قراءة لدور النيابة العامة على ضوء المسطرة الجنائية الجديد ـ قانون رقم 01-22-

من إعداد: ذ/ فيصل شوقي

وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية

التصميم:

مقدمة:

المبحث الأول : دورها على المستويات الآتية:

1- الضابطة القضائية.

2- قضاء التحقيق.

3- 2قضاء الحكم.

4- وزارة العدل.

المبحث الثاني: دورها في محاربة الجريمة وحماية المجتمع.

1- سحب جواز السفر وإغلاق الحدود.

2- التقاط المكالمات والاتصالات المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد وتسجيلها وحجزها.

3- إصدار أوامر دولية بإلقاء القبض..

المبحث الثالث: للنيابة العامة آليات جديدة خولها لها هذا القانون.

1- إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه.

2- رد الأشياء المحجوزة.

3- مسطرة السدد (الصلح).

4- إيقاف سير الدعوى.

5- السند التنفيذي للنيابة العامة في المخالفات.

مقدمة.

لا يخفى على أحد أهمية المسطرة الجنائية وانعكاساتها على سير العدالة الجنائية, فهي الأداة التي يجس بها نبض السلطات العامة في التعامل مع الحريات الفردية, ومرآة لمستوى الديموقراطية.

وبمصادقة المغرب على جملة من المواثيق والاتفاقيات الدولية, أصبح لازما تدخل المشرع من أجل ملائمة قانونه مع التوجه العالمي وصيانة الحريات الفردية والجماعية التي حققها المغرب في مجال حقوق الإنسان.

كل هذه المعطيات ساهمت في الإسراع إلى تعديل قانون المسطرة الجنائية, فأصبح القانون الجديد يتكون من كتاب تمهيدي وثمان كتب ويضم 757 مادة, أعدت بعناية فائقة, كما أنه جاء بمستجدات جديدة سواء على مستوى الضابطة القضائية أو على مستوى قضاء النيابة العامة, أو على عكس مستوى قضاء التحقيق, أو على مستوى قضاء الحكم, بالإضافة إلى تأكيده قوية وصريحة في مادته الأولى على مبدأ قرينة البراءة.

فمؤسسة النيابة العامة محورية بالنسبة للعدالة الجنائية فنجدها تتخلل عددا كبيرا من مقتضيات هذا القانون, ولأخذ فكرة عن هذا التواجد المكثف والأدوار المتعددة الوقوف على هذه الأرقام في مقاربة إحصائية للمؤسسة. خصص القانون الجديد 240 مادة من أصل 757 تعني بالنيابة العامة, وهذه النسبة تشكل الثلث بالنسبة لهذا القانون.

ورد ذكر مصطلح النيابة العامة 211 مرة ومصطلح وكيل الملك والوكيل العام للملك 169 مرة, وذكرت المؤسسة فيما يناهز 380 مرة.

فهذه الأرقام تسمح على الأقل على مستوى الشكل بأخذ فكرة عن الأهمية القصوى لمؤسسة النيابة العامة في تسيير جهاز العدالة الجنائية.

المبحث الأول

دور النيابة العامة على المستويات الآتية

1/على مستوى الضابطة القضائية:

لوحظ إجمالا أن جميع المقتضيات المضمنة بالقانون الجديد ما هي إلا إعادة صياغة لنفس مضامين القانون الحالي, مع الحرص على تلافي الأخطاء التي نتجت عن ترجمة النص الفرنسي لقانون المسطرة الجنائية الحالي إلى اللغة العربية, كما تم حذف بعض المصطلحات الغير القانونية كغرفة الاتهام وتعويضها بالغرفة الجنحية, ورئيس النيابة العامة وتعويضها بالوكيل العام للملك وأهم ما تضمنه القانون الجديد في هذا الباب ما يلي:

* لوكيل الملك في القانون الحالي الإشراف على أعمال الشرطة القضائية, كما توضع تحت إشراف الوكيل العام للملك, وتم تعويض هذا المصطلح بما يحمله من دلالات على نوعية الاختصاص الممنوح لكل جهة, فأصبح لوكيل الملك تسيير أعمال الشرطة القضائية, كما أنها توضع تحت سلطة الوكيل العام للملك, وهي بذلك تطابق مقتضيات المادة 12 من القانون الفرنسي فالفصل 18 من القانون الحالي ينص الجديد يتضمن أنها تنفذ كذلك أوامر النيابة العامة, ويماثل هذا أحكام المادة 14 من القانون الفرنسي, إلا أن الخلاف بين مقتضيات المادة 14 من القانون الفرنسي والقانون الجديد أن الشرطة القضائية تباشر مهامها بشأن التثبت من وقوع الجرائم وجمع الأدلة عنها والبحث عن مرتكبيها مادام لم يتم فتح تحقيق فيها, فإذا تم فتح تحقيق في الموضوع, فلا تملك طبقا للقانون الفرنسي سوى تنفيذ أوامر وإنابات قضاء التحقيق.

* تمت إضافة وحذف فئات من ضباط الشرطة القضائية, وهكذا اصبح الوكيل العام للملك ونوابه من ضمن فئات الضباط السامون بصريح المادة 19 من القانون الجديد, وهو ما ينسجم وما ينص عليه ظهير الإجراءات الانتقالية, كما أصبح ولاة الأمن من ضمن ضباط الشرطة القضائية انسجاما مع التنظيم الحالي للتسلسل الإداري والذي تخضع له الإدارة العامة للأمن الوطني.

وتم حذف قضاة الصلح والسدد وضباط النيابة العامة لدى محاكم الصلح أو السدد طبقا للتنظيم القضائي الحالي.

وقد سبق للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان مناقشة الإشكالية التي يطرحها تمتيع قاضي التحقيق بالصفة الضبطية إذ أن ذلك سيؤدي إلى خضوعه لسلطة الوكيل العام للملك ومراقبة الغرفة الجنحية.

فقاضي التحقيق يعتبر من فئة قضاة الأحكام وإن كان تعيينه يتم بقرار لوزير العدل, كما أن الإخلالات المهنية التي يرتكبها إجمالا ينظمها القانون الأساسي لرجال القضاء.

