تدخل النيابة العامة في ظل مدونة الأسرة

إعداد. أحمد نهيد

رئيس المحكمة الابتدائية بالجديدة

مقدمة

إلى جانب وظيفة النيابة العامة في الميدان الزجري الذي تكاد تنفرد بإقامة الدعوى العمومية ومتابعتها والإدلاء بالحجج المؤيدة لها وممارسة طرق الطعن بشأنها فإن جل التشريعات قد أوجدت نظاما خاصا لتدخل النيابة العامة في الميدان المدني حينما يتطلب الأمر حماية مراكز قانونية معينة جديرة بذلك وخاصة عندما تكون المنازعة ذات صبغة لها علاقة بالنظام العام أو بتحقيق المصلحة العامة.

وقد حدد قانون المسطرة المدنية المغربي دور النيابة العامة واختصاصاتها في الميدان المدني ضمن النصوص من 6 إلى 10 التي يستفاد منها أنها يمكن أن تكون طرفا رئيسيا أو منضما وهو ما نص عليه الفصل 6 من ق م م الذي جاء فيه : "يمكن للنيابة العامة أن تكون طرفا رئيسيا أو أن تتدخل كطرف منضم وتمثل الإغيار في الحالة التي ينص عيها القانون" فما هو المقصود من كل واحد من هذين الدورين ؟ وما هو موقع النيابة العامة منهما في ظل مدونة الأسرة التي جاءت المادة الثالثة منها لتعتبرها طرفا أصليا في جميع القضايا الرامية إلى تطبيق أحكامها وجاء التعديل الجديد للفصل التاسع من قانون المسطرة المدنية ليأمر تبليغها القضايا المتعلقة بالأسرة باعتبارها طرفا منضما.

مفهوم الطرف الرئيسي

يستفاد من الفصل السادس من قانون المسطرة المدنية أن النيابة العامة يمكن أن تكون طرفا رئيسيا أي أصليا في الدعوى بمعنى أن تكون مدعية أو مدعى عليها ففي الحالة الأولى تكون هي المدعية إذا كانت هي التي قدمت الطلب للمحكمة وفي الحالة الثانية تكون مدعى عليها في الدعوى المرفوعة ضدها مباشرة من أحد المتقاضين وذلك في الحالات المحددة في القانون.

ومن بين القضايا التي تتدخل فيها النيابة العامة كطرف رئيسي :

-التصريحات المتعلقة بالحالة المدنية وتصحيح وثائقها طبقا للفصول 217، 218 و 219 من ق م م.

-قضايا الغيبة طبقا للفصل 263 من ق م م.

-التركات الشاغرة طبقا للفصل 267 من ق م م.

-إحالة الأحكام الصادرة عن محاكم الجماعات والمقاطعات على رئيس المحكمة طبقا للفصل 20 من ظهير 15 يوليوز 1974 بشأن تنظيم محاكم الجماعات والمقاطعات.

-التعرض على مطالب التحفيظ لفائدة المحجوزين والغائبين والمفقودين وغير الحاضرين طبقا للفصلين 23 و 29 من ظهير التحفيظ العقاري المؤرخ في 16/08/1913.

-بعض القضايا المتعلقة بممارسة مهنة المحاماة مثل الطعن في الانتخابات المتعلقة بمجلس الهيأة أو بالنقيب وفي بعض القرارات الصادرة عن النقيب.

-قضايا المنازعة في الجنسية طبقا لظهير 06/09/1958.

-قضايا حل الجمعيات طبقا لظهير 15/11/1958 المعدل.

-متابعة العدول وإحالتهم على غرفة المشورة للتأديب طبقا لظهير 06/05/19/1982 بشأن تنظيم خطة العدالة.

-تحريك المتابعة ضد الأعوان القضائيين الذين يخلون بواجباتهم (الفصل 19 من القانون المنظم للأعوان القضائيين).

