الفصل 361 من ق.م.م. ومصطلح التحفيظ

ذ. عبد القادر الرافعي

تمهيــد:
نص الفصل 361 من ق.م.م الصادر 28/09/1974 ضمن القسم السابع المعنون بالمجلس الاعلى على ما يلي: "لايوقف الطعن امام المجلس الاعلى التنفيذ الا في الاحوال الاتية :
1-في الاحوال الشخصية.
2- في الزور الفرعي.
3-التحفيظ العقاري.

وقد عرف هذا الفصل اختلافا كبيرا بين الفقه وخاصة الاداري منه من جهة والاجتهاد القضائي من جهة اخرى فيما يخص مفهوم مصطلح التحفيظ.
ولنحيط بهذا الاختلاف يظهر انه يتعين الرجوع الى الاصل ا لتاريخي للنص في محطتين اثنتين تهم الاولى وضع ما قبل تاريخ احداث المجلس الاعلى والثانية تهم وضع ما بعد انشاء المجلس الاعلى في محور اول تم الحديث عن مقتضيات الفصل المذكور وتفسيرات الادارة لهذا الفصل في محور ثان ثم نستعرض موقف القضاء من تفسير هذا الفصل في محور ثالث وللموقف الاداري الحالي في محور رابع لنختم براينا بخصوص الاشكال المطروح في محور اخير .

أولا: الأصل التاريخي للنص:
ويتضمن نقطتان : الاولى تخصصها لوضع ما قبل سنة 1957 والثانية لما بعد ذلك.
1- عدم جواز ممارسة النقض بخصوص مسطرة التحفيظ:
كان الفصل 47 من ظهير 12/08/1913 ينص على ما يلي "ان القرارت الصادرة في مادة التحفيظ لا تقبل الطعن بالنقض الا من طرف الوكيل العام
ولفائدة القانون فقط".
كما نص الفصل 96 من نفس الظهير على عدم جواز الطعن بالنقض ضد القرار الاستئنافي الصادر بخصوص رفض التحفيظ او التسجيل او التشطيب، الى ان تدخل المشرع بمقتضى ظهير 04/08/1944 واعتبر هذا لقرار قابلا للطعن بالنقض من طرف الوكيل العام ولفائدة القانون فقط.

وفي ظل هذا الوضع التشريعي صدر منشور عن المحافظة العامة عدد 152بتاريخ 20/05/1953 تم بمقتضاه الزام المحافظين بتسجيل تقيد احتياطي في الرسوم العقارية بخصوص طلبات النقض التي تهم العقارات المحفظة عندما يطلب منهم ذلك وبمقتضى عريضة النقض، وجاء في تعليل هذا المقتضى : بان هذا الطعن باعتباره طعنا غير عادي فليس له اثر موقف للتنفيذ وقد تنشا صعوبات اذا صدر قرار من محكمة النقض وتم تفويت العقار للغير حسن النية.

2- تعديلات سنتي 1957 و 1958
بتاريخ27/09/1957 صدر ظهير انشاء المجلس الاعلى كمحكمة للنقض للقضاء على اخر معقل من معاقل الحماية الاجنبية: وقد تضمن الفصل 15 من هذا القانون ما يلي:"ان الطعون امام المجلس الاعلى لا يكون لها اي اثر موقف الا في الحالات الاتية:
1- في مادة الاحوال الشخصية.
2- في الزور الفرعي.
3- في مادة التحفيظ.
4- في المادة الجنائية.

وانسجاما مع هذا القانون صدر ظهير مؤرخ ب 26/05/1958 تم بموجبه تعديل كل من الفصلي 47 و 96 من ظهير التحفيظ العقاري والذين اصبحا ينصان على ما يلي:
الفصل 47 : "ان الاحكام الصادرة في موضوع التحفيظ تقبل الطعن فيها عن طريق النقض المنصوص عليه بالظهير المؤرخ 27/09/1957 المتعلق بالمجلس الاعلى وتبلغ الاحكام بنصها الكامل الى جميع الاطراف في عناوينهم الحقيقية او المختارة مع التنبيه على ان بامكانهم الطعن فيها في اجل شهرين ابتداءا من يوم التبيليغ.

كما جاء في الفصل 96 ما يلي: الفقرة الثانية:
"…. والاحكام الاستئنافية يمكن الطعن فيها عن طريق النقض وتبلغ للاطراف حسب نفس الشروط والشكل المقررة بالفصل 47 المشار اليه اعلاه…."
وتفسيرا لهذه المقتضيات صدر منشور عن المحافظة العامة عدد 216 وتاريخ20/06/1958 الزم ارفاق القرار الاستئنافي المتعلق بالتحفيظ بشهادة من كتابة الضبط تثبت عدم النقض.
وعليه فانه في ظل الوضع التشريعي لسنة1957 كانت قضايا التحفيظ المنصوص عليها في الفصل 15 من ظهير انشاء المجلس الاعلى محددة في قضايا التعرض على مطالب التحفيظ فقط .

ثانيا: الوضع التشريعي لسنة 1974 :
بتاريخ 28/09/1974 صدر قانون المسطرة المدنية، وبمقتضى هذا القانون تم الغاء الفصل 15 من ظهير 27/09/1957 وتم تعويضه بالفصل 361 من ق. م. م وقد تضمن نفس المقتضيات السابقة وقد اشير الى نصه سابقا.
وبعد تطبيق هذا النص تم اعتبار الدعاوى المتعلقة بالتحفيظ هي التي ينطبق عليها الفصل 361 من ق. م. م واصبح المحافظون يطلبون ارفاق القرار المتعلق بالتحفيظ بشهادة بعدم النقض، لامكانية تنفيذ هذا القرار.
اما بخصوص العقارات المحفظة أي دعاوي التسجيل والتشطيب فقد تم استصدار منشور تحت عدد278 وبتاريخ 27/05/1980 من المحافظة العامة يتضمن اعطاء التعليمات للمحافظين باعتبار عريضة النقض بخصوص عقار محفظ وثيقة صالحة لاقامة تقييد احتياطي وذلك لمعالجة المشاكل التي قد تنشا عن نقض القرار الاستئنافي من طرف المجلس الاعلى.

وعليه فان هذا المنشور الاخير اعطى مفهوما ضيقا للفصل 361 من ق. م. م واعتبر ان الطعن بالنقض بخصوص قرار استئنافي صدر بخصوص عقار محفظ لا يوقف تنفيذ هذا القرار، ومن تم اعتبر المنشور عريضة النقض بخصوص هذا القرار قابلة لتكون موضوع تقييد احتياطي تفاديا لصدور قرار عن مجلس الاعلى بنقض القرار الاستئنافي الذي تم بمقتضاه التسجيل.
ورغبة من ادارة المحافظة العقارية في توحيد المقتضيات التي تحكم اثر الطعن بالنقض بخصوص العقارات المحفظة وقضايا التحفيظ العقاري، فقد استفتت وزارة الفلاحة وزير العدل الذي افاد بمقتضى كتابه عدد 1748 وتاريخ 09/06/80 بانه ماعدا في حالة تدخل القضاء المختص بتفسير النص المذكور (الفصل 361 من ق. م. م) فان وزارة العدل ترى بان الطعن بالنقض ذي الاثر الموقف للتنفيذ بخصوص التحفيظ يجب ان يفسر تفسيرا واسعا يشمل كذلك العقارات المحفظة" .

واعتمادا على هذه الفتوى اصدرت المحافظة العامة منشورا تحت عدد 280 وبتاريخ 16/03/81 اكدت فيه هذا التفسير الموسع وطلبت من المحافظين بخصوص القضايا التي تهم عقارات محفظة اسوة بدعاوي لتحفيظ تطلب شهادة بعدم النقض ملغية بذلك المنشور عدد 278 ش وبتاريخ 27/05/80 .

ثالثا: موقف الاجتهاد القضائي:
بتاريخ 02/06/1988 اصدر المجلس الاعلى قراره عدد 125 الصادر عن الغرفة الادارية فسر فيه الفصل 361 من ق. م. م تفسيرا مخالفا للفقه الاداري المشار اليه اعلاه، واعتبر ان دعاوى التحفيظ مقصورة فقط على الدعاوى التي تهم مسطرة التحفيظ، اما ما يتعلق بالعقارات المحفظة فانها لا تدخل ضمن هذه المقتضيات وقد تم نشر هذا القرار بمجلة القضاء والقانون عدد 139 صحيفة 113.

وبتاريخ 19/05/1989 اصدر المحافظ العام منشورا تحت عدد 314 افاد ان التفسير الموسع لمقتضيات الفصل 361 من ق. م. م لكلمة التحفيظ الواردة به كان مشروطا بتدخل القضاء المختص بتفسير هذا النص، وان القضاء تدخل لتفسير الفصل المذكور في اشارة الى القرار المذكور اعلاه، تم بمقتضاه الرجوع الى الوضع السابق أي اعتبار القرار الاستئنافي بخصوص العقارات المحفظة قابلا للتنفيذ رغم الطعن بالنقض الموجه ضده، وان الفصل 361 من ق. م. م لا ينسحب الا على مسطرة التحفيظ.


رابعا: موقف الفقه الاداري الحالي:
وبتاريخ20/01/1995 وخلافا للعادة المتبعة سابقا اصدر المحافظ العام دورية للمحافظين تحت عدد 324 سلم فيها بقصور المفهوم الضيق لعبارة التحفيظ العقاري الوارد النص عليها في الفصل 361 من ق. م. م واعتمادا على الصعوبات العملية الناتجة عن هذا المفهوم الضيق، وجه المحافظين الى ضرورة تطلب شهادة بعدم النقض بخصوص جميع الاحكام والعقارات سواء تعلق الامر بمرحلة التحفيظ او بمرحلة ما بعده.

وقد شايع بعض الفقه هذا الموقف فقد نشرت مجلة التحفيظ العقاري (عدد 5 صحيفة 17) بحثا للاستاذ الخيري محمد بخصوص هذه المسالة اعتمد فيه على وحدة قانون التحفيظ العقاري وعدم قابليته للتجزئة وعلى مفهوم قوة الشيء المقضي به لمناصرة المفهوم الموسع لمصطلح التحفيظ العقاري الوارد النص عليه في الفصل 361 من ق. م. م كما نشرت جريدة العلم على حلقات بحثا للاستاذ بلحاج السلمي اعتمد فيه نفس الاسباب السابقة مع تعمق لمناصرة نفس المفهوم.

خامسا: راينا بخصوص هذا الاشكال :
يظهر انه من خلال قراءة الفصل 361 من ق. م. م اعتمادا على المرجعية التاريخية للنص وطبيعته ضمن محيطه ان مصطلح التحفيظ الوارد النص عليه في هذا الفصل لا يستحمل الا المساطر التي تهم مرحلة ما قبل التحفيظ ولا يمكن ان ينسحب على العقارات المحفظة، نظرا للاسباب الاتية:
1-ان كلمة تحفيظ هي مصطلح قانوني ابتدعه المشرعون اقتباسا من عقد طورانس الاسترالي فهو مصطلح بخصوص النظام العقاري المغربي يعني مجموعة المساطر التي تبتدئ من تاريخ وضع مطلب التحفيظ وتنتهي بصدور قرار التحفيظ من طرف المحافظ العقاري. ويليه زمنيا مصطلح اخر هو العقار المحفظ، وقد خصص مشرع1913 قسمين رئيسين لكل مصطلح منهما، فاسمى الاول : التحفيظ، واسمى الثاني: في اشهار الحقوق العينية العقارية المقامة على العقارات المحفظة…

وعليه فان لكل مصطلح مدلوله و لا تداخل بينهما نهائيا يمكن ان يسمح بانسحاب احدها على عناصر اخر.
نعم وبما اننا بصدد تفسير الفصل 361 من قانون المسطرة المدنية، يمكن ان يتبادر الى الذهن غياب تقنيات التحفيظ والعقارات المحفظة على مشرع المسطرة المدنية باعتبار ان هذا المشرع كان بصدد تهيئ تشريع عام يمكن ان تفوته المصطلحات الخاصة لكل فرع من فروع القانون المدني .

الا اننا عند مراجعة ق. م. م نجد ان هذا التشريع اشار الى المصطلحين معا أي التحفيظ والعقارات المحفظة بل واستخدمهما في مكانها فمثلا الفصل 455 من ق. م. م في فقرته الخامسة جاء فيه ما يلي :
"اذا تعلق الحجز بعقار محفظ او في طور التحفيظ…
كما جاء في الفقر الموالية الاشارة الى العقارات العادية ونفس الشيء نجده في الفصل 471 من ق. م. م الفقرة الثانية من هذا الفصل التي جاء فيها ما يلي :
"…. وتعلق الامر بعقار محفظ او في طور التحفيظ اصدر الرئيس امرا يقضي على المحافظ بتسليمه شهادة الملكية او نسخة من المستندات الموضوعة المعززة لمطلب التحفيظ حسب الاحوال".
وعليه فان مصطلحي التحفيظ والعقارات المحفظة معروفان من طرف مشرع المسطرة المدنية ويميزهما عن بعضهما البعض ولا يمكن ان ينسب اليه أي تداخل في المصطلحات او اي ارتباك وينتج عن هذا التحليل البسيط ان الفقه الاداري او الحر لم يكن ولن يكون في حاجة الى تفسير مصطلح التحفيظ الوارد النص عليه في الفصل 361 من ق. م. م. لماذا؟ لان المصطلح واضح وليس به أي غموض ولا يحتاج لاي تفسير.

2-ان طبيعة الفصل 361 القانونية هي انه تضمن مبدا قانونيا يهم المرافعات المدنية واستثناءات لهذا المبدا.
فالمبدا هوان الطعن بالنقض وباعتباره طعنا غير عادي ليس به أي ا ثر موقف للتنفيذ لماذا؟
لانه عالميا حصل الاجماع تقريبا في اطار حماية المتقاضي من خطا قضائي محتمل على اقرار مبدا التقاضي على درجتين فيتعين بعد استنفاذ هاتين الدرجتين اقرار الحقوق واستقرار الاوضاع.
اما الاستثناءات فقد روعي فيها ضرر عدم القابلية لاصلاح الاوضاع بعد صدور قرار بالنقض وهي لذلك وردت على سبيل الحصر، ومن جملتها قضايا التحفيظ.

ومعلوم ان الاستثناء لا يجوز التوسع فيه ولو عن طريق التفسير.
نعم يجوز التضييق في مجاله وهكذا فبعد ان ورد في الفصل المذكور مصطلح الاحوال الشخصية، فان الاجتهاد القضائي مدعما بالفقه ضيق من هذا المصطلح واعتبره يهم فقط النسب والتطليق.
اذا نحن بصدد مقتضيات استثنائية تقتضي التطبيق اولا وتقتضي التفسير الضيق اذا كان بها غموض أي التفسير الحصري لا التفسير التوسعي.

3-ان مصطلح التحفيظ ورديفه العقارات المحفظ لهما مرجعية تاريخية تشريعية متميزة:
ذلك ان الفصل الثالث من التنظيم القضائي المؤرخ ب: 12/08/1913 كان يقضي بان المحاكم العصرية في حالة مناقشة قضية تهم عقارا يتعين ان ينضم اليها مستشاران مسلمان لهما صوت استشاري، وانسجاما مع هذا الفصل، فقد ورد النص في الفصل 36 من ظهير التحفيظ العقاري على ما يلي: "تضم المحكمة الابتدائـية الى هياتها للقيام بمناقشات في قضية التحفيظ وللبث فيها عضوين مسلمين لهما صفة استشارية وذلك طبقا لمقتضيات الفصل الثالث من ظهير التنظيم القضائي بالمغرب…"

وفي نفس السياق نص الفصل 46 من نفس الظهير على ما يلي :
"تضم محكمة الاستئناف الى هياتها - للقيام بمناقشات في قضية تحفيظ او البث فيها - عضوين مسلمين لهما صفة استشارية وذلك طبقا لمقتضيات الفصل الثالث من ظهير التنظيم القضائي بالمغرب".
وتمييزا لقضايا العقارات المحفظة عن تلك المتعلقة بالتحفيظ نص الفصل الخامس من نفس الظهير على ما يلي:
…"ليس من الضروري اضافة مستشارين مسلمين سواء للمحكمة الابتدائية او لمحكمة الاستئناف اثناء المناقشة او البث في النزاعات المتحدث عنها في الفصلين السابقين- أي النزاعات المتعلقة بالعقارات المحفظة - وذلك خلافا للفصل الثالث من ظهير التنظيم القضائي."

قد نص الفصل الثالث المشار اليه في الفصل الخامس من الظهير على ما يلي:
تختص بالنظر في العقارات المحفظة وبكيفية نهائية المحاكم المحدثة بمقتضى ظهير 12/08/1913 كما نص الفصل الرابع على ما يلي :
"اذا حدث نزاع في شان تعيين حدود واتفاقات عقارات متجاورة وكان بعضها محفظا والاخر غير محفظ فان المحاكم المشار اليها في الفصل السابق هي التي تقضي في الامر دون سواها وتطبق في هذه الحالة مقتضيات الفصل 106 من ظهيرنا هذا" .

وعليه فمن خلال استعراض النصوص السابقة يتبين ان المشرع سبق له ان ميز بين المصطلحين قضايا التحفيظ والعقارات المحفظة ولم يسبق له ان خلط بينهما او استعمل احدهما مكان الاخر او استعمل احدهما للتدليل على المفهومين معا، كما ان الفقه الاداري والفقه الاخر في المرحلة السابقة لم يسبق ان سجل عليهما اي خلط بين المفهومين.

4-ان الحالات الثلاث المذكورة حصرا وعلى سبيل الاستثناء من المبدا العام المنصوص عليه في الفصل 361 من ق. م. م لها قاسم مشترك، يجمع بينها وهو استحالة الرجوع الى الوضع الحقوقي الذي كان قائما تنفيذ القرار الاستئنافي لو كان قابلا لذلك استحالة مطلقة، فالزواج بأجنبي بعد تنفيذ القرار الاستئنافي بتطليق الزوجة من زوجها الاول مانع من حل العصمة الثانية للرجوع الى الاولى بعد صدور قرار نقض القرار الاستئنافي، واتلاف المستند المصرح بزوريته مانع من استظهاره والاستدلال به بعد نقض القرار الاستئنافي الذي بوشر تنفيذه حسب ما يقضي بذلك الفصل 99 من ق. م. م وكذلك فان تحفيظ الملك من طرف المحافظ مانع من رجوع الوضع الى ما قبل قرار التحفيظ بعد صدور قرار النقض من طرف المجلس الاعلى ، ونفس الشيء بالنسبة للحالة الرابعة التي كان ينص عليها الفصل 15 من ظهير27/09/1957 وهي القضايا الجنائية، فتنفيذ حكم الاعدام مثلا، في حق المحكوم عليه مانع ابدا من ارجاع الحياة له بعد نقض المجلس الاعلى لحكم الاعدام.
وعليه، فان هذه الحالات الاربع كلها لها قاسم مشترك وهواستحالة ارجاع الوضع الى ما كان عليه قبل التنفيذ استحالة مطلقة.

اما بخصوص حالة العقار المحفظ التي يرغب الفقه الاداري، وبعض الفقه الى الحاقها بهذه القاطرة : قاطرة الاستثناءات لمبدا انعدام الاثرالموقف للطعن بالنقض، فاننا لا نوجد ابدا امام استحالة مطلقة لارجاع الحالة الى ما كانت عليه.
نعم توجد صعوبة عندما يتصرف المحكوم له في العقار المحفظ لفائدة الغير حسن النية، وهذه الحالة او الصعوبة عولجت من طرف المحافظة العامة لالزام المحافظين بقبول تقييد احتياطي لمسطرة الطعن بالنقض بمقتضى عريضة النقض، وكان اخر هذه المناشر للتذكير فقط، منشور عدد 278 والمؤرخ 27/05/1980.
وبهذا الحل يمكن القول بانه لا وجود لاية صعوبة فاحرى استحالة، بخصوص تطبيق المبدا العام وهوانعدام أي اثر موقف للتنفيذ بخصوص القرارات الاستئنافية التي تهم عقارات محفظة للسماح لهذه المجموعة بالالتحاق بقاطرة الاستثناءات المشار اليها في الفصل 361 من ق. م. م.

5- لقد تم اعتماد بعض الفقه المناصر للتفسير الموسع للفصل المذكور اعلاه من جملة ما اعتمد عليه ان القرارات الاستئنافية لا تحوز قوة الشيء المقضي به وبعبارة اوضح لا تكون قابلة للتنفيذ واشار هذا الفقه الى انه بخصوص ق. م. م ليس هناك اي نص صريح يحدد ميقات اكتساب الاحكام لقوة الشيء المقضي به واستدل لذلك بما ورد في كتاب طرق الطعن لوزارة العدل الذي اسماه بالموقف الرسمي .
ويمكن الرد على ذلك بان قانون المسطرة المدنية حدد ميقات اكتساب الاحكام والقرارت لقوة المقضي به ومن تم قابليتها التنفيذ .
وهكذا، فقد جاء في الفصل 145 ما يلي : "ينفذ الحكم عند تصحيحه من طرف المحكمة التي اصدرت الحكم المستانف، ينفذ عند الغائه من طرف محكمة الاستئناف او من المحكمة التي تعينها لذلك…".
ومن خلال استقراء هذه النصوص يتبين ان القرارات الاستئنافية هي احكام قابلة للتنفيذ وحائزة لقوة الشيء المقضي به.

