعيب الخفي ذلك لأن العيب في المشرع هو المنقص للقيمة أو ما يفوت به غرض صحيح شريطة أن يكون الغالب في أمثال المبيع عدمه. وهذا التعريف قريب من الضوابط التي وضعها المشرع المغربي عندما اعتبر البائع ضامنا للعيب الخفي في الحالتين المنصوص عليها في المادة 549 قانون الالتزامات والعقود:

العيوب التي تنقص قيمته ـ المبيع ـ نقصا محسوسا.
أو التي تجعله غير صالح للاستعمال فيما أعد له بحسب ماهيته أو بمقتضى عقد البيع. وبذلك لم يحصر القانون العيوب الخفية ولم يجعل لها بنيانا يرجع إليه كلما قام نزاع، بل ترك للقاضي أن يقرر بنفسه فيما إذا كان العيب مؤثرا بحيث يجعل المبيع غير صالح لما أعد له أو أنه ينقص من قيمته نقصا محسوسا.
وقد عرفته محكمة النقض المصرية في قرار لها بأن:" العيب الذي تترتب عليه دعوى ضمان العيوب الخفية هو الآفة الطارئة التي تخلو منها الفطرة السليمة للمبيع"(3).

والمحكمة المذكورة قد أخذت هذا التعريف من حاشية ابن عابدين في الفقه الحنفي فقد ورد فيه:" أن العيب الخفي ما يخلو منه أصل الفطرة السليمة عن الآفات العارضة لها". وعند إمعان النظر في هذين التعريفين نجد أن تعريف ابن عابدين أدق من تعريف محكمة النقض المصرية رغم أن هذه المحكمة قد استمدت التعريف منه ويصور لنا في الوقت ذاته الدقة المتناهية التي يتحلى بها فقهاء الشريعة الإسلامية عند صياغتهم للأحكام ويظهر الفرق بين التعريفين في أمرين اثنين.

أولا: أن العيب ليس آفة طارئة وإنما قد يكون آفة عارضة لأن قصر العيب على آفة طارئة فقط سوف لا تتسع ـ أي الآفة الطارئة ـ لكل صور العيب.
ثانيا: أن العيب ليس هو ما يخلو منه الفطرة السليمة للشيء، وإنما هو ما يخلو منه أصل الفطرة السليمة للشيء، ذلك أن المقصود بأصل الفطرة السليمة الحالة الأصلية التي يغلب وجودها في الشيء طبيعيا كان ذلك الشيء أم صناعيا. فالفاكهة مثلا فطرتها السليمة تقتضي خلوها من الرديء، ولكن في أصل فطرتها السليمة أو المعتادة تتردد بين الجودة والرداءة، فالرداءة لا تعتبر عيبا فيها لأن فطرتها لا تخلو منها (4).

وقد اهتم فقهاء الشريعة الإسلامية بهذا الموضوع وأولوه عناية فائقة فأصدروا فتاوى كثيرة في كل صغيرة وكبيرة من أجزائه، وتميزت فتاويهم بالدقة والإحكام.

وميزوا تمييزا دقيقا سديدا بين العيب والرداءة من جهة، وبين العيب وفوات الوصف المطلوب من جهة أخرى.
-فالرداءة ليست عيبا بالمعنى القانوني، وإن كانت تسمى عيبا بالمعنى اللغوي، فهي في نظر الفقهاء حالة طبيعية معتادة، تمثل الأوصاف الدنيا للشيء، والأشياء في أصل فطرتها السليمة توجد على وجوه مختلفة تتراوح بين أدنى وأعلى، ومن تم فإن اختلاف حالاتها المعتادة لا يعتبر من قبيل السلامة والعيب. وإنما يعتبر من قبيل الجودة والرداءة.

ومناط التمييز بين العيب والرداءة هو أنه إذا كان الشيء وفي أصل فطرته السليمة يوجد على الأغلب خاليا من الصفة المكروهة، فوجودها يعتبر من قبيل العيب. أما إذا كانت توجد فيه تارة ويخلو منها تارة أخرى فتكون الصفة من قبيل الرداءة (5) فالكسر في الآلة يعتبر من قبيل العيب أما سوء صنعتها وعدم متانتها وضعف مادتها فمن قبيل الرداءة.

وثمرة التمييز بين العيب والرداءة أن البائع يضمن العيب دون حاجة إلى اشتراطه في العقد، حيث تعتبر سلامة البيع وضمانها من مقتضى العقد فعدم الضمان هو الذي يحتاج إلى اشتراط في العقد، بخلاف الرداءة في المبيع فإن البائع لا يكون مسؤولا في حال وجودها إلا إذا اشترط في العقد عدمها، أي أنها تطبق عليها أحكام خيار فوات الوصف المشروط لا أحكام خيار العيب (6).

-كما ميزوا بين العيب الخفي وفوات الوصف المطلوب لتمايزهما تمام التمايز بخلاف القوانين الحديثة التي دمجت هذين الموضوعين ورتبت عليهما نفس الأحكام في حين أنهما يختلفان مفهوما وحكما.
فمن حيث لمفهوم: ليس فوات الوصف من قبيل العيب ولا يشمله تعريفه، لأن العيب يجب أن يخلو الشيء منه عادة أي في أغلب الأحوال لكي يعتبر وجوده على خلاف المعتاد عارض نقص.

ب) ومن حيث الحكم: لا يضمن البائع فوات الوصف في المبيع ما لم يكن ذلك الوصف مشروطا في العقد، بخلاف العيب فإن ضمانه من مقتضيات عقد البيع فيلتزم به البائع دون حاجة إلى شرط في العقد.

المبحث الثاني: في وجود التزام على عاتق البائع بضمان العيب الخفي.

من المفروض أن البائع قد التزم بأن ينقل إلى المشتري لا ملكية المبيع فحسب ـ وبمقتضى التزامه هذا أن يحقق له حيازة هادئة للمبيع بدفع ما قد يتم له من تعرض ـ بل أيضا حيازة نافعة ومفيدة بحيث يكون في مقدور المشتري أن يحصل على الخدمات والمنافع التي كان ينتظرها من المبيع والتي من أجلها أقدم على إبرام عقد البيع، فظهور عيب خفي مؤثر في المبيع من شأنه أن يجعله غير صالح للغرض الذي اعد له، يكون إخلالا من البائع بالتزامه.

ورغم أن التزام البائع بنقل ملكية المبيع على المشتري يحميه في نفس الوقت من العيوب الخفية التي قد تظهر في المبيع فإن المشرع رتب في ذمة البائع التزاما آخر وهو ضمانه للعيوب الخفية، وهذا الالتزام مستقل عن التزامه بنقل الملكية في أساسه وفي آثاره، فالتزم البائع بنقل الخفية، وهذا الالتزام مستقل يشمل التزامه بتسليم المبيع وينقل حيازته إليه كي يكون في وسع المشتري الانتفاع به بحسب الغرض الذي أعد له أو طبقا للاتفاق الواقع بشأنه وإذا ظهر في المبيع عيب يجعله غير صالح لتحقيق الغرض منه يعتبر البائع في هذه الحالة قد نفذ التزامه بصورة سلمة وكاملة بل يعتبر قد أخل بالتزامه بنقل الملكية وما يتفرع عنه من التزامه بتسليم المبيع. ومن تم لمشتري أن يطلب فسخ عقد البيع طبقا للقواعد العامة (7).

ولكن المشرع مع ذلك لم يترك ضمان العيوب الخفية للقواعد العامة، بل أنشأ في ذمة البائع التزاما خاصا بضمان العيوب الخفية ووضع لهذا الالتزام قواعد خاصة: وقد خرج فيها في كثير من الأحيان عن القواعد العامة سواء من حيث شروط دعوى الضمان، أم من حيث آثارها كما سيرد ذلك بتفصيل في سياق هذا البحث.

والسبب في استقلال دعوى الضمان وتميزها بمقومات خاصة يرجع إلى تقاليد تاريخية ترتبط بالقانون الروماني، حيث كان الموظفون المعهود إليهم بضبط المعاملات في الأسواق العامة يوجبون على بائع الحيوان أو الرقيق إعلام الطرف الآخر بالعيوب الخفية الموجودة في المبيع وجعلوا للمشتري الخيار إذا عثر على عيب لم يكشف عنه البائع لخيار بين دعويين:
دعوى جنائية يرد بها المشتري المبيع على البائع ويسترد منه ضعف الثمن الذي دفعه له.
دعوى إنقاص الثمن إذا أراد استبقاء المبيع على أن يتم الخيار خلال مدة قصيرة، وقد انتهى القانون في عهد جستنيان إلى تعميم هذه الأحكام على البيوع الأخرى فأصبح بذلك لضمان العيوب الخفية مقومات خاصة انتقلت من القانون الروماني إلى جل التشريعات الحديثة لمسايرتها لضرورات التعامل(8).

وقد عرفت الشريعة الإسلامية نظام العيوب الخفية تحت اصطلاح خيار العيب، وهذا الخيار في الفقه الإسلامي ثابت للمشتري دون حاجة إلى اشتراطه في العقد إذ أنه يثبت بالشروط دلالة، إذ سلامة المبيع من العيب شرط ضمني في العقد، ولما كانت السلامة مشروطة في العقد دلالة فقد صارت كالشرط نصا(9).

وأقام الفقهاء منه ـ أي من هذا النظام ـ بنيانا متكاملا تبعا لمقاصد الشريعة الإسلامية. وبالإضافة إلى كون خيار العيب يقوم على الشرط دلالة في العقد، فإنه يقوم على نص في الشرع وفي هذا الخصوص وردت عدة أحاديث نبوية شريفة عن الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يخص العيب بصفة عامة منها قوله عليه السلام:" لا يحل لمسلم باع لأخيه بيعا وفيه عيب إلا بينه له". وفيما يخص الخيار بسبب العيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" من ابتاع منكم شاة مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام فإن شاء أمسكها، وإن شاء ردها ورد معها صاعا من تمر" (10). وقوله تعالى:" إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم".

وتختلف أحكام هذا الخيار وتتميز عن أحكام ضمان العيب في التقنينات الحديثة التي استمدتها من القانون الروماني. مما يقيم الدليل عن أصالة هذا الفقه. وأنه لم يستمد أحكامه عن مصادر غريبة عنه.

كما تختلف تسمية هذا النظام في الشريعة الإسلامية عن التسمية القانونية في التشريعات الحديثة. فهي في الفقه الإسلامي تسمى بخيار العيب، إذ تنظر إلى هذا النظام باعتباره حقا للمشتري وليس التزاما على البائع (11).

ولقد قيل في تبرير ضمان البائع للعيوب الخفية بعدة آراء فمن ذاهب إلى أن أساس ضمان العيب الخفي يستند إلى مبدأ حسن النية في تنفيذ الالتزامات الناتجة من العقود، ومنهم من بينه على أساس نظرية السبب (12). وإذا كان معظم هذه الآراء لا يخلو من الصواب، فغن فكرة الضمان هذه فكرة مستقلة وأساسها أن المشرع قد أوجد على عاتق البائع التزاما أصليا وهو التزامه بضمان العيوب الخفية. وهذا الضمان في القانون المغربي يلزم البائع بقوة القانون وإن لم يشترط كما أن حسن نية البائع لا يعفيه من الضمان (الفقرة الأخيرة من الفصل 532 قانون الالتزامات والعقود) ولا داعي إذن إلى تبرير دعوى الضمان بمقتضى أي نظام آخر.

إلا أن هذا الضمان الذي أوجبه المشرع على البائع، وخوفا منه على اتساع رقعة المنازعات لأنه قد قلما نجد مبيعا خاليا من النواقص. فقد قصره على العيوب الخفية فحسب، ما لم يصدر عن البائع غش يجعله مسؤولا حتى عن العيب الظاهر (الفصل 574 قانون الالتزامات والعقود) ولذلك يطلق على هذا البحث:" ضمان العيوب الخفية، لا ضمان العيوب بصورة عامة".

وإذا كان ضمان العيوب يقتصر مبدئيا على نظام دعوى ضمان العيوب الخفية فإنه يتجاوز نطاق عقد البيع إلى كل عقد ناقل للملكية أو للمنفعة وبالأخص في عقود المعاوضة سواء تناول الحقوق المادية أو المعنوية أو الحصص المقدمة من الشركاء (13).

ولما كان البيع هو العقد الرئيسي الذي بمقتضاه تنتقل ملكية وحيازة الشيء إلى المشتري فإن القواعد العامة لضمان العيوب الخفية، وضعت في هذا العقد وتمت الإشارة إليها في العقود الأخرى مع ذكر التعديلات التي تقضي طبيعة العقد إجراءها على هذه القواعد.

هذه هي المميزات الأساسية للعيب الذي يخول للمشتري الرجوع بالضمان على البائع والتي تؤدي إلى إعمال أحكام هذا الضمان المنصوص عليها قانونا. وهذه المميزات هي التي تجعل ضمان العيب الخفي نظاما مستقلا عن غيره من الأنظمة القانونية الأخرى لمقاربة له مما يستوجب التمييز بينها وبينه لبيان أحكام كل منها وهذا هو موضوع المبحث الموالي.

المبحث الثالث: تمييز ضمان العيوب الخفية عن غيره من النظم القانونية المقاربة له.

ارتأيت تقديم بحث التمييز بين ضمان العيوب الخفية عن غيره من النظم القانونية المقاربة له على بحث الشروط والأحكام هادفا من وراء ذلك الانطلاق من أرضية واضحة لتلاقي ما يمكن أن يقع من التباس عند التعرض للأحكام والشروط. ولما يمكن أن نجده من تشابه أو تقارب بين هذه الأنظمة. التي يمكن أن تصل في بعض الأحيان وفي ظروف وشروط معينة إلى أن يكون نظام ضمان العيوب الخفية متداخلا مع نظام آخر لدرجة أن بعض الفقهاء ذهبوا إلى المطالبة بالاستغناء عن هذا النظام والاكتفاء ببعض النظم الأخرى أو بإعمال القواعد العامة (14).

إلا أن التمييز بين هذا النظام والنظم الأخرى سيبين أهميته وعدم إمكانية الاستغناء عنه وأنه نظام قائم بذاته ومستقل عن غيره بخصائصه وأحكامه بحيث أنه رغم أوجه التقارب التي يمكن أن توجد بينه وبين غيره من النظم إلى درجة أن المشتري في بعض الحالات يمكنه اللجوء إلى دعوى أخرى غير دعوى الضمان فإنه في حالات أخرى لا يجد ملجأ للوصول إلى حقه سوى ولوج دعوى ضمان العيوب الخفية.

ومن هنا تظهر أهمية التمييز بين دعوى ضمان العيوب الخفية وغيرها من الدعاوي المقاربة لها وذلك باستجلاء أوجه التقارب والتباعد فيما بينها. رفعا لكل لبس وتفاديا لكل خلط يمكن أن يحصل عن هذا التقارب والتشابه منذ البداية.
ومن هذه النظم التي يجب التمييز بينها وبين الضمان: الغلط، والتدليس. والفسخ لعدم التنفيذ وضمان الاستحقاق الجزئي، وتوجد هناك بعض الأنظمة الأخرى إلا أن هذه هي أقربها إلى نظام الضمان.

أولا: التمييز بين ضمان العيوب الخفية والغلط.
إن فكرة الغلط في المبيع تقتري من فكرة ومفهوم العيب الخفي فيه إلى درجة أن محكمة النقض الفرنسية قررت أن أية تفرقة بين ضمان العيوب والغلط في جوهر الشيء تعتبر تفرقة لا فائدة منها (15).

ولكن الغلط يكون في أصل محل العقد وفي أحد عناصره المادية أو أحد صفاته الأساسية فإذا غلط المشتري في شيء من ذلك فكأنما اشترى شيئا غير الذي قصد شراءه. أما في حالة العيب فالمشترى لا يغلط في الشيء الذي يريد شراءه. ولكن يتضح له من بعد الشراء أن به عيبا ويلزم من هذا أن فوات صفة جوهرية في المبيع لا يعتبر عيبا بل يعتبر غلطا مجوزا للإبطال. وذلك لأن فوات الصفة الجوهرية ليست آفة عارضة للمبيع. بخلاف العيب فإنه آفة تصيب المبيع ويخلو منها لو كان سليم الفطرة.

إلا أن التطابق بين المفهومين أو النظامين لا مفر من مصادفته في بعض الحالات فمادام الغلط الذي يجعل العقد قابلا للإبطال هو الغلط الجوهري، الذي يقع في صفة جوهرية كانت الدافع إلى التعاقد والعيب هو ما يجعل الشيء المبيع قاصرا عن تحقيق الغرض المقصود فإن التطابق لا محالة واقع بينهما في كل مرة ترتبط الصفة الجوهرية بالغرض أو العكس.

وهكذا كلما ارتبطت الصفة الجوهرية بالغرض تطابق الغلط مع العيب وتكون نسبتهما كوجهي الدرهم يختار المشتري إحداهما. فأما دعوى ضمان العيب أو دعوى الإبطال للغلط ولا يجمع بينهما فإذا تحققت دعوى العيب بشروطها وجب الاقتصار على رفع دعوى العيب ولا يجوز العدول عنها إلى دعوى الغلط حتى لو توافرت شروطها لأن العيب أخص من الغلط والعام يتقيد بالخاص (16).

ولكن يبقى من ذلك لكل من المفهومين ميدانه الخاص، فقد يوجد الغلط دون العيب أو العكس، كما أن لكل من الدعويين شروطها الخاصة بها وكلا منهما تتب أحكاما معينة.

فالغلط وهم يحدث في نفس المتعاقد يصور له الأمر على خلاف الواقع، فيعيب الإرادة ويعيب بالتالي التصرف القانوني، ولابد أن يكون البائع قد وقع بدوره في الغلط أو كان يعلم وقوع المشتري فيه أو كان يتعين عليه أن يعلم بذلك. فالعقد ينعقد ولكنه قابل للإبطال، أما إذا أراد المشتري أن يرجع على البائع بدعوى ضمان العيوب الخفية فيتعين عليه أن يثبت العيب الخفي الذي من شأنه أني فوت على المبيع غرضا مقصودا منه أو أنه يؤدي إلى نقصان في قيمة المبيع، وهكذا يظهر أن العيب الخفي أمر موضوعي بحث بينما الغلط أمر ذاتي محض يؤخذ فيه بعين الاعتبار الجانب النفسي في العقد.

كما أن آجال رفع دعوى الغلط أو العيب الخفي تختلف. فبينما تتقادم دعوى الغلط بسنة من تاريخ اكتشاف الغلط أو 15سنة من تاريخ العقد. تسقط دعوى العيب بالنسبة للعقار في 365 يوما وبالنسبة للمنقول في ثلاثين يوما من تاريخ التسليم.

وبمقتضى دعوى الغلط يستطيع المشتري أني رجع على البائع سواء كان البيع قد تم عن طريق المساومة أو عن طريق المزاد بواسطة القضاء. أما في حالة العيب الخفي فيمتنع على المشتري أن يراجع البائع بدعوى الضمان إذا كان البيع قد تم بواسطة القضاء.