وقد ورد في ديباجة القانون الجديد أن من بين أهداف وضع هذا القانون هو الفصل بين السلطات المكلفة بممارسة الدعوى العمومية والتحقيق وسلطات الحكم.

إلا أن المادة 19 من القانون الجديد صنفت قاضي التحقيق من بين فئات الضباط السامين للشرطة القضائية, وبالتالي يتمتع بالصفة الضبطية كما يخضعه لسلطة النيابة العامة, وكذا لمراقبة الغرفة الجنحية, كما سنرى في الفقرة الموالية, وهذا يشكل النيابة العامة, وكذا لمراقبة الغرفة الجنحية, كما سنرى في الفقرة الموالية, وهذا يشكل تناقضا صارخا لما جاء في ديباجة القانون الجديد الذي جعل من بين أهدافه الفصل بين السلطات الثلاث: النيابة العامة, وقضاء التحقيق, وقضاء الحكم, وبالتالي يشكل تراجعا لأحد المكاسب التي نادى بها المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان.

فأعضاء النيابة العامة يسيرون أعمال الشرطة القضائية (م16) ويشرفون عليها (م17) ويقومون بمراقبتها وتنقيطها (م45) فهذه المادة أعطت لوكيل الملك صلاحية تنقيط ضباط الشرطة القضائية وهو إجراء معمول به وإن لم يكن مضمنا في القانون الحالي.

لكن من الناحية العملية أرى عدم جدوى هذا الإجراء لكون ترقية ضباط الشرطة القضائية والذين يتبعون إداريا لأجهزة إدارية مستقلة عن جهاز النيابة العامة تكون بهذه الجهة الإدارية.

إن الوكيل العام للملك هو الجهة الوحيدة التي لها صلاحية إحالة كل إخلال ينسب إلى ضابط الشرطة القضائية أثناء قيامه بمهامه, وبالتالي لم يعد لرئيس الغرفة الجنحية هذه الصلاحية أو أن تضع الغرفة الجنحية يدها تلقائيا على هذه الإخلالات إثر اطلاعها على المسطرة المعروضة عليها, كما أن الوكيل العام للملك يبادر بتبليغ قرارات الغرفة الجنحية إلى علم السلطات التي ينتمي إليها الضابط وليس فقط المطالبة بذلك كما هو عليه الحال في القانون الحالي (المواد 30 إلى 34).

* وضباط الشرطة القضائية ملزمون بتنفيذ أوامر النيابة العامة (م18) كما أنه يتعين عليهم أن يحرروا محاضر بما أنجزوه من عمليات وأن يخبروا النيابة العامة فورا بما يصل إلى عملهم من جرائم (م23).

يمكن القول إنه على هذا المستوى تبقى سلطات النيابة العامة بدون تغيير, لكن قراءتنا للقانون الجديد تسمح برصد بعض المستجدات وفي مقدمتها:

تعريف المحضر تعريفا قانونيا بغية ضبط مفهومه وترتيب الآثار الناتجة عن طبيعته (م24).

تقليص المدة الزمنية لحالة التدخل الاستعجالي للعامل أو الوالي بحيث اصبح ملزما بإخبار النيابة العامة خلال 24 ساعة الموالية بالشروع في العمليات عوض 3 أيام (م28).

2/على مستوى أعمال قاضي التحقيق:

مازال في القانون الجديد استمرار لامتياز مركز النيابة العامة تجاه قضاء التحقيق كما هو الشأن عليه في المسطرة الحالية, فالنيابة العامة هي التي تعين من يحقق في القضية (المادة 90), كما أنها يمكن أن تقدم ملتمسا للغرفة الجنحية بسحب القضائية من قاضي التحقيق وإحالتها على قاضي آخر (المادة91), كما أن قاضي التحقيق لا يجري التحقيق إلا بناء على ملتمس العامة (المادة 84) التي لها أن تطلب منه القيام بكل إجراء مفيد لإظهار الحقيقة (المادة 89).

كما أن قانون المسطرة الجديد يلقي مجموعة من الواجبات على عاتق قاضي التحقيق تجاه النيابة العامة, حيث عليه تبليغها بشكاية الطرف المدني (المادة 93) وإشعارها عند الانتقال إلى التفتيش ولها إمكانية مرافقته (المادة 99), وعليه أن يخبرها عند الانتقال خارج نفوذ المحكمة (المادة 100) كما أنه لا يصدر أمرا بإلقاء القبض إلا بعد استشارتها (المادة 154) وعدم مراعاة شكليات الأمر بإلقاء القبض تعرضه للعقوبات التأديبية (المادة 158) وجيب تبليغها بقرار إجراء الخبرة (المادة 196) كما يبلغها بإصداره أمرا بالاعتقال الاحتياطي (المادة 175) وكذا أمر بالإفراج المؤقت (المادة 178), تلعب كذلك النيابة العامة دورا فعالا فيما يخص بطلان إجراءات التحقيق (المادة 211) وكذا فيما يخص استئناف أوامر قاضي التحقيق (المادة 222), كما أنها تقدم ملتمسات بخصوص الأوامر القضائية بشأن انتهاء التحقيق (المادة 214 وما بعد).

علاوة على كل هذا تلعب النيابة العامة دورا طلائعيا على مستوى الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف (المادة 231 وما يليها), كما أنها تطلع بدور المراقبة المباشرة على مكاتب التحقيق التي يجب أن تواجه على رأس كل ثلاثة أشهر لائحة بجميع القضايا الرائجة إلى رئيس الغرفة الجنحية وإلى وكيل العام للملك (المادة 248) زيادة على التقرير السنوي المتعلق بسير أعمال التحقيق (المادة 250).

من خلال هذه المقتضيات يظهر بالملموس استمرار الامتيازات التي تملكها النيابة العامة اتجاه قاضي التحقيق بشكل يظهر فيه هذا الأخير, وكأنه تابع لها أو تحت وصايتها.