مفهوم الطرف المنضم :

الأصل في وظيف النيابة أن تكون طرفا منضما في القضايا المدنية وقد نص الفصل الثامن من قانون المسطرة المدنية على أن النيابة العامة تتدخل كطرف منضم في جميع القضايا التي يأمر القانون بتبليغها إليها وكذا في الحالات التي تطلب النيابة العامة التدخل فيها بعد اطلاعها على الملف أو عندما تحال عليها القضية تلقائيا من طرف المحكمة.

والمقصود بالطرف المنضم هو أن النيابة العامة لا تتبنى موقف أحد الطرفين في النزاع وإنما تقدم مستنتجاتها على ضوء ما يمليه التطبيق السليم للقانون ومن تم جاءت عبارة "القانون" المتداولة التي نجدها في أغلب المستنتجات الكتابية للنيابة العامة في القضايا المدنية أي أنها تدلي برأي مستقل ومطابق للقانون ولا تنحاز لأحد الأطراف.

ويلاحظ هنا أن الفصل السادس استعمل كلمة "تتدخل" خطأ بدلا من كلمة تتصرف كما هي موجودة بالنص الفرنسي ذلك أن التدخل يقتضي تقديم طلب من الغير الذي يعتبر أن له حقا يجب الدفاع عنه ضمن نزاع معروض على القضاء بين طرفين أو عدة أطراف (1).

كما لاحظ الكثير من المحللين لهذا النص أن عبارة "طرف منضم" ليست دقيقة إذ توحي في ظاهرها بأن النيابة العامة تنضم لأحد الأطراف في الرأي أو الدفاع والحال أن العكس هو المقصود في التشريع.

ومن خلال هذا النص يتبين بأن مجال تدخل النيابة العامة كطرف منضم يكون في ثلاث حالات :

-الحالات الجبارية للتدخل

-حالات التدخل بطلب من النيابة العامة.

-حالات التدخل بعد الإحالة التلقائية من المحكمة.

ـــــــــــــــــــــ

(1) ذ.العربي المجبود - مجلة المحلق عدد 3 ص11.

ـــــــــــــــــــــ

الحالة الأولى :

طبقا للفصل 9 من قانون المسطرة المدنية المعدل بظهير 3 فبراير 2004 بشأن تنفيذ القانون رقم 72.03 يجب أن تبلغ للنيابة العامة الدعاوي الآتية :

-القضايا المتعلقة بالنظام العام والدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية والهيبات والوصايا لفائدة المؤسسات الخيرية وممتلكات الأحباس والأراضي الجماعية.

القضايا المتعلقة بالأسرة :

-القضايا المتعلقة بفاقدي الأهلية وبصفة عامة جميع القضايا التي يكون فيها ممثل قانوني نائبا أو مؤازرا لأحد الأطراف.

-القضايا التي تتعلق وتهم الأشخاص المفترضة غيبتهم.

-القضايا التي تتعلق بعدم الاختصاص النوعي.

-القضايا التي تتعلق بعدم الإختصاص ، بجريح القضاة والإحالة بسبب القرابة أو المصاهرة. مخاصمة القضاة.

-قضايا الزور الفرعي.

ويجب أن تبلغ هذه القضايا إلى النيابة العامة بثلاثة أيام على الأقل قبل الجلسة بواسطة كتابة الضبط.

أما أمام المجلس الأعلى فإن النيابة تتدخل لدى المجلس الأعلى في جميع القضايا المعروضة على أنظار المجس ويرجع السبب في ذلك إلى كون هذه الجهة القضائية العليا هي الموكول لها السهر على تطبيق القانون وإقرار المبادئ القانونية والاجتهادات القضائية وذلك طبقا للفصل 372 من قانون المسطرة المدنية الذي ينص على أنه يجب الاستماع إلى النيابة العامة في جميع القضايا.

الحالة الثانية :

يمكن للنيابة العامة كلما ظهرت لها ضرورة التدخل في أحد القضايا المدنية لسبب يتعلق بتحقيق المصلحة العامة وقواعد الإنصاف والعدالة أن تتدخل تلقائيا وتطالب بالإطلاع على الملف الرائج وتدلي فيه بمستنتجاتها وفق ما يقتضيه التطبيق السليم للقانون دون الانضمام لأحد الأطراف.