ثانيا: التمييز بين ضمان العيوب الخفية والتدليس.
يتحقق التدليس باستعمال طرق وأساليب احتيالية يقصد منها إيقاع المتعاقد في الغلط، ولكنه يتميز عن الغلط العادي بأنه لم يحدث لدى المتعاقد تلقائيا. وإنما نتيجة ما استعمل بحقه من حيل وخداع، وبمعنى آخر هو غلط مستثار وعلى ذلك يتحقق التدليس دون وجود عيب خفي، وقد يتحقق العيب الخفي دون وقوع التدليس وقد يجتمع العيب والتدليس، وذلك إذا أخفى البائع غشا منه، كما في حالة بيع مصنع معين بثمن مرتفع لا يتناسب مع القيمة الحقيقية لمثال هذا المصنع، ولكن تبين للمشتري أن البائع قد تعمد إخفاء العيوب الموجودة في الآلات والأجهزة عن طريق الطلاء. فوجود هذه العيوب سيلحق بالمشتري غبنا فاحشا نظرا للثمن المرتفع الذي دفعه عند الشراء ففي مثل هذه الحالة يكون في مقدور المشتري إما أن يرجع على البائع بمقتضى دعوى التدليس أو بمقتضى دعوى العيب الخفي ولكنه لا يستطيع أن يجمع بينهما.

غير أن هناك فروقا بين هاتين الدعويين من حيث شروط إقامتهما أو من حيث الأحكام المترتبة عليهما: ففي دعوى التدليس لا يكفي أن يكون البائع سيئ النية وإنما يجب أن يكون قد عمد إلى استعمال وسائل احتيالية في سبيل إيقاع المشتري في الغلط.

أما في دعوى العيب فقد يكون البائع حسن النية ولا يعلم بوجود العيب في المبيع ومع ذلك يلتزم بالضمان. ويؤدي التدليس إلى إبطال البيع إذا كان دافعا أو إلى التعويض إن كان غير دافع إلى التعاقد، أما دعوى الضمان فتؤدي إلى الفسخ أو التعويض أو الإنقاص في حالات خاصة. كما أن هذه الدعوى تسقط في العقار بمضي365 يوما من تسلمه. وفي المنقول بثلاثين يوما من تسلمه، أما دعوى الإبطال للتدليس فتتقادم بأقصى الأجلين سنة من يوم اكتشاف التدليس أو خمس عشرة سنة من تاريخ العقد.

ثالثا: التمييز بين ضمان العيوب الخفية والفسخ لعدم التنفيذ.
قد يطلب المشتري فسخ العقد لعدم قيام البائع بتنفيذ التزامه المترتب عليه بمقتضى عقد البيع وفي أحوال أخرى يحق للمشتري الرجوع على البائع بدعوى ضمان العيب دون دعوى الفسخ لعدم التنفيذ، إلا أنه وفي بعض الحالات يكون للمشتري الخيار بين الفسخ لعدم التنفيذ، أو ضمان العيب، كما لو اشترط على البائع أن يكون المبيع في حالة صالحة للغرض المقصود منه ثم ظهر للمشتري أن المبيع ليس بهذه لحالة. كشراء أشجار مثمرة تبين أنها غير قادرة على ذلك وظهير أن السبب يعود إلى إصابتها بمر ض معين. ففي هذه الحالة يستطيع المشتري بتسليم المبيع بالحالة المتفق عليها وهي أن تكون صالحة لإعطاء الثمار. أو أن يرجع على البائع بدعوى ضمان العيب الخفي لكون إصابة الأشجار بمرض معين حالت دون تحقيق الغرض المتفق عليه بينهما. إلا أنه لا يمكنه الجمع بين الدعويين.

غير أن هناك فروقا معينة بين هاتين الدعويين: ففي دعوى الفسخ لا يشترط أن يكون المشتري غير عالم بالعيب، بينما يشترط ذلك في دعوى الضمان أي عدم علم المشتري، كما أنه لا يجوز سماع دعوى العيب الخفي في البيوع التي تجري بواسطة القضاء ( الفصل 575 قانون الالتزامات والعقود) بينما تسمع في دعوى الفسخ لعدم التنفيذ ولو جرى البيع بواسطة القضاء، ثم إن أمد التقادم في دعوى الفسخ لعدم التنفيذ خمس عشرة سنة تبدأ من وقت إخلال البائع بالتزامه. بينما في دعوى الضمان ب 365 يوما في العقار وثلاثين يوما في المنقول تبدأ بالسريان من يوم تاريخ التسليم.

ويلعب القضاء دورا هاما في وصف الوقائع لمعرفة ما إذا كان الأمر يتعلق بالفسخ لعدم التنفيذ، أم أنه يتعلق بالعيب الخفي. وللمحكمة أن تقرر في هذا الأمر. ولكن يتعين عليها تسبيب قرارها، وقرارها في هذا الحالة خاضع لرقابة المجلس الأعلى لأنها تبث في مسألة قانونية.

رابعا: التمييز بين ضمان العيوب الخفية وضمان الاستحقاق الجزئي.
إذا كان التقارب بين هذين النظامين يتجلى في كون كل واحد منهما يؤدي إلى نقص في قيمة المبيع أو منفعته، على أساس أن وجود الأعباء والتكاليف غير المصرح بها في الشيء يؤدي إلى نقص في قيمته ووجود العيب الخفي في المبيع يؤدي هو الآخر إلى نقص في قيمته، أو في منفعته أو بعبارة أخرى فإن تحقق الاستحقاق الجزئي أو وجود العيب في المبيع يعود بالخسارة على المشتري بسبب كل منهما، وهذا ما دفع بالمشرع المصري والسوري والليبي إلى ترتيب نفس الأحكام عليهما.

فإن التمييز يبقى دائما بين الوضعين: ففي حالة الاستحقاق الجزئي يكون على المبيع حق للغير. وهذا الحق عبارة عن أعباء وتكاليف تنقل المبيع لمصلحة الغير. فالمبيع في هذه الحالة سليم من ناحية مادته ولكنه معيب من ناحية ملكيته، أما في حالة العيب الخفي، بمعنى الآفة الطارئة ـ فإن المبيع سليم من ناحية ملكيته ولكنه معيب من ناحية مادته (17)، أو بعبارة أخرى أن العيب آفة في ذات المبيع لا في ملكيته (18).

كما تختلف الدعويين في أمور عديدة منها: أنه لا يشترط أن يكون المشتري حسن النية في حالة الاستحقاق الجزئي بينما يشترط ذلك في ضمان العيب الخفي، بمعنى أنه يتعين ألا يكون المشتري علم بالعيب. كما يحق للمشتري الرجوع على البائع بضمان الاستحقاق الجزئي ولو تم بواسطة القضاء. ودعوى الاستحقاق الجزئي تتقادم بخمس عشرة سنة من تاريخ الاستحقاق.

ويلاحظ مما سبق أن المعيار الذي اعتمده الفقهاء في التمييز بين نظام العيوب الخفية وغيره من النظم المقاربة له يرتكز أساسا على ما يتميز به هذا النظام من حيث الشروط والأحكام التي خصه المشرع بها، فقد خصه بشروط خاصة. كما رتب عليه أحكاما تخرج في غالبيتها على أحكام القواعد العامة. فما هي هذه الشروط وما هي هاته الأحكام؟ هذا ما سيكون معرض بحث في الفصلين التاليين.

الفصل الثاني : الشروط التي يتوجب توفرها في العيب الموجب الضمان

كلما اقترب القانون من تحقيق التوازن بين مصالح الأفراد في الجماعة التي ينظمها ـ مراعيا بذلك اعتبارات شتى ـ كلما اقترب من الكمال.

وهو في عقد البيع يجهد في إقامة هذا التوازن بين البائع والمشتري، ومن هذه الاعتبارات التي يراعيها المشرع في ذلك: أن المشتري إنما يتنازل عن الثمن للبائع مقابل الحصول على المبيع ليسد حاجاته ويطفئ رغباته مما يستخلصه من هذا المبيع من منافع، فلو وجد المشتري في المبيع عيبا ينقص القيمة أو النفع فإنه لم يتعطل هدفه من الشراء إلا أنه يكتمل، وعلى هذا الأساس تدخل المشرع ليسد هذه الثغرة ويحافظ على حقوق المشتري.

ولكن بالمقابل فإن القانون بحرصه على استقرار المعاملات التي هي قوام الازدهار الاقتصادي وبث الطمأنينة بين المتعاملين. لم يوجب على البائع ضمان كل عيب يظهر في المبيع. بل رتب شروطا معينة لابد وأن تتوافر وبدونها لا يقوم الضمان. لأنه لو أخذ بعين الاعتبار أي عيب يظهر في المبيع دون الأخذ بعين الاعتبار إذا كان العيب جسيما أو تافها وبصرف النظر عن الوقت الذي يظهر أو يوجد فيه العيب، لأفضى ذلك إلى الاضطراب وعدم استقرار المعاملات وإهدار القوة الملزمة للعقود، ولأجل هذا نص القانون على ضرورة توافر شروط معينة في العيب الذي يوجب الضمان وهذه الشروط تتعلق: 1) بالعيب ذاته من حيث ظهوره. 2) من حيث استلزام كونه على درجة معينة من الجسامة. 3) من يحث الوقت الذي ينبغي أن يوجد فيه. 4) أن لا يكون من البيوع التي جرت بواسطة القضاء. وسأبسط الكلام في كل شرط من هذه الشروط في مبحث خاص.

المبحث الأول: أن يكون العيب خفيا.
يعتبر العيب خفيا إذا كان غير ظاهر. فلا يرى بالعين ولا يدرك بالحواس الأخرى. وإنما يحتاج في كشفه إلى التقليب في أجزاء الشيء المبيع أو إلى تجربته أو إجراء فحص تقني أو تحليلي أو مرور بعض الوقت ليتضح ما إذا كان به عيب أم لا.

أما إذا كان ظاهرا باديا للعيان ويظهر لأول وهلة. وفي مقدور المشتري اكتشافه بكل يسر وسهولة فلا يحق له أن يتمسك بجهله بالعيب لأنه يعتبر مخطئا عند عدم تبنيه للعيب الظاهر.

والقانون لا يسعف المشتري في هذه الحالة كما يقول بذلك (بوتييه) الفقيه الفرنسي المعروف (19). والمشرع المغربي اعتبر العيب خفيا في حالتين اثنتين ويستخلص حكمهما من المادتين 569 و570 قانون الالتزامات والعقود.

فالحالة الأولى: إذا لم يكن المشتري عالما بالعيب عند البيع أو التسليم. أو إذا لم يكن باستطاعته أن يتنبه إليه بسهولة ويتعرف عليه. إما إذا علم بوجود العيب أو أنه أحاط به علما بخبرته الشخصية أو باستعانته بخبير ماهر فإن حقه في الضمان يسقط ولا يمكنه الرجوع على البائع به. لأن علمه بالعيب يحول دون اعتباره ـ أي العيب خفيا. وسكوته عليه بعد رضاء منه به وقرينة علي أنه أدخل في اعتباره العيب عند تحديد ثمن المبيع.

ومادام العيب خفيا فإن علم المشتري به لا يفترض ويقع على البائع أن يثبت علم المشتري بالعيب وقت تسليم المبيع إليه. والعلم يعتبر واقعة مادية يستطيع البائع أن يثبتها بجميع طرق الإثبات (20).

والعلم الذي به يسقط الضمان عن البائع هو العلم الذي بلغ درجة اليقين لا العلم المبني على الحدس والتخمين ومجرد الظن (21). وإذا انصرف علم المشتري إلى واقعة معينة فأثره لا ينصرف إلى واقعة أخرى أي أن هذا العلم لا يمنعه من الرجوع على البائع بالنسبة إلى أي عيب كان يجهله.

ولكي يعتبر العيب خفيا، يجب أن لا يعلمه المشتري لا وقت إبرام البيع ولا وقت التسليم، فإذا استطاع البائع أن يثبت علم المشتري بالعيب في أي وقت من هذين الوقتين سقط عنه الضمان. أما العيب الذي يحدث في المبيع ما بين إبرام البيع ووقت التسليم فيتعين على البائع ليسقط عنه الضمان أن يثبت أن المشتري كان يعلم بالعيب وقت التسليم أو كان يجب عليه أن يعلم به أو على الأقل يفترض فيه العلم به.

إذا كان حكم العيب المعلوم يأخذ حكم العيب الظاهر، فما هو حكم الحالة التي تكون فيها للمشتري الإمكانية على تبين العيب واكتشافه والوقوف عليه؟ هل يعتبر العيب خفيا أم ظاهرا؟ وما هو المعيار الذي وضعه المشرع المغربي لتحديد هذه الإمكانية ؟

اعتبر المشرع المغربي العيب ظاهرا لا خفيا إذا كان في مقدور المشتري تبينه واكتشافه، ولكن ما هو المعيار الذي اعتمده في تحديد هذه الإمكانية، هل هو المعيار الشخصي الواقعي؟ أم هو المعيار الموضوعي أي المجرد النظري؟ (22).

وقف المشرع المغربي موقفا وسطا بين المعيارين وذلك من خلال التنسيق بينهما بالاستناد إلى مبدأ النظر لطبيعة الشيء لا إلى شخص المشتري من ناحية. وبالاستناد إلى ما جرى عليه العرف من ناحية أخرى (23).

فبالاستناد إلى طبيعة الشيء اعتبر العيب خفيا أو ظاهرا لا بالنظر إلى شخص المشتري وقدرته على إمكانية تبينه للعيب من عدمه ولكن على أساس التمييز بين الأشياء المبيعة في حد ذاتها.

فالمادة 553 قانون الالتزامات والعقود ميزت الحيوان عند ورود البيع على الأشياء المنقولة في مهلة الإخطار ومن الملاحظ أن هذه المهلة قد اعتد فيها المشرع بطبيعة الشيء لا بشخص المشتري. فاعتبر زمن الأعلام معيارا لاعتبار العيب خفيا أو ظاهرا.

ويؤكد ما ذهب إليه المشرع في أخذه طبيعة الأشياء لاعتبار العيب خفيا موجبا إلزام البائع بالضمان اعتداده بمبدأ العرف المحلي، فقد قرر في المادة 550 قانون الالتزامات والعقود ما يلي:" إلا أنه إذا كان المبيع مما لا يمكن التعرف على حقيقة حالته إلا بإجراء تغيير في طبيعته كالثمار في قشورها فإن البيع لا يضمن العيوب الخفية إلا إذا التزم بذلك صراحة أو إذا كان العرف المحلي يفرض عليه هذا الضمان".

الحالة الثانية: إذا كان العيب من قبيل العيوب التي يمكن للمشتري أن يتعرف عليها بسهولة ولكن البائع صرح بخلو الشيء المبيع منها وعدم وجودها فيه.

فالمشرع المغربي اعتبر العيب خفيا بقوة القانون وبالتالي ملزما للضمان حتى ولو كان المشتري يستطيع أن يتعرف عليه بسهولة ويسر وذلك:
أولا:إذا أثبت المشتري أن البائع قد أكد له خلو المبيع ولو كان في وسعه ـ أي المشتري ـ تبين العيب بالفحص العادي للمبيع، لأن من حقه أن يطمئن إلى تأكيد البائع ويعتمد عليه، لأن تأكيد البائع للمشتري خلو المبيع من العيب يعتبر بمثابة اتفاق صريح على ضمان البائع للمشتري العيب في حالة وجوده في المبيع، وهذا التأكيد يجب أن يأتي بعبارات دقيقة وينصرف إلى عيب بذاته. فلا يكفي أن تصدر من البائع عبارات عامة، كما أن هذا التأكيد يقتصر على عيب أو عيوب حددها فلا ينصرف إلى عيب لم يتناوله التأكيد.

ثانيا: إذا أثبت المشتري أن البائع قد تعمد إخفاء العيب غشا منه. فالبائع يبقى مسؤولا عن العيب وإن كان ظاهرا، أي ولو كان في إمكان المشتري كشفه لو بذل في فحص المبيع عناية الشخص المعتاد، لأن المشرع قصد من ذلك حرمان البائع من الاستفادة من غشه(24). لأن غشه هنا يعتبر خطأ جسيما يستغرق الإهمال الذي قد يبدو من المشتري، ويبقى البائع ضامنا ولو ظل العيب ظاهرا رغم الغش الصادر من البائع. أي عند إخفائه العيب. ما لم يكن المشتري على علم بالعيب لأنه إذا كان عالما به رغم تأكيد البائع بخلو المبيع منه وإخفائه للعيب غشا منه. فإن الضمان في هذه الحالة يسقط عن البائع.

وإذا كان علم المشتري وجهله يؤثران على حقه في الضمان حيث يرجع على البائع بالضمان في حالة جهله بالعيب ويمتنع عنه ذلك عند علمه بالعيب، فالأمر غير ذلك بالنسبة للبائع، فهو يضمن العيب ولو كان يجهله. لأن إخفاء العيب يكون من حق المشتري لا البائع (25).

بل إن علم البائع بالعيب الخفي وعدم تصريحه بوجوده في الشيء المبيع يؤدي إلى اعتباره سيئ النية ويؤثر في الاتفاقات الخاصة بتعديل أحكام الضمان، وعلى مقدار التعويض الذي يستحقه المشتري.

المبحث الثاني: أن يكون العيب مؤثرا.
انطلاقا من مبدأ استقرار المعاملات، لم يشأ المشرع أن يجعل كل شائبة في المبيع عيبا، وعلى هذا أوجب أن تتوافر في العيب الجسامة التي يتطلبها القانون. ويتبين من المادة 549 قانون الالتزامات والعقود أن المعيار الذي اعتمده في تحديد مدى تأثير العيب هو معيار مادي. فالعيوب المؤثرة في التشريع المغربي هي:" التي تنقص من قيمة الشيء المبيع نقصا محسوسا، أو التي تجعله غير صالح للاستعمال فيما أعد له بحسب طبيعته أو بمقتضى العقد، أما العيوب التي تنقص نقصا يسيرا من القيمة أو الانتفاع أو تلك التي جرى العرف على التسامح فيها فلا تخول الضمان".

فالعيب إذن قد يكون من شأنه أن ينقص من قيمة الشيء المادية أو من نفعه المادي، وقيمة الشيء ونفعه أمران متميزان، فقد ينقص العيب من قيمة الشيء دون أن ينقص من نفعه. والعكس صحيح فإذا كان العيب مؤثرا بحيث ينقص من قيمة الشيء نقصا محسوسا أو فوت على المشتري منفعة مقصودة كان له أني رجع بضمان العيب الخفي وبذلك يكون المشرع المغربي قد وسع من دائرة الضمان بالمقارنة مع المشرع الفرنسي الذي لم يورد سوى حالة واحدة أو معيارا واحدا وهو العيب الذي يؤدي وجوده في المبيع إلى فوات منفعة المبيع أو نقص في منفعته دون أن يشير إلى العيب الذي ينقص من ثمن المبيع (26) كما أن المادة 549 مدني مغربي جاءت أكثر إيضاحا وأغزر بيانا لأنها أرشدت ـ بالإضافة إلى الملاحظة الأولى ـ إلى أن وجود العيب يرجع فيه إلى طبيعة المبيع أو إلى ما ورد في عقد البيع نفسه أما المادة الفرنسية فهي خالية من الإشارة إلى ذلك (27).