فالقانون الجديد لم يمس إطلاقا بهيكل هذه العلاقة لكن بالمقابل عزز بشكل أكبر سلطات النيابة العامة وبالأخص في نقطتين أساسيتين:

الأولى:

نلاحظ أن النيابة العامة تعامل كطرف في الدعوى على مستوى استنطاق المتهم, وهذا ما يفهم من المادة 134 التي نقلت الفص 119 من قانون المسطرة الجنائية الفرنسية, حيث نصت هذه المادة في فقرتها الأخيرة على ما يلي "يتعين على قاضي التحقيق أن يشعر النيابة العامة بالإجراء المتخذ داخل 24 ساعة يبلغه فورا إلى النيابة العامة"

الثانية: نلاحظ بكل ارتياح تبني القانون الجديد لنظام المراقبة القضائية كبديل من بدائل الاعتقال الاحتياطي, وهو يشكل أحد أهم المستنتجات التي تم نقلها عن القانون الفرنسي الذي أدخلها مسطرته الجنائية منذ سنة 1970 (قانون 17/07/1970 من الفصل 138 إلى 143 من ق.م.ج.ف.) وهذه المؤسسة الجديدة أعطت بطبيعة الحال أدوارا جديدة للنيابة العامة (المادة 159).

ويبقى هذا المستجد إجراءا استثنائيا أثبت نجاعته التجارب القانونية المقارنة من حيث الحد من تكدس المتهمين في غياهب السجون وتفعيل الدور الإنساني للعقوبة في الإصلاح والتهذيب, ويعول مستقبلا على ستسند إليهم هذه المهمة الإصلاحية من قضاة التحقيق أن يعطوها البعد الحقيقي التي توخاه المشرع.

3/على مستوى قضاء الحكم:

تضطلع النيابة العامة على هذا المستوى بدرها الرئيسي المنصوص عليه في (المادة 36) فهي تتولى ممارسة الدعوى العمومية ومراقبتها, وتطالب بتطبيق القانون, كما أنها تسهر على تنفيذ المقررات القضائية سواء الصادرة عن قاضي التحقيق أو قاضي الأحداث أو عن هيئات الحكم كما أن لها اختصاصات واسعة فيما يخص ممارسة مختلف طرق الطعن العادية منها وغير العادية بالإضافة إلى اختصاصها في مسك السجل العدلي ورد الاعتبار وتسليم المجرمين.

لكن علاوة على هذه الاختصاصات التقليدية نحى القانون منحى جديدا بإسناد سلطات جديدة ومن نوع خاص لمؤسسة النيابة العامة نوردها على الشكل الآتي:

أ/

تنص الفقرة السادسة من المادة 40, إذا تعلق الأمر بجرائم انتزاع الحيازة العقارية بعد التنفيذ بإمكان النيابة العامة اتخاذ أي إجراء تحفظي ترام ملائما لحماية الحيازة وإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه, كما تنص هذه المادة في حالة عدم وجود منازعة بإمكانية اتخاذ النيابة العامة لأمر برد الأشياء التي ضبطت أثناء البحث ما لم تكن لازمة لسير الدعوى أو خطيرة أو محل المصادرة.

ب/

في إطار تخفيف الضغط على المحاكم تسمح (المادة 41) باستعمال مسطرة السدد بين المشتكى به والمتضرر, وهذه المسطرة توقف الدعوى العمومية, حيث أنه إذا تم الصلح بين الأطراف حسم في القضية من طرف النيابة العامة بحيث يمكن أن تتخذ مقررا بتعويض الضحية أو أداء غرامة في حدود النصف أو إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه.

ومسطرة الصلح هذه تعتبر من الإيجابيات التي استوحاها القانون الجديد من القانون الفرنسي الذي أدخل ما يصطلح عليه بـ :La Médiation Pénale كإحدى البدائل الجديدة عن المتابعة بقانون 23 يونيو 1999 المقرر لفعالية المسطرة الجنائية.

ج/

دائما في إطار تخفيف الضغط على المحاكم إحداث القانون الجديد الأمر القضائي بشأن المخالفات (المادة 375 وما بعدها) حيث يجوز للنيابة العامة عندما تكون أمام مخالفة يعاقب عليها القانون بغرامة مالية فقط أن تقترح على المخالف بمقتضى سند قابل للتنفيذ أداء غرامة جزافية تبلغ نصف الحد الأقصى للغرامة, كما مد هذا القانون الجديد مسطرة الأمر القضائي إلى الجنح التي لا تتجاوز حدها الأقصى 5000 درهم (المادة 383).

وهذه المسطرة المستوحاة أيضا من القانون الفرنسي (23-06-1999) والمصطلح عليها

La Procédure de Compensation Pénale

أو

Procédure de Composition Pénale

La

تعتبر أيضا من البدائل الجديدة للمتابعة, ونقلها إلى القانون المغربي يبرز إسناد وظائف جديدة للنيابة العامة من قبيل وظائف الحكم ـ كما هو الحال في الحالة حرف (ب).

ويعطي القانون الجديد للنيابة العامة صلاحية تنفيذ المقرر الصادر بالإدانة (المادة 597) حيث تضطلع بأدوار هامة فيما يتعلق بتنفيذ عقوبة الإعدام (المواد 601 إلى 607) وبتنفيذ العقوبات المالية والإكراه البدني (المواد 633 إلى 645).

أما فيما يخص تنفيذ الاعتقال الاحتياطي والعقوبات السالبة للحرية (المادة 616) فقاضي تنفيذ العقوبات لا ينفرد أحوال السجناء مرة كل شهر ولكن النيابة العامة تشاركه أيضا في ذلك. منا تشارك في اللجنة الجهوية المشار إليها في المادتين 620 و 621.

4/

على مستوى وزارة العدل:

لم يمس القانون الجديد بالتصور العام لجهاز النيابة العامة كأداة تخضع للسلطة التسلسلية لوزير العدل, فالدور المزدوج لأعضاء النيابة العامة تجعل منهم قضاة ينتمون للسلك القضائي وفي نفس الوقت موظفين إداريين خاضعين لأوامر رؤسائهم حسب السلطة التسلسلية التي يعيد القانون الجديد صياغتها في كثير من فصوله.