هذا من جهة، ومن جهة اخرى فان ما اصطلح عليه بالموقف الرسمي في اشارة الى ما ورد في كتاب طرق الطعن لوزارة العدل فهو ليس كذلك بل هو مجرد فقه اداري وليس تفسيرا رسميا للنصوص لان هذا الاخير هو الذي يصدر عن نفس السلطة التي اصدرت النص المفسر.
هذا عن المبادئ العامة للمرافعات، اما فيما يخص الدراسات المتخصصة بالنسبة للتحفيظ العقاري، فقد اشير في النقطة السابقة الى ما لا يصح معه انسحاب كلمة تحفيظ على العقارات المحفظة.
واكبر دليل على هذا التحليل هوان مهيئي مسودة مشروع قانون التحفيظ ولما راوا ن مبادئ المرافعات المدنية وتقنيات قانون التحفيظ لا تسعف لإدخال العقار المحفظ ضمن عطاء التحفيظ بخصوص استثنائه من مبدا انعدام الاثر الموقف للطعن بالنقض، اضطروا الى تخصيص مادة رقمت ب164 جاء فيها ما يلي: "يقصد بالاحكام المكتسبة لقوة الشيء المقضي به في مفهوم هذا القانون الاحكام التي استنفذت طرق الطعن بالاستئناف اوالنقض".

6- جرت العادة لدى المحافظة العامة منذ 17/03/1917 تاريخ صدور اول منشور اداري عن قسم المحافظة على الملكية العقارية: الانضباط التام مع الاحكام القضائية وفور صدورها، وقد سارت على هذه السنة المحافظة العامة بخصوص هذا الاشكال صدر منشور اداري عدد 280 امر المحافظين بالتزام تفسير موسع للفصل 361 من ق. م. م معتمدا في ذلك على فتوى وزارة العدل وفي غياب أي اجتهاد قضائي، وبعد صدور قرار المجلس الاعلى المشار اليه اصدر المحافظ العام منشورا تحت عدد 318 اعلن فيه صدور هذا القرار وحث المحافظين على العدول على التفسير الموسع لفائدة التفسير الضيق للفصل 361 انسجاما مع الاجتهاد القضائي .

ودون حصول أي جديد، تم في التسعينات استفتاء وزارة العدل من جديد حول الاجتهاد القضائي المذكور من طرف المحافظة العامة ورغم ان وزارة العدل اكدت ان المجلس الاعلى هو صاحب الاختصاص في تفسير النص المذكور، وان راي وزارة العدل لا يلزم المجلس الاعلى في شيء وان هذا الاخير تبقى له كلمة الفصل في تاويل النصوص القانونية في القضايا المعروضة عليه، فان المحافظ العام اصدر دوريته عدد 324 امر فيها المحافظين بلزوم تطبيق الفصل 361 من ق. م. م بمفهومه الموسع وبخصوص مادة التحفيظ. وهذه الدورية كما اشارت الى ذلك سابقا شدت عن العادة والسنة المتبعة وهي الانسجام مع القرارات القضائية، فهل هو بداية زمن مراقبة الاحكام القضائية من طرف السلطة الادارية وعدم الانسجام معها؟

7- يرى بعض الفقه ان المحافظ له سلطة مراقبة صحة الاحكام باعتبارها وثائق استدل بها امامه من اجل التقييد اوالتشطيب بالسجل العقاري، واستكمالا لهذا الراي يرى هذا الفقه بان المحافظ يقيد الاحكام ولا ينفذها في اشارة للفصل 72 من قانون التحفيظ العقاري الذي جاء فيه مايلي يحقق المحافظ - تحت مسؤوليته- هوية المفوت واهليته وكذا صحة الوثائق المدلى بها تاييدا للمطلب شكلا وجوهرا".

الا ان القضاء لم يفسر هذا النص طبق ما ذهب اليه الفقه المذكور بل قصر نظر المحافظ فيما يخص التسجيل اوالتشطيب بمقتضى احكام قضائية على مراقبة الشكل وقابلية تلك الاحكام للتنفيذ.
وهذا ما حذا بمهيء مسودة مشروع قانون التحفيظ على التنصيص في المادة 101 على ما يلي :
يجب على كل شخص يطلب تقييدا بالرسم العقاري ان يضع لدى المحافظة العقارية طلبا مدعما باصل كل عقد او وثيقة او نسخة اصلية منهما. اما الاحكام الحائزة لقوة الشيء فيجب تقديمها مديلة بالصيغة التنفيذية".

8- ان التفسير السابق يهم فقط الاحكام القضائية المقدمة من طرف ذوي المصالح لاجراء تسجيل اوتشطيب ما، اما اذا تعلق الامر بحكم قضائي موجه ضد المحافظ نفسه كالاجتهاد القضائي المشار الى مراجعه اعلاه، فانه من الصعوبة بمكان تصور عدم انسجام الادارة مع الحكم القضائي خصوصا في اطار دولة الحق والقانون.

9- ان الاحكام القضائية التي تسير في الاتجاه المعاكس والمشار اليها اعلاه في البحثين الفقهيين لم يشر الى مراجعها.
10- ان المجلس الاعلى اكد مرة ثانية في قرار حديث مؤرخ ب 12 يوليوز 2000 تحت عدد 1150 : ما سبق ان اقره القرار عدد 125.
وبصدور هذا القرار الاخير، يحق لنا الحديث عن اجتهاد قضائي قار ومتواتر، يتعين على الكل الانضباط به.

مجلة المحاكم المغربية عدد87، ص 51

السر المهني ووسائل الاتصال الحديثة*


الاستاذ محمد لهمادي
اعتقد ان الحديث في موضوع السر المهني و وسائل الاتصال الحديثة يعني الحديث عن شيئين مختلفين تماما، فالسر المهني قاعدة تكرست منذ اقدم العصور وظلت ثابتة وصامدة الى ان اصبحت دعامة اساسية وضرورية للحرية بمختلف تجلياتها في المجتمعات الليبرالية، سواء على مستوى الحقوق الشخصية او على مستوى الحقوق الاقتصادية .
وبما ان السر المهني كان ولا زال من الثوابت فالملاحظ ان المشرع لم يخصص له في مختلف انحاء المعمور الا مقتضيات قانونية قليلة جدا اما في القانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية، واما في القوانين المنظمة لكل مهنة معنية بالسر المهني على حدة .

الا ان الملاحظ فيما يخص المحاماة هوانه ان كان الفقه والعمل القضائي، وفي سياق بلورة حقوق الدفاع والحرية الفردية، قد توصلا الى جعل الكل يسلم بالطابع المطلق للسر المهني، فان التطورات التي تعرفها بعض المجتمعات الليبرالية والتعسفات التي يمكن ان ترتكب تحت غطاء السر المهني للمحامي او بفضله ادت الى ظهور تيارات تنادي بالتقليص من مدى تطبيقه .

وهكذا ففي فرنسا مثلا، وفي اطار المد والجزر الذي تعرفه هذه المسالة تم التمييز بين عمل المحامي كمستشار قانوني وعمله كمدافع، لكي لا يعترف له بامتياز السر المهني الا في الحالة التي يكون فيها الزبون قد كلفه بالدفاع عن حقوقه، اما عندما يكون قد اكتفى باعطاء الزبون استشارة قانونية فانه لا يكون ملزما تجاهه بالسر المهني كما لا يمكنه التمسك به تجاه الاغيار .

وبالمقابل نجد ان وسائل الاتصال ظلت تتطور مع تطور الاكتشافات والتقنيات، على انه ان كان ذلك التطور بطيئا منذ استعمال اول تلغراف كهربائي سنة 1893 واستعمال اول هاتف سنة 1877 ، ثم اجراء اول اتصال هاتفي عبر قمر صناعي سنة 1962، فان ذلك التطور اصبح متسرعا ابتداء من اختراع الفاكس سنة 1970 ثم اختراع الهاتف المحمول في الثمانينات .

وان ما شجع على تطوير تقنيات الاتصال بسرعة اكبر هو تخلي وزارة الدفاع الامريكية سنة 1983 على جزء كبير من نظام ARPANET الذي انشاته خلال سنوات الحرب الباردة بهدف جمع وحماية
--------------------
* ساهم الاستاذ محمد لهمادي بهذه المداخلة في المناظرة الوطنية لجمعية هيئات المحامين بالمغرب ايام 24 و25 نونبر 2000 بفاس .
------------------
المعلومات المتعلقة بالتجسس وبالدفاع بصفة عامة، ووضعه رهن اشارة العموم لاستعماله كوسيلة للاتصال وتبادل المعلومات عن طريق الة الحاسوب، وهو ما اصبح يعرف بشبكة الانترنيت .
وبذلك اصبحت شبكة الانترنيت بابا مفتوحا على العالم تمكن كل مشترك من نشر ارائه وافكاره او التعريف بمنتوجاته عن طريق وضعها في موقعه رهن اشارة المشتركين، كما تمكن كل شخص من الاتصال بمراسل له في ابعد نقطة من العالم، والكل باقل تكلفة .
وهكذا غزا جهاز الفاكس جميع المكاتب عبر العالم وحل محل جهاز التلكس الذي لم يعد يستعمل الا في حالات نادرة، خصوصا بعدما اصبحت المؤسسات البنكية تستعمل نظام SWIFT لمعالجة العمليات المصرفية الدولية.

وبعدما كان التجار اشخاصا ذاتيين وشركات يكتفون باستعمال شبكة الانترنيت للتعريف بمنتوجاتهم فقط، اصبحت هناك تجارة جديدة قائمة الذات عبر الشبكة وهي ما يعرف بالتجارة الالكترونية .
وكذلك الشان بالنسبة لقطاع الخدمات والعمل بصفة عامة بحيث اصبح بامكان العامل في بعض القطاعات ان يقوم بعمله دون ان يغادر مسكنه، واصبح باستطاعة اية شركة ان تقوم بتنفيذ اشغال في الاعلاميات لفائدة شركة توجد في بلد اخر، بحيث تتلقى المعطيات عبر شبكة الانترنيت وتقوم بمعالجتها قبل ارجاعها لزبونتها بنفس الطريقة .

ولاشك ان المحامين وجدوا انفسهم مضطرين لاستعمال وسائل الاتصال الحديثة في اخر تجلياتها كالفاكس والانترنيت حتى يستفيدوا من ايجابياتها من جهة، وحتى لا يفوتهم الركب من جهة اخرى، على اعتبار ان جل المتعاملين معهم اصبحوا يستعملون تلك الوسائل .

الا انه ان كانت وسائل الاتصال الحديثة تسمح بربح وقت ثمين، فان استعمالها من طرف المحامين لا يخلو من مخاطر بالنظر الى خصوصيات المهنة والمبادئ التي تحكمها باعتبارها جزاءا من جهاز العدالة وركيزة اساسية للدفاع عن الحريات .
وبما انه يمنع على المحامين استعمال وسائل الاتصال الحديثة لجلب الزبناء او للاشهار كما هو الشان بالنسبة لعدد كبير من المستعملين، فان هذه المداخلة ستتمحور حول الاستعمال الوحيد المسموح به بالنسبة للمحامي الا وهو ربط الاتصال بزبنائه او زملائه وتبادل المراسلات معهم .

ومن هذا المنطق يحق التساؤل الى اي مدى يستطيع المحامي استعمال وسائل الاتصال الحديثة دون ان يعرض الاسرار التي هو مؤتمن عليها للافشاء، ويعرض نفسه لمتابعات من اجل المساس بالسر المهني .
كمحاولة للجواب على هذا التساؤل، وحتى تكون المقاربة باكثر ما يمكن من الوضوح ارى انه من المفيد التذكير في مرحلة اولى بقاعدة السر المهني وتحديد معالمها، ثم التطرق لاوجه استعمال المحامي لوسائل الاتصال الحديثة وما قد تشكله من تهديد لتلك القاعدة .

اعتقد ان السر المهني بمفهومه المعاصر والمتداول في المجتمعات الليبرالية لم يعرف بالمغرب الا ابتداء من ارساء نظام الحماية الذي اقترن بوضع نصوص تشريعية عصرية مستنبطة في مجملها من القوانين الفرنسية ان لم تكن القوانين الفرنسية نفسها كما حدث بالنسبة للقانون الجنائي والمسطرة الجنائية .

فقد نص الفصل 13 من ظهير 12/9/1913 المتعلق بالمسطرة الجنائية، والملحق بظهير 12 شتنبر 1913 المتعلق بالتنظيم القضائي للحماية الفرنسية بالمغرب على ان مقتضيات قانون الاجراءات الجنائية الفرنسي تطبق امام المحاكم الفرنسية بالمغرب، كما نص الفصل 14 منه على ان العقوبات المطبقة على الجنايات والجنح والمخالفات هي تلك المنصوص عليها في القانون الجنائي الفرنسي .

ومنذ ذلك الحين اصبحت جنحة افشاء الاسرار معاقبا عليها بالمغرب بمقتضى الفصل 378 من القانون الجنائي الفرنسي .
الا ان الملاحظ ان الفصل 378 المذكور لم يكن يشير الىالمحامي صراحة الى جانب الاطباء والجراحين والصيادلة والمولدات، ربما لان المشرع الفرنسي كان مقتنعا بان الحفاظ على السر المهني شيء بديهي بالنسبة للمحامي، ولانه لا تتصور مهنة المحاماة ومهام الاستشارة والدفاع دون احترام ضرورة التمسك بما تفرضه الاخلاق الحميدة من التزامات بصفة عامة .

ونهج المشرع نفس المنهاج في ظهير 18/5/1959 ثم في مرسوم 19/12/1986 بحيث لم يتطرق للسر المهني واكتفى بالاشارة في الفصل 52 من كلا القانونين الى ضرورة احترام سرية التحقيق من طرف المحامي .
ولم يتم التنصيص لاول مرة وصراحة على التزام المحامي بالسر المهني الا في ظهير 8/11/1979 حيث نص الفصل 69 منه على انه يمنع على المحامي افشاء أي شيء يمس بالسر المهني، وقد اعيد التاكيد على هذا الالتزام في الفصل 36 من ظهير 10/9/1993 .

وبالرغم مما ذكر فانه لاجدال في ان الصيغة العمومية للفصل 378 من القانون الجنائي الفرنسي، ثم الفصل 466 من القانون الجنائي المغربي، والتي تتحدث عن كل شخص يعتبر من الامناء على الاسرار بحكم مهنته او وظيفته كانت تشمل المحامي .

ويبقى التساؤل عن مضمون الالتزام بالسر المهني بالنسبة للمحامي لتحديد مداه واثاره، ولعل مقارنة بين السر المهني عند المحامي وعند الاشخاص الاخرين الملزمين به ستبين ان السر المهني عند المحامي هو الوحيد الذي احتفظ بطابعه المطلق عبر العصور والى الان .

فالاطباء مثلا لم يعد بامكانهم كتمان كل ما يعلمونه عن الحالة الصحية لمرضاهم، اذ ان المشرع تدخل في العديد من البلدان لسن قواعد تجبرهم على التبليغ عن العديد من الامراض التي قد تشكل خطرا على الصحة العمومية لكونها معدية مثلا، وذلك حفاظا على المصلحة العامة، كما تسمح بالتبليغ عن كل ما يعاينونه من اثار اعتداء على طفل مثلا .
وقد سار المشرع المغربي في نفس الاتجاه بحيث انه، وبمقتضى القانون رقم 99-11 ادخل تعديلا على الفقرة الثانية من الفصل 446 من القانون الجنائي، واصبح باستطاعة لاطباء ان يبلغوا عن عمليات الاجهاض و عن الاعتداءات على القاصرين دون سن الثامنة عشرة دون ان يعتبر ذلك افشاء للسر المهني .

اما الصيادلة فيمكن القول انهم لن يكونوا معنين بمتقضيات الفصل 446 من القانون الجنائي الا في حالات شاذة، على اعتبار ان الصيدلي لم يعد يتعامل مع المريض مباشرة ويعد له الدواء بنفسه، وانما يكتفي ببيع ادوية جاهزة على اساس وصفات طبية تحمل اسماء اشخاص مجهولين لديه، او حتى بدون وصفات .

اما الخبير المحاسب مثلا فان التزامه بالسر المهني قد تقلص كثيرا، ذلك انه قبل صدور ظهير 8/1/1993 كان الخبير المحاسب يتولى بالاساس مسك حسابات زبونه والعمل على قبولها من طرف ادارة الضرائب، اما الان فان المشرع اعطاه احتكار التصديق على صحة الموازنات والحسابات، وهذا يعني انه اصبح يعمل لفائدة الاغيار ومن بينهم ادارة الضرائب، وليس بالاساس لفائدة زبونه الذي اطلعه على جميع اسراره لتمكينه من التصديق على تلك الحسابات .

وقد الزمه المشرع كذلك وهو يمارس مهام مراقب الحسابات، والتي جعلها المشرع حكرا عليه كذلك، بان يشعر عددا من الجهات بكل ما قد يكتشفه من اخلالات في تسيير الشركة .
ويكفي ملاحظة ما جاء في الفصل 2 من ظهير 8/1/1993 المنظم لمهنة الخبراء المحاسبين من انهم ملزمون بالتقيد بتوصيات المنظمات والادارات المختصة في تنفيذ مهامهم، لمعرفة الىاي مدى تم تقليص التزامهم بالسر المهني .

اما بالنسبة للحامي، وكما سبقت الاشارة الى ذلك، فان المشرع وبالعكس عاد الى التاكيد علىانه لا يجوز للمحامي ان يفشي اي شيء يمس بالسر المهني في اي قضية، وهذا المنع ينطوي في نفس الوقت على امتياز السر المهني الذي يعفي المحامي من ان يفشي سرا اذا ما طلبت منه اية سلطة ذلك، ودون ان يتعرض لاية عقوبة .

وللتاكيد على الطابع الكامل المطلق للسر المهني لدى المحامين تجدر الاشارة الى ما نص عليه الفصل 61 و104 من قانون المسطرة الجنائية من انه اذا وقع التفتيش في اماكن يشغلها شخص يلزمه القانون بكتمان السر المهني، فعلى ضابط الشرطة وقاضي التحقيق ان يتخدا جميع التدابير اللازمة لضمان احترام ذلك السر .
وانطلاقا مما ذكر فان المحامي ملزم وعلى سبيل المثال بكتمان كل ما يصل الى عمله، وبان يمتنع عن النيابة ضد احد زبنائه السابقين في قضية سبق ان ائتمنه على معلومات بشانها، وبان يمتنع عن النيابة على متقاضيين مصالحهما متعارضة الى غير ذلك من الامثلة .

وهكذا يتجلى ان السر المهني لدى المحامي هو الوحيد الذي ظل كاملا ومطلقا، ولا عجب في ذلك لانه لا يمكن تصور مجتمع حر بدون ضمان حرية الفرد، ولا يمكن ضمان حرية الفرد وتمكينه من ممارسة حقوقه دون تمكينه من الاستعانة بمحام عند الاقتضاء، ولايمكن للمحامي ان يعطي استشارة معللة وصائبة او يؤمن الدفاع عن الحقوق بطريقة مجدية الا اذا اطلعه الزبون على جميع جوانب قضيته ومن تم على اسرار تهم صحته او عائلته او تجارته الى غير ذلك، وهو مطمئن تماما على انه لن يتم افشاؤها .

الا ان سر المحامي بدا يتعرض خصوصا في بعض الدول المتقدمة لهجمات تهدف الى تقليص من مداه، ليس تنكرا لحقوق الدفاع والحريات وانما للحيلولة دون استعمال سر المحامي للتستر على اعمال غير مشروعة كالغش الضريبي وتبييض الاموال .

وهكذا شرعت بعض المحاكم بفرنسا في التمييز بين عمل المحامي كمدافع وبين عمله كمجرد مستشار قانوني، لتخلص الى انه لا يمكن للمحامي في هذه الحالة الاخيرة ان يواجه القضاء بالسر المهني، ومن تم امكن حجز الرسائل المتبادلة بينه وبين موكله ونصوص الاستشارات وكل ما لم يتعلق بممارسة حقوق الدفاع .