ولكن ما هو العيب المؤثر في الشيء المبيع من حيث القيمة أو المنفعة؟
أولا: المقصود من كون العيب مؤثرا في قيمة المبيع: النقص الناتج عن العيب في قيمة المبيع اللاحق به لا عن تقلبات الأسعار (28) وقد حدد المشرع مدى النقص الذي إذا تحقق في قيمة المبيع بسبب العيب يعتبر مؤثرا فيه، حيث يجب أن يكون النقص محسوسا. أما إذا كان تافها أو طفيفا أو من العيوب المتسامح بشأنها عرفا فلا يستوجب الضمان.

ثانيا: والمقصود بكون العيب مؤثرا في منفعة المبيع: هو جعل الشيء المبيع غير صالح للانتفاع به، وتحديد المنافع المقصودة من المبيع تستفاد من وجهة استعمال الشيء فيما هو معد له بحسب طبيعته أو بموجب العقد. أ) فالغرض الذي أعد له المبيع يكشف عن المنافع المقصودة منه بحيث أن فواتها يعتبر عيبا مؤثرا وهي تفيد "الغاية" المستمدة من ذات الشيء المبيع، أو الغاية المستمدة من عرف الناس، أما قصد المشتري الشخصي فلا يعتد به إذا لم يصرح به وقت العقد (29) وقد يقصد من طبيعة الشيء الغرض الذي أعد له هذا الشيء فيرجع إلى هذا الغرض لتحديد المنافع المقصودة من المبيع والعيوب التي تخل بهذه المنافع (30) فإذا كان المبيع سيارة حددت الأغراض المقصودة منها كما إذا كانت معدة للسباق واشتراها المشتري على هذا الاعتبار فإن الغرض الذي أعدت له السيارة تحدد المنافع المقصودة منها: وهي أن تكون صالحة للسباق، فإذا تبين أنها غير صالحة له، كان هذا عيبا خفيا موجبا للضمان، ولو كانت السيارة صالحة لجميع الأغراض الأخرى.

ت)أما وجهة استعمال الشيء وفقا لما أعد له بحسب طبيعته. فتفيد معنى الاستعمال الخاص والذي يلائم جنس الشيء المبيع، فإذا كان المبيع أرضا زراعية، أملت طبيعتها الأغراض المقصودة منها فلا يشترط أن تكون صالحة إلا للمحصولات العادية، وهكذا فإن طبيعة المبيع تكشف عن المنافع المقصودة منه بحيث فواتها يعد عيبا مؤثرا فيه.

ج)وأما وجهة استعمال الشيء وفقا لمقتضى العقد: فتقتضي الأخذ بعين الاعتبار تحقيق الأغراض التي تم الاتفاق عليها بين المتبايعين صراحة كان ذلك أم ضمنا. والمحددة وفقا لشروط العقد. وهذا الاتفاق لا يترك للبائع مجالا للشك حول الصفات التي تلائم الانتفاع بالمبيع وبالتالي للتخلص من الضمان، فإذا لم تتوافر في المبيع وقت التسليم الصفات التي كفل البائع للمشتري وجودها فيه كان هذا عيبا مؤثرا موجبا للضمان، ولو لم يكن خلو المبيع من هذه الصفات هو في ذاته عيب بحسب المألوف في التعامل بين الناس. مادام البائع قد كفل للمشتري هذه الصفات (31) ويعتبر الشيء المبيع معيبا استنادا للفقرة الثانية من الفصل549 من قانون الالتزامات والعقود التي جاء فيها:" يضمن البائع أيضا الصفات التي صرح بها أو التي اشترطها المشتري".

وليس من الضروري أن تكون الصفات التي كفلها البائع للمشتري مذكورة صراحة في عقد البيع، بل يكفي ذكرها ضمنا فالبيع بالعينة أو البيع طبقا لنموذج مفروض فيه أن يكون المبيع مطابقا للعينة أو النموذج، فإذا اختلت المطابقة كان هذا عيبا مؤثرا موجبا للضمان، ويرجع في وجود العيب في هذه الحالة إلى اختلال الصفات التي كفلها البائع للمشتري ضمنا بالبيع طبقا لعينة أو لنموذج.

المبحث الثالث: يجب أن يكون العيب قديما.
يكون العيب قديما إذا وجد بالمبيع قبل وقت معين، إلا أنه قد لا يوجد العيب نفسه قبل هذا الوقت المعين، وإنما يوجد سببه ويظهر هذا العيب ويبرز بعد ذلك الوقت. ومع ذلك يعتبر هذا العيب قديما بدون خلاف بين الفقه والاجتهاد (32). بمعنى آخر يكفي لكي يتحقق الضمان على البائع أن يكون مصدره أو نواته أو جرثومته موجودة في المبيع وقت التسليم وإن كان العيب لم ينتشر أو يتفاقم إلا بعد الوقت المعين.

وكماي قع على المشتري عبء إثبات وجود العيب في المبيع، يقع عليه كذلك إثبات وجود أصل العيب أو جرثومته في المبيع في الوقت المعين، لأن الأصل هو سلامة المبيع من العيوب. ومن يدعي خلاف ذلك عليه أن يثبت دعواه. ومن تم يستطيع المشتري أن يثبت دعواه بكافة طرق الإثبات القانونية. لأن تعيب المبيع لا يعدو أن يكون واقعة مادية. ولكن ما هو هذا الوقت المعين؟.

فرق المشرع المغربي بين ما إذا كان المبيع شيئا معينا بذاته، فاعتبر أن العيب يكون قديما إذا كان موجودا وقت البيع وإذا كان البيع عينا معينة بنوعها يكون العيب قديما إذا كان موجودا وقت التسليم. الفصل 552 قانون الالتزامات والعقود.

على أن هذا لا يعني أن يكون ظهور العيب واكتشافه قد تم وقت العقد و عند التسليم وإنما أن لا يكون العيب قد نشأ في الشيء المبيع بعد البيع أو التسليم. وأن يكون نشوءه عائدا إلى وقت كان الشيء المبيع فيه لدى البائع وإن ظهر وهو لدى المشتري بعد التسليم (33).

المبحث الرابع : يجب أن لا يكون البيع قد جرى بواسطة القضاء.
تقضي المادة 575 مدني مغربي بأنه "لا داعي لضمان العيب في البيوع التي تجري بواسطة القضاء". ومرد ذلك إلى أن هذا النوع من البيوع يتم بعد النشر والإعلان عنه مما يتيح الفرصة للمشتري لفحص المبيع والتعرف عليه بمعاينته والوقوف على العيب الموجود فيه. وبالأخص أن الفحص في الغالب يجري بحضور عدد من الناس وكل واحد يبدي ملاحظاته فيستفيد منها الآخرون مما يجعل عدم اكتشاف العيب أمرا نادر الوقوع. هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن إقرار الضمان يخلق صعوبات كثيرة منها أن ثمن المبيع يكون قد تم توزيعه على الدائنين الذين باشروا إجراءات البيع مما يؤدي إلى تهديد مصالح ترتبت بالفسخ وإلغاء ما رافقها من إجراءات طويلة وإعادتها مرة أخرى، مما يحمل المدين ـ وهو البائع ـ مصروفات جديدة (34).

إلا أنه ليس كل بيع يتم عن طريق القضاء يعتبر بيعا قضائيا تشمله أحكام الفصل 575. بل يتوجب لكي يكون مشمولا بأحكام هذا الفصل أن يكون من البيوع التي لا يمكن أن تتم إلا أمام السلطة القضائية وهو بشكل عام بيع الأموال المحجوزة والخاصة لتنفيذ حكم قضائي أو سند تنفيذي إداري صادر على أموال المدين.

أما في حالة البيوع الاختيارية التي تتم أمام القضاء بحرية الطرفين اللذين يستطيعان الالتجاء إلى بيع ودي فلا يسري هذا الحكم عليها. ويعتبر البيع عاديا، ويظل الضمان قائما فيها (35).

الفصل الثالث : أحكام ضمان العيوب الخفية

من المعلوم أنه متى توافرت الشروط السابقة بالنسبة لضمان العيوب الخفية، ومتى تخلفت الصفات التي كفل البائع وجودها في المبيع حق للمشتري أن يطب إعمال الجزاء الذي قرره القانون بالنسبة لالتزام البائع بضمان العيوب الخفية، وضمان وجود الصفات في المبيع. ولكي يكون للمشتري حق الرجوع على البائع لما يقرره القانون من أحكام، لزم أن يقوم بما يفرضه القانون قبل ذلك من إجراءات.

ولهذا سأتعرض في مبحث أول للإجراءات التي يجب على المشتري أن يقوم بها لأجل الحفاظ على حقه في الضمان ثم للآثار التي تترتب عن دعوى ضمان العيوب الخفية ثم أختم هذا الموضوع بإبداء بعض الملاحظات.

ولكن قبل البحث في هذه المواضيع لابد من إبداء ملاحظة أولية فيما يتعلق بأحكام هذا الضمان ذلك أن ما يثير انتباه الباحث في هذه الجزئية من الحياة القانونية، الاختلاف الكبير الذي يوجد بين القوانين العربية عندما تطرقت لهذه الأحكام. برغم التشابه الموجود بينها عندما تعرضت للشروط والقواعد العامة لهذا النظام إلا أنها وعند ترتيبها للأحكام تولى كل وجهته الخاصة. فبينما شابهت القوانين: المصري والسوري والليبي ما بين آثار دعوى الضمان للعيب الخفي والاستحقاق. نحى القانون العراقي منحى الشريعة الإسلامية، في الوقت الذي ارتوى فيه القانون اللبناني والتونسي والمغربي من منهل الفقه الفرنسي في هذا الموضوع رغم ما يجمع بين شعوب هاته القوانين من وحدة الأصل، والاشتراك الملحوظ في العادات والتقاليد والظروف الاجتماعية المتشابهة التي كانت تظللها الشريعة الإسلامية إلى حد قريب في بعضها، وإلى الآن في البعض الآخر.

وقد حاول واضعو هذه التشريعات التوفيق بين التشريعات الحديثة التي استمدوا منها أساس أحكام هذا الباب وخاصة القانون الفرنسي. وبين أحكام الشريعة الإسلامية مما ولد تنافسا في هذه الأحكام بعدم الأخذ بعين الاعتبار أن منطلقات الشريعة الإسلامية هي غير منطلقات التشريعات الحديثة.

وبما أن المقارنة في هذا الموضوع سيتطلب دراسة طويل ومعمقة لا يمكن أن تستوعبها طبيعة البحث الحالي الذي تطرق للموضوع بصفة عامة فإنني سأكتفي بدراسة الأحكام في إطار قانون الالتزامات والعقود المغربي مستجليا فيه التناقضات التي وقع فيها التشريع المغربي عند صياغته لأحكام هذا الباب.

المبحث الأول: الإجراءات التي يتعين على المشتري القيام بها لأجل الحفاظ على حقه في الضمان.
هذه الإجراءات عبارة عن مبادرة المشتري إلى فحص المبيع عند استلامه له، وإخطار البائع بالعيب، ومن تم إقامة دعوى الضمان حسب التفصيل التالي:
أولا: المبادرة إلى فحص المبيع وإخطار البائع بالعيب.
أ)المشرع في سياسته التشريعية بالنسبة لضمان العيب الخفي راعى مبدأ الموازنة بين مصلحة البائع من جهة ومصلحة المشتري من جهة أخرى، ومبدأ استقرار المعاملات فأحاط دعوى ضمان العيب الخفي بإجراءات ألقاها على عاتق المشتري لتثبيت أو إثبات العيب. والمبادرة إلى رفع دعوى الضمان بعد إخطار البائع بالعيب، لأن الإبطاء في شيء من ذلك قد يجعل إثبات العيب عسيرا.

فحتى يستقر التعامل وتحسم أوجه النزاع ألزم المشرع المشتري القيام بإجراءات لإثبات العيب قبل أن يلزم البائع بضمان العيب. فقد أوجب عليه أن يقوم فورا بفحص المبيع على إثر استلامه استلاما فعليا.
على أن تسلم المشتري المبيع، ولو كان به عيب ظاهر و عيب في حكم الظاهر لا يعتبر بمجرد التسلم قابلا بالعيب (36).

فقد أعطاه مهلة، يجب عليه فيها التحقق من حالة المبيع عن طريق الفحص المعتاد وإخطار البائع فيها بلا إبطاء وذلك خلال سبعة أيام التي تلي البيع عن كل عيب على البائع ضمانه. إذا كان المبيع من المنقولات غير الحيوانات (الفصل 553 الفقرة الأولى قانون الالتزامات والعقود). أو على إثر اكتشافها إذا كانت مما لا يمكن التعرف عليها بالفحص العادي أو تكون هناك موانع لا علاقة لها بمشيئة المشتري حالت دون فحصه الشيء فحصا دقيقا.

ويقصد المشرع غب كل الحالات أن يبادر المشتري إلى إبلاغ البائع بالعيب عند اكتشافه كما أراد أن لا يتأخر في اتخاذ الإجراءات اللازمة لإثبات العيب والمبادرة إلى رفع الدعوى ضمن المدد القانونية المنصوص عليها في الفصل 573 لأن الإبطاء في اتخاذ الإجراءات وعدم إقامة الدعوى في المدة القانونية من شأنهما أن يجعلا إثبات العيب متعذرا كما يتعذر معرفة منشئه وهل كان العيب موجودا وقت التسليم أو بعده ؟.

وإذا كان المشرع المغربي قد حدد المدة التي يجب فيها على المشتري إبلاغ البائع بالعيب (الفصل 553 ق.ل.ع) فإنه لم يحدد شكلا معينا لهذا التبليغ فقد يكون بكتاب مضمون أو بإنذار وحتى بالإبلاغ شفويا. غير أن على المشتري أن يثبت حصول هذا التبليغ بجميع الطرق. ورغم ذلك فإن المشتري لا يعتبر راضيا بالمبيع عندما لا يتم الإبلاغ ضمن المدة القانونية إذا كان البائع سيئ النية.

ب)غير أن معاينة الشيء وفحصه بعد تسلمه مع ظهور العيب فيه لا يمكن الاعتداد به إلا إذا أقام المشتري بالإجراءات المنصوص عليها في المادة 554 ق.ل.ع والتي توجب عليه معاينة المبيع بواسطة السلطة القضائية و بواسطة خبراء مختصين لإثبات العيب حسب التفصيل التالي:
لكي يكون الإثبات قانونيا ومثبتا لحق المشتري في ضمان العيب لابد أن يتم بواسطة السلطة القضائية أو بواسطة خبراء مختصين بحضور البائع أو نائبه إذا كان موجودا في مكان وجود الشيء المبيع وإخطاره بذلك فورا إن لم يكن موجودا فيه.

فإذا لم يقم المشتري بإثبات حالة المبيع بعد اكتشاف العيب توجب عليه أن يثبت أن العيب كان موجودا فعلا عند تسلمه المبيع، غير أن المشرع المغربي قد أعفى المشتري من هذا الإجراء في الحالة التي يكون فيها المبيع قد تم على أساس نموذج معين لم ينازع البائع في ذاتيته. ففي هذه الحالة يكفي أن يكون الشيء المبيع غير مطابق في أوصافه للنموذج المحدد ليكون الشيء المبيع معيبا وملزما للبائع بالضمان بناء على مقتضيات الفصل 551 ق.ل.ع.

ويتميز التشريع المغربي في هذه النقطة على غيره من بعض التشريعات العربية (37). على أنه أوجب على المشتري إثبات العيب على طريق المعاينة بواسطة السلطة القضائية أو بواسطة خبراء مختصين في حين أنه لا وجود لمثل هذا النص في تلك التشريعات، وقد أحسن صنعا للتضييق من حلقة النزاعات التي يمكن أن تثيرها الخلافات في هذا الموضوع، كما أن هاته التشريعات لم تتعرض إلى الحالة التي يكون فيها المشتري إزاء مبيع ورد عليه من مكان آخر وكان به عيب، ولم يكن للبائع من يمثله في محل التسليم، وقد فصل فيها المشرع المغربي على أساس طبيعة المبيع كالتالي:

أ)إذا كان المبيع بضائع وسلعا لا يخشى تلفها أو تعييبها السريع أوجب المشرع على المشتري أن يقوم بالإجراءات القانونية التي تثبت حالة البضائع والسلع ثم حفظها بشكل مؤقت حتى يتم ردها إلى مصدر وصولها.

أما إذا كانت من السلع التي يخشى عليها من خطر التلف أو الفساد السريع فقد أعطى للمشتري الصلاحية في العمل على بيعها بحضور ممثلي السلطة المختصة في المكان الذي وصلت إليه وبعد إنجازه للإجراءات القانونية المذكورة.

وإجراء البيع هذا بعد إثبات حالة الشيء المبيع، يعتبر التزاما مفروضا على عاتق المشتري بقوة القانون عندما تقتضيه مصلحة البائع، ويثير مسؤولية المشتري عند تقاعسه على القيام بهذا الإجراء ويوجب عليه التعويض عن كل الأضرار التي تلحق مصلحة البائع نتيجة هذا التقاعس، كما عليه أن يخبر البائع عن كافة الإجراءات التي اتخذها حفاظا على حقوقه.
وفي حالة رد البضاعة إلى مصدرها بعد القيام بالإجراءات القانونية المذكورة تكون مصروفات الرد على البائع.

ثانيا: إقامة دعوى ضمان العيب الخفي:
لما كانت معظم البيوع لا تخلو عادة من عيب ولو طفيف، يظهر في المبيع، فيرضى به المشتري ولا يطالب البائع بالضمان أو مؤثرا فيطالب البائع بضمانه. فيقيم عليه دعوى الضمان بعد أن يكون قد قام بالإجراءات القانونية من مبادرة إلى فحص المبيع بعد تسلمه، إلى إخطار البائع بالعيب عند تبينه له داخل المدد القانونية المحددة لذلك.

فإن مبدأ استقرار المعاملات دفع بالمشرع إلى إلزام المشتري برفع دعوى الضمان خلال مدة محددة من الزمن وإلا سقط حقه فيها. بحيث إذا مرت هذه المدة وانقضت لا يكون له بعد ذلك الحق في ذلك سواء كان العيب مما يمكن اكتشافه بالفحص المعتاد أو لا يكون في المقدور اكتشافه إلا بالفحص الفني.

وإذا كان المشرع المغربي قد ميز في المدة التي أوجب فيها إخطار البائع بالعيب وفرق بين المنقول من جهة والحيوانات والعقارات من جهة ثانية (38) فإنه ميز كذلك في المدة التي يجب رفع الدعوى فيها غير أنه فرق هنا بين العقار من جهة والمنقول والحيوان من جهة ثانية. فأوجب أن تقام هذه الدعوى في الآجال التالية: (الفصل 573 قانون الالتزامات والعقود):

بالنسبة للعقارات وما في حكمها خلال 365 يوما بعد التسليم.
وخلال ثلاثين يوما تبدأ من يوم تسليم الشيء المبيع ـ تسليما فعليا ـ إذا كان الشيء المبيع منقولا أو حيوانا بشرط أن يكون المشتري قد أرسل للبائع الإخطار المشار إليه في الفصل 553 ق.ل.ع.