فالنيابة العامة حسب المادة 40 لها أن تنفذ بشأن المحاضر والشكايات والوشايات ما تراه مناسبا, وفي هذا تطبيق لمبدأ ملائمة المتابعة, لكن المادة 38 تلزمها بأن تقدم ملتمسات كتابية طبقا للتعليمات التي تتلقاها ضمن الشروط المنصوص عليها في المادة 51 وهذه المادة بالضبط تسمح لوزير العدل وهو عضو في الجهاز التنفيذي أن يبلغ إلى الوكيل العام الملك ما يصل إلى عمله من مخالفات للقانون الجنائي وأن يأمر كتابة بمتابعة مرتكبيها أو يكلف من يقوم بذلك, وأن يرفع إلى المحكمة المختصة ما يراه الوزير ملائما من ملتمسات كتابية.

وفي هذا المقتضى يضع النيابة العامة في مفترق الطرق كما هو الشأن بالنسبة للقانون الفرنسي حيث وجهت انتقادات حادة بهذا الصدد للعدالة الفرنسية مشروع قانون تم إعداده سنة 3 يونيو 1998 ـ يمنع في فصوله إعطاء تعليمات فيما يخص القضايا الفردية, ويحدد دور الوزير في إعطاء توجيهات عامة متعلقة بالسياسة الجنائية التي على قضاة النيابة العامة اتباعها.

وعلى ذكر السياسة الجنائية فإننا نسجل ضمن حسنات القانون الجديد إدخاله لمفهوم السياسة الجنائية ضمن المقتضيات القانونية للمسطرة الجنائية, كما تنص المادة 51 على أن وزير العدل يشرف على تنفيذ السياسة الجنائية ويبلغها إلى الوكلاء العاملين للملك الذين يسهرون على تطبيقها.

ومن حسنات القانون الجديد أيضا النص على وجوب أن تكون التعليمات التي يعطيها وزير العدل للنيابة العامة ـ بحكم تبعيتها له ـ مكتوبة (المادة 51).

المبحث الثاني:

دورها في محاربة الجريمة وحماية المجتمع

حافظ القانون الجديد على الدور التقليدي للنيابة العامة مع تفويته بصلاحيات جديدة وخطيرة في آن واحد, نظرا لتنامي وتزايد ظاهرة الجريمة وتعقد أساليبها وامتداد أنشطة شبكاتها عبر حدود الدول واستغلالها لوسائل التكنولوجيا الحديثة.

ومما لا شك فيه أن للتقدم العلمي والتكنولوجي علاقة بالإجرام ومكافحته, كما أن مبدأ حرية وسائل الإثبات يسمح باستغلال التكنولوجيا الجديدة في القضاء الجنائي بشكل مفيد وفعال لإظهار الحقيقة ومساندة القناعة الوجدانية للقاضي.

وأما تحميل النيابة العامة عبئ الإثبات وحرصا على تفادي التأخير في إنجاز الأبحاث وكذا الحيلولة دون فرار المشتبه فيهم, فقد نص القانون الجديد على جملة من المقتضيات تخول للنيابة العامة (وقاضي التحقيق) وسائل جديدة للبحث عن أدلة جديدة للإثبات وضبط مرتكبيها كالآتي:

أ/سحب جواز السفر وإغلاق الحدود:

في إطار القانون الحالي لا يوجد هناك نص يعطي للنيابة العامة هذا الحق, من الناحية العملية أن بعض النيابات العامة تمارس عمليا هذا الإجراء وتستند على القواعد العامة من قانون المسطرة الجنائية, إلى أن ألحت وزارة العدل الكف عن اللجوء إلى هذين الإجراءين بواسطة مناشير وزارية: منشور رقم : 943 المؤرخ في 30/09/1982 ومنشور رقم: 897س/3 وتاريخ 27/08/1997, فهذه الإمكانية الجديدة المتاحة للنيابة العامة وكذا هيئة الحكم وهيئة التحقيق, بمقتضى المادة 182.

فالمادتين 41 و 49 تخول للنيابة العامة كلما اقتضت ضرورة البحث التمهيدي ذلك أن تسحب جواز سفر المشتبه فيه وتغلق الحدود في وجهه لمدة لا تتجاوز شهر واحد, ويمكن تمديد هذا الأجل إلى غاية انتهاء البحث التمهيدي إذا كان الشخص المعني بالأمر هو المتسبب في تأخير إتمامه وينتهي مفعول هذين الإجراءين في كل الأحوال بإحالة القضية على المحكمة أو التحقيق أو باتخاذ قرار لحفظ القضية وبوضع حد لإغلاق الحدود وبرد جواز السفر إلى المعني بالأمر بمجرد انتهاء مفعول الإجراءين.

وأشارت ديباجة القانون الجديد إلى أن هذا الإجراء يتيح للأجهزة المكلفة بمكافحة الجريمة فرصة كافية للتثبت من الجرائم وجمع الأدلة, ويعتبر بالنسبة للمشتبه فيه إجراء ناجعا في عدة أحوال إذ يمكنه من وقت أوسع للبحث عن وسائل للدفاع عن نفسه, ويعد في نفس الوقت إجراءا كفيلا بضمان حضور المتهم من غير اللجوء إلى وضعه تحت الحراسة النظرية.

ب/التقاط المكالمات والاتصالات المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد وتسجيلها وحجزها:

مما لا جدال فيه أن نظام الإثبات يهدف إلى تحقيق محاكمة عادلة, مما يدفع إلى ضرورة ترجيح هذه الضمانة على المساس بالحقوق والحريات من جراء استعمال التكنولوجيا الحديثة كوسيلة من وسائل الإثبات, مع ما يترتب على قبول هذه الوسائل من إمكانية احترام شروط المحاكمة العادلة.

ومن الناحية التاريخية يمكن أن نلاحظ أن القضاء الجنائي عرف اعتمادا غير مباشر لتلك الوسائل من خلال الخبرة التي يأمر بها سواء كانت منصبة على الإنسان في إطار الطب الجسدي أو العقلي أو جارية على الأشياء مثل الأسلحة والذخيرة وغيرهما.