وحقيقة الامر ان قانون 31/12/90 الذي ادمج المستشارين القانونيين في سلك المحامين هو الذي اوحى للقضاء بفكرة التمييز بين المحامي الذي يعطي الاستشارة والمحامي الذي يؤمن الدفاع على حقوق موكله، ولتلافي اي انزلاق ادخل المشرع الفرنسي تعديلين متواليين ليؤكد بانه سواء تدخل المحامي لاعطاء استشارة او لتامين الدفاع، فان الاستشارات التي يوجهها لزبونه والرسائل التي يتبادلها معه وكذا الرسائل التي يتبادلها مع زملائه، وبصفة عامة جميع مستندات الملف مشمولة كلها بالسر المهني .

وان دل هذا على شيء فانما يدل على ان السر المهني لدى المحامي وحدة لا تتجرا، كما يدل على ان مجالس هيئات المحامين تتحمل مسؤولية فرض احترام مبادئ واخلاقيات المهنة للحفاظ على استقلالها .
ومع ذلك، فان كان المحامي يحرص على كثمان الاسرار التي اؤتمن عليها، فانه يحسن به كذلك ان يعمل على تلافي اية وضعية يصبح فيها هونفسه ضحية افشاء تلك الاسرار من طرف الغير، وهذا هو ما اصبح وقوعه كثير الاحتمال مع استعمال وسائل الاتصال الحديثة .

ان المقصود بوسائل الاتصال الحديثة في هذا العرض هي التي يمكن للمحامي ان يستعملها في اطار ممارسة مهنته وهي بالاساس جهاز الفاكس وشبكة الانترنيت، على اعتبار ان جهاز التلكس اصبح في طريق الانقراض بعد ظهور الفاكس، وعلى اعتبار ان عددا اخر من تقنيات الاتصال لا تتلاءم مع ممارسة مهنة المحاماة .

الا ان، وبالنظر الى الطابع المتجدد لوسائل الاتصال القديمة وهي الرسائل والهاتف، فانه يمكن اعتبارها كذلك وسائل اتصال حديثة، خصوصا وانه لا يمكن تصور استعمال الفاكس دون جهاز هاتف، ولا يمكن تصور استعمال شبكة الانترنيت دون استعمال شبكة الخصوص الهاتفية .

والسؤال المطروح هوالى اي حد يمكن للمحامي ان يستعمل وسائل الاتصال المذكورة دون ان يعرض اسرار موكليه للافشاء، وذلك بسقوط المراسلات الموجهة الى زبنائه او زملائه بين يدي اغيار، او بوصول مكالمات هاتفية الى اسماعهم .

ونظرا لتباين وسائل الاتصال هذه في ما بينها فانه يحسن التطرق لتطبيقات كل واحدة منها على حدة :
1- جهاز الفاكس :
يسمح جهاز الفاكس بنقل مضمون وثيقة من المراسل اليه ومباشرة في ثوان معدودة، الا انه عندما يتم تلقي الرسالة على الورق الحراري الخاص بجهاز الفاكس، وليس على ورق عادي، فان محتواها يصبح غير مقروء مع مرور الوقت .
وبغض النظر عن هذا الجانب وعن مسالة حجية المراسلات المبعوثة عبر الفاكس، فان ما يخشى بالنسبة للمحامي هو ان تستقر رسالته عند شخص غير زبونه، ذلك ان خطا في تركيب رقم المرسل اليه او اختلاطا في الخطوط الهاتفية يمكن ان ينتج عنه وصول الرسالة الى شخص اجنبي، الشيء الذي يمكن ان تنتج عنه اثار وخيمة تبعا لاهمية وحساسية محتواها .

2- شبكة انترنيت :
علاوة على كون شكبة انترنيت خزانا هائلا من المعلومات في جميع الميادين، والتي يمكن الوصول اليها مجانا او بمقابل، فانها كذلك شبكة للاتصال بين الاشخاص بفارق وحيد وهو انه تسعمل الة الحاسوب بدل جهاز الهاتف .

الا ان مشكل الحفاظ علىالسر المهني يطرح نفسه بحدة اكبر مما هو عليه بالنسبة لجهاز الفاكس، ذلك ان مجرد بقاء حاسوب المحامي مرتبطا بشبكة انترنيت يجعل جميع المعلومات المخزونة والتي هي سرية بقوة القانون لتعلقها بالزبناء، يجعلها عرضة للسرقة عن طريق النقل عن بعد ( Téléchargement) مما يتعين معه توقيفه اواطفاؤه بمجرد الانتهاء من استعماله .

فالكل سمع عن توصل عباقرة في الاعلاميات الى اختراق انظمة اعلاميات متطورة كان يعتقد انها منيعة مثل نظام ادارة الدفاع " البانتاكول" بالولايات المتحدة اوانظمة الابناك الكبرى، فما بالك عندما يتعلق الامر بحاسوب عادي لا يتوفر على اية حماية، وان اخر ما طلعت به الاخبار في هذا الصدد توصل عصابة الى تحويل اموال طائلة لفادئها عن طريق اختراق نظام الاعلاميات لاحد الابناك بايطاليا .

واذا كانت تقنيات الاعلاميات تسمح بالقيام بمثل هذه الاعمال، فيبقى من الواضح انه من السهل قرصنة كل مراسلة عبر شبكة الانترنيت والتعرف على محتواها، ثم افشاؤها او تحريفها. لمحاربة هذا النوع الجديد من الاجرام تاسست فوق شرطة خاصة في الدول التي شاع فيها استعمال شبكة انترنيت واستطاعت فعلا وضع حد لانشطة العديد من المشاغبين، كما صدرت قوانين لضبط استعمال وسائل الاتصال الحديثة بصفة عامة .
واعتبارا لما ذرك اعتقد انه كلما تعلق الامر برسالة لا ينبغي مطلقا ان يصل فحواها الى علم الغير، فانه يتعين استعمال وسيلة غير شبكة الانترنيت لتبليغها طالما انه لم يتم التوصل الى تقنيات تضمن الحفاظ بصفة مطلقة على سرية تلك المراسلة .

وتجدر الاشارة الى ان الوسيلة الوحيدة التي يمكن بها تلافي اطلاع الغير علىالمراسلة او بالاحرى فهمها هو استعمال شفرة لا يعرف سرها الا المرسل والمرسل اليه، الا ان استعمال الشفرة تمنعه جميع التشريعات في العالم اللهم اذا رخص به صراحة .

ذلك انه ولاعتبارات امنية واقتصادية يجب ان تستطيع السلطات العمومية في كل بلد وعند الاقتضاء ان تطلع وتفهم فحوى الرسائل، حتى تستطيع محاربة الاجرام المنظم الذي وجد في وسائل الاتصال الحديثة ومنها شبكة الانترنيت طريقا للقفز على الحدود .

وكمثال على ذلك نجد ان مرسوم 4/8/1972 المتعلق بتنظيم خدمات التلغراف والتلفون بالمغرب ينص على انه باستطاعة مكتب البريد الذي يتلقى ايداع برقية مكتوبة مرموزة ان يشترط على المرسل ان يودع كذلك الترجمة الكاملة الى صيغة واضحة لمجموع الكلمات المرموزة، وكذلك ايداع دليل الرموز الكامل الذي استعمل في تحرير البرقية .

3- الهاتف :
من المعلوم ان المكالمات الهاتفية تدخل في الحياة الخاصة للفرد، من تم فانه يمنع الاعتدءد عليها بعمليات التصنت، الا في حالات استئنافه وتحت رقابة القضاء .

الا ان الملاحظ هو ان التشريع المغربي وخصوصا قانون المسطرة الجنائية لا يتضمن اية مقتضيات تنظم عمليات التقاط المكالمات الهاتفية والتصنت عليها، في حين نجد ان قانون المسطرة الجنائية الفرنسي مثلا نص في فصله 100 على الاجراءات التي يجب على قاضي التحقيق او من ينيب عنه احترامها لاجراء عملية التقاط مكالمة وتسجيلها .

وبخصوص المحامي نص في الفصل 100 في فقرته السابعة على انه لا يمكن التقاط اية مكالمة هاتفية تمر عبر خط خاص بمكتب محام او بمسكنه دون اشعار النقيب بذلك مسبقا من طرف قاضي التحقيق، ولاشك ان في هذا الاجراء ضمانة اضافية .

وهكذا نجد انه ان كان المشرع الفرنسي من جهة قد كرس حق السلطة القضائية في التصنت على الاتصالات الهاتفية لمحام عندما تقتضي الضرورة ذلك، فانه بالمقابل احاط هذه الامكانية بعدد من الضمانات التي من شانها ان تحفظ التزامه بالسر المهني .

هكذا نكون قد لا مسنا بعض المخاطر التي قد تحيط بالسر المهني للمحامي من جراء استعماله لوسائل الاتصال الحديثة، الا ان هذا لا يعني وجوب نبذ تلك الوسائل وانما وجوب التعامل معها بما تفرضه خصوصيات مهنة المحاماة .

واعتبارا لما ذكر اعتقد انه يحسن بالمحامي ان لا يستعمل الهاتف والفاكس وشبكة الانترنيت الا عندما يتعلق الامر ببعث رسالة علم الغير بمحتواها لا ينفعه ولا يضره .
اما عندما ما تعلق الامر بمعلومات حساسة، واذا لم يكن بالامكان التذاكر بشانها مباشرة، فمن الافضل ان يتم بعثها بواسطة رسالة على اعتبار ان الرسائل هي التي تستفيد من اقوى حماية وتعطي اكبر ضمانة للحفاظ على السر المهني .

فالدستور ينص في الفصل 11 على ان المراسلات سرية، اما الفصلان 232 و448 من القانون الجنائي فينصان على العقوبات التي يمكن ايقاعها بكل من سولت له نفسه الاعتداء على سرية المراسلات .
والى جانب هذا فالكل يعلم التطور الذي اصبحت عليه خدمات البريد، بحيث ان ما يعرف بالبريد السريع يمكن من تسليم الرسائل داخل 24 ساعة. من ايداعها، ثم ان الشركات الدولية مثل D H L و FEDEX تؤمن من تسليم الرسائل بين اوروبا والمغرب مثلا في اجل لا يتعدى 24 الى 48 ساعة .

ان وسائل الاتصال الحديثة من اكبر دعائم ما اصطلح عليه بالعولمة، وبذلك فان اشكالية السر المهني ووسائل الاتصال الحديثة ما هي الا واحدة من العديد من الاشكاليات والتحديات التي ستواجه مهنة المحاماة في المستقبل، مما يحق معه التساؤل الى اي حد ستصمد وستحافظ على خصوصياتها باعتبارها مهنة عريقة .

فالعولمة تعني بالنسبة لقطاع المحاماة هيمنة شركةالمحامين الكبرى التي تعمل اولا وقبل كل شيء تحت شعار المردودية وتحقيق الربح، وهذا جو يصعب فيه ربط علاقات انسانية بين المحامين وزبونه .
وان استعمال وسائل الاتصال الحديثة دون اعتبار للسر المهني وللطابع الانساني للعلاقة بين المحامي وموكله سيجعلنا لا محالة ناسف على الوقت الذي كان فيه المحامي، ونظرا لانعدام تقنيات العزل الصوتي في البناءات القديمة، يعمد الى تغليف جدران مكتبه بصفائح من الخشب وتغليف بابه بالجلد، حتى لا يتسرب ما يروج بينه وبين موكله الى الاغيار .

مجلة المحاكم المغربية، عدد 86، ص 120 .

الحيازة الفعلية في التبرعات بين الفقه والقانون الوضعي ودور المجلس الاعلى في التوفيق بينهما

الاستاذ السيد محمد الاجراوي رئيس الغرفة الشرعية بالمجلس الاعلى
نحتفل في هذه الايام المباركة بمرور اربعين سنة على تاسيس المجلس الاعلى، وهي مناسبة طيبة اغتنمها فرصة للمساهمة في هذه التظاهرة القانونية المتميزة بهذا العرض المتواضع الذي اقدمه في موضوع الحيازة الفعلية في التبرعات وهو موضوع - على اقدميته - احتفظ دائما بطابعه الجديد المنبعث من مختلف التطورات الطارئة على مختلف جوانبه خصوصا منها ما تتعلق بشكلية وطرق تحقيق الحيازة واثباتها .

والمجلس الاعلى بدوره ساير التطورات الفقهية والقانونية الطارئة على موضوع الحيازة في التبرعات واصدر منذ بداية الستينات عدة قرارات تتصل بهذا الموضوع سوف نشير لاهمها في هذا العرض وفي البداية نرى انه لابد لنا ان نعرف بالتبرع ثم بالحيازة الفعلية التي ترتبط به قبل التطرق لاحكام الحيازة المختلفة .

ويمكن تعريف التبرع بوجه عام بانه تمليك مال او منقول بغير عوض، فخاصية انعدام العوض تشمل جميع التبرعات ثم يتميز كل نوع منها بخاصية او اكثر تميزه عن باقي الانواع الاخرى، وهذا الخاصيات المميزة تكون باعتبار المتبرع به ذاتا او منفعة، بحيث تميز العمري والعارية والحبس عن هبة الذات والصدقة بها مثلا، وقد يكون باعتبار القصد والباعث حيث تميز الهبة عن الصدقة بكون الباعث في الاولى صلة ومودة المعطى لها والمتبرع عليه ويكون الباعث في الثانية وجه الله تعالى ورجاء ثوابه وهذا موضوع لسنا بصدد بحثه في هذا العرض .

اما الحيازة او الحوز فلها في اللغة معان مختلفة، الاقرب منها لموضوعنا ما اورده الشيخ محمد الرازي في الصحاح حيث قال : الحوز الجمع والضم وبابه قال وكتب وكل من ضم شيئا في نفسه فقد حازه واحتازه ايضا، والحيز ما يضم الى الدار من مرافقها وبعد ما اورد لسان العرب عدة معان للحوز قال : والحوز من الارض ان يتخذها شخص يبرز حدودها فيستحقها ولا يكون لاحد فيها معه حق في ذلك الحوز وقال : وحاز الشيء يحوزه اذا قبضه وملكه واستبد به وقال : والحوز الملك وقال ايضا والحوز الجمع وكل من ضم شيئا الى نفسه من مال او غيره فقد حازه حوازا وحيازة الخ .

اما عن الفقهاء فالحوز رفع يد المعطي من التصرف في الملك " المعطى" ورد ذلك الى المعطى له او لمن ينوب عنه، وعرف الامام ابن عرفة في كتابه الحدود الحوز الشامل لجميع التبرعات بقوله رفع خاصية تصرف الملك فيه عنه بصرف التمكن منه للمعطى له او نائبه .

اما حكم الحيازة فانها شرط لابد منه باتفاق الائمة الاربعة مالك والشافعي وابي حنيفة وابن حنبل وجمهور فقهاء هاته المذاهب على اشتراطها ومخالفا الظاهرية في اشتراطها واخذوا بظاهر الادلة وقالوا ان الهبة عقد والله عز وجل قال : { يا ايها الذين امنوا اوفوا بالعقود }. وقالوا ان الالتزام بها وبغيرها من التصرفات عهد الله تعالى يقول : { واوفوا بعهد الله اذا عاهدتم } وراي الامامية مع راي الائمة الاربعة، والاصل في اشتراط الحيازة في التبرعات ما وردته عائشة الصديقة عن والدها الصديق ابي بكر انه كان نحلها جداد عشرين وسقا من ماله لم تحزه فلما حضرته الوفاة قال لها يا بنية ان احب الناس بعدي لانت وان اعز الناس علي فقرا بعدي لانت واني قد كنت نحلتك جداد عشرين وسقا من مالي ولو كنت جددتيه واحرزتيه لكان لك وانما هو الان مال الورثة وانما هما اخواك واختاك فاقتسموه على كتاب الله .

واستخلص الامام القرطبي في تفسيره من قول الله تعالى : { فرهان مقبوضة} في المسالة السادسة ان الرهن يصح بقبضه ويبطل اذا استرده الراهن من يد المرتهن، وفقهاؤنا يجمعون على اشتراط الحيازة في سائر التبرعات والنصوص الواردة في هذا الشان كثيرة في المغرب قال سحنون قلت لابن قاسم ارايت لو حبس او تصدق رجل بنخل حائط وبقي في حيازته ولم يقبضه المحبس او المتصدق عليه فقال الحائط ميراثا وقال ميارة: ان الحيازة الفعلية في سائر التبرعات شرط والشروط ما يلزم من عدمه العدم الى ان قال فان لم يجز اصلا ولم يطالب المتبرع عليه بالاجبار على الحيازة او طالب بذلك في مرض الموت بطل التبرع ومثل ذلك لكافة الشراح التاودي والتسولي والعراقي والوزاني في حاشيتهما وقال السجلماسي عند شرح بيت العمل الفاسي ( والحوز قبل الموت شرط نور ( زكاة او صدقة للغير) اي ان الحيازة في جميع التبرعات شرط وهو مبدا لا خلاف فيه) .

وقال الشيخ الحطاب في الالتزامات " اعلم ان الالتزامات اذا لم تكن على وجه المعارضة لا تتم الا بالحيازة وتبطل بالموت والفلس وقبلها كما في سائر التبرعات" .

وهو ما اكده شراح المختصر لدى قوله في الهبة ( وبطلت ان تاخر حوزها لدين محيط) وفي الرسالة لابن ابي زيد القيرواني ( ولا تم هبة ولا صدقة ولا حبس والا بالحيازة فان مات قبل ان تحاز منه فهي الميراث) المراد منه اورد ابن جزي في قوانينه في باب الهبة ان شرط الهبة الذي هو الحوز لا يشترط في هبة الثواب وهو في غيرها شرط تمام وعند مالك والشافعي شرط صحة وعند ابن حنبل ليس شرط تمام وهو خطا بين، يتجلى من الرجوع لمصادر الفقه في هذه المذاهب، وبالرجوع اليها يتاكد ان الحيازة في التبرعات عند المالكية شرط تمام ومن فقهائهم من يقول بانها شرط صحة فقد تبع شراح التحفة ومحشوها الغرفاطي في قوله ( والحوز شرط صحة التحبيس قبل حدود موت او تفليس ) واكد ميارة ان الحيازة والحوز شرط صحة اخذا من البيت واضاف ان الشرط ما يلزم من عدمه العدم وانه لا مفهوم للحبس ….

وانه شرط صحة في سائر التبرعات اما الشافعي وابو حنيفة فجمهور فقهائهما على ان الحوز شرط صحة في التبرعات ويشاطرهم الامامية هذا الراي اما الحنابلة فجمهورهم يؤكد على ان الحيازة شرط في صحة التبرع في المكيل والموزن خاصة. واكد الامام ابن قدامة وهو من اجل فقهائهم في كتابه المغنى في كتاب الهبة والعطية ان سائر التبرعات مدلولها واحد وهو تمليك بغير عوض وان الحيازة شرط في صحتها مستدلا باجماع الصحابة وما ورته عائشة عن والدها رضي الله عنهما من الاثر المشار اليه اعلاه واضاف بعد ذلك ان الواهب قبل القبض ان شاء اقبض الهبة وامضاها وان شاء رجع فيها ومنعها ولا يصح قبضها الا باذنه وقال بعد هذا واذا مات الواهب او الموهوب له قبل القبض بطلب الهبة فتبين ان الحنابلة اكثر تشددا في اشتراط الحيازة في التبرعات مما يتبين منه ان ما لابن جزي مجرد خطا. والحيازة في التبرعات خاصية من الخاصيات التي تميزت بها عقود التبرعات في الفقه الاسلامي والحكمة في اشتراطها ان المشرع لما اعتبر المال من الكليات الخمسة الواجب الاحتفاظ عليها وهي النفس والعقل والدين والمال والنسل وقرن المال بالدين والنفس والعقل وهي اسس يتميز بها الانسان وكان الاصل في الطبيعة البشرية التعلق بالمال والشح به عن انفاقه دون مقابل اضافة الى ركن الصيغة وهي قول يدل على ان التبرع شرطا ماديا يتمثل في اقتران القول بعمل مادي هو صرف المتبرع به وتسليمه للمتبرع عليه ليدل هذا العمل على طيب نفس المتبرع بهذا التصرف وجديته فيه فكان هذا العمل يشكل في الواقع شكلية خاصة امتازت بها عقود التبرعات عن غيرها من العقود العوضية العادية .

وعلى هذا الاساس تشدد الفقهاء في التبرع بدار السكنى فاشترطوا لصحة التبرع بها ثبوت استغناء المتبرع بها عنها بما يدل على الاستغناء وذلك باخلائها من جميع شواغله وتركها فارغة دون عودته اليها خلال سنة كاملة يتم بعدها الحوز والتحويز فان عاد لها خلال السنة ولو بكراء بطل التبرع وهذا ما اشار له صاحب التحفة في قوله :
ومــن يحبس دار سكنــاه فلا ... يصح الا ان يعاين الخـــلا
وفي قوله :
وان يكـــن موضع سكناه يهب ... فان الاخلاء له حكم وجب
وقد اشار الشيخ التسولي هنا الى ان المفترض في التبرع بدار سكناه هو استمراره ساكنا بها حتى يثبت الاخلاء والتخلي عنها وعدم عودته لها خلال السنة .