وهذه المدد القانونية تعتبر مدد سقوط يفقد فيها المشتري حقه ـ مبدئيا ـ في رفع دعوى الضمان، إن لم يعمد إلى التقيد بها ابتداء من يوم تسلمه الشيء المبيع، إلا أن أحكام هذه المادة لا تعتبر من النظام العام (39) ولذلك أجاز المشرع الاتفاق على تمديدها كما أجاز تقصيرها فيما بين المتبايعين ـ مع الأخذ بعين الاعتبار المبادئ والقواعد المحددة للتقادم بشكل عام (الفصل 573 الفقرة الأخيرة).

وانطلاقا من المبدأ العام القائل بأن:" الغش يفسد كل شيء" (40) فإن المدد القانونية المنصوص عليها قانونا أو المتفق عليها تصبح عديمة الأثر ولا يحق للبائع التمسك بها إذا كان سيئ النية. ويعتبر سيئ النية كل بائع يستعمل طرقا احتيالية ليلحق بالشيء المبيع عيوبا أو يخفيها (الفصل 574 ق.ل.ع).

وإذا كان المشرع المغربي يتفق في هذه الأحكام مع التشريع اللبناني فإنه يختلف فيها مع التشريعات الأخرى فالمشرع المصري والسوري والليبي يعتبر المدة واحدة في كل من العقار والمنقول وهي سنة ولا يميز بينهما. أما المشرع العراقي فهو كذلك لا يميز بين العقار والمنقول ويعتبر المدة ستة أشهر (41) أما المشرع الفرنسي فإنه في المادة 648 أوجب تقديم دعوى الضمان عن وجود العيب في أقرب مدة تبعا لنوع العيوب الخفية وعرف المحل الذي عقد فيه البيع.

أما فقهاء الشريعة الإسلامية فقد اتفقوا على أن خيار العيب ليس له وقت محدد عقب العقد بل يثبت متى ظهر العيب الموجب للرد، حتى ولو كان بعد العقد بزمن طويل، ولكنهم اختلفوا هل يجب على الفور أي لمجرد ظهور العيب أو على التراخي؟ على قولين:

القول الأول: أنه لا يشترط الفورية، بل حق الفسخ مع التراخي لأن من ثبت له الحق استمر وله أن يستعمله في أي وقت شاء قصر الوقت أم طال، ما لم يوجد ما يدل على الرضا بالعيب.
القول الثاني: أنه بمجرد ظهور العيب في المعقود عليه يجب فسخ العقد على الفور لئلا يلحق العاقد الآخر ضرر من التأخير(42).

المبحث الثاني: آثار الضمان القانوني للعيب الخفي.
إن وجود العيب في المبيع لا يمنع من أن ينعقد البيع صحيحا ونافذا ولازما في حق البائع أما بالنسبة للمشتري فالعقد يكون غير لازم، وأن التزام البائع بضمان العيوب الخفية يعتبر التزاما بتحقيق نتيجة أو غاية، ومن تم فإن البائع يعتبر قد أخل بالتزامه بمجرد ظهور العيب الخفي في المبيع، كما أن هذا الالتزام يعتبر التزاما مستمرا فدعوى الضمان لا تسقط إلا بعد مرور المدة القانونية المشار إليها في الفصل 573 ق.ل.ع.

فإذا اكتشف المشتري عيبا في المبيع توافرت شروطه القانونية وأخطر البائع وفقا لما تقدم فما هي النتيجة من ذلك ؟ يجيب على ذلك الفصل 556 ق.ل.ع وما يليه بإعطاء الحق للمشتري بالضمان على البائع. والسؤال المطروح ما هي عناصر هذا الضمان ؟.

يلاحظ في الأحكام الواردة في الفصول المذكورة أن التزام البائع بضمان العيوب الخفية يثير أمام المشتري حق فسخ البيع، أو حق طلب إنقاص الثمن. بالإضافة إلى التعويض في بعض الحالات، وإذا كان العنصر الأول في الضمان وهو حق الفسخ لا يثير أي جدل لوضوح أحكامه فإن العنصر الثاني وهو النقص من الثمن قد أثار بعض الجدل لعدم وجود تناسق في أحكامه كما سيأتي في محله.

المطلب الأول: حق المشتري في فسخ البيع بسبب العيب الخفي.
إن اختيار المشتري لفسخ العقد يرتب مجموعة من الالتزامات على عاتقه وعلى عاتق البائع، أوضحها الفصل 561 من قانون الالتزامات والعقود على الشكل التالي:
أ)يلتزم المشتري برد المبيع إلى بائعه بصورة كاملة، أي أن يرد المبيع مع توابعه وما كان يعتبر جزءا منه. وكذلك كل ما التحق به بعد إبرام البيع إلى حين الرد بما في ذلك الزيادات الناتجة عن الالتصاق والتي اندمجت في المبيع وأصبحت جزءا منه.

كما يلتزم بأن يرد كل ما أفاده من المبيع من الثمار ابتداء من وقت إبرام البيع إلى حين رد المبيع فعلا إلى البائع ويدخل فيها جميع ما أنتجه المبيع من الثمار وكل ما حصل عليه المشتري من المزايا من جراء استعماله للشيء المبيع، أما إذا كانت الثمار غير معقودة فإن المشتري يتملكها إذا كان جناها ولو قبل نضجها. كما يتملك أيضا الثمار الناضجة ولو لم يجنها بعد.

ب)ويلتزم البائع بأن يرد إلى المشتري الثمن الذي دفعه له ومصروفات العقد كمصروفات تحرير العقود ورسوم الطوابع ورسوم التسجيل إلى غير ذلك من المصروفات الناجمة عن إبرام العقد ومصروفات الزراعة والري والصيانة، ومصروفات الثمار التي ردها المشتري إليه. وإذا كان البائع سيئ النية التزم بتعويض المشتري عن كافة الخسائر التي قد يسببها الشيء المبيع. ويقع على المشتري إثبات سوء نية للبائع.

وكذلك يكون للمشتري الحق في التعويض في الحالات المنصوص عليها في الفصل 556 ق.ل.ع وتطبق نفس الأحكام الواردة في هذا الفصل إذا كان البيع واردا على مجموع أشياء محددة وكان قسم منها متعيب.
أما إذا كان المبيع من المثليات فإن المشرع لم يسمح للمشتري إلا بالمطالبة بتسلم كمية مماثلة دون المطالبة بفسخ العقد ورد الثمن، إذا كان باستطاعة البائع تسليم البائع عوضا عن الأشياء المثلية المبيعة بما يضاهيها جنسا وكمية، كما أجاز له أن يطالب بالتعويض عن الأضرار التي لحقته بسبب ظهور قسم من المبيع معيبا إذا كان له محل (557 ق.ل.ع).

أما إذا بيعت عدة أشياء بصفقة واحدة وبثمن إجمالي واحد فظهور قسم منها متعيب يعطي المشتري الحق حتى بعد استلام المبيع أن يفسخ البيع فيما يخص القسم المتعيب فقط أو أن يسترد ما يقابلها من الثمن (558 ق.ل.ع).
ولا يخفى أن هذا الحكم الوارد في المادة 558 مقصورا على حالة ما إذا كان العيب لم يبلغ من الجسامة حدا لو علمه المشتري وقت البيع لما أقدم على الشراء وإلا حق له أن يرده كله ويأخذ تعويضا كاملا طبقا للقواعد العامة (43).

وهذا كله إذا كان المبيع قابلا للتجزئة، أما إذا لم يكن قابلا للتجزئة ففي هذه الحالة يطلب المشتري فسخ البيع بالنسبة لكامل الصفقة مجموعها واسترداد معا دفع ثمنها من البائع (الفصل 558 ق.ل.ع).

ويكون المبيع قابلا للتجزئة أو غير قابل لها بالنظر إلى الغرض المقصود من البيع، وهي مسألة مادية ويعتبر العيب الذي يلحق الشيء الأصلي عيبا كذلك في توابعه ولو حدد له ثمن مستقل والعكس غير صحيح فإذا فسخ العيب بسبب العيب الخفي في الشيء الأصلي وليكن مثلا آلة تناول الفسخ ملحقاته كقطع الغيار مثلا حتى ولو حدد لها ثمن مستقل وبالعكس فإن العيب في قطع الغيار لا يوجب فسخ البيع بالنسبة للآلة وإنما يتناول الفرع وحد ( الفصل 559 ق.ل.ع).

المطلب الثاني: حق المشتري في نقصان الثمن بسبب العيب الخفي.
المشرع المغربي عندما تعرض لآثار دعوى ضمان العيوب الخفية، والأحكام المترتبة عليها في الفصل 556 أورد بصريح النص أنه:" إذا ثبت الضمان بسبب العيب أو بسبب خلو المبيع من صفات معينة كان للمشتري أن يطلب فسخ البيع ورد الثمن، وإذا فضل المشتري الاحتفاظ بالمبيع لم يكن له الحق في أن ينقص من الثمن".

وهذا ما ذهب إليه كذلك المشرع العراقي في المادة 558 من القانون المدني العراقي، ويستخلص من هذين الفصلين أن المشرعين قد نصا مبدئيا كقاعدة عامة على عدم إمكانية الاحتفاظ بالمبيع المتعيب مع الرجوع بجزء من الثمن على البائع (44).

إلا أن المتمعن في نصوص القانون المدني المغربي والمتعلقة بالأحكام المطبقة على دعوى ضمان العيوب الخفية. سيتجلى له منذ البداية أن هناك تناقضات صارخة، وتضاربا في الأحكام وعدم التناسق بين ما ورد منها في الفصل 556 ق.ل.ع الذي أورد القاعدة العامة واستبعد فيها إمكانية الإنقاص. والفصول التي تليه وبالأخص منها المتعلقة بالقواعد المطبقة عند استعمال المشتري حق الخيار طالبا الإنقاص من الثمن، فكيف وردت أحكام هاته الفصول؟ وكيف يمكن تفسير هذا التناقض؟.

فالفصل560 ق.ل.ع جاء على شكل قاعدة تبين الكيفية التي يمكن الالتجاء إليها عند إنقاص الثمن في الحالة التي يكون فيها المشتري قد فضل إبقاء المبيع المعيب مطالبا بإرجاع جزء من الثمن.

فالوضعية الترتيبية لهذا الفصل تجعل منه فصلا يتيما لا تجدي أحكامه بالمقارنة إلى ما سبقته من فصول لم تثر أية إشكالية يمكن تطبيقه عليها، وبمعنى آخر فإن الفصول التي سبقته لم تثر مشكل الخيار لكي يمكن تطبيق أحكام هذا الفصل على إمكانية الإنقاص. فتبقى أحكامه غريبة بين الفصول التي سبقته.

كما أن الفصل 562 ق.ل.ع ورد حاملا في طياته احتمال أن المشتري في القانون المغربي لم يبق له مجال لاستعمال الخيار في استرداد الثمن أو في إنقاصه إذا تعذر عليه رد الشيء المبيع في حالات أوردها.

وهذا الفصل يوهم بأن هناك أحكاما سابقة له تعطي الحق المشتري في الخيار بين الفسخ والإنقاص فيما سبقه من فصول. ومثله ما ورد في الفصل 567 الذي ينص على أن "إنقاص الثمن الحاصل بسبب عيب ثابت لا يمنع المشتري فيما إذا ظهر في المبيع عيب آخر جديد من أن يطلب إما فسخ البيع وإما إنقاصا جديدا في الثمن".

ويأتي حكم الفصل 568 ليقطع هذا الوهم. ويؤكد أن المشرع المغربي أعطى الخيار للمشتري في دعوى العيب الخفي بين المطالبة بالفسخ واسترداد الثمن وإبقاء المبيع من إنقاص الثمن. فقد جاء فيه "تنقضي دعوى ضمان العيب إذا زال العيب قبل دعوى الفسخ أو إنقاص الثمن أو في أثنائهما...".

فهذه النصوص كلها صريحة ويستنتج منها أن المشتري له الحق في الاختيار بين دعوى الفسخ أو دعوى إنقاص الثمن. ولكن كيف يمكن التوفيق بينها وبين المادة 556؟ وكيف يمكن تفسير هذا التناقص وتبريره؟.

يهذب الأستاذ الدكتور محي الدين إسماعيل علم الدين في مؤلفه أصول القانون المدني الجزء الثاني المتعلق بالعقود المسماة عند تعرضه لموضوع دعوى ضمان العيوب الخفية إلى وجوب تصحيح المادة 556 لأنه ولاشك قد وقع خطأ مادي عند طبع الجريدة الرسمية بشأن النص المذكور. بحيث أنه "ليس أمامنا إلا أحد حلين: إما أن نعدد النصوص المخالفة للفصل 556 وهي كثيرة، وإما أن نصحح ما به من خطأ مادي والحل الأخير هو الأوفق" (45). وذلك على الشكل التالي على أساس أن يعطي للمشتري الحق في الاختيار بين أمرين:

الأول: هو فسخ البيع واسترداد الثمن.
الثاني: هو الإبقاء على البيع مع إنقاص الثمن مقابل العيب (46).
إلا أن الأمر أكثر خطورة من أن يكون خطأ ماديا، بل هو أعظم من ذلك وأشد باعتباره النتيجة الحتمية التي تشكو من ثقلها التشريعات العربية ككل لا المغربي فحسب، وفي جل قوانينها، والناتجة عن النظرة التوفيقية التي اعتنقتها هاته التشريعات عند وضعها لقوانينها فهذه التشريعات تهدف في الغالب من الأحيان إلى التوفيق بين أحكام الشريعة الإسلامية المعبرة عن واقع هذه الشعوب والتي تبنتها ما يزيد على أربعة عشر قرنا، والتشريعات التي تعتبر أحكامها غريبة عن الظروف الاجتماعية والاقتصادية لتلك الشعوب وخاصة في الفترة التي وضعت فيها تلك القوانين مع التقاضي عن عدم الأخذ بعين الاعتبار الاختلاف البين الموجود بين منطلقات الشريعة الإسلامية ومنطلقات التشريعات الوضعية الحديثة. فجاءت هاته الأحكام عبارة عن مزيج مختلط من القواعد القانونية وأحكام الشريعة الإسلامية تفتقر في غالب الأحيان إلى ذلك الانسجام والتناسق الذي يجب أن تتصف به القواعد القانونية لأن المنطلقات والظروف مختلفة.

وأظن أن هذا هو السبب الأساسي الذي أدى بالمشرع المغربي عند وضعه لأحكام الضمان المترتب عن العيوب الخفية على وقوعه في التناقضات والذي يجب أخذ بعين الاعتبار عند مراجعة أحكام هذا الفصل. وللمشرع المغربي الكفاية في فقه الشريعة الإسلامية الذي يتصف بالدقة في أحكامه. والسلاسة في صياغة وترتيب هاته الأحكام في أدق جزئياتها.

يستخلص مما سبق أن المشرع المغربي لم ينص على أن للمشتري حق الخيار بين دعوى فسخ البيع واسترداد الثمن وبين دعوى الإبقاء مع استرداد جزء من المن كقاعدة عامة (47).

إلا أن هناك حالات استثنائية لا يمكن فيها للمشتري أن يرد المبيع إلى البائع لسبب أو لآخر، فحفاظا على حقوقه سمح له المشرع بالمطالبة بإنقاص الثمن. وهذه الحالات هي الواردة في الفصل 564 ق.ل.ع على الشكل التالي:" لا محل للفسخ وليس للمشتري إلا إنقاص الثمن:
إذا كان الشيء قد تعيب بخطئه أو بخطأ من يسأل عنهم.

إذا كان المشتري قد استعمل الشيء استعمالا من شأنه أن ينقص من قيمته بكيفية محسوسة ويطبق نفس الحكم إذا كان قد استعمل الشيء قبل أن يعرف العيب أما إذا كان قد استعمله بعد ذلك فيطبق حكم الفصل 572.

ففي هذه الحالات لا يستطيع المشتري أني رد المبيع إلى البائع. لأن السماح له بذلك فيه إضرار بالبائع بسبب العيب الجديد الذي لابد له فيه. ويكون للمشتري الرجوع على البائع بنقصان الثمن عن العيب القديم أو أن يرده للبائع مع تحمله نقصا في الثمن الذي دفعه يتناسب مع العيب الجديد الذي ظهر بعد البيع. إلا أن حق المشتري في إنقاص الثمن يسقط إذا قيل البائع المبيع بالعيب الحادث ولم يسكن هناك مانع للرد. لأن البائع في هذه الحالة قد أسقط حقه بنفسه. ورضي بالضرر الناجم عن العيب الحادث. وفي هذه الحالة يرجع إلى القاعدة الأصلية في الحكم وهي إما رد المبيع أو الاحتفاظ به وليس له حق الإنقاص (الفصل 5658 ق.ل.ع).

إنقاص الثمن يجري على أساس تقويم الشيء المبيع بالاستناد على قيمته خاليا من العيب ثم تقويمه بالاستناد إلى قيمة كل الأشياء المكونة للصفقة في مجموعها ( 48),

وهذه الحالات السابقة توجد فيها إمكانية الرد. أما إذا تعذر نهائيا فما هو الحكم؟:
نصت المادة 562 على أنه ليس للمشتري الحق في استرداد الثمن أو في إنقاصه إذا تعذر عليه رد الشيء المبيع في الحالات الآتية:

أولا: إذا هلك الشيء المبيع بحادث فجائي أو بخطأ وقع من المشتري أو من الأشخاص الذين يتحمل المسؤولية عنهم.

ثانيا: إذا سرق الشيء من المشتري أو لختلس منه.

ثالثا: إذا حول المشتري الشيء على نحو يصير معه غير صالح لاستعماله فيما أعد له أصلا.
إلا أنه إذا لم يكن العيب قد ظهر إلا عند إجراء التحويل أو نتيجة له. فإن المشتري يحتفظ بحقه في الرجوع على البائع، فيسقط حق المشتري في دعوى ضمان العيوب الخفية في هاته الحالات. وليست هي الحالة الوحيدة التي تسقط فيها هذه الدعوى فزيادة على انقضائها بمرور المدد المحددة قانونا للمطالبة بها أو اتفاقا. يكون سقوطها كذلك بمقتضى نص في القانون وقد يرجع إلى إرادة المتبايعين.

ويستشف سقوط الضمان من إرادة المشتري عندما يسلك مسلكا معينا بالنسبة إلى المبيع. فيكون سقوط دعوى ضمان العيوب الخفية زيادة على ما ذكر في الحالات الآتية:
عدم فحص المشتري المبيع بعناية لازمة.