كما يلاحظ أن قانون المسطرة الجنائية الحالي يعتمد بدوره تلك الوسائل من خلال المقتضيات العامة التي تسمح للشرطة القضائية, تحت إشراف النيابة العامة, ولقاضي التحقيق باتخاذ كل الإجراءات الضرورية في نطاق البحث والتحقيق.

والجدير بالإشارة إلى أننا نعرف حالة أو نازلة معينة اعتمد فيها القضاء الجنائي المغربي ـ وسائل تكنولوجيا الاتصال, بما فيها التصنت على المكالمات الهاتفية والتقاط الرسائل الموجهة بطرق الاتصال عن بعد ـ في الإثبات.

ومعلوم أن القضاء المغربي يرفض التسجيل الصوتي والمصور, وكان يخضعه لمناقشة جميع الخصوم, وأن هذا الموقف يؤكد عدم الاقتناع بسلامة الوسائل المعنية من مخاطر الاعتداء على حقوق أخرى, بالإضافة إلى ما درجت عليه الدساتير المغربية من الإشارة إلى حماية واحترام هذه الحقوق.

بالنسبة للاستماع إلى المكالمات الهاتفية والاطلاع على المراسلات, يفاجئنا القانون الجديد بإباحة نصيه صريحة لهذين الإجرائين, عملا بالإمكانية التي يسمح بها الدستور بخصوص تقييد الحريات والحقوق بواسطة القانون.

بالرجوع إلى المواد 108 إلى 116 من قانون المسطرة الجنائية الجديد نجده خول لقاضي التحقيق هذه الإمكانية ـ كلما اقتضتها ضرورة التحقيق ـ كما أعطى هذه الإمكانية أيضا للوكيل العام للملك إذا اقتضت ضرورة البحث ذلك, أن يلتمس من الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف الإذن له كتابة بالتقاط المكالمات وكافة الاتصالات المرسلة بواسطة وسائل الاتصال المختلفة وتسجيلها ويتم ذلك تحت سلطته ومراقبته.

ونظرا لخطورة الإجراء, فإن القانون اعتبره إجراءا استثنائيا ووضعه بيد قاضي التحقيق متى كانت القضية معروضة عليه, واستثناءا وإذا اقتضت ذلك ضرورة البحث في قضية غير معروضة على التحقيق يمكن للوكيل العام للملك أن يحصل على الإذن من الرئيس الأول للقيام بهذا الإجراء في بعض الجرائم شديدة الخطورة على أمن المواطن وسلامة الوطن, وفي حالة الاستعجال القصوى يمكن للوكيل العام للملك بكيفية استثنائية إذا كانت ضرورة البحث تقتضي التعجيل خوفا من اندثار وسائل الإثبات, أن يبادر إلى القيام بذلك الإجراء وإشعار الرئيس الأول على الفور, والذي عليه أن يقرر بشأن قرار الوكيل العام للملك خلال أربع وعشرين ساعة, وقد حدد القانون مدة شكليات هذا الإجراء بكل دقة وأحاطه بقيود صارمة تكفل حماية حرمة الأشخاص وعدم استغلال هذه الإمكانية خلافا للقانون, وفرض عقوبات على مخالفاتها.

وفي هذا الإطار لا يتطلب التطبيق السليم لهذه الإمكانية إلا الممارسة النزيهة أي التي لا تنطوي على "تدليس" لأن المتبعة تقارن بمبارزة شريفة من جانب السلطة القضائي, تأخذ بالاعتبار حق استماتة المتقاضي في الدفاع عن نفسه.

وعلى صعيد القانون المقارن نجد قانون المسطرة الجنائية الفرنسية لسنة 1959 يشتمل على ذات الصلاحيات, ورغم صدوره في وقت كانت فيه فرنسا لا تزال متأثرة بنتائج الحرب العالمية الثانية, فإن قضاءها وفقهها كانا يناقشان ويرفضان بقوة تبني بعض هذه الوسائل وخاصة منها التصنت على المكالمات الهاتفية, واستمر الحال على ذلك إلى نهاية الثمانينات حيث أقرت المحاكم بما فيها محكمة النقض جواز هذه الوسائل في الإثبات لكن المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان سارعت إلى معارضتها بعلة أن تلك الأحكام والقرارات غير مؤسسة على مقتضيات واضحة ودقيقة لضمان حقوق الدفاع وشروط المحاكمة العادلة.

فتدخل المشرع الفرنسي سنة 1991 لتنظيم التصنت على المكالمات الهاتفية سواء في إطار العمل القضائي أو في نطاق العمل الإداري والأمني.

ج/إصدار أوامر دولية بإلقاء القبض:

في إطار القانون الحالي يملك إصدار هذا الأمر قاضي التحقيق دون غيره, مما شكل صعوبة واقعية على النيابة العامة في تعقب المجرمين خارج التراب الوطني, وبالتالي القيام بالدور المنوط بعها في محاربة الجريمة.

فمنح قانون المسطرة الجنائية الجديد في مادته 40 و 49 لوكيل الملك والوكيل العام للملك الصلاحية لإصدار أوامر دولية بإلقاء القبض لتطبيق مسطرة تسليم المجرمين.

ولقد كانت هذه النقطة كما سبق الإشارة إليه تشكل عائقا أمام النيابة العامة يحول دون أدائها لدورها كاملا في محاربة الجريمة وتعقب المجرمين إذا غادروا التراب الوطني.

وفي القضايا الجنحية التي لا يمكن عرضها على قاضي التحقيق لإصدار مثل هذا الأمر فإن الجناة والمشتبه فيهم يظلون بمنأى عن يد العدالة بسبب عدم إمكانية نشر الأوامر بإلقاء القبض التي تصدرها النيابة العامة في حقهم على الصعيد الدولي, نظرا لعدم وجود نص صريح يمنحها حق إصدار هذه الأوامر.

المبحث الثالث: الآليات الجديدة

التي خولها القانون الجديد للنيابة العامة

1/

إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه:

من المعلوم أنه يسوغ للمحكمة الجنحية وهي تبت في جنحة انتزاع الحيازة العقارية من يد الغير أن تأمر ربد الأمور إلى نصابها قبل وقوع الاعتداء, وهي بهذا تتخذ تدابير تحمي الحيازة, وتضع حدا للحالة المترتبة عن الجريمة ـ هذا ما ذهب إليه المجلس الأعلى في قراره رقم 1760 بتاريخ 09/12/1982.