وتمييز عقد التبرع بخاصية شيء لم ينفرد به التشريع الاسلامي وحده ولكنه يوجد في غير هذا التشريع من القوانين الوضعية العربية وغيرها كما هو الشان في القانون المصري مثلا الذي اشترط في عقد الهبة الذي يشهده الموثق ان يتم بمحضر شاهدين لاتربطهما علاقة عائلية لا بالموثق ولا بطرفي عقد التبرع يشهدان معه على التبرع ويوقعان معه على ويثقته ... وكذلك الشان في القانون المدني الفرنسي فانه هو الاخر ميز عقود التبرع بخاصيات تربتط بالسبب الباعث عليه على خلاف ما يجري عليه الامر بالنسبة لغيرها من عقود المعاوضة فاجازت المادة 955 منه للواهب الرجوع في هبته اذا خاب ظنه في الموهوب له وصدرت منه تصرفات تدل على نكرانه الجميل، كما اجازت له المادة 960 من نفس القانون الرجوع في الهبة التي انجزها في وقت لم يكن له فيه عقب " وازداد له" ولد بعد انجاز الهبة وهي ميزة خاصة بعقود التبرع تشكل استثناء من القاعدة ان العقود اذا تمت اصبحت ملزمة ولم يكن لاي طرف من طرفيها الاستقلال بالرجوع فيها الا برضى وموافقة الطرف الاخر .

وهكذا يظهر ان اشتراط الحيازة في عقود التبرعات في الفقه يعتبر ميزة من الميزات التي تختص بها عقود التبرعات في مختلف التشريعات وانه يعتمد اساسا تشريعيا وحكمه ظاهرة .
واذا تقرر ان الحيازة الفعلية شرط في التبرعات فما هي الوسيلة القانونية التي يمكن بها اثبات توافر هذا الشرط ؟
ان هذا جانب اخر من الجوانب التي تتصل بالموضوع وهو جانب دقيق تشعبت فيه الاراء تبعا لتشعب الحالات التي يثيرها هذا الجانب .

والافضل ان تتم حيازة المتبرع عليه للمتبرع به فور وقوع التبرع وتشهد البينة الشاهدة له بمعاينتها للحيازة الفعلية وتقترن شهادتهم بالتبرع بشهادتهم بمعانية الحيازة في نفس العقد المنشء للتبرع فتسلم الهبة من المطاعن التي قد يثيرها الخصوم .

واثبات الحيازة بمعاينة البينة الشاهدة بالتبرع هو الماثور عن الامام مالك واصحابه ففي المدونة ولا يقضي بالحيازة الا بمعاينة البينة لحوزه في حبس او رهن او هبة او صدقة ولو اقر المعطي في صحته ان المعطى له قد حاز وشهد عليه باقراره بينة ثم مات لم يقض بذلك ان انكر الورثة حتى تعاين البينة الحوز .

وهو الذي اعتمده الموثقون قال ابن سلمون ولا بد من حوزه في حياة المحبس وقبل فلسه ومرض موته والا بطل وذلك اي الحوز بالشهادة على المعاينة ولا يجزىء فيه الاقرار الخ … المراد منه نقله شراح التحفة لدى قولها والحوز بشرط التحبيس وقالوا لا مفهوم للحبس لان مثله جميع التبرعات، وقال التسولي " والحوز رفع يد المعطي من التصرف في الملك ورد ذلك الي يد المعطي له او من يمثله الى ان قال : والمذهب انه لابد فيه من المعانية ولا يكفي فيه الاقرار من المحبس او المحبس عليه فلو جاء في الوثيقة حوازا تاما ولم يقولوا معاينة فذلك غير كاف لاحتماله المعاينة والاعتراف فان كان الشهود احياء استفسروا والا بطل الوقف الا ان يكونوا من اهل العلم فيحمل على المعاينة الخ … قاله العبدوسي، ومرادهم بالمعاينة طواف البينة على الملك المتبرع به من جميع جهاته وشهادتهم بوضع المبترع عليه يديه عليه وان لم يشاهدوا تصرفه فيه كما يتم في الدور ومثلها فيما له ابواب تغلق بتخلي المتبرع عنها وتسليم مفاتيحها المتبرع عليه وجعلها رهن اشارته وان لم يسكن او يعتمرها بالفعل .

واثبات الحيازة بالمعاينة، وهو الذي سار عليه الاجتهاد القضائي في مختلف المحاكم. ففي 22/4/94 اصدرت محكمة الاستئناف بمكناس قرار تحت عدد 21465 بالملف عدد 3753 بطلب بمقتضاه عقد الهبة المؤرخ بفاتح يناير 62 متعلق بالملك موضوع الرسم العقاري 9419 لعلة عدم التنصيص فيه على معاينة البينة لحيازة الملك المتبرع به حيث لاتتصور معاينة البينة للحيازة في هذه الهبة لانعقادها بوثيقة عرفية … وليس بشهادة عدلين.

كما ان المجلس الاعلى، سار في هذا الاتجاه منذ السبعينات في عدة قرارات، منها القرار عدد 264 الصادر بالملف 49148 المنشور بالعدد 126 من مجلة القضاء والقانون الصفحة 139 الذي جاء فيه " يشترط لصحة التبرعات حيازة المتبرع عليه لما وقع به التبرع قبل حصول المانع وجاء في قرار اخر صادر عن القسم الاول من الغرفة الشرعية بتاريخ 28 مارس 1989 تحت عدد 499 بالملف 282/87 نشر في العدد 43-42 من مجلة قضاء المجلس الاعلى ما يلي : حقا ما نعته الوسيلة على القرار المطعون فيه الذي اعتمد رسم الصدقة عدد 265 الذي طعنه فيه بانه مجرد عما يثبت الملكية وخال من معاينة الحيازة ولم يجب القرار من هذا الدفع الذي تمسك به الطاعنان في المرحلتين وله اثره فقها لاشتراط الفقهاء الحيازة بالمعاينة في التبرعات الخ .

كما سبق للقسم الثاني من الغرفة الشرعية ان اصدر قرارات مماثلة منها القرار عدد 359 الصادر في 22 مارس 83 بالملف 94005 الذي جاء " حيث ان القرار المطعون فيه اعتبر تقسيم الاب املاكه بين اولاده في حياته عطية تسري عليها احكام التبرعات"، وهو اعتبار صحيح الا انه اعتبر الاعتراف بحوز الاملاك المعطاة كاف في صحة العطية وراى تبعا لذلك بان رسم الصدقة والابراء كاف في صحة العطية والحال انه لايتوفر على شرط معاينة البينة علاوة على عدم اشتمال الابراء على اشهاد الاب بالعطية مع ان الاعتراف بالحوز لايكفي ولا يغني عن الاشهاد بمعاينة البينة للحيازة في التبرعات الخ … المراد منه وهو منشور بالعدد 32 من مجلة القضاء والقانون ص 63 وفي غيرها على ان المجلس سبق له ان اصدر قرارا يوحي التعليق عليه المنشور في العدد 27 من قضاء المجلس الاعلى بعدم التقيد بمبدا معاينة البينة للحيازة وهو القرار عدد 284 الصادر في 22/4/80 بالملف 83548 وقد جاء فيه : لما اعتمدت المحكمة فيما قضت به من رفض دعوى الصدقة على القول بان رسم الصدقة خال من معاينة حيازة المتصدق عليه قبل حدوث المانع والحال ان الطاعن ادلى برسم يفيد تصرفه في المتصدق به ولم تناقش المحكمة هذه الوسيلة الدفاعية وتستخلص منها ما اذا كانت وثائق الملف تفيد حيازة المتصدق عليه حيازة قانونية قبل حصول المانع او بعده الخ …

والملاحظ ان القرار المنقوض سار في الاتجاه الذي سارت فيه المحاكم والمجلس الاعلى من وجوب ثبوت الحيازة بمعاينة البينة لها .
واذا كان الاجتهاد القضائي سار على هذا النهج فان الفقه المالكي لم يعتبر هذه الوسيلة هي الوسيلة الوحيدة اللازمة لاثبات الحيازة الفعلية في التبرعات فلم يقصر اثبات الحيازة على معاينة البينة كما هو راي بعض الفقهاء ولكنه توسع في طرق اثباتها اعتبارا للظروف ومختلف الاحوال التي يتم فيها التبرع وتطور الفقه في هذا الجانب اعتبارا للتطورات الفكرية والاجتماعية .

وقد سبق ان اشرنا الى ان طائفة من فقهائنا تعتبر الحيازة في التبرعات شرط تمام فيها وعلى هذا الاساس فقد راوا ان التبرع ينعقد بالاشهاد به ويصبح موجودا غير تام بحيث لايتم ولا يكتمل الا بالحيازة، وهكذا فان حصلت الحيازة وتم الاشهاد بها مع الاشهاد بالتبرع كان منعقدا او تاما وان لم يحصل مع الاشهاد بالتبرع بقي معلقا متوقفا على حصول شرط تمامه وفي هذه الحالة يحق للمتبرع عليه ان يتصدى للملك المتبرع به ولو دون اذن المتبرع تحقيقا لشرط الحيازة كما يحق له اجبار المتبرع على اتمام التبرع بتحقيق الحيازة التي هي شرط فيه والى ذلك يشير الشيخ خليل في باب الهبة وحيز وان بلا اذن واجبر عليه وبطلت ان تاخر لدين محيط الخ … اي يحاز المتبرع به من طرف المتبرع عليه سواء اذن في ذلك المتبرع او لم ياذن اذ لا يشترط التحويز على المذهب وان امتنع المتبرع من الحوز فانه يجبر عليه ولو بواسطة القضاء بمبادرة من المتبرع عليه حيث يلزم القضاء المتبرع بتمكين المتبرع عليه من المتبرع به لان الهبة تملك بمجرد الاشهاد بها فيحق للموهوب له طلبها ولو عند المحاكم ان امتنع الواهب من التسليم، قال ابن عبد السلام : القبول والحيازة معتبران الا ان القبول ركن، والحيازة شرط الخ … وينبغي ان يقيد ما للمختصر هنا من الحوز بلا اذن بما ذكره في باب الشهادات لدى قوله وان قدر على شيئه فله اخذه ان يكون غير عقوبة، وامن فتنة ورديلة الخ والا تعين اللجوء للقضاء الذي يحسم النزاع .

وقد ازداد الفقه توسعا في هذا الجانب، حيث قرر ان الحيازة تثبت وتتحقق بكل تصرف يدل على حصولها كالاكراء والمغارسة والمساقاة وما شاكل ذلك فاذا تصرف الموهوب له في الشيء الموهوب بشيء مما ذكر فذلك دليل على حصول الحيازة وكاف في اعتبارها متحققة وذلك ما اشار له سيدي عبد الرحمن بن سيدي عبد القادر الفاسي في عمله وعن معاينة حوز يكفي عقد كراء ونحوه في الوقف الخ …

وفي هذا الاطار اعتبر الفقهاء امعانا في التوسع في هذا الجانب انه اذا تعذر حوز الشيء المتبرع به لسبب يحول دون تحقيق الحيازة الفعلية فان الاشهاد بالتبرع يغني عن الحيازة لتعذر تحقيقها قال ابن سلمون وسئل ابن رشد عمن تصدق على ابن له … باملاك واشهد الاب بتبتيل الصدقة والابن بقوبلها ووقع القبض في بعضها بالمعاينة وبقي سائرها لم يتطوف عليه ولا خرج اليه لكونه في مصر مخوف من العدو ولا يدخله احد الا على غرر ولم يعتمر ذلك احد الى ان مات الاب ؟

فاجاب : اذا حال الخوف دون الوصول الى موضع الاملاك المتصدق بها لاجل حيازتها بالتطوف عليها اكتفى الاشهاد ولا تبطل الصدقة ان مات المتصدق قبل الوصول الى محل الصدقة لحيازتها … الخ .
ويؤخذ من هذا النص ان الاكتفاء بالاشهاد بالتبرع عن الحيازة في حالة تعذر القيام بها لسبب مانع من تحقيقها انما ورد استثناء من وجوب ثبوتها بمعاينة البيئة الشاهدة بالتبرع بتحقيقها واستخلص الغرناطي من هذا النص قاعدة نظمها في قوله : ( ويكتفي بصحة الاشهاد ان اعوز الحوز لعذر باد)، وقريب من هذا اشار له الشيخ خليل في قوله في باب الهبة او استصحب هدية او ارسلها ثم مات او المعينة له ان لم يشهد الخ، قال الشراح هنا هذه المسالة تنطوي على ستة عشر صورة بعضها تصح فيه الهدية والبعض الاخر تبطل فيه ويعني الشيخ رحمة الله ان الشخص الذي يرسل هدية لاخر او يصطحبها معه لتسليمها اليه فيموت المهدي في الطريق او المهدي له قبل تسلم الهدية، فان الهدية تبطل لانعدام شرط الحوز الا ان يشهد بها سلفا فان الاشهاد بها يقوم مقام الحوز …

والملاحظ ان الهدية اذا ارسلت للموهوب له بواسطة رسول فان الرسول يكون نائبا عن الموهوب في الحيازة لان الحيازة التي هي شرطها تحققت اما اذا كان المهدي هو الذي اصطحب الهدية ولم يتمكن من تسليمها للموهوب له لموت احدهما قبل التسليم فانما تظهر صحة الهدية اذا كانت لمن يحوز عنه كابنه الصغير وكل شخص له نيابة قانونية عنه اما اذا كانت لاجنبي او لولده الكبير ممن لا يتاتى له النيابة عنه في الحيازة فقد استشكل ذلك غير واحد من الشراح منهم المحشيان : الرهوني وكنون واستظهروا عدم صحة الهدية في الصورتين لانعدام الحيازة لان النصوص الواردة في الاستغناء بالاشهاد عن الحيازة مقيدة بوجود الغذر المانع من حصول الحيازة كما يتضح ذلك من فتوى ابن رشد المشار لها سلفا، والموت لا يعتبر من الاعذار وانما هو من الموانع التي تبطل الهبة ان لم تحز قبول حصولها .

ومن البديهي ان الاعذار المعتبرة في هذا الباب هي عوارض تحول دون تحقيق الحيازة وللمحكمة سلطة تقديرها واعتبار ما تراه منها معفيا ومن الاعذار التي اعتبرها الفقهاء ان يجد المتبرع عليه في طلب الحيازة ويسعى جادا في تحقيقها فلا يتم له لسبب خارج عن ارادته .

فيخلص مما سبق ان الحيازة في التبرعات شرط تمام فيها عند بعض المالكية وشرط صحة عند بعضهم وعند الشافعية والحنفية والحنابلة والامامية ولم يشد عن هذا الاجماع الا الظاهرية ومن لف لفهم وان المذهب على انها تثبت بمعاينة البينة الشاهدة بالتبرع بحصولها وتحقيقها وان لم يتم ذلك في الاشهاد بالتبرع فيمكن للمتبرع عليه ممارستها وتحقيقها تلقائيا بتصديه للمتبرع به وحيازته ولو بدون اذن المتبرع فان امتنع اجبر على تحقيقها ولو بواسطة القضاء .

وان التصرفات الدالة على التملك ونقل الحيازة كالتفويت والاكراء والمغارسة والمساقات كالحيازة وان الاشهاد في التبرع يغني عنها ان حال دون تحقيقها عذر قاهر لايتاتى معه تحقيقها وان تقدير العذر موكل لسلطة القضاء ويعتبر في الاعذار الجد والحرص على تحصيلها دون التمكن من تحقيقها الى حين حصول المانع .

ونصل بعد هذا الى جانب مهم في الموضوع وهو اثبات الحيازة الفعلية في التبرعات بالاملاك المحفظة وهل يغني عنها تسجيل سند التبرع على الرسم العقاري للملك المتبرع به .
وقد اشرنا سلفا الى جمهور الموثقين - كالفشتالي وابن سلمون وفرعون وشراحهم كالشيخ الهواري وغير هؤلاء وغير هؤلاء من الفقهاء اختاروا في اثبات الحيازة في التبرعات وسيلة المعاينة اي معاينة البينة الشاهدة بالتبرع لحصول واقعة الحيازة واعتبروا هذا الاختيار اكمل واحسن واسسوا وثائقهم على وجوب اقتران الاشهاد بالتبرع بالشهادة بمعاينة البينة الشاهدة به لواقعة الحيازة وكان العدول يسيرون في انشاء وتحرير وثائق التبرع على هذا النهج فلما صدر في 9 رمضان 1331 موافق 12/8/1913 المرسوم الملكي المتعلق بالتحفيظ العقاري كانت وثائق التبرعات تحرر على النهج المذكور واذا تعلق الامر بملك محفظ فانها تسجل على رسمه العقاري مستوفية للشروط الفقهية المطلوبة فيها فلم يكن هناك ما يدعو لاثارة الجدل حول هذا الجانب واستمر الحال على هذا النحو الى نهاية الثمانينات حيث ظهرت اختلافات في وجهات النظر في هذا الجانب لم تكن معروفة فيما قبل حيث كانت المحاكم تعتبر معاينة البينة للحيازة في التبرع شرطا لازما وشكلية ضرورية في عقد الاشهاد بالتبرع وصدرت احكام وقرارات بهذا الشان منها قرار محكمة الاستئناف بمكناس عدد 21465 الصادر في 22 ابريل 1974 بالملف 13753 الذي ابطل عقد الهبة العرفي المحرر في 10 يناير 62 والمعرف بامضائه في 20 يناير 62 الوارد على الملك موضوع الرسم العقاري 9419 لعدم توفر شرط الحيازة بمعاينة البينة لها اضافة الى ما ثبت من كون الملك المتبرع به مرهون وهو في حيازة المرتهن فلا تتاتى مع ذلك حيازة المتبرع عليه له وهذا القرار ان كان يقرر ضرورة ثبوت الحيازة بمعاينة البينة لا فرق في ذلك بين الملك المحفظ وغير المحفظ فانه لاي يتناول الجانب المطروح للنقاش وهو امكانية الاستغناء عنها بالتسجيل على الرسم العقاري باعتبار تسجيل سند التبرع على الرسم العقاري للملك المتبرع به يقوم مقام الحيازة ويغني عنها .

على ان المجلس الاعلى كان اصدر بتاريخ 25/12/91 عدد 3204 بالملف 1902 في نزاع بين جمعية علماء سوس وبين ورثة المرحوم الحاج عبد الله بن محمد بن عبد الله بن احمد السوسي الذي كان وهب للجمعية ملكه " ام الخير" ذا الرسم العقاري عدد 10680 بالرباط ولم تسجل الهبة على الرسم العقاري واكتفى بتقييد احتياطي انتهت مدته فزال ومات الواهب وسجل ورثته على الرسم العقاري فطلبت الجمعية التشطيب على الاراثة من الرسم العقاري وتسجيل الهبة واستجاب المحافظ لهذا الطلب في 19/11/70 ونازع الورثة في ذلك وطلبوا ابطال التسجيل الذي تم في 19/11/70 فتقدمت الجمعية بطلب مضاد يرمي الى اعادة تسجيل الهبة في حالة ابطال تسجيلها الذي تم في 19/11/70 وامرت ابتدائية الرباط بالتشطيب على هذا التسجيل كما امرت باعادة التسجيل استجابة للطلب المضاد وايدت محكمة الاستئناف الحكم فيما قضى به من اعادة التسجيل للهبة بمقتضى قرارها عدد 4295 الصادر في 6/8/81 بالملف 616/79 الذي نقضه الملجس الاعلى بمقتضى قراره السالف الذكر بعلة : ان الفقهاء ان كانوا يعتبرون ان الحيازة شرط في صحة التبرعات قبل حصول المانع فان المعتبر هنا في الاملاك المحفظة هو نقل الملكية وليس مجرد الحوز المادي للعقار واذا كان التحويز ينقل الملكية بالنسبة للعقار غير المحفظ فان هذا الاجراء لايكفي بالنسبة للعقار المحفظ ولا يتم الا بالتسجيل على الرسم العقاري للملك المتبرع به عملا بمقتضيات الفصلين 66 و67 من قانون التحفيظ، واعتبارا لاحكام الفصل 106 من قانون التحفيظ الذي يوجب تطبيق احكامه وحدها في حالة تعارضها مع احكام الفقه وانتهت تعليلات القرار الى ان الهبة تعتبر باطلة لكون سندها لم يسجل على الرسم العقاري للملك الموهوب في حياة الواهب حتى مات فترجع الهبة ملكا لورثته .

واذا كانت النتيجة التي انتهى اليها القرار في منطوقه اعتمدت بالاساس عدم التسجيل فان العلل الاخرى التي بني عليها القرار فيها اكثر من جانب يستدعي المناقشة لانها اعتبرت تسجيل سند التبرع على الرسم العقاري كل شيء بالنسبة للتبرع بالملك المحفظ فهو يحقق الملكية ويبرر وجودها القانوني وفي نفس الوقت يعتبر بمثابة الحيازة القانونية وان لم تتحقق الحيازة المادية والفعلية التي اعتبرها الفقهاء شرطا في اتمامه كما ذهبت الى وجود تعارض بين احكام الفقه والمقتضيات التي سنها قانون التحفيظ يتسوجب تطبيق هذه المقتضيات طبقا لمقتضى الفصل 106 من مرسوم التحفيظ دون المقتضيات الفقهية .