فإذا قصر المشتري عند استلامه الشيء المبيع في عدم مبادرته إلى فحصه والتأكد من حالته كما سبق بيانه. ولم يبادر إلى إخطار البائع بالعيب سقط حقه بالضمان قبل البائع.
تصرف المشتري بالمبيع بعد اطلاعه على العيب الموجود فيه. بأي شكل من أشكال التصرف، باعتبار أن أي عمل يصدر من المشتري بعد الاطلاع على العيب يدل على أنه اختار إمضاء البيع. ويدل في نفس الوقت بأنه أسقط حقه في الفسخ وبعبارة أخرى أسقط الضمان عن البائع والساقط لا يعود (49).

تنازل المشتري عن حقه في الضمان فإذا كان التزام البائع بضمان العيب الخفي حقا مقررا لمصلحة المشتري، فليس هناك ما يمنع من أن يتنازل عن هذا الحق. وهذا التنازل إما أن يكون صريحا أو ضمنا. كما لو استعمل المشتري المبيع لمنفعته الخاصة بعد وقوفه على العيب فإن هذا يعد تنازلا منه عن دعوى الضمان، إلا أنه من باب الاستثناء إذا كانت دعوى الضمان تتعلق بالمنازل وغيرها من العقارات المشابهة فإن المشتري يستطيع الاستمرار في شغلها أثناء دعوى فسخ البيع (الفصل 572 الفقرة الثانية ق.ل.ع).

اشتراط البائع براءته عن كل عيب. وسمي في الفقه الإسلامي بشرط البراءة. وقد ورد في النص في الفصل 571 ق.ل.ع. غير أن هذا الشرط لا يصح إذا كان البائع عالما بعيب في المبيع وتعمد إخفاءه على المشتري غشا منه. لأن يكون في هذه الحالة قد اشترط عدم مسؤوليته عن الغش وهذا لا يجوز (50).

زوال العيب: لأن زوال العيب يؤدي إلى انهيار الأساس الذي تستند إليه دعوى الضمان، ويشترط في زوال العيب أن يكون بصورة دائمة إذا كان بصورة مؤقتة أو بصورة عرضية فإن الدعوى لا تسقط، وختاما لهذا البحث لابد من إبداء الملاحظات التالية:

أولا: أن المشرع المغربي في إلزامه البائع بضمان العيوب الخفية، قد أخذ بعين الاعتبار الاستجابة لما تمليه مقتضيات العدالة. وما يوجبه مبدأ حسن النية في المعاملات، وجارى كذلك ما استقرت عليه التشريعات المدنية الحديثة. مستأنسا بموقف الشريعة الإسلامية في بعض الأحكام إلا أنه عند إقامته لصرح هذا النظام لم يأت بنيانه خاليا من بعض أوجه الضعف والوهن وعدم التناسق في الأحكام كما سبق وبينت في سياق هذا البحث.

لذا فإنه من الضروري العمل على إعادة صياغة هذا الناظم لتفادي التناقضات التي وردت في أحكامه، ولكي تأتي هذه الحكام متناسقة وغير متضاربة.

ثانيا: إذا كان المشرع المغربي قد أجاز الاتفاق على الإعفاء من ضمان العيب الخفي، وذلك باشتراط البائع على المشتري أن لا يكون مسؤولا عن أي ضمان إذا ظهر عيب ما في الشيء المبيع ( الفصل 571 ق.ل.ع) مما يستخلص منه بأن أحكام ضمان العيوب الخفية ليست من النظام العام فقد كان حريا به كما نصت على ذلك القوانين المدنية المصرية والسورية والليبية (51) النص على أنه يجوز للمتبايعين تنظيم أحكام ضمان العيوب الخفية بإرادتيهما والاتفاق على التشديد فيها والإنقاص منها لما يتلاءم ورغبتهما والظروف المحيطة بهما وبالتالي فإنه لا يلجأ إلى أحكام الضمان إلا إذا لم يكن هناك اتفاق خاص بين الطرفين ليعمل به، باستثناء حالة الغش لأن الغش يفسد كل شيء:

ثالثا: ورد في الفصل 557 من قانون الالتزامات والعقود على أنه إذا كان المبيع عبارة عن أشياء مثلية لم يكن للمشتري إلا أن يطلب تسليم مثلها في النوع خالية من العيب...
ويعتبر هذا الحكم صورة من صور التنفيذ العيني.

وكان من الأجدى أن ينص المشرع المغربي كقاعدة عامة على أن للمشتري الحق في المطالبة بالتنفيذ العيني. إذا كان ذلك ممكنا. أو أن يقوم المشتري بإصلاحه في حالة عدم تلبية البائع وعلى نفقة هذا الأخير. مع مراعاة مصلحة كل من البائع والمشتري وعدم الإضرار بهما.

رابعا: نظرا لما تحتله العقود الواردة على الآلات والأجهزة الميكانيكية الدقيقة من أهمية في حياتنا اليومية المعاصرة، والازدياد المطرد في انتشارها.

ونظرا لكون هذه العقود هي التي تورد الشروط الخاصة ـ في الغالب ـ التي يلتزم فيها البائع أن يضمن صلاحية المبيع خلال مدة معينة قد تقصر أو تطول ويحدد به المتبايعين ما يشمله هذا الضمان ومدته.
وإذا أخذنا بعين الاعتبار ما لهذا الشرط من أهمية بالغة لما يلعبه من دور في بث الطمأنينة في نفوس المتعاملين، ودفع البائع إلى الحرص على الإتقان، فإن خلو القانون المدني المغربي من النص على نظام ضمان البائع صلاحية المبيع للعمل خلال مدة معينة ينظم أحكامه بحيث يمكن اللجوء إليه في حالة إغفال المتبايعين عن إيراد أحكام معينة بهذا الخصوص ليعتبر ثغرة يجب الإسراع إلى تفاديها بإصدار نص في الموضوع.

هذه بعض الملاحظات التي أثارت اهتمامي عند بحثي لموضوع ضمان العيب الخفي، غير أني أريد أن أشير كذلك إلى أن هذا البحث على هذه الصورة يعتبر ناقصا لخلوه من الجانب التطبيقي وأعني بذلك الاجتهاد القضائي.

وإني لآسف عن عدم تمكني من الحصول على الأحكام القضائية لتعزيز البحث بها، رغم ما بذلته من جهد. غير أن هذه البضاعة من الندرة بمكان. مما جعل مجهوداتي في البحث عنها تذهب سدى لقلة ما نشر فيها في هذا الموضوع رغم أهميته في الحياة اليومية.

وهذه من بعض الصعوبات التي تصادف الباحث في الميدان القانوني وأرجو أن تعطي للأحكام القضائية بعض الأهمية التي تستحق بجمعها وتصنيفها، ليسهل على الباحثين الاستئناس بها، ويدفع بالبحث في هذا الميدان قدما. خاصة إذا ما علمنا بأن الأحكام القضائية تعتبر المحك الذي يمكن به وعلى أساسه معرفة مدى تجاوب النصوص القانونية مع الواقع الذي تطبق عليه وبالتالي مدى تجاوبها مع هذا الواقع بتجذر وتعمق. أو تناقضها معه مما يستوجب تغييرها لتتكيف والواقع الذي يراد تطبيقها عليه.

الهوامـش
1-التشريع المصري والسوري واللبناني والليبي والفرنسي.
2-عادل عارف المعراوي، أحكام ضمان العيوب الخفية في القوانين الحربية.
3-عبد الناصر توفيق العطار، استقراء لماهية العيب وشروطه ضمانه في القانون المدني المصري.
4-عبد الناصر توفيق العطار، المرجع نفسه، وغازي عبد الرحمان ناجي، التزام البائع بضمان العيب الخفي. ذ. مصطفى أحمد الزرقاء، شرح القانون المدني السوري.
5-عبد الناصر توفيق العطار، نفس المرجع.
6-مصطفى أحمد الزرقاء، نفس المرجع.
7-8-عبد الرزاق السنهوري ـ الوسيط ـ الجزء الرابع، المجلد الأول، البيع والمقايضة.
9-د.عبد الرزاق السنهوري، مصادر الحق في الفقه الإسلامي، ج4، ص: 246 والجزء ص: 121. د. غازي عبد الرحمان ناجي، التزام البائع بضمان العيب الخفي، على قرعه ـ أحكام العقود في الشريعة الإسلامية.
10-د.محمد يوسف موسى فقه الكتاب والسنة، الفقرة 87-88 الطبعة الثانية 1954.
-ابن رشد، الجزء الثاني، ص: 172 بداية المجتهد.
11-مصطفى الزرقاء، عقد البيع والمقايضة، ص: 263، الطبعة الثالثة.
12-د.غازي عبد الرحمان ناجي، المرجع السابق.
13-د.السنهوري، المرجع السابق، أحمد محمود حسين، البيوع البحرية، ف 326 هامش 1.
14-الدكتور محي الدين إسماعيل، علم الدين، أصول القانون والدين، ج 2، العقود المسماة، ص: 66. الفقرة 88.
15-د. توفيق حسن فرج، عقد البيع والمقايضة 1970 ص: 406 هامش 1.
16-د.السنهوري، نظرية العقد، ص: 370.
17-د.السنوهري، الوسيط، ج 4.
18-د.غازي عبد الرحمان ناجي، المرجع السابق.
19-بوتييه في عقد البيع، نقلا عن د. غازي عبد الرحمان ناجي.
20-د.السنهوري الوسيط، ج 4، ص: 727. د.خالد عبد الله، عقد البيع، ص: 298 وما بعدها.
21-د. السنهوري، المرجع السابق، ص: 728.
22-يرجع إلى التمييز بين هذين المعيارين بتفصيل إلى: د.خالد عبد الله عيد عقد البيع، ص: 303 وما بعدها. توفيق حسن فرج، عقد البيع، ص: 447 وما بعدها. السنهوري الوسيط، ج 4، ص: 725 وما بعدها. عبد الناصر المرجع السابق، ص: 332.
23-د.خالد عبد الله عبيد، عقد البيع.
24-25-د.السنهوري، المرجع السابق، فقرة 420، توفيق حسن فرج، ص: 455، عقد البيع والمقايضة.
26-الفصل 1641 مدني فرنسي.
27-د.زهدي يكن. شرح قانون الموجبات والعقود اللبناني، الجزء 7 المتم في العقود المسماة "المبيع" 1967.
28-جاك يوسف الحكيم: العقود الشائعة والمسماة عقد البيع، ص: 320 وما بعدها ف 374.
29-خالد عبد الله عبيد، المرجع السابق، ص: 310، جاك يوسف الحكيم، المرجع السابق، فقرة 380.
30-د.السنهوري، الوسيط، ج 4، ص: 321.
31-تعرف أحكام هذه الفقرة في الشريعة الإسلامية "بأحكام خيار الوصف".
32-المراجع السابقة.
33-د.خالد عبد الله عيد، المرجع السابق، ص: 311 فقرة 491.
34-د.السنهوري، المرجع السابق، فقرة 371.
35-د.توفيق حسن فرج، ص: 422 المرجع السابق.
36-د.السنهوري الوسيط، ج 4، زهدي يمكن، المرجع السابق، ص: 24.
37-المصري والسوري والليبي والعراقي، ويرجع فيها إلى المراجع الواردة بلائحة المراجع أما التشريع اللبناني فتتشابه أحكامه في هذه النقطة مع أحكام التشريع المغربي.
38-الفصل 553 قانون الالتزامات والعقود المغربية.
39-د.السنهوري، الوسيط، ج 4، ص: 755.
40-د.خالد عبد الله عيد، المرجع السابق، ص: 319.
41-كما أن الصياغة التي وردت بها أحكام هذه النقطة في مواد القوانين المذكورة لا تسمح بالاتفاق على تقصير المدة (المراجع المذكورة باللائحة وبالأخص المتعلقة منها بالقانون المدني المصري).
42-د.محمد فهمي عدلي السرجاني، الملكية ونظرية العقد في الشريعة الإسلامية 1977، ص: 205.
43-زهدي يكن، المرجع السابق، ص: 39، مسند إلى كولين وكابتان مع جوليود ولامو أنديير، ج 2 ف 927، بلانيول وروبير مع هامل 10 ف 134.
44-القانون الفرنسي والمصري والسوري والليبي، ينص على إمكانية الإبقاء مع إنقاص الثمن.
45-د.محي الدين إسماعيل، علم الدين، المرجع السابق، ص: 73، الهامش 1.
46-د.محي الدين إسماعيل، علم الدين، المرجع السابق، الفقرة 99، ص: 73.
47-كقاعدة عامة.
48-خالد عبد الله عيد، المرجع السابق، ص: 324.
49-د.مصطفى أحمد الزرقاء، المرجع السابق، الفقرة 217.
50-د.السنهوري، الوسيط، ج 4، ص: 758.
51-المراجع السابقة وبالأخص منها المتعلقة بالقانون المصري والسوري (د.السنهوري مرقس، فرج).


المصدر مجلة المرافة

الإجراءات المتبعة في دعوى التعويض الإدارية

ذ. خالد خالص
محام بهيئة الرباط

الإنسان من طبعه اجتماعي ولا يمكنه العيش إلا داخل المجتمع. وباعتباره عضو في هذا المجتمع، فإن للإنسان مصالح مختلفة وعلاقات اجتماعية متعددة لا يمكن تركها عرضة لقانون الغاب الذي يخلق حالة توتر وصراع دائمين يهددان الجماعة ككل.

ومن هذا المنطلق فرضت الحياة الاجتماعية أعراف وتقاليد وبعدها قواعد وقوانين على الجميع احترامها لصون حريات الأفراد ومصالحهم وللحفاظ على التوازن وتكريس الأمن وبث روح النظام والطمأنينة داخل المجتمع.

وإذا كان الناس يولدون سواسية ومتساوين في الحقوق، وقرروا العيش داخل مجتمع منظم، فإن ظروف الحياة الاجتماعية تخلق اختلالات بل وفوارق من شأنها أن تهدد حقوق البعض منهم وتلحق بهم أضرارا مختلفة.
ومن تم نشأت نظرية المسؤولية والتعويض عن الضرر الحاصل.

فالمسؤولية تقوم في جميع الحالات التي يكون فيها الشخص ملزم بتعويض الضرر الذي أصاب شخصا آخر وحينما يمكن أن يكون الأول هو المتسبب في هذا الضرر.

والمتسبب في الضرر يمكن أن يكون شخصا ذاتيا أو شخصا معنويا.
وعلى رأس الأشخاص المعنويين المتواجدين بالمجتمع تأتي الدولة.

وإذا كان الدور التقليدي للإدارة بالأمس يقتصر داخليا على الحفاظ على النظام العام، فإن توسع اختصاصات الإدارة في جميع المجالات الحيوية داخل المجتمع جعل من الجهاز الإداري جهازا ضخما يتدخل في جميع القطاعات، ولا يمكن بالتالي استثناؤه من الرقابة القضائية لأن ذلك من شأنه أن يؤدي إلى انهيار المشروعية.

فالدولة بصفة عامة بإداراتها وجيشها وشرطتها ومؤسساتها العمومية وجماعاتها المحلية ومستشفياتها ومؤسساتها التعليمية ومخيماتها وما إلى ذلك من المرافق يتم تسييرها من طرف أفراد معرضون للخطأ ومعرضون من ثم لإلحاق أضرارا بالآخرين، حيث تقوم المسؤولية الإدارية للدولة التي تفرض على الإدارة تعويض المصابين بالأضرار التي تسببت لهم فيها.

والمنازعة الإدارية لم تعرف في مجال التعويض طريقها إلى القضاء في فرنسا إلا انطلاقا من قرار بلانكو الصادر بتاريخ 8 فبراير 1873، وفي المغرب بمقتضى الفصل 79 من قانون الالتزامات والعقود المؤرخ في 12 غشت 1913الذي أجاز مساءلة السلطة العمومية عن الأضرار التي تلحقها بالآخرين حيث ورد في هذا الفصل ما يلي:
" الدولة والبلديات مسؤولة عن الأضرار الناتجة مباشرة عن تسيير إدارتها وعن الأخطاء المصلحية لمستخدميها".
كما أجاز الفصل 80 من نفس القانون مقاضاة الدولة لتتحمل التعويض عن الضرر الحاصل نتيجة الخطأ الشخصي للموظف إذا كان هذا الأخير معسرا حيث ورد بهذا الفصل ما يلي:
" مستخدمو الدولة والبلديات مسؤولون شخصيا عن الأضرار الناتجة عن تدليسهم أو عن الأخطاء الجسيمة الواقعة منهم في أداء وظائفهم".

ولا تجوز مطالبة الدولة والبلديات بسبب هذه الأضرار إلا عند إعسار الموظفين المسؤولين عنها.
ثم جاء بعد ذلك الفصل 85 مكرر من قانون الالتزامات والعقود والذي أضيف بظهير 4 مايو 1942كما وقع تعديله بشأن التعويض عن الحوادث المدرسية والحوادث التي تصيب طلبة الكليات ومؤسسات التعليم العالي والتقني وتلاميذ المؤسسات العمومية للتعليم الفني،وكذا الأطفال المقيدين في سجلات مخيمات الاصطياف، حيث أجاز هذا الفصل للمتضرر أو لأقاربه أو لخلفائه رفع دعوى المسؤولية ضد الدولة مباشرة أمام المحكمة الابتدائية الموجود في دائرتها المكان الذي وقع فيه الضرر وحصر التقادم في ثلاث سنوات تبتدأ من يوم ارتكاب الفعل الضار.
كما صدرت بعد ذلك قوانين أخرى كمرسوم 10 يوليوز 1962 المتعلق بالنقل الجوي والذي تطرق للأضرار التي تنتج عن هذا النقل.

وكانت دعاوى التعويض في مواجهة الإدارة من اختصاص المحاكم الابتدائية إلى غاية 3 نونبر 1993 حيث نشر بالجريدة الرسمية عدد 4227، ص 2168 الظهير رقم 225-91-1 المؤرخ في 10 شتنبر 1993 بتنفيذ القانون رقم 90-41 المحدثة بموجبه المحاكم الإدارية حيث ورد بالفصل الثامن منه على أن " المحاكم الإدارية تختص ابتدائيا(...) في طلبات التعويض عن الأضرار التي تسببها أعمال ونشاطات أشخاص القانون العام، ما عدا الأضرار التي تسببها في الطريق العام مركبات أيا كان نوعها يملكها شخص من أشخاص القانون العام(...).

كما يبيح الفصل المذكور المنازعة في مبلغ التعويض المقترح من قبل نازع الملكية الذي يباشر الدعوى أمام المحكمة الإدارية، ومسطرة نزع الملكية مسطرة خاصة تتطلب دراسة مستقلة.

غير أن المنزوعة ملكيته بإمكانه اللجوء إلى قضاء التعويض إذا انتزع عقاره دون احترام المسطرة المنصوص عليها بالفصلين 17 و18 من قانون نزع الملكية المؤرخ في 6 مايو 1982 مثلا (قرار المجلس الأعلى عدد 427 المؤرخ في 5/5/1998، مجلة المحاكم المغربية، العدد 84 ص 148) والمطالبة بالتعويض عن الضرر.