يظهر أن المشرع في قانون المسطرة الجنائية الجديد تبنى هذا التوجه, وأجاز للنيابة العامة هذا الحق (في المادتين 40 و 49) متى قامت دلائل كافية على جدية الاتهام في جرائم الاعتداء على الحيازة وإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه, على أن يعرض هذا الأمر على المحكمة أو هيئة التحقيق التي رفعت إليها القضية أو التي سترفع إليها خلال ثلاثة أيام على الأكثر لتأييده أو تعديله أو إلغائه.

يلاحظ أن المشرع في إطار المادتين أعلاه أعطى للنيابة العامة هذه الصلاحية لكون هذه الجريمة تشكل اعتداءا على المصلحة العامة للمجتمع, وأن ما يترتب على الاعتداء على الحيازة من استعمال القوة واستخدام للعنف ما يهدد السلم الاجتماعي والأمن العام, والجدير بالإشارة أن الأمر لا يتعلق هنا إلا بالحيازة, أما ملكية العقار, فلا يختص القضاء الجنحي بالنظر فيه.

جاء في ديباجة القانون الجديد فقرة تتعلق بهذا الموضوع "وهي سلطة تمكن النيابة العامة من إرجاع الحيازة إلى الأشخاص الذين كانت لديهم بمقتضى حكم قضائي ثم انتزعت منهم بفعل اعتداء جرمي يتم بعد تنفيذ الحكم باسترداد الحيازة, وهو إجراء سيكون من شأنه تلافي استمرار أثر الجريمة قائما صدور حكم قد تطول إجراءاته ويقع هذا الإجراء تحت مراقبة القضاء الذي له أن يقره أو يلغيه أو يعدله".

انطلاقا من هذه الديباجة نستخلص أن القانون الجديد أتى بعناصر جديدة تخص هذا الباب:

أولا:

لابد أن تنتزع الحيازة بعد تنفيذ حكم: وسواء كان هذا الحكم مدنيا أو عقاريا أو جنحيا, وأن ينفذ وفق إجراءات التنفيذ المعمول بها قانونا.

ثانيا: صدور أمر تحفظي من قبل النيابة العامة, فما طبيعة هذا الأمر؟ وإلى أن تتضح معالم هذا الأمر بالممارسة العملية وصدور المطبوع المعد لذلك من قبل وزارة العدل, يمكن القول بأن وكيل الملك يصدر أمرا بإغلاق المحل أو تسليمه للحائز (المكتري مثلا) أو تسليم العقار للمتصرف فيه (أي واضع اليد أو المنفذ له) وعلى وكيل الملك أن يعتمد في هذا الأمر على مجموعة من الوثائق أهمها محضر التنفيذ.

وهنا يجب إثارة ملاحظتين:

أ/أن العقارات التي لم يصدر بشأنها حكم قضائي ويملك أصحابها رسوما عقارية أو ملكية ويقع الاعتداء عليها وتنتزع حيازتها لا يجوز لوكيل الملك أن يباشر هذه الصلاحية, فالعقارات المحمية هي التي كانت محل منازعة قضائية وصدر بشأنها حكم وتم تنفيذه.

ب/ إن المشرع لم يهتم بحقوق الأطراف في الدفاع, وذلك عندما تعرض النيابة العامة أمرها بإرجاع الحالة على قضاء التحقيق أو الحكم, ولذلك بإغفاله ضرورة استدعائهم.

2/

رد الأشياء المحجوز:

عرق المشرع المغربي الرد في الفصل 106 من القانون الجنائي بأنه "إعادة الأشياء أو المبالغ أو الأمتعة المنقولة الموضوعة تحت يد العدالة إلى أصحاب الحق فيها".

من المعلوم أن النيابة العامة أن تباشر بنفسها أو تأمر بمباشرة الإجراءات اللازمة للبحث عن مرتكبي المخالفات للقانون الجنائي ومتابعتهم كما يرجع لها النظر في رد الأشياء التي يتم حجزها من طرف الضابطة القضائية في إطار مسطرة التلبس أو البحث التمهيدي, وهذا ما نصت عليه المادتين 40 و 49 من قانون المسطرة الجنائية الجديد.

وفي هذا الإطار ينبغي التذكير بأن المادة 23 القانون الجديد أبقت على الفصل 23 من قانون المسطرة الجنائية الحالي, وذلك بنصها أن ضباط الشرطة القضائية يضعون الأشياء المحجوزة رهن إشارة وكيل الملك أو الوكيل العام للملك.

وصاغت ديباجة القانون الجديد هذا المقتضى كالآتي: "وهو إجراء يمكن ذوي الحقوق من أن يتسلموا أو خيانة الأمانة, وتجنب حرمانهم منها أو تلفها أو تضررها بمستودعات المحاكم في انتظار صدور حكم نهائي. وذلك ما لم تكن محل نزاع أو لازمة لسير الدعوى أو خطيرة أو قابلة للمصادرة".

فيستخلص من هذه الديباجة وكذا من المادتين 40 و 49 ما يلي:

1-

إن القانون الجديد اقتصر على مجرد (المنازعة), لكي لا تأمر النيابة العامة بالرد, وهو تعبير عام قد يجعل من كل منازعة ذريعة لعدم الرد, مع أن المقصود هو المنازعة الجدية حتى تتحقق الغاية التي أرادها المشرع.

2- استعمل عبارة أو لازمة لسير الدعوى وهي عبارة عامة جدا قد يؤدي التوسغ في تفسيرها إلى هضم بعض الحقوق.

3- إن المشرع أغفل مرة أخرى استدعاء الأطراف أو المعنيين بأمر تلك الأشياء والذين أحاطهم المشرع بضمانات المواجهة والحضورية عند حجز تلك الأشياء من طرف الضابطة القضائية, فكيف لا يتم إشعارهم إذا تعلق الأمر بإجراء تقوم به النيابة العامة؟

4- أما الفترة الزمنية التي يمكن خلالها للنيابة العامة أن تمارس حق الأمر برد الأشياء, فأرى بأن بداية هذا الاختصاص هو انطلاق البحث التمهيدي, ونهايته هو إحالة القضية على قضاء التحقيق أو قضاء الحكم.