وفي هذا خلط واضح بين نصوص الفقه المتعلقة بالحيازة في التبرعات وبين مقتضيات التحفيظ التي تتلاءم وتنسجم مع مقتضيات الفقه ولا تتعارض معها في اي جانب ويمكن الجمع بينهما بل ويجب هذا الجمع فلا حاجة لتطبيق مقتضيات الفصل 106 من قانون التحفيظ الذي الغي لان التبرع بالملك المحفظ يجب فيه الامران تسجيل سند التبرع على الرسم العقاري للملك المتبرع به لان التسجيل هو الذي يضفي على السند صيغة الوجود القانوني له ويمده بالقوة الثبوتية كما سوف تبين ذلك اما الحيازة المادية فهي شرط تمام في صحة التبرع لايتم الا بوجودها وهي خصوصية امتازت بها عقود التبرعات .
وقد سبق لنا اثناء مناقشتنا للجانب الفقهي للحيازة ان بسطنا وجهات النظر الفقهية المختلفة المربتطة بالموضوع فلا داعي للتكرار .

اما بالنسبة لقانون التحفيظ فانه اوضح في الفصلين 1 والثاني منه ان الغاية منه هي جعل العقار المحفظ خاضعا لنظام خاص لايجوز اخراجه منه ويترتب على ذلك اقامة رسم للملكية يسجل برسم عقاري ويعتبر وقت التسجيل ساعة ميلاد العقار بحيث يبطل ماعداه ويطهر الملك من جميع الشوائب التي تتعلق به قبل التسجيل الا ما يدون منها بالرسم الجديد ومعنى هذا ان الغاية التي يهدف لها التشريع العقاري هي غاية تنظيمية ادارية ترمي الى تطهير العقار وانشاء رسم عقاري له وابطال ما عداه وضبط احواله وابراز هويته وانشاء سجل حالته المدنية الذي يضم جميع العمليات والتغيرات والعوارض التي تطرا على حياته وتتبعها بالضبط والتسجيل بحيث لايعتبر منها الا ما تم تسجيله برسمه المؤسس له دون ما عداه مما لم يثبت تسجيله بسجله الخاص به .

وباستقراء احكام هذا القانون فانه يميز بين حالتين الاولى حالة انشاء الرسم العقاري والثانية حالة التسجيلات اللاحقة لانشائه التي يتابع ورودها على حياته، فالحالة الاولى اعتبرها المشرع حاسمة واحاطها بهالة من التقديس فاعتبر مرحلة انشاء الرسم العقاري قاطعة وفاصلة بين عهد لايعتبر واخر جديد يشكل منطلق حياة العقار القانونية وتظهير الملك من جميع ما كان عالقا به قبلها نظرا لما يسبق تاسيس الرسم العقاري من اجراءات وتحريات واشهارات يسري اثرها على العموم وفتح باب المنازعة على مصراعيه وفق شروط معينة فاذا تمت هذه الاجراءات وحفظ الملك فان المحفظ في اسمه هو المالك الوحيد المعتبر وكان تاسيس الرسم العقاري نقطة تحول حاسمة في حياة الملك المحفظ واصبح خاضعا لاعتبارات وقواعد خاصة ولم يبق هناك اي مجال بعد انشاء الرسم العقاري للبحث في سند انشائه والطعن فيه باية وسيلة من الوسائل ولا الى الوصول الىاي حق عيني تعلق به مهما كانت اسبابه .

اما الحالة الثانية فهي حالة التسجيلات الواردة على الملك المحفظ بعد تاسيس رسمه العقاري وتقوم اغلبيتها على الالتزامات المتعلقة بالعقار والتي ترمي الى نقل حق عيني او تعديله او تقييده وهذه الالتزامات تنتج عن السندات التي تنشئها وهي التي تسجل على الرسم العقاري وبمقتضى الفصل 66 من قانون التحفيظ فان التسجيل وهو اجراء تنظيمي هو الذي يعطي للسند المسجل المنشئ للالتزام القوة الثبوتية المستمدة من القانون وبمعنى اخر فان التسجيل ينفخ الروح في السند الذي يكون قبله بمثابة جثة جامدة لا قيمة لها قبل حصوله وهو بهذا المعنى يضفي على السند وجودا قانونيا على الحالة التي انشئ عليها بحيث لايضيف لمدلوله شيئا زائدا عليه فالتسجيل يساوي السند في مدلوله فيكون صحيحا كما يكون باطلا وناقصا وغير متوفر على القيود الازمة لتمامه او صحته فمن الطبيعي ان لايكون تسجيل السند نهائيا وقطعيا بحيث يحول دون الطعن فيه … او في السند المؤسس عليه والقاعدة في هذا الباب : ان التسجيل لا يساوي بين طرفي العقد الا مقدار ما يساويه نفس العقد اساس التسجيل ويترتب على ذلك انه قد يبقى ويدوم وقد يضمحل ويزول تبعا للسند المسجل وما قد يتعرضه من اقرار … او ابطال حسب الاحوال وهذا ما يجعل المحافظ حريصا عند التسجيل على التنصيص على ان التسجيل تم تبعا للشروط الموجودة بالعقد .

وقد اثار هذا الجانب الهام انتباه المشرع، فبعدما اورد المقتضيات المتعلقة بالتسجيلات في الباب الثاني ضمن الفصول 69 وما بعده الى 90 نص في الفصل 91 على ان كل ما ضمن بالسجل العقاري من تسجيل وتقييد احتياطي يمكن ان يشطب عليه بمقتضى كل عقد او حكم نهائي يثبت انعدام او انقضاء الواقع او الحق الذي يتعلق به ما ذكر من التضمين وذلك بالنسبة لجميع الاشخاص الذين يعنيهم حق وقع اشهاره للعموم بصفة قانونية، وعلى هذا الاساس فان الشخص الذي يوصي لاحد اولاده بملك محفظ ويسجل الوصية على الرسم العقاري فان هذا التسجيل يكون باطلا تبعا لبطلان العقد اساسه لمخالفة هذا التصرف قاعدة لا وصية لوارث وبمقتضى ما ذكره فقهاؤنا من ان عقد التبرع يكون منعقدا ويبقى معلقا حتى يتم بالحيازة فان لم تحصل حتى تعلق بالمتبرع مانع فانه يبطل واذا كان عقد التبرع متعلقا بعقار محفظ فان هذا العقد يكتسب وجوده القانوني بالتسجيل ويبقى معلقا كما هو الشان بالنسبة للعقد المتعلق بملك غير محفظ فاذا حصل المانع للمتبرع بعد التسجيل على الرسم العقاري وقبل حصول الحيازة الفعلية جاز لمن يهمه الامر المطالبة بابطال الهبة والتشطيب عليها من الرسم العقاري لاختلال الشرط الواجب توفره في التبرع … وهي قاعدة فقهية ايضا .

وقد اشار الاستاذ بول دوكرو في مؤلفه القيم : القانون العقاري المغربي بمناسبة تعليقه على الفصل 91 المشار نصه اعلاه في ص 178 وما بعدها الى الصفحة 182 في البند 262 الى : انه اذا كان الرسم اساس التسجيل قد تم الاعلان قضائيا عن بطلانه لاي سبب من الاسباب فان التسجيل يكون تبعا لذلك باطلا ويتم التشطيب عليه من طرف المحافظ اثر تقديم المقرر القضائي الحائز لقوة الشيء المقضى به متسدلا على ذلك بقرار محكمة النقض الصادر في 21/5/46 المنشور بالصفحة 237 من قرارات ما وراء البحار لسنة 1947 .

واجتهادات المجلس الاعلى والمحاكم قارة على وجوب ابطال سندات التسجيل التي يشوبها عيب مبطل لها والتشطيب عليها من الرسوم العقارية .
وذلك ما يؤكد ان التسجيل لا يساوي بين طرفي العقد الا ما يساويه العقد المسجل فاذا كان العقد صحيحا فالتسجيل كذلك واذا كان معرضا للبطلان فالتسجيل مثله، وابطال السند يترتب عليه بطلان تسجيله لان التسجيل كما قدمنا يضفي على السند صيغة الوجود القانوني ويمنحه القوة الثبوتية المستمدة من القانون ولا يضيف لمدلوله شيئا زائدا عليه … فلا يتم النقص الموجود فيه ولايصحح العيب الموجب لبطلانه وهي قاعدة عامة يستثنى منها ما نصت عليه الفقرة بالاخيرة من الفصل 66 من مرسوم 12/8/13 في كون ابطال التسجيل تبعا لابطال السند لايسري ضد الغير حسن النية اذا حصل على حقوق سجلها بناء على سند بني على تسجيل سابق مبني على السند المصرح ببطلانه كما اكد ذلك الاستاذ بول دوكرو في اخر البند 262 السالف الذكر … ويستخلص مما تقدم ان تسجيل سند التبرع بالملك المحفظ على رسمه العقاري لايغني عن الحيازة الفعلية ولايقوم مقامها اذا لم تثبت هذه الحيازة في سند التبرع بالبينة المعاينة لحصولها … او باية وسيلة اخرى من وسائل اثبات الحيازة المشار لها صدر هذا التعليق بما في ذلك حالة الاعفاء منها المترتب عن العذر القاهر الذي يحول دون حصولها المسقط لشرطها متى تبت ذلك العذر حسب الفقه المشار له فيما سبق، فاذا لم تثبت الحيازة كما يجب - فقها - حتى حصل المانع المعتبر شرعا، فان التبرع يكون باطلا حتى ولو سجل سنده على الرسم العقاري للملك المتبرع به ويترتب على ذلك استعاذة المتبرع او ورثته لما وقع التبرع به فاذا انشيء التبرع صحيحا بالتنصيص في عقده على معاينة البينة الشاهدة به للحيازة او ثبتت الحيازة بوسيلة اخرى من الوسائل التي يقرها الفقه قبل حصول المانع ولم يسجل هذا التبرع على الرسم العقاري فان التبرع يكون صحيحا مستوفيا لشرطه ويمكن للطرف المتبرع عليه ان يطلب تسجيله على الرسم العقاري ان كان لايزال في اسم المتبرع كما يمكن له ان يطلب التشطيب على التسجيلات التي انجزت بعد التبرع عن سوء نية لتسجيل سند تبرعه طبقا لما يفهم من الفقرة الاخيرة من الفصل 66 من قانون التحفيظ العقاري .

فالتبرع سواء تعلق بملك محفظ او غير محفظ لابد من الاشهاد به … ولا بد من توفر الحيازة فيه … ولاعطاء القوة الثبوتية القانونية للتبرع بالملك المحفظ لابد من تسجيل سند التبرع على الرسم العقاري للملك المتبرع به ليعتبر موجودا قانونيا ولا مفهوم لسند التبرع بل جميع السندات الاخرى المتضمنة لالتزامات عوضية لايمكن اعتبار وجودها الا بتسجيلها طبقا لمقتضى الفصل 66 من قانون التحفيظ وهذه القاعدة قاعدة تنظيمية ضبطية الغاية منها ضبط واثبات التصرفات الواردة على الاملاك المحفظة لتكون ثابتة في سجلاتها الكاشفة لحالتها المدنية بحيث لايعتبر منها ما لم يدون في تلك السجلات وتسجيل السند يعتبر صورة طبق الاصل من مضمونه ولايمكن باي حال ان يكون تسجيل سند التبرع على الرسم العقاري للملك المتبرع به قائما مقام الحيازة الفعلية التي جعلها الفقه شرط صحة او تمام في التبرعات ولا يمكن لهذا التسجيل ان يغني عنها اذا لم يثبت طبقا لما قرره الفقه في ثبوتها حسب الاصول للاسباب الاتية :

1- الحيازة في التبرع شرط صحة او تمام والشرط ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من تحققه وجود ولا عدم لذاته، ومقتضى ذلك فانه يترتب على عدم تحقق الشرط انعدام الماهية واعتبارها غير موجودة .
2- ان التسجيل حسب القواعد المقررة في قانون التحفيظ لايساوي الا قيمة السند المسجل ولا يضيف لمدلوله شيئا زائدا على المعنى الذي يتضمنه السند كما ان التسجيل يوصف بمختلف الاوصاف التي يوصف بها السند فيكون باطلا وصحيحا وسالما ومعيبا حسب الاحوال التي تعرض لكل منهما … والتسجيل تابع في الوصف لاساسه .
3- ان التسجيل انما يضفي على السند صبغة الوجود القانوني ويمده بالقوة الثبوتية المستمدة من القانون فيترتب على ذلك ان السند الغير المسجل يعتبر في حكم المعدوم وان التسجيل هو الذي ينفخ فيه الروح ويحقق وجوده القانوني… وهذه كلها اعتبارات وهمية لايتناولها الحس بخلاف الحيازة الفعلية فانها تصرف مادي محسوس يدرك بمعاينة الحلول والتصرف بوضع اليد وجميع التصرفات الدالة على الاختصاص بالمحوز والتصرف فيه .

فلا يمكن القول بان الاعتبارات الوهمية التي لاتدرك بالحس تعني وتقوم مقام الحيازة الفعلية التي هي تصرف مادي يشاهد ويظهر بالحلول ويدرك بالمعاينة وباسلوب المناطقة فان القول بان تسجيل سند التبرع بالملك المحفظ على رسمه العقاري يغني عن الحيازة الفعلية المشترطة في صحة او تمام تبرعات يؤدي الى القول بان التسجيل المذكور يكمل النقص الحاصل في السند المسجل ولا قائل بذلك على الاطلاق .
واذا سلمنا بهذا فانه لامانع من سريان هذه القاعدة على جميع العقود الاخرى التي تتضمن التزامات متعلقة بحقوق عينية تنشا ناقصة او معيبة لان ما جرى على المثل يجري على المماثل .

لذلك يتعين فهم التسجيل بمفهومه الذي توخاه المشرع في كل من قانون التحفيظ العقاري والقانون المطبق على الاملاك المحفظة. واعتباره فقط مصدرا للقوة الثبوتية القانونية التي يضيفها التسجيل على السند المسجل حيث ينفخ فيه روح الوجود القانوني ويبعث فيه الاعتبار القانوني المستمد من القانون.
اما الحيازة الفعلية وهي تصرف مادي وحلول يدرك بالعيان وهي خاصية مقصورة على عقود التبرع باعتبارها شرط صحة او تمام يفتقد عند وجود التبرع او بعد وجوده فهما مختلفان واجتماعهما ضروري فلا يغني احدهما عن الاخر .

وعلى هذا الاساس درج المجلس الاعلى في كثير من قراراته على اعتبار السندات المعتمدة لنقل الملكية والمشوبة بعيب موجب لبطلانها سندات باطلة على الرغم من تسجيلها على الرسوم العقارية ولم يتردد في التصريح ببطلانها والتشطيب عليها من تلك الرسوم والامثلة على ذلك كثيرة خصوصا في الاراثة ومختلف العقود التي تعتمد كاساس لنقل ملكية العقار المحفظ من الموروث الى الوارث ومن المالك الى غيره نتيجة تصرفات عوضية وغير عوضية طالما كانت السندات المعتمدة مشوبة بعيب ينص الفقه على بطلانها بسببه .

وفي هذا الاطار فقد صدر اخيرا عن غرفة الاحوال الشخصية والميراث قراران احدهما في القضية عدد 559/95 ابرم قرار محكمة الاستئناف بالرباط الذي ابطل الهبة الواقعة على دار سكنى الواهب لزوجته لعدم ثبوت اخلائها من شواغله لمدة سنة كما يوجد ذلك الفقه المقرر في هبة دار السكنى المشار له اعلاه ولثبوت استمرار الواهب في السكنى بها مع زوجته الموهوب لها الى حين وفاته بها .

والثاني صدر في القضية عدد 452/96 نقض قرار محكمة الاستئناف بالرباط الذي صحح الهبة الواقعة من الواهب لزوجته في مرض موته الثابت طبقا للفقه المقرر في بيت التحفة المشهور وهو : صدقة تجوز الا مع مرض - موت وبالدين المحيط تعترض، وعلى ما ثبت من معطيات الملف التي توجب تطبيق الفقه المشار اليه القراران صدرا معا في 9/07/1997 .

والعمل بالمجلس قار على ابطال السندات المعيبة المسجلة على الرسوم العقارية والتصريح بالتشطيب عليها من تلك الرسوم وعدم اعتبارها فكيف يمكن القول بان تسجيل سندات التبرع المعيبة باختلال بعض شروطها يغني عن تلك الشروط ويكمل النقص الموجود بها ؟؟ مع العلم ان التسجيل يعطي فقط القوة الثبوتية للسند ولا يضيف لمضمونه اي شيء زائد على ذلك .

واذا كان من واجبنا ان نساير الركب الحضاري في مجالات التجارة والاقتصاد وفي مجالات الشغل والنقل والسير ومختلف مظاهر الحضارة الانسانية التي تعتبر ثراتا مشتركا بين كافة دول العالم المتحضر فان من واجبنا ايضا الحفاظ على هويتنا كامة اسلامية تعتمد كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والفقه الاسلامي المستمد منهما في كل ما يتعلق باحوالنا الشخصية وموارثنا وما يتعلق بهذه الاحوال من وصايا وصدقات وهبات خصوصا وان احكام الفقه الاسلامي قلما تتعارض مع القوانين الوضعية في مجال التبرعات وان قواعد الفقه سارية المفعول لم تلغ ولم تعدل ومن واجب القضاء ان يطبق القوانين المعمول بها وفي اطار القواعد المعمول بها في هذا الشان .

اعتقد انني بلغت نهاية هذا العرض واملي ان اكون قد وفقت في الالمام باهم جوانب موضوع الحيازة المشترطة في التبرعات وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه انبت .

* مجلة المحاكم المغربية، العدد 84، ص 13 .

الحماية القانونية للشيك في التشريع الجنائي للأستاذ محمد أوغريس نائب الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف الدار البيضاء

بسم الله الرحمان الرحيم

المقدمة
يلعب الشيك دورا هاما، في حياتنا اليومية، سواء في ميدان المعاملات التجارية او في ميدان المعاملات المدنية باعتباره اداة وفاء تحل محل النقود في التعامل بين الافراد.

ونظرا لاهمية الشيك في ميدان التعامل بين الافراد، فقد اصبح اكثر الاوراق التجارية انتشارا وتداولا في الحياة اليومية على الرغم من حداثته اذا ما قيس بالاوراق التجارية الاخرى كالكمبيالة مثلا.

فالشيك لم يبق كما كان في بداية عهده اداة لسحب الودائع المصرفية لحساب الساحب ذاته بل اصبح اداة وفاء تحل محل النقود لا على النطاق الداخلي بالنسبة للمعاملات التي يجريها الافراد داخل الدولة فحسب، بل حتى على النطاق الدولي بالنسبة للمعاملات التجارية الخارجية.

ولاهمية الشيك والدور الذي يلعبه في الحياة اليومية كاداة للوفاء تحل محل النقود في التعامل بين الافراد، بات من اللازم ان يتدخل المشرع بالقدر الضروري لضمان ثقة المتعاملين بهذه الورقة وتوفير الحماية القانونية لها وذلك بسنه قانونا لمواجهة مختلف الحالات التي من شانها ان تخرج عن دوره الطبيعي الذي أنشئ من اجله وتفقد ثقة المتعاملين به. وفعلا اصدر المشرع المغربي في 28 ذي القعدة 1357 الموافق 19 يناير 1939 ظهيرا خاصا بالشيك تضمن 77 فصلا كانت محلا لبعض التعديلات اللاحقة. وقد تضمن جزاءات جنائية لحماية التعامل بالشيك.

وجدير بالذكر ان الجزاء الجنائي هو الذي يوفر الثقة اللازمة للمتعاملين بالشيك ويشجع الافراد على التعامل به، كما يحميهم من مختلف الحالات التي تهدد هذه الثقة كما هو الشان بالنسبة لحالات اصدار شيك بدون رصيد، قبول تسلم شيك صدر في مثل هذه الحالات، اصدار او قبول شيك على سيبل الضمان.

ولاشك ان الجزاء الجنائي الذي قرره المشرع المغربي في المادة 70 من ظهير الشيك وفي المادتين 543 و544 من القانون الجنائي يعتبر خير ضمان لحماية حامل الشيك وتوفير الثقة له فيه، وبالتالي فهو افضل وسيلة للحفاظ على الغرض الذي انشئ من اجله الشيك كاداة للوفاء تحل محل النقود في المعاملات بين الافراد.