والضرر بصفة عامة يمكنه أن ينتج عن عمل قانوني أو مادي ـ إيجابي أو سلبي ـ ارتكبه شخص من أشخاص القانون العام.

وإذا كان الهدف من إلغاء القرارات الإدارية بسبب تجاوز السلطة هو إعدام القرار الإداري، فإن الهدف من دعوى التعويض سواء كانت قائمة على أساس الخطأ ـ الشخصي أو المرفقي ـ أو على أساس المخاطر هو جبر الضرر بتعويض المصاب من النشاط الضار للإدارة.

والتعويض يجب أن يجبر الضرر الحاصل بكامله انطلاقا من الخسارة التي مني بها المتضرر والمصروفات الضرورية التي صرفها أو سيصرفها لإصلاح ما أصابه من ضرر، وكذا الكسب الذي فاته.

ولكي يحصل المتضرر سواء كان شخصا طبيعيا أو معنويا على التعويض لجبر الضرر الذي لحقه، يتعين عليه اللجوء إذا كان الاختصاص للمحاكم الإدارية إلى ما يعرف بدعوى التعويض التي تدخل ضمن القضاء الشامل.

ودعوى التعويض هاته تتطلب إجراءات متعددة هي موضوع هذه الدراسة التي أقترحها عليكم أكثر منها نظرية، وأقسمها إلى ثلاثة أقسام يمكن ترتيبها كالتالي: الإجراءات التحضيرية لدعوى التعويض والمسطرة المتبعة في هذه الأخيرة ثم بعد ذلك إجراءات التبليغ وطرق التنفيذ.

I ـ الإجراءات التمهيدية لدعوى التعويض:
قبل القيام بأي إجراء يقوم المحامي بدراسة الملف من جميع جوانبه انطلاقا من الصفة والأهلية والمصلحة للمطالب بالتعويض (ف 1 ق.م.م).

والصفة تعني أن يكون المدعي مؤهلا للترافع أمام القضاء، كما أن صاحب الحق في الدعوى هو نفسه صاحب الصفة فيها، وإذا انتقل الحق للوثة أصبحوا أصحابه وأصحاب الصفة في نفس الوقت.

والأهلية لا تثير جدلا كبيرا هي الأخرى باعتبار أن المشرع يشترط في المدعي أن يكون بالغا للسن القانوني للتقاضي، وأن يتمتع بكامل قواه العقلية إذا كان شخصا ذاتيا، وأن يكون مكونا تكوينا صحيحا وله شخص ذاتي يمثله من الناحية القانونية إذا كان شخصا معنويا كالشركات والجمعيات والنقابات مثلا.

أما مصلحة في دعوى التعويض فهي تنتج عن حق تم الاعتداء عليه وتولد عن هذا الاعتداء ضرر أصاب أحد الأشخاص سواء كان طبيعيا أو معنويا من جراء أعمال ونشاطات أشخاص القانون العام.

يقوم المحامي بعد ذلك بدراسة لوقائع النازلة انطلاقا من مصدر الضرر والجهة المتسببة فيه ومكان وتاريخ وساعة وقوعه، وما إلى ذلك من معطيات لها اتصال مباشر بالوقائع كالعلاقة السببية بين الضرر والنشاط الإداري.
كما يعمل المحامي أيضا على دراسة مشكل التقادم وإخبار المتضرر بذلك لأنه لا فائدة في تغريق المحاكم بملفات ودعاوى يعرف مصيرها قبل تقديمها.

ومعلوم أن دعوى التعويض تتقادم بمضي خمس سنوات من تاريخ العلم بحدوث الضرر ومن هو المسؤول عنه، وتتقادم في جميع الحالات بمضي عشرين عام تبتدئ من وقت حدوث الضرر (الفصل 106 ق.ل.ع) مع الانتباه إلى الاستثناءات الواردة في النصوص الخاصة كالفصل 220 من مرسوم 10 يوليوز 1962 المتعلق بالنقل الجوي مثلا والذي يحدد أجل تقادم التعويض عن الأضرار الحاصلة عن النقل الجوي في سنتين اثنتين من تاريخ وصول الطائرة أو التاريخ المقرر لوصولها مع الانتباه لما يفرضه الفصل 219 من آجال لتقديم رسالة احتجاج للناقل والإشارة إلى أن المحاكم المختصة هي المحاكم التجارية إذا كان هنالك عقدا للنقل (أنظر الحكم عدد 321 الصادر عن المحكمة التجارية بالرباط بتاريخ 20/02/2001 بخصوص تعويض متعاقد مع شركة الخطوط الملكية المغربية على إثر إلغاء سفر من الدار البيضاء إلى الحسيمة بدون سبب والمحكمة وظفت هنا الفقرة 3 من الفصل 477 من مدونة التجارة، منشور برسالة المحاماة، عدد 19، ص 131 ـ أما إذا كان المتسبب في الضرر هو عون أو موظف أو آلة ( باستثناء المركبات)أو غيرها تابعة لمكتب المطارات وإذا كان الضرر خارجا عن عقد النقل فإن الاختصاص ينعقد للمحاكم الإدارية)، أو التقادم المنصوص عليه بالفصل 85 مكرر من ق.ل.ع بخصوص الحوادث المدرسية أو التي نقع بالمخيمات والذي حدده المشرع في ثلاث سنوات تبدأ من يوم ارتكاب الفعل الضار مع الإشارة إلى اختصاص المحاكم الابتدائية.

ولن يغفر للمحامي عدم دراسة النص الواجب التطبيق على النازلة باعتبار أن الضرر يمكن أن يصدر عن شخص أو عن آلة أو عن مجرد حفرة في الطريق أو عمود إنارة أو شجرة على قارعة الطريق تابعة لمرفق عمومي منظم بنص خاص، ومعرفة هل يجب القيام بأي إجراء مسبق قبل اللجوء إلى القضاء كالإجراءات المنصوص عليها بالفصل 71 من ظهير 12/9/1963 بتنظيم العمالات والأقاليم والهيئات التابعة لها والذي ينص على أنه لا يمكن إقامة أية دعوى قضائية غير دعاوى الحيازة والطعون المتعلقة بالقضايا المستعجلة على عمالة أو إقليم إلا إذا كان المدعي قد وجه من قبل إلى وزير الداخلية أو إلى السلطة التي فوض إليها في هذا الصدد مذكرة بين فيها موضوع وأسباب شكواه، وإلا فتعد باطلة، ويعطى له عن ذلك وصل.

ولا يمكن أن ترفع الدعوى لدى المحاكم إلا بعد شهرين من تاريخ التوصل، بصرف النظر عن الأعمال التحفظية.
وكذلك الأمر بالنسبة للفصل 43 من ظهير 30/9/1976 بشأن التنظيم الجماعي الذي نقل حرفيا مقتضيات الفصل 71 من ظهير 1963 بالنسبة للجماعة التي لا يمكن مقاضاتها إلا بعد القيام بإشعار وزير الداخلية والحصول على وصل وانتظار 60 يوما قبل رفع دعوى التعويض ودون انتظار جواب الإدارة.

ونعطي كمثال للنصوص الخاصة التي تعطي الخيار للمتضرر في اللجوء إلى الإدارة مباشرة للحصول على التعويض أو اللجوء إلى القضاء أو اتباع المسطرتين في آن واحد ظهير 26 أكتوبر 1942 كما تم تعديله بمقتضى الظهائر المؤرخة في 25/12/1943 و 11/7/1948 و 13/5/1950 و 17/7/1961 و 19/9/1977 بشأن التعويض عن الحوادث المدرسية والحوادث التي تصيب طلبة الكليات ومؤسسات التعليم العالي والتقني، وتلاميذ المؤسسات العمومية للتعليم الفني وكذا الأطفال المقيدين في سجلات مخيمات الاصطياف ولا سيما الفصل 8 منه، مع الإشارة إلى أن المحاكم المختصة الذي منحته الإدارة من التعويض النهائي الذي حكمت به المحكمة، مع الإشارة إلى أن المحاكم المختصة في مثل هذه الحالة هي المحاكم الابتدائية وليست المحاكم الإدارية على عكس ما ورد في الحكم عدد 55 الصادر عن المحكمة الإدارية بمكناس بتاريخ 28/6/2001 والمنشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 42، ص 192) راجع في هذا الصدد حكم المحكمة الإدارية بفاس عدد 560 الصادر بتاريخ 12/9/2000، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 37، ص 179 وخصوصا قرار المجلس الأعلى عدد 620 الصادر بتاريخ 20/5/1999، منشور بمجلة الإشعاع، عدد 23، ص 126).

والهدف من هذه الأمثلة وإن كانت لا تتعلق إلا ببعض القوانين، هو التأكيد على دراسة النص المنظم للمرفق العمومي الذي كان سببا في إلحاق الضرر لمعرفة هل يشترط المشرع إجراءات أولية، أو مساطر خاصة للحصول على وصل أو على حكم أو قرار قبل اللجوء إلى قضاء التعويض لجبر الأضرار الناتجة عن أعمال المرفق العمومي ومن هي المحكمة المختصة للبث في طلب التعويض.

ففي مثل هذه الحالات هل يمكن لمحامي المتضرر مباشرة مسطرة الإلغاء والتعويض بمقال واحد أ عدم إمكانية مباشرة مسطرة التعويض إلا بعد استصدار حكم قضى بإلغاء القرار الإداري واكتسب قوة الشيء المقضي به نظرا لاختلاف المسطرتين من حيث الآجال، حيث تخضع دعوى الإلغاء لأجل قصير على خلاف دعوى التعويض، وعدم توحيد الاختصاص النوعي لجميع دعاوى الإلغاء التي تبقى بعضها من اختصاص المجلس الأعلى كالمقررات التنظيمية والفردية الصادرة عن الوزير الأول أو كقرارات السلطة الإدارية التي يتعدى نطاق تنفيذها دائرة الاختصاص المحلي لمحكمة إدارية (الفصل 9 قانون 41/90) أو كالتي تبقى من اختصاص المحاكم العادية كالحوادث المدرسية أو كطلب التشطيب على السجلات والتقييدات الضمنة بالسجل العقاري (ف 91 ظ 12 غشت 1913 بشأن التحفيظ العقاري) ناهيك عن الامتياز الذي تتمتع به دعوى الإلغاء من مجانية أمام المحاكم الإدارية على عكس دعاوى التعويض التي تؤدي عنها الرسوم القضائية.

وعلى كل، وما دام المشرع المغربي لم يتطرق في ظهير 41/90 لا للمنع ولا للإجازة، وما دام بعض القضاء الأجنبي أو العربي يجيز الجمع بين الدعوتين فإن اجتهاد المحامي والاجتهاد القضائي هما اللذان سيحسمان المسطرة الممكن اتباعها في النهاية.

وقد حاول بعض الزملاء سواء بمكناس أو بوجدة الجمع بين الإلغاء والتعويض في مقال واحد، حيث تم إلغاء القرار الإداري الصادر عن بلدية بوفكران وعدم قبول طلب التعويض لعدم سلوك المدعي لمسطرة الفصل 43 من ظهير 30/9/1976) إدارية مكناس، حكم 1/12/1994 في الملف 14/94/3 غ) كما ألغت إدارية وجدة القرار الإدارية المطعون فيه وصرحت بعدم قبول الطلب لعدم أداء الرسوم القضائية عنه (إدارية وجدة حكم عدد 46/95 وتاريخ 26/5/1995).
وعلى كل وفي رأيي أنه كلما كان الاختصاص في طلب الإلغاء وطلب التعويض للمحاكم الإدارية، فإن إمكانية الجمع بين الطلبين معا في مقال واحد من شأنه أن يسهل المأمورية على المحامي، ويخفف عن المحاكم الإدارية من عبء فتح كثرة الملفات وما يتبعها من إجراءات.

كما أجازت الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى للمتضرر من قرار العزل الغير المشروع بأن يتقدم بطلب التعويض الناشئ عن الضرر أمام القضاء الشامل رغم فوات أجل الطعن فيه بالإلغاء (الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى، قرار عدد 73 وتاريخ 22/1/1998، مجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 51، ص 19).

وتجدر كذلك الإشارة إلى الفصل 17 من قانون المحاكم الإدارية الذي ينص على ما يلي:
" يكون المجلس الأعلى المرفوعة إليه دعوى تدخل في اختصاصاته ابتدائيا وانتهائيا مختصا أيضا بالنظر في جميع الطلبات التابعة لها أو المرتبطة بها وجميع الدفوعات التي تدخل ابتدائيا في اختصاص المحاكم الإدارية".
وهنا يمكن التساؤل حول ما إذا أصبح المجلس الأعلى محكمة بمقتضى هذه المادة.

ومن جهة أخرى، وإذا ارتأى المتضرر اللجوء إلى ديوان المظالم المحدث بالظهير المؤرخ في 9/12/2001 فإن على المحامي أن يخبره بأن الفصل 6 من هذا القانون لا يجيز لوالي المظالم النظر في الشكايات المتعلقة بالقضايا التي وكل البث فيها للقضاء (ف2) اللهم إذا حصل على حكم نهائي و " اتضح أن تمادي الجهة المعنية في تنفيذه ناجم عن أفعال صادرة عن موظف أو عون تابع للجهة التي صدر الحكم في حقها أو عدم قيامه بالواجب" فإن والي المظالم وعلى إثر شكاية المتضرر برفع تقريرا في الموضوع إلى نظر الوزير الأول.

وإذا كانت المادة 7 من هذا القانون تفرض أن تكون الشكاية مكتوبة ومبررة وموقعة من صاحب الملتمس شخصيا، فإن المحامي ملزم بإخبار المتضرر بمقتضيات المادة 8 التي تنص على أنه: " لا يقطع ولا يوقف اللجوء على والي المظالم آجال التقادم أو الطعن المنصوص عليها قانونا".

وعندما ينتهي المحامي من دراسة جميع النقط المتحدث عنها سالفا انطلاقا من وقائع النازلة ومن الصفة والأهلية والمصلحة للمتضرر ومشكل التقادم والإجراءات الأولية أو الوصل الذي يجب الحصول عليه، أو الأحكام النهائية بالإلغاء، أو إمكانية الجمع بين دعوى الإلغاء ودعوى التعويض، وحينما يكون قد درس مشكل الاختصاص النوعي واستقر قراره على اللجوء إلى المحاكم الإدارية، فإنه يمر لدراسة الحجج المثبتة للضرر.

وقد تكون الحجج المقدمة من قبل المتضرر لدفاعه كافية أو غير كافية.
وعلى الدفاع أن يقدم في جميع الأحوال ملفا مدعما للمحكمة لتسهيل المأمورية على هذه الأخيرة.

فبجانب الحجج التي يقدمها المتضرر للمحامي للإدلاء بها للمحكمة، فإن بإمكان هذا الأخير الحصول على حجج إضافية من خلال معاينات وإنذارات استجوابية، وخبرات(...) وذلك باللجوء إلى السيد رئيس المحكمة الإدارية بناء على الفصول 7 و 19 من قانون 41/90 و 148 ق.م.م متى كان النزاع في الجوهر يدخل في اختصاص محكمته ( المحكمة الإدارية بوجدة، أمر عدد 8/97 وتاريخ 16/6/1997، مجلة المناظرة، عدد 2، ص 91).

ولن ينسى المحامي مراجعة الاجتهاد القضائي المغربي والمقارن وتدعيم مطالبه ببعض القرارات لأن القاضي يزيد من احترام وتقدير المحامي الذي يبذل جهدا لاقناعه. ويمكن للمحامي الحصول على القرارات من خلال مراجعة المجلات المتخصصة أو عبر شبكة الانترنيت بالنسبة للاجتهاد المقارن وخصوصا المجلة التالية: www.rajf.org بالنسبة للأحكام والقرارات الصادرة عن المحاكم الإدارية الفرنسية وهي مجلة إلكترونية توافي المشترك فيها أسبوعيا وبالمجان بأهم الأحكام الصادرة عن مختلف المحاكم الإدارية الفرنسية.

وأخيرا وقبل مباشرة أية مسطرة وجب على المحامي معرفة المحكمة الإدارية المختصة ترابيا للبث في الطلب بناء على الفصل 27 وما يليه من ق.م.م الذي يحيل عليه الفصل 10 من قانون المحاكم الإدارية والاستثناءات الواردة بهذا الفصل والفصل 11 من نفس القانون.

II ـ الإجراءات المتبعة أمام المحاكم الإدارية:
يلاحظ الدارس لقانون 41/90 بأن المشرع اعتبر قانون المسطرة المدنية هو الشريعة العامة للقواعد الإجرائية المتبعة أمام المحاكم الإدارية، إلا أنه أقدم على تعديل البعض منها من جهة وأحدث مؤسسة المفوض الملكي للدفاع عن القانون والحق من جهة أخرى.

وقد نص المشرع على ذلك صراحة بالفصل 7 حيث أورد في هذا الأخير ما يلي:
"تطبق أمام المحاكم الإدارية القواعد المقررة في قانون المسطرة المدنية ما لم ينص قانون على خلاف ذلك".
وإذا كان الأصل هو المسطرة المدنية، فإن ظهير 41/90 أبرز بعض خصائص ومميزات المسطرة أمام المحاكم الإدارية، ويمكن دراسة هذا التلاحم عبر المقال والمساطر المتبعة.

ينص الفصل 3 من قانون المحاكم الإدارية على أن القضايا ترفع بمقال مكتوب يوقعه محام مسجل بجدول هيئة من هيئات المحامين بالمغرب، ويتضمن ما لم ينص على خلاف ذلك البيانات والمعلومات المنصوص عليها في الفصل 32 من ق.م.م.
ويسلم كاتب ضبط المحكمة الإدارية وصلا بإيداع المقال يتكون من نسخة منه ويوضع عليها خاتم كتابة الضبط، وتاريخ الإيداع مع بيان الوثائق المرفقة.

فالمسطرة إذن هي مسطرة كتابية تنطلق من المقال الذي يجب أن يحرر باللغة العربية ويتضمن الأسماء العائلية والشخصية وصفة أو مهنة وموطن أو محل إقامة المدعى عليه والمدعي، وكذا عند الاقتضاء أسماء وصفة وموطن وكيل المدعي، وإذا كان أحد الأطراف شركة وجب أن يتضمن المقال اسمها ونوعها ومركزها.
ويجب أن يبين في المقال علاوة على ذلك موضوع الدعوى والوقائع والوسائل المثارة، وترفق بالطلب المستندات التي ينوي المدعي استعمالها.

وإذا قدم الطلب ضد عدة مدعى عليهم وجب على المدعي أن يرفق المقال بعدد من النسخ مساو لعدد الخصوم، وكذا بنسخة للمفوض الملكي للدفاع عن القانون والحق.
ويطلب القاضي عند الاقتضاء تحديد البيانات غير التامة أو التي وقع إغفالها (الفصل 32 ق.م.م).
ويجب أن يقدم هذا المقال ويوقع من قبل محام، وعدم تقديمه من طرف محام أو عدم التوقيع عليه من قبل هذا الأخير يعرضه لعدم القبول.