كما يبقى الاختصاص للنيابة العامة كلما قررت حفظ الشكاية لسبب من الأسباب, وفي حالة المنازعة يرى الفقه والقضاء إمكانية عرض النزاع على المحكمة المدنية التي يقاضي الطرف المعني النيابة العامة أمامها.

3/

مسطرة السدد (الصلح):

خلال العقود الأخيرة لجأت عدة تشريعات جنائية إلى إقرار آليات بديلة لأنظمتها القضائية التقليدية من أجل حل المنازعات من بينها نظام الوساطة ونظام التحكيم ونظام الصلح.

ـ ففي مصر تقوم الشرطة القضائية بإجراء الصلح في المخالفات (كما هو الحال عندنا في المغرب الغرامات الصلحية التي تقوم بها شرطة المرور) وتتم مسطرة الصلح بمسعى من النيابة العامة في جميع الجنح المعاقب عليها بغرامات مالية وفي بعض الجنح الأخرى المحددة على سبيل الحصر.

ـ وفي بلجيكا يقوم وكيل الملك بالوساطة بين المتهم والضحية متى كانت الأفعال الجرمية لا يعاقب عليها بأكثر من سنتين حبسا أو بعقوبة أشد.

ـ ويعرف القانون الفرنسي نظام الوساطة إذ يقترح وكيل الجمهورية على الأطراف اللجوء إليها بواسطة شخص مؤهل لذلك (الفصل 41 مكرر من قانون المسطرة الجنائية الفرنسي).

ـ وتعرف عدة أنظمة قضائية مساطير متشابهة من بينها القانون الإيطالي والأمريكي.

وعلى غرار التشريعات الحديثة فإن قانون المسطرة الجنائية المغربي الجديد أحدث آلية للعدالة التصالحية تتمثل في مسطرة الصلح, ومسطرة إيقاف سير الدعوى, ومسطرة السند التنفيذي للنيابة العامة في المخالفات.

مسطرة الصلح في الجنح الضبطية:

وتتم هذه المسطرة المحددة في المادة 41 من القانون الجديد 01/22 على الشكل وف الشروط الآتية:

ـ أن يتعلق الأمر بجنحة يعاقب عليها القانون بسنتين حبسا أو أقل أو بغرامة لا يتجاوز حدها الأقصى 5000 درهم.

أن تكون الدعوى العمومية لم تقم لعد (1).

ـ فيمكن للمتضرر أو المشتكى به في الحالة أن يتصالحا بينهما ويطلبا من وكيل الملك تضمين الصلح الحاصل بينهما.

* فإذا وافق وكيل الملك, تتم الإجراءات كالآتي:

ـ يجري الصلح بحضور الطرفين ودفاعهما, ما لم يتنازل أو يتنازل أحدهم عن ذلك.

ـ يحرر وكيل الملك محضرا يتضمن ما اتفق عليه الطرفان.

ـ يشعر وكيل الملك الطرفين أو دفاعهما بتاريخ انعقاد جلسة غرفة المشورة.

ـ يوقع وكيل الملك والطرفان المحضر.

ـ يحال المحضر على رئيس المحكمة أو من ينوب عنه.

ـ يصادق رئيس المحكمة بغرفة المشورة على محضر الصلح بحضور الأطراف بأمر قضائي يشعر به وكيل الملك.

ـ يتضمن الأمر القضائي ما اتفق عليه الطرفان وعند الاقتضاء ما يلي:

أ/ أداء غرامة لا تتجاوز نصف الحد الأقصى للغرامة المقررة قانونا.

ب/ تحديد أجل لتنفيذ الصلح.

وهذا الأمر القضائي الصادر عن رئيس المحكمة لا يقبل الطعن.

*

يمكن لوكيل الملك أن يقترح على المشتكي به سلوك مسطرة الصلح في حالة عدم حضور المتضرر إذا وجد بالملف تنازل هذا الأخير, أو في حالة عدم وجود مشتك.

ويتم الصلح مقابل أداء نصف الحد الأقصى للغرامة المقررة للجريمة أو إصلاح الضرر الناتج عن أفعاله, وفي حالة موافقة المشتكي به تتم المسطرة على الشكل المشار إليه أعلاه.

توقف مسطرة الصلح وأمر رئيس المحكمة إقامة الدعوى العمومية.

* يمكن تحريك الدعوى العمومية في الأحوال الآتية ما لم تكن قد تقادمت:

أ/ إذا لمك يصادق رئيس المحكمة على الصلح الحاصل بين الطرفين.

ب/ إذا لم يتم تنفيذ الالتزامات التي صادق عليها رئيس المحكمة داخل الأجل المحدد.

ج/ إذا ظهرت عناصر جديدة تمس الدعوى العمومية.

بمجرد صدور الأمر القضائي يشعر رئيس المحكمة وكيل الملك به.

ولمسطرة الصلح مزايا عديدة عن مسطرة التقاضي العادي التي تتسم بالبطء وهدر الطاقات والجهود البشرية والمصاريف, فنجد أن كلا من المشتكي به والضحية وكذا المجتمع له مكاسب من تطبيق هذه المسطرة.

فالمشتكي يستفيد:

ـ إعفاؤه من المتابعة.

ـ إعفاؤه من متاعب المحاكمة.

ـ إعفاؤه من احتمال صدور حكم يدينه وقد يسجل بسجله العدلي.

ـ إعفاؤه من نفقات ومصاريف مرتبطة بالدعوى العمومية والدعوى المدنية التابعة واستعمال الطعون.

والضحية يستفيد:

ـ الاستفادة من سرعة الإجراءات ومرونتها.

ـ إرضاء وإعادة الاعتبار إليه.

ـ وضع حد لآثار الجريمة باسترجاع الحيازة وإصلاح الضرر وتمكينه من التعويض.

والمجتمع يستفيد:

ـ إزالة الأحقاد بين أفراد المجتمع ويسود الود والوئام.