وبالرجوع الى مقتضيات المادة 453 والمادة 544 من القانون الجنائي وكذا المادة 70 من ظهير الشيك نجد المشرع قد ذكر لفظة شيك بدون أي تحديد لطبيعته، فهو عندما جرم الفعل ووضع له الجزاء لم يميز فيه بين ما اذا كان الشيك مدنيا او تجاريا وانما اراد حماية الشيك حماية مطلقة من دون أي تخصيص.

وعليه فان تطبيق العقوبة المنصوص عليها في المادة 543 من القانون الجنائي والمادة 70 من ظهير الشيك من اجل اصدار الشيك بدون رصيد، وكذا العقوبة المقررة في المادة 544 من اجل اصدار او قبول شيك على سبيل الضمان تطبق على المخالف أيا كانت العملية التي انشئ من اجلها الشيك أي سواء كان من اجل عملية تجارية او عملية مدنية، وبعبارة أخرى سواء كان الشيك تجاريا او كان مدنيا.

وسنتناول الموضوع في مبحثين:
المبحث الاول: حالات اصدار الشيك بدون رصيد
المبحث الثاني: اصدار او قبول الشيك على سبيل الضمان.


المبحث الاول
حالات إصدار الشيك بدون رصيد
أولا : تبيان الحالات :
جاء في المادة 543 من القانون الجنائي المغربي :
" يعد مصدرا لشيك بدون رصيد من يرتكب بسوء نية احد الافعال الاتية :
1- اصدار شيك ليس له رصيد قائم قابل للتصرف او له رصيد يقل عن قيمته، وكذلك سحب الرصيد كله او جزء منه بعد اصدار الشيك أو اصدار امر للمسحوب عليه بعدم الدفع.
2- قبول تسلم شيك صدر في الظروف المشار اليها في الفقرة السابقة.

ويعاقب مرتكب الجريمة بالعقوبة المقررة في الفقرة الاولى من المادة 540 على ان لا تقل الغرامة عن قيمة الشيك او قيمة الرصيد الناقص".

وجدير بالملاحظة ان الشروط التي اشترطتها المادة 543 من القانون الجنائي لتطبيق عقوبة النصب هي نفس الشروط المشار اليها في المادة 70 من ظهير الشيك، فكلاهما يستلزمان لتطبيق العقوبة توافر سوء النية في الحالات المشار اليها.

يتبين مما سبق ان المشرع المغربي ذكر حالات اصدار الشيك بدون رصيد على سبيل الحصر لا على سبيل المثال، فبتحقق احداهما تتحقق الجريمة ويلزم تطبيق العقاب.

وهذه الحالات هي الآتية :
أولا : اصدار شيك ليس له رصيد قائم وقابل للتصرف.
ثانيا : اصدار شيك ليس له رصيد كاف.
ثالثا: سحب كل الرصيد او بعضه بعد اصدار الشيك.
رابعا: امر الساحب المسحوب عليه بعدم اداء قيمة الشيك.
خامسا: قبول تسلم شيك صدر في مثل هذه الحالات.

الحالة الاولى: اصدار شيك ليس له رصيد قائم وقابل للتصرف
تعتبر هذه الحالة من اكثر الحالات شيوعا وانتشارا في الحياة العملية، اذ كثيرا ما يعمد الساحب الى اصدار شيك وهو يعلم انه بدون رصيد قائم وقابل للتصرف فيكون مرتكبا للجريمة منذ وقت تسليم الشيك للمستفيد، أي ابتداء من وقت خروج الشيك من حيازته القانونية وطرحه للتداول يستوي في ذلك ان يكون التسليم قد تم بعد كتابة جميع المعلومات الضرورية او يكون الساحب قد اكتفى بوضع امضائه فقط وسلمه للمستفيد او للحامل من اجل اضافة بقية المعلومات الاخرى بعد الاتفاق بطبيعة الحال على مبلغ الشيك.

والعبرة في تقدير وجود الرصيد وقابليته للتصرف من عدمه هي لوقت الاصدار لا لوقت التقديم. ويرجع في اثبات وقت الاصدار الى التاريخ المكتوب على الشيك حتى ولو كان مغايرا لتاريخ الاصدار الحقيقي.
ويذهب بعض الفقه الى ان الجريمة تتحقق حتى ولو تاخر المستفيد عن صرف قيمة الشيك في تاريخ الاصدار فتمكن الساحب من وضع الرصيد او تكملة الخصاص خلال فترة التاخير (1).

ويذهب الدكتور حومد الى انه " لو كان الساحب يعرف انه لا رصيد له في المصرف، ومع ذلك يسحب الشيك وهو يامل ان يضع في المصرف مبلغا كافيا قبل ان يقدمه المستفيد للقبض، وتمكن فعلا من ذلك فانه يظل معاقبا. والسبب نص القانون الصريح، ثم لان الساحب الذي كان ينوي ان يؤمن المبلغ قبل عرض الشيك على المصرف لا يستطيع ان يتحكم في الظروف والحوادث المقبلة التي قد تحول دون تامين المبلغ ووضعه في المصرف" (2).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) رؤوف عبيد - المرجع السابق - ص428.
أدوار عيد - المرجع السابق - ص 20.
2) القانون الجنائي المغربي - القسم الخاص- ص 312.
3) نعم ان الجريمة تتحقق في حالة توقيع حجز ما للمدين لدى الغير ويكون الساحب على علم بهذا الحجز الذي اجري تحت يد الغير
ولا يشترط لتحقق الجريمة ان يقوم المستفيد من الشيك بتقديمه للمسحوب عليه في تاريخ اصداره، بل هي تتحقق حتى ولو تقدم في تاريخ لاحق عن تاريخ الاصدار ما دام الشيك قد استوفى شكله القانوني لكي يحل محل النقود اذ هو مستحق الاداء بمجرد الاطلاع عليه.

فالرصيد يجب ان يكون موجودا بصورة فعلية وقت تحرير الشيك وتسليمه للمستفيد.
اما اذا كان الرصيد قابلا للتصرف وقت اصدار الشيك تم اصبح بعد ذلك غير قابل للتصرف لسبب من الاسباب وقبل تقديم الشيك للوفاء، فان الجريمة لا تتحقق، وبالتالي فان الساحب لا يسال جنائيا، كالقاء الحجز على أمواله، او اعلان افلاسه او هلاك محل المسحوب عليه بسبب حريق شب فيه.

وتقديم الشيك الى المسحوب عليه لا علاقة له بتحقق الجريمة فهو اجراء مادي يتجه الى استيفاء الرصيد لا اقل ولا اكثر، كما ان افادة البنك بعدم وجود الرصيد ما هو الا اجراء كاشف للجريمة.
والجريمة تتحقق حتى ولو كان الساحب قد ادى للمستفيد قيمة الشيك الصادر بدون رصيد.

ولا وجود للجريمة اذا امتنع المسحوب عليه من الوفاء بقيمة الشيك للمستفيد لسبب من الاسباب لا دخل لارادة الساحب فيه، كعدم ادلاء المستفيد مثلا ببطاقة تعريفه او التشكك في التوقيع. وقد ذهب القضاء الفرنسي الى ان الجريمة لا تتحقق في حالة من يعطي شيكا على بنك من البنوك فيمتنع المسحوب عليه عن الدفع، لان الشيك لم يكن محررا على نموذج من النماذج التي درجت الابناك على اصدارها (4)

الحالة الثانية : اصدار شيك ليس له رصيد كاف
وفي هذه الحالة نجد الساحب يملك رصيدا قائما وقابلا للتصرف، الا انه رصيد غير كاف للوفاء بقيمة الشيك التي سحب بها.
وحسنا فعل المشرع المغربي لما نص على هذه الحالة بصورة صريحة وذلك دفعا لكل التباس ينشأ عن عدم التنصيص عليها.

فالجريمة تتحقق ايا كانت نسبة نقص او الخصاص، وحتى لو كانت نسبة النقص ضئيلة جدا (5)، اذ لا يكفي ان يكون للساحب رصيد قائم وقابل للتصرف لدى المسحوب عليه بل يجب ان يكون هذا الرصيد كافيا للوفاء بمبلغ الشيك.

ولا يمنع من تحقق الجريمة قيام المسحوب عليه بتكملة نسبة النقص وتسديد قيمة الشيك كاملة بعد اصداره، اذ ان مثل هذا التصرف هو من قبيل العمل اللاحق على عملية اصدار الشيك، وبالتالي فلا اثر له على تحقق الجريمة.

نعم، اذا كان الساحب قد اتفق مسبقا مع المسحوب عليه على تكملة النقص الحاصل في الرصيد او كان يعتقد ان المسحوب عليه سيقوم بتكملته لثقته فيه، فان الجريمة لا تتحقق لانعدام القصد الجنائي (6).
والجريمة تتحقق ولو قام الساحب بعد اصداره الشيك بتكملة الرصيد الناقص اذ العبرة بتحققها هي لوقت الاصدار.

والجدير بالاشارة انه يحق للحامل اذا كان الرصيد اقل من مبلغ الشيك ان يطالب المسحوب عليه بمقدار الرصيد الموجود مع الاحتفاظ بحقه في الرجوع على الساحب والموقعين على الشيك بالجزء المتبقى الذي لم يدفع بعد اجراء الاحتجاج بعدم الاداء (7).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
4) دالوز الاسبوعي سنة 1936.
5) قد يكون النقص اليسير في قرينة في يد الساحب يدفع بها التهمة عن نفسه ودليلا ينفي به توافر القصد الجنائي لديه ما لم تثبت النيابة العامة سوء نيته وعلمه بنقصان الرصيد، فتتحقق الجريمة ويجب تطبيق العقوبة مهما كانت نسبة النقص.
ويذهب الدكتور أدوار عيد في هذا المعنى الى القول " غير ان النقص التافه في المؤونة قد يعد دليلا على حسن النية، او يؤخذ في الاعتبار عند تعيين حد العقوبة". المرجع السابق ص 20.
6) احمد سرور ص 531 اورده غالي الذهبي - المرجع ص 470.
7) راجع المادة 34 من ظهير الشيك.

الحالة الثالثة : سحب كل الرصيد او بعضه بعد اصدار الشيك
يقصد بهذه الحالة ان يقوم الساحب في الفترة الفاصلة ما بين اصدار الشيك وتقديمه للاداء الى سحب كل الرصيد او بعضه الموجود لدى المسحوب عليه مما يترتب عليه زوال حقه الذي له عنده او نقصانه، كقفله الحساب الجاري وتصفيته وارجاع الرصيد الدائن اليه (8).
والجدير بالملاحظة ان الحماية الجنائية التي قررها المشرع للشيك لا تتوقف على ضرورة وجود الرصيد وقت اصدار الشيك فقط بل تمتد الى وجوب ابقائه قائما وموجودا الى ان يحصل الحامل على الوفاء بقيمته. لذا فيمنع على الساحب بعد اصداره الشيك وقبل تقديمه للوفاء ان يعمد الى استرداد كل الرصيد أو جزء منه، واذا ما خالف هذا المنع فانه يعد مرتكبا لجريمة اصدار الشيك بدون رصيد.

والجريمة تتحقق بصرف النظر عما اذا كان الشيك قد قدم للوفاء به داخل اجل التقديم ام خارجه، لان تقديم الشيك للوفاء بقيمته لا علاقة له بتحقق الجريمة بل هو اجراء مادي يهدف من وراءه الحصول على مبلغ الشيك لا اقل ولا اكثر، ذلك ان حق الحامل في مطالبة المسحوب عليه بالوفاء لا يسقط بانقضاء اجل التقديم بل يبقى قائما طوال مدة ثلاث سنوات ابتداء من نهاية اجل التقديم (9).

كما ان المادة 543 من القانون الجنائي عندما جرمت الفعل لم تفرق بين ما اذا كان السحب الكلي او الجزئي للرصيد قد حصل قبل او بعد انقضاء اجل التقديم المنصوص عليه في المادة 29 من ظهير الشيك.
ولما كانت ملكيته مقابل الوفاء تنتقل الى الحامل بمجرد اصدار الشيك وتسليمه اليه، فانه يمنع على الساحب بعد ذلك القيام باي عمل او اجراء من شانه ان يؤدي الى زوال الرصيد او نقصانه قبل ان يتمكن الحامل من تحصيل قيمته.

والجريمة تتحقق سواء كان السحب الكلي او الجزئي للرصيد قد قام به الساحب نفسه، او امر الغير القائم به بواسطة شيك اخر.
والساحب قد يعمد الى سحب كل الرصيد او جزء منه اما بقصد الاضرار بالمستفيد وحرمانه من حقه، واما بسبب وجوده في ضيق مالي، واما بسبب سحبه لشيك ثان على نفس الرصيد مما يؤدي الى زواله، واما بسبب عدم تنفيذ الحامل للالتزامات التي انشئ من اجلها الشيك.
وعلى كل، فكيفما كانت الاسباب التي دفعت بالساحب الى سحب كل الرصيد او جزء منه مهما تعددت، فان الجريمة تتحقق حتى ولو تاخر المستفيد في صرف قيمة الشيك مدة طويلة او قصيرة. بل حتى ولو وفى قيمته بعد ذلك، لان غاية المشرع من تجريم الفعل، كما سبق القول، هي منع كل تلاعب بالشيكات وسد الباب امام كل تحايل وتوفير الثقة الكاملة للمتعاملين بها باعتبارها أداة وفاء تحل محل النقود.

واذا ما كان للساحب سبب مشروع يبرر طلب السحب الكلي أو الجزئي للرصيد، فعليه ان يراجع القضاء المختص لاتخاذ القرار الواجب اتخاذه. وتطبيقا لذلك فقد اصدرت المحكمة الابتدائية بتطوان وهي تبت في المادة الاستعجالية امرا يقضي بالاذن بسحب قيمة الشيكات تحت مسؤولية المدعية وعهدتها الى حين اتمام البيع المبرم بينها وبين المدعى عليه بشان الشقة المتنازع عليها (11).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
8) يجب ان يكون سحب الرصيد بمعرفة الساحب. وعليه فان الجريمة لا تتحقق اذا كان المسحوب عليه قد اعاد الرصيد الى الساحب ولم يشعره بذلك وقام هذا الاخير بسحب الشيك، فتبين انه بدون رصيد وذلك لانعدام القصد الجنائي.
9) لقد حددت المادة 29 من ظهير الشيك مدة تقديم الشيك للاداء، فهي 8 أيام تحسب اعتبارا من اليوم الموالي ليوم السحب اذا كان صادرا في المغرب وواجب الاداء فيه، واذا كان الشيك مسحوبا في بلد أوروبي او بلد واقع على شاطئ البحر الابيض المتوسط وواجب الاداء في المغرب، فيجب تقديمه للاداء خلال 20 يوما تحسب ابتداء من اليوم الموالي ليوم سحبه.
10) إما اذا كان مسحوبا في أي مكان اخر غير ما ذكر من البلدان فمدة التقديم تكون 70 يوما وتجدر الاشارة الى ان المادة 56 من نفس الظهير قد نصت في فقرتها الرابعة على تقادم دعوى رجوع حامل الشيك ضد المسحوب عليه بمرور ثلاث سنوات ابتداء من انتهاء مدة التقدير بالاداء.
11) بالرجوع الى المادة 32 من الظهير نجدها تجيز للمسحوب عليه الوفاء بقيمة الشيك حتى ولو بعد انقضاء الاجل المعين للتقديم.
كما ان الفقرة الاولى من المادة 17 من نفس الظهير تشير الى انتقال ملكية مقابل الوفاء للحامل بمجرد الاصدار، وينشا عن ذلك ان المسحوب عليه يتعين عليه ان يجمد الرصيد متى علم بان الشيك قد سحب عليه وان يمنع الساحب في هذه الحالة من استرداده او تنقيصه.

الا ان محكمة الاستئناف بتطوان بعد عرض الامر المذكور على انظارها الغته على اساس ان ورقة الشيك تعد في عرف القانون التجاري ورقة وفاء وليست ورقة ائتمان حفاظا على المعاملة التجارية بين التجار.
وقد جاء في احدى حيثياتها : حيث انه تمشيا مع منطق المستانف عليها لتقديم الطلب حول سحب قيمة الشيكات تكون متناقضة مع نفسها، ذلك ان الافادة البنكية تفيد بتاريخ 23/11/82 بعدم وجود الرصيد، ومع ان صدور الامر بسحب قيمة الشيكات يوم 25/11/82 يعني ذلك انها قامت بالسحب قبل القرار الآمر الذي يدل دلالة واضحة على ان اوراق الشيكات سلمت بدون ر صيد (12).
وتجدر الملاحظة ان طالب الغاء الامر قد ركز دفاعه على اساس ان اوراق الشيكات قد سلمت له من اجل معاملة تجارية في الثوب ولا علاقة لها ببيع العقار قائلا : " ان بعض الشيكات سملت اليه وحل اجل وفاءها قبل اجراء عملية البيع في الشقة المذكورة".

الحالة الرابعة: امر الساحب المسحوب عليه بعدم اداء قيمة الشيك.
تتحقق هذه الحالة بمجرد صدور امر من الساحب الى المسحوب عليه بمنعه من الوفاء بقيمة الشيك للحامل او المستفيد وابلاغه به (13) وعليه، فلا يحق للساحب بعد اصدار الشيك ان يوجه امرا للمسحوب عليه بعدم الدفع او الاعتراض على الوفاء. واذا ما فعل، فان الجريمة تتحقق ويسال جنائيا طبقا لاحكام المادة543 من القانون الجنائي.
والجريمة تتحقق أيا كان السبب الدافع الى اصدار الشيك او الاعتراض على الوفاء بقيمته حتى ولو كان مشروعا (14)، كان تكون البضاعة التي سلم من اجلها الشيك معينة او يكون الشيك قد سلم من اجل دين قمار، اذا المشرع يهدف من وراء تجريم الفعل حماية التعامل بالشيك وليس حماية المستفيد في علاقته بالساحب (15).
واذا كان للساحب سبب مشروع يبرر عدم الدفع أو الاعتراض على الوفاء وجب عليه ان يراجع القضاء المختص لتقرير ما يجب اتخاذه، اذ القصد الجنائي يتوافر لدى الساحب بمجرد اصداره الامر بعدم الدفع او الاعتراض على الوفاء، مهما كان السبب الذي بين عليه هذا الامر، أي حتى ولو كان مشروعا، كان يخطئ الساحب مثلا في مقدار الدين الذي اعطى الشيك من اجله، اذ السبب لا تاثير له هنا على المسؤولية الجنائية التي تتحقق بمجرد صدور فعل ايجابي منه الى المسحوب عليه يتمثل في الامر بعدم دفع قيمة الشيك، فمثل هذا الامر كاف ولوحده للدلالة على سوء نيته ولتحقيق الجريمة حتى ولو كان السبب مشروعا (16).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
12) ملف رقم 1500 في الامر عدد 1535 الصادر بتاريخ 25/11/1982.
قضية مستعجلة عدد 52/83 وتاريخ 27/12/83 في الحكم الصادر تحت عدد 615/83. ( غير منشور).
13) Blocage de provision ou opposition indue
14) جارو صفحة 441، سيري سنة 1936 ص 319.
هنري كبرياك - المرجع السابق - ص 51 الفقرة 90.
15) أدوار عيد المرجع السابق ص 22، مصطفى كمال مصطفى كمال طه المرجع السابق - ص 215.
الخمليشي - المرجع السابق- ص 314
16) يؤيد هذا الراي كل من الفقه المصري - راجع مصطفى القللي في شرح قانون العقوبات الطبعة الاول صفحة 271، وكذا كل من الفقه والقضاء الفرنسيين - راجع هنري كبرياك - المرجع السابق - ص 51 الفقرة91.
وهناك جانب اخر من الفقه يذهب الى ان للساحب الحق في اصدار امر الى المسحوب عليه بعدم دفع مقابل الشيك اذا ما تبين له ان إصداره كان بناء على طرق احتيالية قام بها المستفيد من اجل الحصول على قيمة الشيك بدون سبب مشروع. رؤوف عبيد - المرجع السابق - ص 458.
إلا أننا نرى ما يراه الفقه من ان على الساحب في حالة حيازة المستفيد الشيك عن طريق النصب ان يثبت جريمة النصب طبقا للمادة 540 من القانون الجنائي، فلا يكفي الادعاء بانه وقع ضحية نصب واحتيال وانما عليه ان يحرك الدعوى العمومية ضد المستفيد من اجل النصب ما لم تكن النيابة العامة قد حركتها هي بنفسها، فاذا انتهت بادانته من اجل الفعل المذكور تعين تبرئته من اجل جريمة اصدار امر بعدم الدفع.
راجع الدكتور الخمليشي - المرجع السابق - ص 352.
راجع الدكتور رؤوف عبيد - المرجع السابق- ص 458.