وقد قضت المحكمة الإدارية بالرباط بعدم قبول طلب محام ينوب عن نفسه دون اللجوء إلى محام (الحكم عدد 58، 27/10/1994، ملف 132/94 ع).

وإذا كان الفصل الثالث يشير إلى أن المحامي الذي تربط بلاده ببلادنا اتفاقية دولية تسمح له بممارسة مهنته بالمغرب من أن يتقدم بدعاوى بعد حصوله على إذن من وزير العدل لكل دعوى، وتعيين محل المخابرة معه بمكتب محام مقيد بجدول إحدى هيئات المحامين بالمملكة(الفصل 31 ـ ف 2 من ظهير 10/9/1993 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة).

وقد أثار الفصل الثالث المذكور جدلا بخصوص إلزامية المحامي أمام المحاكم الإدارية سواء بالنسبة للدولة مدعية أو مدعى عليها، أو سواء بالنسبة للأشخاص الطبيعيين، حيث ذهب البعض منهم بعيدا بالقول بأن المدعى عليه ولو كان شخصا ذاتيا معفى من تنصيب محامي للدفاع عنه. (محمد محجوبي، مدى إلزامية المحامي أمام المحاكم الإدارية، مجلة المعيار،العدد 22، ص 111) باعتبار أن الفصل 3 ينص على إلزامية المحامي في تقديم المقال لا غير.

وأبادر إلى القول بأني لا أشاطره هذا الرأي باعتبار أن الفصل 31 من قانون المحاماة الذي هو قانون خاص وبالتالي يقيد القانون العام، يشير إلى إلزامية المحامي ليس فقط في تقديم المقالات، بل وفي تقديم المستنتجات والمذكرات الدفاعية كذلك.

وباعتبار أن المسطرة كتابية أمام المحاكم الإدارية، فإن إلزامية المحامي بالنسبة للشخص الطبيعي واردة حتى ولو كان مدعى عليه، لأن الدولة يمكنها أن تكون مدعية والمواطن العادي مدعى عليه ليس فقط في قضايا نزع الملكية، ولكن كذلك في العقود الإدارية والصفقات والمسؤولة الإدارية وغيرها. وفي هذا الاتجاه جاء في أمر استعجالي صادر عن رئيس المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ 13/2/2002 ما يلي:" إن الإدارة يمكن أن تكون مدعية أحد المتعاقدين فيها شخصا طبيعيا ذاتيا أو معنويا. فكما يحق لهذا الأخير مقاضاة الإدارة أمام المحكمة الإدارية فإن العكس صحيح ما دام شأن البت في النزاع المرتبط بتنفيذ بنود عقد اتفاقية التسيير المس بالمركز القانوني لطرفي العقد وبالتالي المس بجوهر النزاع فإن محكمة الموضوع هي المختصة للبت في النزاع المذكور وليس قاضي المستعجلات"، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 44 و 45، ص 217.

كما لا أشاطر الرأي القائل بأن الاستعانة بالمحامي ضرورية ولو كان المدعي هو الدولة أو إحدى المؤسسات العمومية (محمد القدوري، رسالة المحاماة، العدد 11 و12 سنة 1995 ص 45) لأن الدولة معفاة من تنصيب محام بقوة القانون ليس فقط بناء على قانون المحاماة الذي هو قانون خاص، ولكن أيضا بناء على تاريخ نشر كل من قانون المحاكم الإدارية(ج.ر 3 نونبر 1993) والقانون المنظم لمهنة المحاماة (ج.ر 29 نونبر 1993) رغم أن الظهيرين مؤرخين في يوم واحد وهو 10 شتنبر 1993.

وعلى المتضرر من جهة أخرى أن يحدد طلبه ولو في درهم رمزي مؤقتا وإلا تعرض طلبه لعدم القبول.
والمقال يجب أن يكون مقتضبا وواضحا ومشروحا باعتدال ( الفصل 43 ق.م.م الفقرة 3) مع تفادي الحيثيات باعتبار أن الأمر يتعلق بطلب وليس برد على الدفوع اللهم إذا تعلق الأمر بمقال مضاد حيث تتم فيه الإجابة على الدفوع المثارة في المقال الأصلي قبل التطرق للمقال المضاد.

وبين المحامي بدقة متناهية الطرف المدعى عليه وإلا كان طلبه معرضا لعدم القبول.
وعليه دائما وأبدا الرجوع إلى الفصل 515 ق.م.م والقانون المنظم للمرفق العمومي المتسبب في الضرر وبعض القوانين الخاصة لمعرفة من يمثل المرفق العمومي أمام القضاء، كما عليه إدخال العون القضائي كلما كانت الطلبات تستهدف التصريح بمديونية الدولة أو إدارة عمومية أو مكتب أو مؤسسة عمومية للدولة في قضية لا علاقة لها بالضرائب والأملاك المخزنية (ف 514 ق.م.م).

فبمقتضى الفصل 515 ترفع الدعوى ضد :

1) الدولة المغربية في شخص الوزير الأول وله أن يكلف لتمثيله الوزير المختص عند الاقتضاء.
2) الخزينة في شخص الخازن العام.
3) الجماعات المحلية في شخص العامل بالنسبة للعمالات والأقاليم، وفي شخص رئيس المجلس القروي بالنسبة للجماعات.
4) المؤسسات العمومية في شخص ممثلها القانوني.
5) مديرية الضرائب في شخص مدير الضرائب فيما يخص " النزاعات المتعلقة بالقضايا الجبائية التي تدخل ضمن اختصاصاتها".
( أضيف الرقم الخامس بمقتضى ظهير 9 يناير 2002).

وهكذا قضت المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ 19/1/1995 بعدم قبول دعوى ضد المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير لأنها وجهت بحضور الوزير الأول ولم توجه ضد الدولة المغربية أي ضد الشخص المعنوي العام نفسه في شخص ممثله القانوني ( الإجراءات المتبعة أمام المحاكم الإدارية، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، العدد 9، 1996 ص 214 ـ أنظر كذلك حكم المحكمة الإدارية بالرباط عدد 1328 وتاريخ 14/10/1997، المجلة المغربية للإدارة المحلية وبالتالي لا ينبغي تقديم دعوى التعويض في مواجهتها وإنما يتعين توجيهها ضد الدولة في شخص الوزير الأول طبقا للفصل 515 من ق.م.م تحت طائلة عدم قبول الطلب).

ولا يمكن الاقتصار على الفصل 515 المذكور سابقا، بل لابد من معرفة الممثل القانوني للمرفق العمومي لإدخاله في الدعوى كوزير الأوقاف بالنسبة للأوقاف ( ظهير 13/7/1913 و 13/1/1918) ووزير الأشغال العمومية في قضايا الملك العمومي (ظهير 6 غشت 1915) ووزير الفلاحة بالنسبة للملك الغابوي) ظهير 17 أبريل 1959) ومدير الأملاك المخزنية بالنسبة لأملاك الدولة الخاصة ( المرسوم الملكي المؤرخ في 22 نونبر 1978، أنظر في هذا الصدد حكم المحكمة الإدارية بالرباط عدد 487 وتاريخ 3/6/1997، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 22، ص 132 ـ" يجب إدخال مدير الأملاك المخزنية في دعوى نقل ملكية الأرض التي تملكها الدولة ـ الملك الخاص ـ تحت طائلة عدم القبول)، ومدير الضرائب بالنسبة للضرائب ( الظهير المؤرخ في 9/1/2002) وما إلى ذلك.

ومن جهة أخرى،
وإذا كانت المادة 22 من قانون 41/90 تعفي طلب الإلغاء بسبب تجاوز السلطة من أداء الرسم القضائي، وإذا كان الشأن كذلك بالنسبة للمقال الاستئنافي بمقتضى الفصل 48، فإن دعوى التعويض تتطلب دفع رسوم قضائية تختلف قيمتها حسب قيمة الطلب.

إلا أن الفصل (ف2) من ظهير 41/90 يجيز لرئيس المحكمة الإدارية أن يمنح المساعدة القضائية طبقا للمسطرة المعمول بها في هذا المجال.

وفي هذا الإطار وباعتبار أن دعوى التعويض تنتج عنها استفادة مالية، فإن للمحامي المعين في نطاق المساعدة القضائية أن يتقاضى أتعابا على أن يعرض الأمر على النقيب لتحديد مبلغ تلك الأتعاب (ف 41 من قانون المحاماة).

وبعد تسجيل مقال الدعوى يحيل رئيس المحكمة الإدارية الملف حالا إلى قاض مقرر بتعيينه وإلى المفوض الملكي للدفاع عن القانون والحق المشار إليه في المادة 2 من ظهير 41/90 (الفصل 4).

وتحيل الفقرة الثانية من الفصل الرابع من نفس القانون على الفصل 329 وما يليه إلى الفصل 336 ق.م.م بخصوص الإجراءات التي يقوم بها القاضي المقرر، ويدخل ذلك ضمن ما يعرف بالمسطرة التحقيقية.

فيصدر القاضي المقرر فورا وبمجرد إحالة الملف عليه من طرف رئيس المحكمة الإدارية أمرا بتبليغ المقال للطرف المدعى عليه وفقا للشروط المنصوص عليها بالفصول 37 و 38 و 39 ق.م.م، أو بواسطة أحد الأعوان القضائيين، ويعين تاريخ الجلسة العلنية للنظر في القضية أو الآجال التي ينبغي تقديم المذكرات الدفاعية داخلها، والمستندات المؤيدة لها مع مراعاة الآجال المحددة في الفصلين 40 و 41 ق.م.م.

وإذا تعدد المدعى عليهم ولم يقدم بعضهم مستنتجاته في الأجل المحدد، نبهه القاضي المقرر عند حلوله إلى أنه إن لم يقم بتقديمها داخل أجل جديد، اعتبرت المسطرة حضورية بالنسبة لجميع الأطراف.

ويبلغ المدعى عليهم الأمر بتبليغ المقال، وكذا تاريخ الجلسة أو أجل الجواب وفقا للشروط المنصوص عليها في الفصول 37 و 38 و 39 ق.م.م وتسلم إليهم في نفس الوقت نسخ المقالات المقدمة من طرف المدعين.

ويشار في الملف إلى التبليغ والإشعار، وكذا إلى جميع التبليغات والإشعارات اللاحقة (ف329 ق.م.م).
وتأمر المحكمة الإدارية عند تقديم المدعى عليه مستنتجاته بإرجاع القضية إلى القاضي المقرر إلا إذا اعتبرت القضية جاهزة للحكم (الفصل 333 ق.م.م).

ويتخذ القاضي المقرر الإجراءات لجعل القضية جاهزة للحكم، ويأمر بتقديم المستندات التي يرى ضرورتها للتحقيق في الدعوى، ويمكن له بناء على طلب الأطراف أو حتى تلقائيا بعد سماع الأطراف أو استدعائهم للحضور بصفة قانونية، الأمر بأي إجراء للتحقيق من حيث وخبرة وحضور شخصي دون مساس بما يمكن للمحكمة الإدارية أن تأمر به بعد ذلك من إجراءات في جلسة علنية (الفصل 334 ق.م.م).

وإذا تم تحقيق الدعوى، وإذا انقضت آجال تقديم الردود، واعتبر المقرر أن الدعوى جاهزة للحكم أصدر أمرا بتخليه عن الملف، وحدد تاريخ الجلسة التي تدرج فيها القضية، ويبلغ هذا الأمر للأطراف طبقا للفصول 37 و38 و39 ق.م.م، أو بواسطة أحد الأعوان القضائيين.

ولا تعتبر المحكمة الإدارية أية مذكرة ولا مستند قدم من الأطراف بعد الأمر بالتخلي باستثناء المستنتجات الرامية إلى التنازل.

وتسحب من الملف المذكرات والمستندات المدلى بها متأخرة وتودع في كتابة ضبط المحكمة رهن إشارة أصحابها.
غير أنه يمكن للمحكمة الإدارية بقرار معلل إعادة القضية إلى القاضي المقرر إذا طرأت بعد إبرام الإحالة واقعة جديدة من شأنها أن تؤثر على الحكم أو إذا تعذرت إثارة واقعة قبل ذلك خارجة عن إرادة الأطراف (الفصل 335 ق.م.م).
والملاحظ من خلال هذه النصوص هي أن المسطرة حضورية وهي خاصية مرتبطة بحق الدفاع، كما أن المحاكم الإدارية تعقد جلساتها وتصدر أحكامها علنية، كما يجب على المفوض الملكي للدفاع عن القانون والحق حضور الجلسات وعرض آراءه المكتوبة والشفوية على هيئة الحكم بكامل الاستقلال سواء فيما يتعلق بظروف الوقائع أو القواعد القانونية المطبقة عليها.

ويحق للأطراف أخذ نسخة من مستنتجاته بقصد الاطلاع دون أن يكون لهم حق التعقيب عليها باعتبار أن ما يبديه من آراء هي آراء مجردة الهدف منها الدفاع عنالحق والقانون ولا يقصد من ورائها مساندة الإدارة ولا مساندة الطرف الآخر(أنظر حكم المحكمة الإدارية بمراكش عدد 120 بتاريخ 28/11/1995، منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 16، ص 118).

وتجدر الإشارة كذلك إلى عدم مشاركة المفوض الملكي في إصدار الحكم (المادة 5 من قانون المحاكم الإدارية).
ويمكن للطرف المدعى عليه الدفع بعدم الاختصاص النوعي للمحكمة الإدارية، كما يمكن لهذه الأخيرة إثارته تلقائيا.
وقد خص المشرع لهذا الجانب الفصلين 12 و 13 من قانون إحداث المحاكم الإدارية.

وتعتبر القواعد المتعلقة بالاختصاص النوعي من قبيل النظام العام، وللأطراف أن يدفعوا بعدم الاختصاص النوعي في جميع مراحل إجراءات الدعوى (الفصل 12) على خلاف ما يستلزمه الفصل 16 من قانون المسطرة المدنية والذي يفرض الدفع بعدم الاختصاص النوعي قبل أي دفع أو دفاع في الجوهر أمام المحاكم العادية.

وإذا أثير دفع بعدم الاختصاص النوعي أمام جهة قضائية عادية أو إدارية وجب عليها أن ثبت فيه بحكم مستقل، ولا يجوز لها أن تضمه إلى الموضوع.

وللأطراف أن يستأنفوا الحكم المتعلق بالاختصاص النوعي أيا كانت الجهة القضائية الصادر عنها أمام المجلس الأعلى الذي يجب عليه أن يبث في الأمر داخل أجل ثلاثين يوما يبتدئ من تسلم كتابة الضبط به لملف الاستئناف (الفصل 13).
أما بخصوص استئناف الأحكام الصادرة عن المحاكم الإدارية، فإنها تستأنف وطبقا للفصل 45 من قانون 41/90 أمام المجلس الأعلى (الغرفة الإدارية) ويجب أن يقدم الاستئناف وفق الإجراءات وداخل الآجال المنصوص عليها بالفصل 134 وما يليه إلى الفصل 139 من قانون المسطرة المدنية.

ومن تم، فإن أجل الطعن هو ثلاثين يوما كاملة، حيث لا يحتسب اليوم الأول والأخير للتبليغ، وإذا صادف اليوم الأخير يوم عطلة امتد الأجل إلى أول يوم عمل من بعده (الفصل 512).

كما يحق للمستأنف عليه رفع استئناف فرعي في كل الأحوال ولو كان قد طلب دون تحفظ تبليغ الحكم، ويكون كل استئناف نتج عن الاستئناف الأصلي مقبولا في جميع الأحوال، غير أنه لا يمكن في أي حالة أن يكون سببا في تأخير الفصل في الاستئناف الأصلي.

وتضاعف الآجال ثلاث مات لمصلحة الأطراف الذين ليس لهم موطن ولا محل إقامة بالمغرب.

ويمكن تقديم الاستئناف ضد أحكام المحاكم الإدارية لدى المجلس الأعلى بواسطة محامين غير مقبولين للتقاضي أمام المجلس الأعلى (المادة 48 من قانون 41/90) وتعفى الاستئنافات من أداء الرسم القضائي.

وتوقف وفاة أحد الأطراف آجال الاستئناف لصالح ورثته، ولا تقع مواصلتها من جديد إلا بعد مرور خمسة عشر يوما التالية لتبليغ الحكم للورثة بموطن الشخص المتوفى طبقا للطرق المشار إليها بالفصل 54 ق.م.م.

ويمارس المجلس الأعلى عندما ينظر في أحكام المحاكم الإدارية المستأنفة لديه كامل الاختصاصات المخولة لمحاكم الاستئناف عملا بأحكام الفصل 329 وما يليه إلى الفصل 336 ق.م.م، ويزاول رئيس الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى والمستشار المقرر المعين من قبله الصلاحيات الموكولة بالفصول المذكورة أعلاه إلى الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف والمستشار المقرر بها )ف 46 من قانون 41/90).

وتطبق أحكام الفصل 141 والفصل 354 وما يليه إلى الفصل 356 ق.م.م أمام المجلس الأعلى عندما ينظر في أحكام المحاكم الإدارية المستأنفة لديه (ف47 ـ ق 41/90).

ومن تم فإن الاستئناف يقدم أمام المحكمة الإدارية التي أصدرت الحكم المطعون فيه.
ويثبت وضع المقال بكتابة الضبط في سجل خصا، ويوجه مع المستندات المرفقة به بدون مصاريف إلى كتابة ضبط المجلس الأعلى.

ويسلم كاتب الضبط وصلا للأطراف الذين يطلبونه، وتعتبر النسخة الحاملة لطابع كتابة الضبط بمثابة وصل.
وتقدم الاستئنافات بواسطة مقال مكتوب وقع عليه من طرف أحد المدافعين ولو غير المقبولين للترافع أمام المجلس الأعلى.

ويمكن للغرفة الإدارية عند عدم تقديم مقال أو تقديمه موقعا عليه من طرف طالب الاستئناف نفسه أن تشطب على القضية تلقائيا من غير استدعاء الأطراف.

ويجب أن تتوفر في المقال الاستئنافي تحت طائلة عدم القبول البيانات التي سبق شرحها بالنسبة للمقال الافتتاحي، كما يجب أن يرفق المقال الاستئنافي بنسخة من الحكم المطعون فيه، كما يجب أن يكون المقال مرفوقا بنسخ مساوية لعدد الأطراف.

III ـ الإجراءات المتبعة في التبليغ وطرق التنفيذ:
يقصد من التبليغ إعلام المحكوم عليه بصدور الحكم إما ليمتثل لمقتضياته أو ليستعمل طرق الطعن التي يخولها له القانون.

وعليه، فإن كتابة الضبط عمليا تسلم للمستفيد نسخة عادية من الحكم لأجل التبليغ، ونسخة تنفيذية من أجل التنفيذ بمجرد صدوره وتوقيع أصله من طرف الهيئة وطبعه ورجوعه من مصلحة التسجيل (ظهير 22/10/1996 ـ ف 8).
إلا أن المحكمة يمكنها أن تحكم بالتنفيذ على الأصل وقبل التسجيل.