ـ التقليص من الملفات المعروضة على المحاكم الجنحية وهو ما يوفر الوقت للبث في الملفات المهمة والمعتقدة.

ـ الحد من الاعتقال الاحتياطي والتخفيف من اكتظاظ السجون.

4-

إيقاف سير الدعوى:

أحدث القانون رقم 01/22 آلية جديدة بمقتضى المادة 372, تحمل بعدا اجتماعيا كبيرا, وتعتبر التفاتة إنسانية بالغة الدلالة من المجتمع نحو أفراده تتيح توقيف المتبعات الجنائية الجارية في حق الأشخاص بسبب جنحة من الجنح التي لا تتجاوز عقوبتها سنتين حبسا نافذة أو غرامة تقل عن خمسة آلاف درهم, وذلك بسبب تصالح المتهم مع المتضرر.

ومن أهداف هذا المقتضى ما جاء في ديباجة القانون الجديد بخصوص هذه الفقرة ما يلي: "أن بعض النزاعات التي تقع بين الأفراد وترفع إلى المحاكم, يكون من شأنه استمرار عرضها على القضاء للتأثير على الروابط والعلاقات الإنسانية القائمة بين كرفي النزاع خاصة حين لا يكون لا ضرر اجتماعي ذا أهمية بالغة.

ورغبة في الحفاظ على هذه الروابط التي يؤدي الحكم فيها إلى أضرار لا تتحقق معها المصلحة العامة, فقد أحدث هذا القانون آلية جديدة نصت عليها المادة 372 يمكن بمقتضاها للمحكمة في بعض الجرائم, إذا تنازل الطرف المتضرر أثناء سريان الدعوى, أن تأمر بإيقاف سير إجراءات الدعوى العمومية وذلك بناء على ملتمس تقدمه النيابة العامة مع إمكانية مواصلة النظر في الدعوى بطلب من النيابة العامة كلما طرأت عناصر جديدة تمس الدعوى العمومية ما لم تكن قد انقضت بأحد أسباب السقوط كالتقادم وغيره. وتتوخى هذه الإمكانية الحفاظ على الروابط الاجتماعية وإذكاء فضائل التعايش والتسامح".

5-

السند التنفيذي للنيابة العامة في المخالفات: (المواد 375 إلى 382)

إذا تعقل الأمر بمخالفة يعاقب عليها القانون بعقوبة مالية فقط ويكون ارتكابها مثبتا بمحضر أو تقرير, ولا يظهر فيها متضرر أو ضحية, يمكن للنيابة العامة أن تقترح على مرتكبها أداء غرامة جزافية تبلغ نصف الحد الأقصى للغرامة المنصوص عليها قانونا.

ولهذا السند التنفيذي شكليات يجب أن يحملها:

ـ تاريخ صدوره.

ـ إمضاء قاضي النيابة العامة.

ـ الاسم الشخصي والعائلي والمهنة ومحل السكنى وإن أمكن رقم البطاقة الوطنية.

ـ بيان المخالفة ومحل وتاريخ ارتكابها ووسائل إثباتها.

ـ النصوص المطبقة في القضية.

ـ بيان مبلغ الغرامة مع الإشارة إلى أدائها بصندوق كتابة الضبط بأية محكمة ابتدائية.

في حالة قبول المخالف بالاقتراح ـ بعد تبليغه له ـ حسب الطريقة المنصوص عليها في المادة 377 ـ يصبح الاقتراح سندا قابلا للتنفيذ في حالة التعبير عن عدم قبول الاقتراح, يحيل وكيل الملك الملف على القاضي للبث فيه وفقا للقواعد العامة, وفي حالة الإدانة لا يقل مبلغ الغرامة عن ثلثي ما هو مقرر قانونا للفعل.

ويوفر هذا الإجراء بعض الحوافز:

ـ يقدم الاقتراح للمخالف تخفيضا من قسط الغرامة المقررة في القانون.

ـ إمكانية الأداء بصندوق أية محكمة بالمملكة بدل ما هو عليه الحال بالأداء بصندوق المحكمة مصدرة الحكم.

ـ المحافظة على الحق الذي كفله القانون في رفض الاقتراح وعرض النزاع على القضاء المختص وفقا للقواعد العادية.

وأشارت ديباجة هذا القانون في الفقرة الثانية من هذا المقتضى "وقد استهدف القانون تقليص وقت البت في هذا النوع من القضايا واختزال المجهودات البشرية والمادية التي تنفق لإنجازه, ومنح للنيابة العامة حق اقتراح أداء غرامة جزافية لا تتجاوز نصف الحد الأقصى المقرر للمخالفة وفي حالة عدم موافقته تعرض القضية على القضاء للبت فيها للمسطرة الحضورية العادية..."

فهذه الآليات الجديدة تخرج النيابة العامة عن دورها المألوف في متبعة الجناة, وتتقمص دورا جديدا ذي خلفية اجتماعية وبعد إنساني يرمي إلى إصلاح ذات البين أو جبر خاطر الضحية أو التخفيف وطأة الفعل الجرمي عليه.

ولنجاح النيابة العامة في دورها الجديد يتحتم على الإدارة المركزية توفير بعض الوسائل والمتطلبات كالآتي:

ـ الزيادة في عدد قضاة النيابة العامة.

ـ تكون قضاة النيابة العامة تكوينا ملائما لهذه المهمة الجديدة.

ـ تفرغ فئة من قضاة النيابة العامة للقيام بهذه المهام الجديدة,

ـ عزل الأماكن التي تجري فيها مسطرة الصلح عن الأماكن التي يستقبل فيها المعتقلون, حتى لا يربط الصلح بأي نوع من الإكراه المعنوي.

ـ الزيادة في عدد موظفي النيابة العامة وتأهيلهم للتفرغ للمهام الجديدة.

أكادير : 28 ربيع الأول 1423

الموافق: 30 ماي 2003.

الهوامش

(1) نلاحظ أن القانون استعمل لفظ إقامة الدعوى بدلا من لفظ تحريك الدعوى العمومية.

مجلة المرافعة

0 التعليقات:

Post a Comment