والجريمة تتحقق سواء صدر الامر قبل اعطاء الشيك او بعده، وسواء قدم الشيك للوفاء به داخل الاجل او خارجه. اذ في كلتا الحالتين يتعين على الساحب ان يبقى لدى المسحوب عليه الرصيد الذي يساوي قيمة الشيك حتى بعد انتهاء مدة التقديم وطوال مدة التقادم التي يجوز للحامل الرجوع فيها على المسحوب عليه كما سبق القول (17).

وعليه، فيمتنع على الساحب ليس فقط الاعتراض على الوفاء بل ايضا القيام بكل عمل او اجراء من شانه ان يمنع المسحوب عليه من دفع مبلغ الشيك للمستفيد. اذ مثل هذا العمل يعتبر من قبيل الاعتراض على الوفاء، ومن شانه ان يحقق الجريمة كالقاء الحجز على الشيك، اذ في هذه الحالة يؤدي الحجز الى منع المسحوب عليه من وفاء قيمته للمستفيد (18).
وللساحب الذي يرغب في استرداد مبلغ الشيك الذي دفع بدون سبب ان يلجا الى القضاء المدني المختص للمطالبة به.

ولا يحق للمسحوب عليه ان يمتنع عن اداء قيمة الشيك حتى ولو فقد الساحب أهليته او أعلن إفلاسه او توفي بعد إصداره الشيك، بل يتعين عليه الوفاء بمبلغه حتى ولو عارض في ذلك الوصي او المقدم او وكيل التفليسة او الورثة، وهذا ما أكدته المادة 33 من ظهير الشيك التي جاء فيها " وفاة الساحب وعجزه الطارئ بعد إصداره الشيك لا اثر لهما على النتائج المترتبة عن الشيك".

وإذا كان الأصل هو عدم جواز اصدار أمر للمسحوب عليه بعدم الدفع او الاعتراض على الوفاء، فلقد نص المشرع على استثنائين اثنين اجاز فيهما للساحب الاعتراض على الوفاء وذلك في المادة 32، الفقرة 2 من الظهير وهما (19) :
أولا: حالة ضياع الشيك.
ثانيا : حالة افلاس الحامل.
وسنتحدث عن كل حالة على حدة.

أولا : حالة ضياع الشيك
للساحب في حالة ضياع الشيك الحق في الاعتراض على الوفاء بقيمته للحامل سواء أكان الضياع قد حصل قبل تسليمه الشيك للمستفيد أم حصل بعد ذلك. اذ انه في حالة الضياع ينعدم فعل الاصدار لكون الشيك في هذه الحالة لم يخرج بعد من حيازة الساحب القانونية بارادة واختيار.
ولا يمكن القول في حالة ضياع الشيك والاعتراض على الوفاء بقيمته بتحقق الجريمة وذاك لانعدام العنصر الجنائي، ولكون الساحب يستعمل حقا خوله له القانون.
ومتى تلقى المسحوب عليه الامر بعدم الدفع في حالة ضياع الشيك وجب عليه تجميد مقابل الوفاء وعدم الوفاء به، كما امتنع على الساحب استرداده.
وضياع الشيك يجب ان يفسر الواسع بمعناه الواسع حيث يشمل فقدان الشيك سرقته، هلاكه بسبب من الاسباب التي لا دخل لارادة الحامل فيها (20).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
17) راجع صفحة 87 و88 على الهامش.
18) فلا يجوز لدائني الساحب القاء الحجز على قيمة الشيك تحت يد المسحوب عليه. وليس لهم سوى حق الحجز على دين الساحب الموجود لدى المسحوب عليه قبل اصدار الشيك وفي حالة قيام نزاع في هذا الشان، لزم الحامل للتخلص من اثار الحجز اقامة الدليل على ان اصدار الشيك قد تم قبل القاء الحجز على دين الرصيد. وله ان يثبت ذلك بجميع طرق الاثبات، ومن بينهما تاريخ اصدار الشيك.
19) جاء في الفقرة 2 من المادة 32 من ظهير الشيك.
" ولا يجوز التعرض للوفاء الا في حالة فقدان الشيك او الافلاس الحامل".
ونفس المبدا اخذت به كل من المادة 428 من قانون التجارة اللبناني، والمادة 536 من قانون التجارة السوري والمادة 32 الفقرة 2 من قانون الشيك الفرنسي.
20) يذهب الدكتور الخمليشي الى القول: " ويمكن للساحب كذلك ان يعترض على الدفع اذا سرق منه الشيك او انتزاع منه بوسائل احتيالية مكونه لجريمة النصب شرط ان تثبت هذه الجريمة كما اشرنا سابقا. ولا يكفي مجرد ادعاء الاحتيال لتبرير الاعتراض على الدفع".

ثانيا : إفلاس الحامل
لقد أجاز المشرع للساحب الاعتراض على دفع قيمة الشيك اذا كانت له مصلحة في ذلك ولتفادي كل نزاع محتمل بينه وبين وكيل التفليسة حول صحة الوفاء لشخص مفلس او على وشك الافلاس.
وعادة ما يصدر الاعتراض من وكيل التفليسة خشية ان يتصرف فيه المدين المفلس (21).

واذا لم يحصل أي اعتراض على الوفاء وقام المسحوب عليه بدفع قيمة الشيك للحامل المفلس فان الوفاء يكون صحيح ومنتجا لكافة اثاره القانونية ما لم يثبت انه كان عالما بحالة الافلاس قبل الوفاء.
والملاحظ ان الافلاس الساحب نفسه لا يمنع من الوفاء بقيمة الشيك للحامل. فهو وفاء صحيح. اذ ان مقابل الوفاء يضحى ملكا للحامل بمجرد السحب ويحق له بالتالي استيفاؤه من المسحوب عليه، وهنا يمنع على وكيل تفليسة الساحب الاعتراض على الوفاء به.

يتبين مما سبق ان الساحب لا يجوز له على الاطلاق اصدار امره الى المسحوب عليه بعدم دفع قيمة الشيك للحامل او المستفيد، او الاعتراض على الوفاء به حتى ولو كان السبب مشروعا، فيما عدا الحالتين المذكورتين في المادة 32، الفقرة 2 من ظهير الشيك وهما حالة ضياع الشيك وحالة افلاس الحامل حيث يجوز الاعتراض على الوفاء قانونا. اذ من المعلوم ان مجرد صدور مثل هذا الأمر من الساحب إلى المسحوب عليه يشكل قرينة قانونية على سوء نيته.

إجراءات الاعتراض على الوفاء ورفعه.
لم يشترط القانون شكلا معينا ولا صيغة معينة للاعتراض على الوفاء في حالة ضياع الشيك او افلاس الحامل. فقد يتم الاعتراض رسالة مضمونة او رسالة عادية او برقية او باية وسيلة اخرى تمكن من وصول الاعتراض عن الدفع الى المسحوب عليه.
والاعتراض على الوفاء يجب ان يكون صريحا لا لبس فيه ولا غموض أي معبر عن ارادة الساحب في منع الوفاء بقيمة الشيك.

ولا يشترط لصحة الاعتراض الحصول على ترخيص من القضاء ولا تعليقه على تقديم كفالة مالية.
وللحامل في حالة صدور اعتراض عن الوفاء في غير الحالتين المذكورتين - ضياع الشيك وافلاس الحامل- ان يطلب من قاضي الامور المستعجلة رفع الاعتراض المذكور بعد تبليغ الطلب الى الساحب المعترض على الوفاء بطبيعة الحال.

وعلى قاضي الامور المستعجلة ان يامر بناء على طلب الحامل المذكور برفع الاعتراض على الوفاء حتى ولو كانت قد اقيمت دعوى للمطالبة بالدين الاصلي.
وقرار قاضي الامور المستعجلة برفع الاعتراض على الوفاء يكون قابلا للتنفيذ رغم الطعن فيه، وله ان يقر التنفيذ على اصله، بحيث يتوجب على المسحوب عليه دفع قيمة الشيك بمجرد تقديمه اليه.

يتبين مما سبق انه لا يحق للساحب بعد اصداره الشيك ان يعترض على الوفاء ويوجه امرا للمسحوب عليه بعدم الوفاء مهما كان السبب حتى ولو كان مشروعا، اذ مثل هذا العمل من شانه ان يزعزع الثقة في التعامل بالشيك ويوجب تطبيق العقاب على الفاعل باستثناء حالة ضياع الشيك وحالة افلاس الحامل حيث يجوز الاعتراض على الوفاء بحكم القانون.

والمسحوب عليه لا يحق له ان يمتنع عن الوفاء بقيمة الشيك الا اذا كان سبب الاعتراض على الوفاء كما سبق القول هو ضياع الشيك او افلاس الحامل. اما ما عدا ذلك فلا يحق له الامتناع عن الاداء للحامل.

الحالة الخامسة : قبول تسلم شيك صدر بدون رصيد
لم يفت المشرع المغربي كغيره من التشريعات الحديثة معاقبة المستفيد الذي يعلم وقت حصوله على الشيك بانعدام الرصيد (22)، وذلك عندما نص في الفقرة 2 من المادة 70 من ظهير الشيك المغربي :
ـــــــــــــــــــــــــــ
21) هنري كبرياك - المرجع السابق - ص 52 فقرة 93.
22) انظر المادة 667 من قانون العقوبات اللبناني.
نفس الحكم اخذ به المشرع الفرنسي في المادة 66 من قانون الشيك الفرنسي وسار عليه القضاء الفرنسي.
انظر سيري 1928/1/ ص 119، كازيت دي باليه 1927/1 ص317.
" يعد مصدرا للشيك بدون رصيد من يرتكب بسوء نية احد الافعال الاتية :
1- قبول تسلم شيك صدر في الظروف المشار اليها في الفقرة السابقة".
والجريمة تتحقق حتى ولو كان الساحب نفسه هو الذي اخبر المستفيد بحقيقة الامر.

ويشترط لتحقق الجريمة توافر الشروط الاتية :
الشرط الاول : ان يقوم الساحب باصدار شيك بدون رصيد او برصيد ناقص وغير كاف ومعد للدفع. وبعبارة أخرى ان يقبل شيكا اصدره الساحب في الحالات المشار اليها في الفقرة الاولى من المادة 543 من القانون الجنائي.

الشرط الثاني : ان يقوم المستفيد بتسلم الشيك أي بادخاله في حيازته القانونية من اجل الاستفادة من الحقوق المترتبة عنه. اما اذا كان عالما بتحرير الشيك الا انه لم يتسلمه، فان الجريمة لا تتحقق. ولا يكفي مجرد اعلان قبول تسلم الشيك بل يجب ان يتسلم المستفيد فعلا.

الشرط الثالث: ان يكون المستفيد وقت تسلمه الشيك عالما بانه بدون رصيد أي ان الشيك صدر في احدى الحالات المشار اليها في الفقرة الاولى من المادة 543 من القانون الجنائي.

اما اذ كان يجهل ان الشيك بدون رصيد وقبله، فان الجريمة لا تتحقق لانعدام القصد الجنائي.

ثانيا : القصد الجنائي
ان جريمة اصدار الشيك بدون رصيد من الجرائم العمدية التي يشترط لتحققها ومعاقبة الساحب عليها توافر القصد الجنائي، أي توافر سوء النية وهذا ما اكدته بالفعل المادة 543 من القانون الجنائي عندما اشترطت لمعاقبة الساحب ان يكون الفعل المادي الذي قام به قد صدر منه بسوء نية. وعليه، فلا مجال للقول بتحقيقها اذا كان الساحب يعتقد خطا وقت اصدار الشيك ان الرصيد قائم لم يتم سحبه بعد، او انه كاف للوفاء بقيمة الشيك.

1- العبرة بالقصد الجنائي العام دون القصد الجنائي الخاص
بالرجوع الى مقتضيات المادة 543 من القانون الجنائي نجد المشرع المغربي قد اشترط للعقاب على ارتكاب الجريمة ان يكون الفعل المادي الذي ارتكبه الساحب قد صدر منه بسوء نية، مما يستفاد منه انه اخذ بالقصد العام دون القصد الخاص وهذا ما ايده الفقه (23) والقضاء في المغرب (24) الذي اكتفى بمجرد العلم أي علم الساحب وقت اصدار الشيك بانعدام الرصيد او عدم كفايته او كونه غير قابل للتصرف فيه واعتبر ذلك قرينة قانونية كافية على وجود سوء النية.

ولقد استقر كل من الفقه والقضاء في مصر وفرنسا على الاخذ بالقصد العام دون القصد الخاص، أي الاكتفاء بمجرد علم الساحب وقت اصداره الشيك بانه لا رصيد له عند المسحوب عليه او ان قيمته ناقصة عما هو محرر فيه او ان يسترد الرصيد وهو يعلم بان الشيك لم يدفع بعد او ان يامر المسحوب عليه بعدم الدفع مع علمه بما ينشا عن ذلك من عدم الوفاء بالشيك (25).

يتبين مما سبق انه يشترط لتحقق الجريمة وتطبيق العقاب على الساحب توافر القصد العام دون القصد الخاص، أي الاكتفاء بمجرد علم الساحب بانعدام الرصيد او عدم كفايته او بعدم تمكن الحامل من استيفاء مبلغ الشيك، للقول بتوافر سوء النية الذي يشترطه المشرع المغربي لمعاقبة الساحب دون حاجة لاشتراط توافر القصد الخاص الذي يكمن في نية الاضرار بالحامل أو الاثراء على حسابه.
ـــــــــــــــــــــــــــ
23) الخمليشي - المرجع السابق - ص 359.
24) المجلس الاعلى - الغرفة الجنائية 7 نوفمبر1963، مجلة المحاكم المغربية1 أكتوبر، ص 351.
25) مصطفى كمال طه المرجع السابق ص215، حومد المرجع السابق ص314 - رؤوف عبيد المرجع السابق ص460، غالي ادوار الذهبي، المرجع السابق ص359.
ادوار عبيد - المرجع السابق ص 23، هنري كبرياك المرجع السابق ص61.
حكم جنائي فرنسي في 27/4/1934 كازيت دي باليه 1934 2/63.
نقض جنائي 30 ديسمبر 1952 مجموعة احكام النقض - النقض س 23 ص 37.
والاخذ بالقصد العام وهو وجوب توافر سوء النية يتفق مع الغرض الذي يسعى اليه مشرع القانون الجنائي وهو حماية التعامل بالشيكات وتوفير الثقة للمتعاملين بها، على خلاف الاخذ بالقصد الخاص الذي يشترط توافر نية الإضرار لدى الساحب من اجل تحقق الجريمة، وهو امر صعب الاثبات ومن شانه ان يضعف ثقة المتعاملين بالشيكات.

2- عدم الاعتداد بالباعث على ارتكاب الجريمة
متى توافر القصد الجنائي العام فلا عبرة بالباعث الدافع بالساحب الى ارتكاب الجريمة. فالباعث لا يعد عنصرا من عناصرها وبالتالي فلا اثر له على قيام المسؤولية الجنائية. فلو اقدم الساحب مثلا على اصدار شيك لفائدة مصحة من اجل انقاد حياة مريض في خطر ليس معه نقود وتبين ان الشيك بدون رصيد او ان الرصيد غير كاف، كان الساحب مرتكبا للجريمة واستحق العقاب.

ولا يؤثر على الجريمة كون المستفيد كان على علم وقت اصدار الشيك بعدم وجود الرصيد او عدم كفايته.
وقد استقر كل من القضاء المصري والفرنسي في عدة مناسبات على انه لا عبرة بالاسباب التي تدفع الساحب إلى إصدرا الشيك لانها من قبيل البواعث التي لا تاثير لها في قيام المسؤولية الجنائية (26).

ويذهب الأستاذ بوزا الى وجوب عدم الخلط بين سوء النية القانوني LA mauvaise foi légale وسوء النية النفساني La mauvaise foi psychologique فالاول يتوفر بمجرد العلم بعدم وجود رصيد قابل للسحب او عدم كفايته وهذا وحده كاف للعقاب، اما الثاني فهو من قبيل البواعث ولا يعتد به في القانون الجنائي (27).

والقضاء في المغرب لا يعتد بالباعث الدافع الى اصدار الشيك اذ قضى في احدى احكامه " بانه لا يجوز للساحب المتابع باصدار شيك بدون رصيد، حالة عدم الاداء، ان يستدل دفاعا عن نفسه، بانه كان يتوقع ايداعات مالية بحسابه البنكي. بل كان عليه قبل اصدار الشيك ان يتحقق من وقوع تلك الايداعات (28).
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
26) جاء في نقض جنائي مصري : " من المقرر ان المسؤولية الجنائية في صدد المادة 337 من قانون العقوبات لا تتاثر بالسبب او الباعث الذي من اجله اعطى الشيك".
( الطعن رقم 805 لسنة 33 ق جلسة 11/11/63).
وجاء في نقض جنائي مصري اخر : لا عبرة في قيام جريمة اعطاء شيك بدون رصيد قائم وقابل للسحب بسبب تحرير الشيك والغرض من تحريره ولا بعلم المستفيد وقت استلام الشيك بعدم وجود رصيد للساحب في الشيك المسحوب عليه".
( الطعن رقم 1035 لسنة 30 ق جلسة 10/10/60).
راجع موسوعة القضاء والفقه الجزء20 ص325.
وجاء في حكم اخر " ان مراد الشارع من العقاب في جريمة اصدار شيك بدون رصيد هو حماية الشيك في التداول وقبوله في المعاملات على اساس انه يجري مجرى النقود، ولا عبرة بالاسباب التي دعت صاحب الشيك الى اصداره لأنها دوافع لا اثر لها على قيام المسؤولية الجنائية.
( الطعن رقم 335 لسنة 38 ق جلسة 29/4/1968 س 19 ص 497).
راجع الموسوعة الذهبية ص 660 فقرة 1470.
ومن الاحكام الفرنسية الحديثة حكم محكمة جنح باريس في 22 مارس 1969 الذي تتلخص وقائعه في ان شخصا حرر شيكا على بياض لزوجته، فقامت بملء الشيك وسلمته إلى ابنتها، فقضت المحكمة المذكورة وبادانة لزوج تاسيسا على " ان الشيك اداة وفاء وليس اداة ائتمان، و لا يجوز النظر الى البواعث التي دفعت الجاني الى تحرير الشيك.
( مجلة العمل الجنائي سنة1970 ص 112 اورده أدوار غالي في المرجع السابق ص478).
27) بوزا، مجلة العلم الجنائي سنة 1965 ص 426.
28) وقد جاء في احدى حيثياته: حيث ان الافعال ثابتة ومعترف بها من لدن الظنين وان كنديلا دفاعا عن نفسه، يقتصر على الادعاء بان ان يعتمد على ايداعات مالية من المتوقع ان تتم في حسابه وتسمح لبنكه باداء الشيكات المطعون فيها، لكن كان عليه ان يتحقق قبل إصدار هذه الشيكات، بان تلك الايداعات المزعومة قد تمت بالفعل وبان حسابه كان يتوفر على رصيد كاف وان القضاة الاولين اذن قرروا بحق مبدا مسؤوليته عن الجريمة".
مجموعة قرارات محكمة الاستئناف بالرباط للاستاذ المجبود. القرار عدد 4592 وتاريخ 10/1/55 ص 421.


وجملة القول، فلا عبرة بالاسباب او البواعث التي تدفع بالساحب الى اصدار شيك بدون رصيد، كأن يكون في ضائقة مالية تدفعه الى سحب الرصيد بعد اعطائه الشيك او الى اصدار امر الى المسحوب عليه بعدم الدفع كأن يمتنع المستفيد مثلا من تنفيذ الالتزام الذي من اجله انشئ الشيك.
وليس معنى هذا ان الباعث يجب استبعاده بل على العكس من ذلك فان للقاضي ان يعتد به في تقدير العقوبة. فاما ان يشددها او يخففها تبعا لما اذا كان الباعث سيئا او حسنا وذلك بالنسبة لكل قضية على حدة.

وخلاصة القول، ان القصد الجنائي في جريمة اصدار الشيك بدون رصيد هو القصد العام لا القصد الخاص الذي يكمن في نية الاضرار بالمستفيد أو نية التملك او الاثراء على حساب الغير.
فالجريمة تتحقق بمجرد علم الساحب وقت اصدار الشيك بانه بدون رصيد، او برصيد ناقص، أو ان يسترد الرصيد وهو يعلم بان الشيك لم يدفع بعد، او ان يامر المسحوب عليه بعدم الدفع مع علمه بما ينشا عن ذلك من عدم الوفاء بقيمة الشيك.

وقد ذهب المجلس الاعلى الى انه " يكفي لتوفر سوء النية .... عدم وجود، رصيد قابل للتصرف او وجود رصيد يقل عن قيمة الشيك، اذ المفروض في الشخص ان يتتبع حساباته لدى البنك والا يسحب شيكا الا بعد التحقق من توافر قيمته" (29) .
والجريمة تتحقق بصرف النظر عما اذا كان المستفيد يعلم حقيقة الامر ام لا، وبان الشيك ليس له رصيد قائم وقابل للتصرف لدى المسحوب عليه، لان المشرع قصد من العقاب حماية التعامل بالشيك باعتباره اداة وفاء لا حماية المستفيد.
والجريمة تتحقق حتى ولو قام الساحب بعد اصدار الشيك بالوفاء بقيمته نقدا للمستفيد، بل حتى ولو وفي المسحوب عليه بقيمته بعد تقديمه اليه مرة ثانية. اذ الوفاء اللاحق لا اثر له على المسؤولية الجنائية للساحب.