وفي الحالات العادية ينص الفصل 428 ق.م.م على أن :" لكل راغب في تنفيذ الحكم حق الحصول على نسخة تنفيذية منه، ونسخة عادية بعدد المحكوم عليهم".
وتسلم النسخة التنفيذية مختومة وموقعة من طرف كاتب ضبط المحكمة التي أصدرت الحكم حاملة العبارة التالية:" سلمت طبقا للأصل ولأجل التنفيذ".

وتسلم النسخ العادية للأحكام إلى كل طرف في الدعوى بطلب منه.
ويذكر في ملف كل دعوى حصول تسلم نسخة تنفيذية أو عادية للحكم الصادر فيها، مع ذكر تاريخ التسليم واسم الشخص الذي سلمت له.

كما ينص الفصل 435 في حالة فقدان النسخة التنفيذية على ما يلي:
" تسلم نسخة تنفيذية واحدة، ويجوز لمن فقدها أن يحصل على نسخة تنفيذية ثانية بمقتضى قرار يصدره قاضي المستعجلات بعد استدعاء جميع ذوي المصلحة".

ونجد الفصل 50 (ف 8) ق.م.م ينظم التبليغ التلقائي بالجلسة حيث ينص على أنه:
"يبلغ كاتب الضبط حالا عند صدور الحكم حضوريا ومعاينة حضور الأطراف أو وكلائهم بالجلسة الحكم الذي صدر ويسلم لهم نسخة من منطوق الحكم ويشار في آخره إلى أن التبليغ والتسليم قد وقعا، ويشعر الرئيس علاوة على ذلك إذا كان الحكم قابلا للاستئناف الأطراف أو وكلائهم بأن لهم أجلا قدره ثلاثون يوما من يوم صدور الحكم للطعن فيه بالاستئناف، ويضمن هذا الإشعار من طرف الكاتب في الحكم بعد التبليغ".

وحيث أظهرت الممارسة على وجود صعوبات في تطبيق هذا النص، حيث تم التخلي عنه عمليا.
وإذا كان الفصل 433 ق.م.م قبل تعديله ينظم التبليغ التلقائي للأحكام الذي سبق التنفيذ، فإن الفصل 428 من ق.م.م القديم كان ينص على أن كتابة الضبط تنفذ تلقائيا كل حكم قضائي بدون طلب من المستفيد من الحكم.

إلا أن هذا الطرح كان يتناقض مع المبادئ العامة للمسطرة باعتبار أنه يصعب أن تحل المحكمة محل المستفيد من الحكم لتتابع تنفيذه جبريا دون طلب وموافقة هذا الأخير الذي يبقى له الخيار والصلاحية في النهاية لأن يتابع إجراءات التنفيذ أو يعدل عنها، فضلا عن الصعوبات التطبيقية التي كانت تخلقها هذه النصوص، حيث ينص القانون الجبائي على أنه:
لا يجوز لكاتب الضبط تسليم نسخة رسمية أو توجيه إنذار أو القيام بأي إجراء تنفيذي عملا بحكم قضائي خاضع للتسجيل أو التأشيرة قبل استيفاء الإجراء المطلوب وأداء الرسوم المستحقة..."( الفصل 76 من ظ 27 أبريل 1984 بمثابة قانون / المالية).

كما ينص الفصل 50 من قانون المالية لسنة 1984 كذلك على رسم التنفيذ الذي ينبغي أداؤه مسبقا.
وبالتالي وكما قال الأستاذ جان بول رازون، كان التنفيذ القضائي مجرد عبارة فارغة من محتواها كما كان الأمر بالنسبة للتبليغ في الجلسة (الطرق الجديدة لتبليغ وتنفيذ الأحكام، م.م.ق 1985، الصفحة 190).

وهكذا، وبمقتضى الفصل 433 والفصل 429 ق.م.م كما وقع تعديلهما فإنه لا يمكن أن يتم التبليغ وكذلك التنفيذ إلا بناء على طلب من المستفيد من الحكم.

وينص الفصل 440 ق.م.م على ما يلي:
" يبلغ عون التنفيذ إلى الطرف المحكوم عليه الحكم المكلف بتنفيذه ويعذره بأن يفي بما قضى به الحكم حالا أو بتعريفه بنواياه".

إلا أن ما يقع في الواقع في محاكم الرباط على الأقل هو أن المستفيد يتقدم بطلب تبليغ الحكم، وبعد رجوع شهادة التسليم أو شهادة التبليغ يؤشر قسم التبليغات والتنفيذات القضائية على النسخة التنفيذية التي سبق أن سلمها للمستفيد من الحكم، ويضع عليها الصيغة التنفيذية وتاريخ تبليغ الحكم واسم الشخص الذي سلمت إليه.

ويمكن القيام بتبليغ الحكم سواء بواسطة شعبة التبليغ التابعة للمحكمة، أو بواسطة أحد الأعوان القضائيين ( طبقا لظهير 25 دجنبر 1980 بإحداث هيئة الأعوان القضائيين) بناء على طلب خاضع لرسم قضائي وأجرة العون، ويكون الطلب مرفق بنسخة عادية أو بعدد من النسخ مساوي لعدد الأطراف المراد تبليغهم.

والتبليغ يكتسي أهمية بالغة تنعكس آثاره على كل إجراءات التنفيذ فيما بعد.
وعلى المبلغ أن يملأ الطي بجد ومسؤولية، كما عليه ملء الشطر الثاني من شهادة التسليم بالمعلومات المتعلقة بتاريخ التبليغ، واسم وصفة المبلغ له ورقم بطاقته الوطنية، مع إمضاءه على الشهادة أو إمضاء الشخص الذي تسلم الحكم في موطنه.

وإذا عجز من تسلم الحكم عن التوقيع أو رفضه أشار إلى ذلك العون المكلف بالتبليغ بملاحظة "رفض التوقيع" أو " رفض الطي" مع بيان اسم الشخص الذي رفضه، ويوقع العون على شهادة التسليم ويضعها بكتابة الضبط.

ويعتبر الحكم مسلما تسليما صحيحا في اليوم العاشر الموالي للرفض الصادر من الطرف أو الشخص الذي له الصفة في تسلم الاستدعاء، حيث ينطلق أجل الطعن بالاستئناف.

ولا يمكن تسليم شهادة بعدم التعرض والاستئناف في حالة الرفض إلا بعد مرور أربعين يوما كاملة من تاريخ التبليغ.
كما تسلم شهادة بعدم التعرض والاستئناف في حالة التبليغ العادي وعدم الطعن بعد مرور 30 يوما كاملة من تاريخ التبليغ، حيث يمكن للمستفيد حسب عمل محاكم الرباط على الأقل أن يتقدم بطلب تنفيذ الحكم إما بواسطة شعبة التنفيذات القضائية أو بواسطة أحد الأعوان القضائيين.

ويطلب عون التنفيذ هذه الشهادة إذا كان الحكم قابلا للطعن سواء بالتعرض أو بالاستئناف، أما إذا كان الحكم قد اكتسب حجية الشيء المقضي به أي أنه صادر عن الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى وهي تبث في استئناف أحكام المحاكم الإدارية، فإن طالب التنفيذ يقتصر في إرفاق طلبه بالنسخة التنفيذية للحكم المؤيد أو المعدل وبوصولات الصوائر.
والإشكال الذي كان مطروحا يتعلق برفض كتابة ضبط المجلس الأعلى تسليم النسخ التنفيذية للقرارات الصادرة عن الغرفة الإدارية وهي تبث كمحكمة درجة ثانية في استئناف أحكام المحاكم الإدارية.

وإذا كان الأمر عاديا بالنسبة لقرارات التأييد حيث يمكن الاقتصار على تسليم نسخة عادية، فإنه ليس كذلك بالنسبة للقرارات المعدلة للأحكام المستأنفة، حيث يجب على كتابة ضبط المجلس الأعلى تسليم نسخ تنفيذية لهذه القرارات.
وقد تقرر مؤخرا في اجتماع رؤساء الغرف بالمجلس الأعلى تذييل قرارات الغرفة الإدارية بالصيغة التنفيذية، حيث تم التغلب على الإشكالية (انظر إشكالية تنفيذ الأحكام الإدارية، مصطفى التراب، مجلة المحاكم الإدارية، العدد 1، 2001، الصفحة 21).

والإدارة ملزمة بتنفيذ الأحكام الصادرة ضدها إذ لا يوجد نص يستثني الدولة من التنفيذ بل إن مبدأ المشروعية الذي يعتبر من أقدس المبادئ التي أقرها الدستور المغربي يجعل تصرفات الدولة خاضعة لمراقبة القانون وبالتالي فإنها لا محالة ملزمة بتنفيذ القرارات والأحكام النهائية الصادرة ضدها، وإلا لما كان لمبدأ المشروعية أي معنى إذا كانت الدولة مستثناة من تنفيذ الأحكام (قرار عدد 1206 صادر عن رئيس المحكمة الابتدائية بالرباط بتاريخ 16/12/1984، مجلة المحاماة عدد 24، ص 71 أو المجلة المغربية للقانون، عدد 4، 1986، ص 243).

وعلى كل وللرجوع إلى طرق التنفيذ، فإنه يمكن تلخيصها فيما يلي: ذلك أن التنفيذ إما اختياري وإما جبري.
والتنفيذ الاختياري هو أن يقوم المدين تلقائيا واختياريا بدفع ما عليه أو ما حكم به حيث تنقضي المنازعة دون اتباع أية إجراءات من طرف المتضرر.

أما بخصوص التنفيذ الجبري فطرقه متعددة ومتشعبة، ونقتصر في هذه الدراسة المختصرة على الإشارة فقط إلى التنفيذ الجبري المباشر، وإلى الغرامة التهديدية وإلى الحجز لدى الغير، وكذا إلى الصعوبات التي من الممكن أن تعترض التنفيذ.
والتنفيذ الجبري المباشر هو الذي يقوم به مأمور التنفيذ ( أو العون القضائي المختار) بناء على طلب من المستفيد بناء على حكم قابل للتنفيذ، حيث يتوجه إلى الجهة المطلوبة في التنفيذ ويقوم بدوره كمنفذ. ومن تم وجب عليه " أن يبين بوضوح ما إذا كان المنفذ عليه يريد صراحة تنفيذ الحكم أم لا، ولا يكفي تسجيل تبريراته حول عدم التنفيذ، كما يتعين عليه وتحت مسئوليته أن يقوم بإنجاز محضر إما بالتنفيذ أو بالامتناع عن التنفيذ ويثبت ذلك صراحة في محضره" ( أمر رئيس المحكمة الإدارية بالرباط رقم 207 وتاريخ 6/12/2000، مجلة القصر، عدد 1، ص 146). وفي الحالات العادية فإن المنفذ ينفذ ما حكمت به المحكمة بمقتضى حكم مستوفي لكافة شروطه القانونية.

ويقوم بإيداع ما تسلمه بمستودع الأمانات لدى المحكمة المختصة، حيث يتقدم محامي طالب التنفيذ ويسحب ما يعرف "بورقة المصروف" ويملأها بدقة ويوقع عليها ويرفقها بوصل صادر عن مكتبه، حيث يسلم له شيك بالمبلغ المنفذ.
وعلى المحامي ألا يحتفظ بالمبالغ التي توصل بها لمدة تفوق الشهرين إذا كان مقدارها يتجاوز 5000 درهم ( ف 54 من قانون المحاماة)، وإذا استحال عليه تسليم المبالغ إلى أصحابها في الأجل المحدد تعين عليه القيام بإيداعها بصندوق المحكمة وذلك باتباع المسطرة المنصوص عليها بنفس الفصل.

كما يتعين على كل محام عند قبضه لفائدة كل قاصر يتيم، أن يقدم ملفه إلى النقيب لإصدار قرار بتحديد الأتعاب والمصاريف التي يحق له أن يقتطعها مما استخلصه، وعليه في أجل لا يتعدى خمسة عشر يوما من تاريخ القبض أن يدفع باقي ما استوفاه إلى القاضي المكلف بشؤون القاصرين (ف 55 ـ قانون المحاماة) والمسطرة المنطقية ي أن يدفع باقي ما استوفاه إلى القاضي المكلف بشؤون القاصرين 15 يوما من تبليغه بقرار تحديد الأتعاب.

وقد تتعنت الإدارة في تنفيذ ما يأمر به السند التنفيذي حيث يمكن لطالب التنفيذ اللجوء إلى القضاء الاستعجالي والمطالبة بالغرامة التهديدية. فالمشرع المغربي وإن " كان لا ينص صراحة في قانون المحاكم الإدارية على إمكانية إجبار أشخاص القانون العام على تنفيذ الأحكام بواسطة الغرامة التهديدية، فإن بإحالته بنفس القانون على قواعد المسطرة المدنية من خلال الفصل 7 يكون قد أجاز هاته الإمكانية خاصة وأنه لا يوجد أي نص قانوني يقيد هاته الإمكانية أو يحد من مفعولها"، المحكمة الإدارية بوجدة، أمر استعجالي عدد 65/2000 وتاريخ 6/7/2000، (المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 35، ص 119). كما يمكن لطالب التنفيذ اللجوء إلى رئيس المحكمة الإدارية ومباشرة مسطرة الحجز لدى الغير لمنع المحجوز بين يديه من أن يدفع لمدينه المبالغ التي بحوزته ثم يطلب من المحكمة أن تسدد دينه من المبالغ المحجوزة ( أنظر في هذا الصدد القرار الصادر عن محكمة الاستئناف بالدار البيضاء بتاريخ 10/4/1984، مجلة المحاكم المغربية، عدد 46، ص 81).

وهكذا ينص الفصل 488 ق.م.م على أن لكل دائن ذاتي أو اعتباري يتوفر على دين ثابت إجراء حجز بين يدي الغير بإذن من القاضي على مبالغ ومستندات لمدينه والتعرض على تسليمها له. وقد سارت المحاكم المغربية على هذا النهج منذ مدة( أنظر القرار الاستعجالي عدد 1206 المشار إليه أعلاه والصادر بتاريخ 16/12/1985 عن رئيس المحكمة الإدارية بالرباط، المجلة المغربية للقانون، عدد 4، سنة 1986، ص 243) وتبعتها بعد ذلك المحاكم الإدارية. وهكذا ورد في القرار الاستعجالي عدد 182 الصادر عن رئيس المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ 24/9/1997 ما يلي:" إذا كان لا يجوز الحجز على المؤسسات العمومية، فلكونها مليئة الذمة وليس لكون أموالها أموالا عمومية، ما دام لا يوجد أي نص يمنع من حجزها. ولكن إذا تبث امتناع المؤسسة العمومية عن تنفيذ حكم قضائي بدون مبرر فإن ملائمة الذمة تصبح غير مجدية بالنسبة للتنفيذ الذي يرغب فيه من صدر الحكم لفائدته. وفي هذه الحالة يجوز له القيام بالتنفيذ على أموال المؤسسة المذكورة نظرا لصبغة الالتزام التي تفرضها بحكم القانون الأحكام القضائية القابلة للتنفيذ" ( مجلة الإشعاع، العدد 18، ص 138 أو المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 22، ص 158).

وتفاديا للدخول في التفاصيل يمكن للمتهم الاطلاع على المسطرة الواجب اتباعها انطلاقا من الفصل 491 ق.م.م إلى الفصل 496 منه.

كما يمكن للمستفيد من السند التنفيذي " إذا اتضح أن تمادي الجهة المعنية في تنفيذه ناجم عن أفعال صادرة عن موظف أو عون تابع للجهة التي صدر الحكم في حقها أو عدم قيامه بالواجب " أن يتوجه بشكاية إلى والي المظالم الذي يرفع تقريرا في الموضوع إلى نظر الوزير الأول ( الفصل 6 ـ ف 2 ظ 9/12/2001).

ويمكن أثناء مسطرة التنفيذ أن تثار صعوبات متعددة سيطول شرحها في هذه الدراسة المختصرة.
وفي الخاتمة يتبين مما سبق بأن الإجراءات المتبعة في دعوى التعويض إجراءات دقيقة ومعقدة، على المشرع تبسيطها بل وبما حان الوقت لسن قانون خاص بالمسطرة أمام المحاكم الإدارية للوصول إلى قضاء مختص ومن ثم إلى نظام قضائي مزدوج، ناهيك عن الإحساس بالخوف من الإخفاق الذي ينتاب المواطن العادي كلما تعلق الأمر بمقاضاة الدولة الشيء الذي يجعل دعوى التعويض في المغرب لا تزال في بداية مشوارها رغم مرور 89 سنة على صدور قانون الالتزامات والعقود وما يناهز العشر سنوات على إحداث المحاكم الإدارية.

مصادر البحث
المؤلفات:
أمينة جبران البخاري: " القضاء الإداري ـ دعوى القضاء الشامل"، المنشورات الجامعية المغربية، 1994.
عبد الله حداد: " القضاء الإداري المغربي"، منشورات عكاظ، 1994.
ميشيل روسي:"Contentieux administratif Marocain"، منشورات لابورط، 2001.
عبد القادر باينة: " تطبيقات القضاء الإداري بالمغرب"، دار توبقال للنشر، 1998.
عبد الوهاب رافع: "مقاضاة الدولة والمؤسسات العمومية في التشريع المغربي"، المطبعة والوراقة الوطنية،1987.
محمد الكشبور: "نزع الملكية من أجل المنفعة العامة" 1989.
المقالات:
محمد البخاري: " دعاوي المسؤولية الإدارية على ضوء إحداث المحاكم الإدارية"، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مواضيع الساعة، العدد 9، الصفحة 17.
مصطفى الحلامي: " الإجراءات المسطرية لدعوى التعويض الإدارية"، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مواضيع الساعة، العدد 9، ص 43.
محمد محجوبي: " إشكالية الدفع بعدم الاختصاص النوعي بعد إحداث المحاكم الإدارية"، منشورات المجلة المغربية للإدارة من خلال قرارات المجلس الأعلى"، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مواضيع الساعة العدد 9،ص 83.
الحسن سيمو: " المسؤولية الإدارية من خلال قرارات المجلس الأعلى"، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مواضيع الساعة، العدد 14، ص 67.
عبد الله حارسي: " حول المسؤولية الإدارية: تطبيق الفصل 79 ق.ل.ع من طرف المجلس الأعلى"،منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مواضيع الساعة العدد 77-14.
حماد حميدي: " التعرض عن الضرر في ميدان المسؤولية الإدارية"، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مواضيع الساعة، العدد، 14، ص 85.
مصطفى التراب: " مدى الموافقة والمفارقة بين القانون المحدث للمحاكم الإدارية وقانون المسطرة المدنية"، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مواضيع الساعة، العدد 9، ص 93.
مصطفى التراب: " إشكالية تنفيذ الأحكام الإدارية"، مجلة المحاكم الإدارية، العدد 1، 2001، ص 21.
محمد محجوبي: "مدى إلزامية المحامي أمام المحاكم الإدارية"، مجلة المعيار العدد 22، ص 111.
محمد القدوري: " المحاكم الإدارية"، رسالة المحاماة العدد 11 و12، 1995، ص 35.


مجلة المرافعة