ثالثا : وقت قيام القصد الجنائي
لما كانت الجريمة اصدار الشيك بدون رصيد من الجرائم العمدية التي يجب توافر القصد الجنائي فيها لتحققها، بات من اللازم التساؤل عن الوقت الذي يجب ان يثبت وجوده فيه. اذ من المعلوم ان هذه الجريمة هي جريمة وقتية تتحقق بمجرد تحقق الفعل المادي لها وهو تسليم الشيك الى المستفيد او الى من ينوب عنه، فهي لا تتوقف على وجوب تقديم الشيك للمسحوب عليه. اذ التقديم ما هو الا اجراء مادي كاشف للجريمة.

وعليه سنتحدث عن القصد الجنائي في كل حالة من حالات اصدار الشيك بدون صيد.
أ‌) إصدار شيك ليس له رصيد قائم وقابل للتصرف او له رصيد غير كاف
ان سحب الساحب لشيك بدون رصيد قائم وقابل للسحب، او لشيك ليس له رصيد كاف وهو على بذلك قرينة قانونية كافية للدلالة على سوء نيته.
فالجريمة هنا تتحقق بمجرد علم الساحب وقت اصدار الشيك بانه بدون رصيد قائم وقابل للتصرف او برصيد يقل عن المبلغ الثابت فيه. وهذا ما ايده القضاء في المغرب الذي قرر بانه يكفي لتوفر سوء النية … عدم وجود رصيد قابل للتصرف او وجود رصيد يقل عن قيمة الشيك، اذ المفروض في الشخص ان يتتبع حساباته لدى البنك ولا يسحب شيكا الا بعد التحقق من توافر قيمته" (30).
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
29) قرار عدد 4855 وتاريخ 26/7/63 في الملف الجنحي 15372 منشور بمجلة قضاء المجلس الاعلى عدد 33 و 34 - السنة، مايو1984.
يذهب الفقهاء الى ان عنصر سوء النية في الجرم المنصوص عليه في المادة 653 من قانون العقوبات يعتبر متوفرا بمجرد اصدار الشيك وتسليمه بدون مقابل للوفاء او بمقابل غير كاف او استرجاع كل المقابل او بعضه او اصدار منع عن الدفع للمسحوب عليه".
( نقض سوري- 2/1217 - ق 984 تاريخ 25/4/1967).
موسوعة القضاء والفقه الجزء 20 صفحة374.
ويذهب القضاء التونسي الى ان الركن الادبي وهو سوء النية مفروض وجوده بمجرد عدم التاكد من وجود الرصيد وكفايته وقابليته للتصرف، تلك الخاصيات التي اقتضتها طبيعة الشيك".
( قرار تعقيبي جنائي عدد 2824 جلسة 22/6/1964).
موسوعة القضاء والفقه، الجزء 20، ص 387.
30) (31) قرار 4855 وتاريخ 26/7/83 ملف جنحي 15372 منشور بمجلة قضاء المجلس الاعلى عدد 33 و34 السنة 9، مايو1984.
كما ذهب في قضية أخرى الى ان المحكمة تكون قد ابرزت عنصر النية في اصدار الشيك بدون رصيد حين صرحت : " بان المتهم اعترف بانه سحب الشيك دون ان يكون له رصيد كاف، وانه على علم بعدم وجود الرصيد" (31).
فسوء النية يتحقق بمجرد علم مصدر الشيك بعدم وجود الرصيد وقت الاصدار (32).
وقد ذهب القضاء الفرنسي، الى ان سوء النية في جريمة اصدار شيك بدون رصيد يتوفر بمجرد علم الساحب بعدم وجود مقابل الوفاء او نقصانه او عدم قابلته للتصرف وقت السحب (33). وقد ذهب إلى ابعد من هذا عندما اعتبر الجريمة قائمة حتى ولو رضي المسحوب عليه بدفع قيمة الشيك على الرغم من انعدام الرصيد او عدم كفايته (34)، بل حتى لو كان المستفيد يعلم حقيقة الامر (35).

ونفس الشيء سار عليه القضاء المصري عندما قضى " بان سوء النية المطلوب في جريمة اعطاء شيك بدون رصيد مقابل وقابل للسحب يتحقق بمجرد علم صاحب الشيك انه وقت تحريره ليس له مقابل وفاء" (36).
كما قضى " بان القصد الجنائي الذي يتطلبه القانون في الجريمة المنصوص عليها في المادة 337 من قانون العقوبات يتوافر لدى الجاني باعطاء الشيك مع علمه بعدم وجود رصيد قائم وقابل للسحب" (37).
ويذهب القضاء السوري الى " ان سوء النية في جريمة اصدار شيك بدون مقابل تتحقق بمجرد علم الساحب بانه وقت اصداره لم يكن له رصيد قابل للسحب"(38).

وعليه، ففي حالة علم الساحب بحقيقة الامر، أي لعمله لحظة اصداره الشيك بانه بدون رصيد أو برصيد ناقص، فان القصد الجنائي الذي يتجلى في سوء النية يتحقق، بالتالي يعد مرتكبا للجريمة مادامت ارادته قد اتجهت الى ارتكاب الفعل المنهى عنه بارادة واختيار وعن سابق علم، اذ ان المشرع لم يشترط في المادة 543، من القانون الجنائي لتطبيق العقاب سوى مجرد علم الساحب بان الشيك بدون رصيد او برصيد ناقص".

والعلم بعدم وجود الرصيد او نقصانه قرينة قانونية مفترضة لدى الساحب للدلالة على سوء نيته (39). وهي قرينة بسيطة للساحب ان يثبت ما يخالفها بكافة طرق الاثبات وهذا ما اكده المجلس الاعلى في احدى قراراته والذي ذهب فيه، ردا على دفاع المتهم، من انه ادين من دون توفر القصد الجنائي ( سوء النية) الذي تشترطه المادة 543 من القانون الجنائي).
" وحيث ان عدم وجود الرصيد الكافي لتسديد مبلغ الشيك الذي وقع اصداره قرينة على سوء النية وعلة كافية لتبريرها، اذ المفروض في صاحب الشيك ان يكون عالما وقت تسليمه بما يتوفر عليه حسابه من رصيد، بل من الواجب عليه ان يكون عالما بذلك، كما ان عليه الا يسحب من رصيده الا ما فضل عن مبلغ الشيك المصدر، مما تكون معه الوسيلة غير مرتكزة على اساس" (40).
ــــــــــــــــــــــــــــــ
31) قرار 4855 وتاريخ 26/7/83 ملف جنحي 15372 منشور بمجلة قضاء المجلس الاعلى عدد 33 و34 السنة 9، مايو 1984.
32) راجع القرار 48 س 2 وتاريخ22 مارس 1979 الملف الجنائي رقم 48139 قضاء المجلس الاعلى سنة، 7 عدد 30، اكتوبر1982.
33) نقص جنائي فرنسي بتاريخ 18 يوليوز1968 اورده ماري ان دي كوك بورن في كتابه " الكل عن الشيك وجرائمه" ص156.
34) نقض فرنسي 14/1/1925 كازيت دي باليه 1951/1/87 محكمة مونبلييه 30/10/1913 ودالوز ص 50.
35) نقض فرنسي 27/11/1916 سنة 1928/1/119 نفس المرجع السابق.
36) القاعدة 1285، طعن رقم 730 سنة 18 ق. الموسوعة الذهبية.
37) نقض جنائي - الطعن 1043 لسنة 30 ق جلسة 10/10/1960 - موسوعة القضاء والفقه، الجزء 20 ص 321.
38) نقض سوري - ج 1967- ق1417 وتاريخ 2/6/1966. موسوعة القضاء والفقه الجزء 20 ص374.
39) يذهب المجلس الاعلى الى القول: " يتحقق سوء النية العنصر الاساسي لقيام جريمة شيك بدون رصيد بمجرد علم مصدر الشيك بانه لم له رصيد وقت اصداره".
قرار 48 س 22 تاريخ 22 مارس 1979 ملف جنائي 48139 قضاء المجلس الاعلى عدد 30 اكتوبر1982 ص158.
40) قضاء المجلس الاعلى قرار 1137 وتاريخ 14 يوليوز1977 في الملف 44143 منشور بكتاب القانون الجنائي الخاص للدكتور احمد الخمليشي ص 363.
وقد علق الدكتور احمد الخمليشي على القرار المذكور بقوله : " وينبغي ان يفهم من هذا القرار ان ما ورد فيه مجرد شرح للقرينة القانونية على سوء النية والمستخلصة من واقعة.

ولم يفت المشرع الفرنسي ان افترض قرينة قانونية للدلالة على سوء نية الساحب في التشريع الصادر في 22 اكتوبر1940 اذا لم يقم خلال خمسة أيام من تاريخ انذاره بكتاب مضمون من المسحوب عليه او من المستفيد بايداع مقابل الوفاء المطلوب او بتكملته في حالة نقصانه (41). الا ان القضاء الفرنسي يرى ان قيام الجرم لا يتوقف على هذا الانذار بل هو في الواقع مجرد وسيلة اوجده القانون لتسهيل الاثبات فقط (42).

والمشرع المغربي نفسه نجده في الفقرة الرابعة من المادة 70 من ظهير الشيك اجاز للحكمة ان تخفض العقوبة او تلغيها نهائيا تجاه الساحب والمتواطئ معه والمشارك ومن قبل الشيك بدون الرصيد، اذا ما عمد الساحب إلى تسديد قيمته او تكملة الخصاص خلال عشرين يوما الموالية لاصدار الشيك.

وعليه فيجب لمتابعة الساحب جنائيا ومعاقبته ان يكون سيئ النية.
اما اذا كان حسنها فان القصد الجنائي ينعدم مما تنعدم معه الجريمة ويتعين بالتالي على المحكمة ان تصرح ببراءته وهذا ما ايده القضاء في المغرب (43).
ويعود بطيعة الحال لمحكمة الموضوع تقدير الاسباب التي اعتمدها الساحب لتبرير حسن نيته وما اذا كانت جدية ام لا، ولا رقابة في ذلك للمجلس الاعلى الا من حيث التعليل.

ب‌) سحب كل الرصيد او وجزء منه
ان قيام الساحب بسحب كل الرصيد او جزء منه وقبل استيفاء المستفيد لقيمة الشيك من المسحوب عليه وهو يعلم بانه بعمله هذا لم يعد دائنا للمسحوب عليه يشكل قرينة قانونية على سوء نيته، اذ مثل هذا السحب ينشا عنه بطبيعة الحال حرمان المستفيد من استيفاء قيمة الشيك.
فالقصد الجنائي للساحب يتوفر وقت الاسترداد الكلي او الجزئي للرصيد، كما ان الجريمة تتحقق حتى ولو قام الساحب باسترداد الرصيد كليا او جزئيا بعد مضي الاجال المقررة للتقديم للوفاء.
ويكفي لتحقق الجريمة اثبات علم الساحب بان قيمة الشيك الذي قام باصداره لم تدفع بعد للمستفيد من الشيك.
وقرينة سوء النية ليست قرينة مطلقة بل على العكس هي قرينة بسيطة يمكن اثبات عكسها بكافة الطرق.

ج‌) إصدار امر للمسحوب عليه بعدم الدفع
يتوفر سوء النية في هذه الحالة في الوقت الذي يصدر فيه الساحب امره الى المسحوب عليه بعدم الدفع، أي الامر بتجميد الرصيد لديه. ويتحقق ذلك عندما يتقدم المستفيد الى المسحوب عليه من اجل استيفاء قيمة الشيك فيواجه بامتناعه عن الوفاء.
وعليه، فالامر الدفع يفترض بداهة توفر سو ء النية لدى الساحب الامر أيا كان السبب الدافع الى اصدار الامر، حتى ولو كان مشروعا ما لم يتعلق الامر بحالة ضياع الشيك او افلاس المستفيد.
ويذهب القضاء المصري إلى " ان الجريمة تتحقق ولو قام سبب مشروع لاصدار الامر من الساحب عليه بعدم الدفع وعلة ذلك حماية الشيك في التداول وقبوله في المعاملات على اساس انه يجري فيها مجرى النقود (44).

د‌) قبول تسلم شيك صدر بدون رصيد
ان القصد الجنائي في هذه الحالة يتحقق بمجرد تسلم المستفيد للشيك وهو يعلم انه بدون رصيد في الحالات المشار اليها في الفقرة الاعلى من المادة 543 من القانون الجنائي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إصدار شيك دون رصيد، ولا يصح ان يفسر قوله ان مصدر الشيك يجب عليه ان يكون عالما بحقيقة وضعية رصيده، اذ القصد الجنائي يبقى قائما متى وقع الاخلال بهذا الواجب ولو نتيجة خطا وقع فيه الساحب جعله يعتقد وجود الرصيد وقابليته للتصرف لان اصدار الشيك بدون رصيد جريمة عمدية ولا يتوفر فيها العمد وسوء النية بمجرد خطا وقع فيه الساحب جعله يعتقد وجود الرصيد".
المرجع السابق ص 363.
41) راجع رؤوف عبيد - المرجع السابق - ص 462.
42) نقض فرنسي منشور بمجلة La semaine juridiqueسنة 48 ج 4 ص 21.
43) لقد ذهب المجلس الاعلى الى انه " يتعرض للنقض كل حكم بالادانة يصدر دون ان يثبت سوء نية الساحب".
انظر حكم المجلس الاعلى الصادر بتاريخ 18 يناير1962 - الغرفة الجنائية، منشور بالمجلة المغربية للقانون، تاريخ 1 نوفمبر1962، ص 889.
44) الطعن رقم 1902 سنة29 ق جلسة 26/10/1959 س 10 ص 820. الموسوعة الذهبية - القاعدة 1294 ص 589.

ولا يكفي مجرد اعلان قبول تسلم الشيك بل يجب ان يتسلم المستفيد الشيك بصورة فعلية.

رابعا : إثبات القصد الجنائي
ان عدم وجود الرصيد او نقصانه او سحبه كليا او جزئيا او الاعتراض على الوفاء قرائن على سوء نية الساحب (45) اذ المفروض في الساحب ان يتتبع حساباته وان يعلم بكل الظروف المحيطة برصيده.
وقرينة سوء النية المفترضة في الساحب في الحالات المذكورة ليست قرينة مطلقة بل هي قرينة بسيطة، بالتالي فلا مانع يمنع الساحب تطبيقا للقواعد العامة للاثبات من اثبات حسن نيته واقامة الدليل على انتفاء القصد الجنائي لديه واعتقاده لاسباب معقولة بتوافر الرصيد المطلوب لديه.

واذا ما اثبت الساحب حسن نيته، انتفت مسؤوليته الجنائية، كان يثبت مثلا بواسطة الكشف البنكي وجود الرصيد لديه وقت سحب الشيك، وان المسحوب عليه وقع في خطا حسابي.

وتوافر القصد الجنائي من عدمه مسالة تقديرية يرجع امر البث فيها الى قاضي الموضوع، وبالنسبة لكل دعوة على حدة. وهي تستخلص منها كافة القرائن المحيطة بالدعوى كقيمة الشيك، ظروف اصداره، تاريخ اصداره، ظروف الرصيد، مبلغ الخصاص، مكانة الساحب الاجتماعية الى غير ذلك من العوامل.

المبحث الثاني
إصدار أو قبول الشيك على سبيل الضمان

لقد حرص المشرع حرصا شديدا على تجريم فعل اصدار او قبول الشيك على سبيل الضمان- أي الشيك المؤجل وغير الواجب الاداء على الفور - سواء كان له رصيد أو لم يكن له. والغاية من التجريم هي حماية الثقة بالشيك، باعتباره اداة وفاء تحل محل النقود واجبة الدفع بمجرد الاطلاع.

وقد جاء في المادة 544 من القانون الجنائي المغربي :
" من اصدر او قبل شيكا بشرط الا يصرف فورا وان يحتفظ به كضمانة يعاقب بالعقوبات المقرر في الفقرة الاولى من المادة 540 على الا تقل الغرامة عن قيمة الشيك".
فالمشرع بإيراده لهذا النص يكون قد تنبه للحالة التي يصدر فيها الساحب شيكا بشرط الا يصرف على الفور ويكون المستفيد قد قبله على هذا الاساس، أي الحالة التي يقدم فيها كل من الساحب المستفيد على اخراج الشيك من طبيعته القانونية كاداة للوفاء واستعماله كاداة للائتمان مثلا السفتجة.

والجريمة المنصوص عليها في المادة 544 من القانون الجنائي تتحقق من جانبين : جانب الساحب أولا وقت اصداره الشيك شريطة عدم صرفه على الفور وجانب المستفيد الذي يقبل الشيك على اساس هذا الشرط، أي على اساس الاحتفاظ به حين حلول الاجل المتفق عليه للتقديم.

1- القصد الجنائي
في هذه الحالة نجد المشرع قد استعمل عبارة سوء النية للدلالة على القصد الجنائي بالنسبة للساحب والقابل معا على حد السواء.
فالقصد الجنائي يتحقق بمجرد اشتراط عدم الصرف الفوري للشيك وقبوله كضمانة وتسلميه للمستفيد فعلا.
ومتى تم تسليم الشيك للمستفيد على هذا الاساس فلا سبيل للساحب لدفع المسؤولية الجنائية عنه عن طريق نفي القصد الجنائي مادام المستفيد قد احتفظ فعلا بالشيك ولم يصرفه.

ولا اهمية للسبب الدافع الى اشتراط عدم الصرف الفوري للشيك، فالجريمة تتحقق سواء كان السبب هو عدم وجود الرصيد او نقصانه، او اتخاذ الاحتياطات لضمان تنفيذ المستفيد لالتزامه رغم وجود الرصيد القائم والقابل للتصرف فيه.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
45) اما بالنسبة للمستفيد القابل، فعلى النيابة العامة ان تثبت انه قبل الشيك وهو يعلم وقت تسلمه له بانعدام الرصيد او نقصانه او عدمه قابليته للسحب.


2- العقوبة
وعقوبة جريمة اعطاء او قبول شيك على سبيل الضمان هي نفس العقوبة المقررة لاصدار شيك بدون رصيد، أي العقوبة المنصوص عليها في الفقرة الاولى من المادة 540 من القانون الجنائي على الا تقل الغرامة عن قيمة الشيك.

وينبغي القول انه من النادر في الحياة العملية ان تطلع النيابة العامة عل هذه الجريمة، باستثناء الحالة التي يتقدم فيها المستفيد بعد حلول الاجل المتفق عليه الى المسحوب عليه من اجل تحصيل قيمة الشيك فيتبين انه بدون رصيد او برصيد ناقص، فيلجا الى تقديم شكايته في الموضوع حيث تقوم هذه الأخيرة بتحريك الدعوى العمومية في مواجهة المستفيد والساحب على حد سواء من اجل ما ذكره. اما ما عدا ذلك فيتعين على النيابة العامة ان تبحث عن العناصر الضرورية والقرائن الكافية بجميع وسائل الاثبات الممكنة لتبرير المتابعة.

والجدير بالاشارة ان المشرع المغربي لم يقف عند هذا الحد في حمايته للشيكات من التلاعب، بل ذهب الى ابعد من ذلك عندما تشدد ومنع المحكمة في اطار محاربة الزور والتزوير من منح اجراء وقف التنفيذ بالنسبة لمرتكبي تزييف الشيكات او تزويرها وكذلك بالنسبة لمن يقبلون عن علم شيكات مزيفة او مزورة (46). وهذا ما اكدته المادة 70 من ظهير الشيك التي جاء فيها " لا يعمل بجواز وقف التنفيذ للعقوبات بالنسبة لمن زيف او زور شيكا ولا بالنسب لمن قبل شيكا يعلم انه مزيف او مزور".

يتبين مما سبق ان المشرع الجنائي لم يفته كغيره من التشريعات الحديثة ان تدخل بالقدر الضروري واللازم لضمان ثقة المتعاملين بالشيك وتوفير الحماية القانونية له وذلك بفرضه عقوبة جزائية لمواجهة مختلف الحالات التي من شانها ان تخرجه عن دوره الطبيعي الذي انشئ من اجله وتفقد ثقة المتعاملين به وهو اداة للوفاء.

محمد أوغريس
نائب الوكيل العام للملك
لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء

ــــــــــــــــــــــــــــــ
46) راجع المادة 545 من القانون الجنائي المغربي، كتابنا " شيك بدون رصيد" التشريع المغربي، الطبعة الاولى1985، ص. 135 وما بعدها.


* مجلة المحاكم لمغربية، عدد 44، ص9.