الحالة الثالثة :

يمكن للنيابة العامة كلما ظهرت لها ضرورة التدخل في أحد القضايا المدنية لسبب يتعلق تحقيق المصلحة العامة وقواعد الإنصاف والعدالة أن تتدخل تلقائيا وتطالب بالإطلاع على الملف الرائج وتدلي فيه بمستنتجاتها وفق ما يقتضيه التطبيق السليم للقانون دون الانضمام لأحد الأطراف.

الحالة الرابعة:

يمكن للمحكمة كلما تبين لها أن قضية ما تكتسي طابعا ذا أهمية خاصة له علاقة بالمصلحة العامة بصفة خاصة أن تأمر بتبليغ الملف للنيابة العامة للإدلاء بمستنتجاتها إلا أن هذه الأخيرة لا تكون ملزمة بذلك بعد الإطلاع على موضوع القضية.

الآثار المترتبة على التمييز بين دور النيابة العامة كطرف أصلي وطرف منضم :

1)حينما تكون النيابة العامة طرفا أصليا فإن ذلك يعطيها الحق في أن تبدي ما يظهر لها من أوجه الدفاع شأنها في ذلك شأن الخصم العادي وتلتزم بترتيب الخصوم ويعقب على أجوبتها وردوها.

أما إذا كانت طرفا منضما فإنها تكتفي بإبداء وجهة نظرها وفقا لما يمليه القانون فقط ولا يجوز لها أن توسع نطاق الدعوى ولا أن تتقدم بطلبات جديدة ومستنتجاتها لا يعقب عليها.

2)يترتب على اعتبار النيابة العامة طرفا أصليا في الدعوى إعطاؤها إمكانية ممارسة طرق الطعن إذا كان الحكم في غير صالحها سواء كانت مدعية أو مدعية عليها والفصل السابع من قانون المسطرة المدنية صريح في ذلك وهذا مالا يتأتى لها إذا كانت طرفا منضم لفقدانها صفة الخصم الحقيقي في الدعوى.

واستثناء من هذا خول المشرع في الفصل 381 من ق م م للوكيل العام لدى المجلس الأعلى حق طلب النقض في الأحكام الإنتهائية التي يبلغ إلى علمه أنها صدرت خلافا للقانون ولقواعد المسطرة ولم يطعن فيها من الأطراف.

3)في الحالات التي تكون فيها النيابة العامة طرفا رئيسا في الدعوى لا يمكن تجريح قاضي النيابة العامة لأنه يتقمص شخصية الخصم الحقيقي الذي لا يمكن لخصمه أن يجرج وعلى العكس من ذلك حينما تكون النيابة العامة طرفا منضما فإنها تخرج من طرف الخصوم وذلك طبقا للفصل 299 من ق م م الذي نص على ما يلي : " وتطبق أسباب التجريح المتعلقة بقاضي الأحكام على قاضي النيابة العامة إذا كان طرفا منضما ولا تجرح إذا كان طرفا رئيسيا".

تدخل النيابة العامة في مدونة الأسرة

قبل الحديث عن تدخل النيابة العامة في ظل مدونة الأسرة يجدر بنا أن نعرف قضايا الأسرة التي وردت في (المادة 9 من قانون المسطرة المدني) والتي تعتبر المدونة جزءا منها.

يتعين الرجوع إلى مقتضيات القانون رقم 73.03 المعدل للتنظيم القضائي للمملكة الذي نص في الفصل الثاني على ما يلي: "تنظر أقسام الأسرة في قضايا الأحوال الشخصية والميراث والحالة المدنية وشؤون التوثيق والقاصرين والكفالة وكل ما له علاقة برعاية وحماية الأسرة.

ولعل أول سؤال يطرح نفسه هو كيف يمكن التوفيق بين ما ورد في المادة الثالثة من اعتبار الثالثة النيابة العامة طرفا أصليا في تطبيق أحكام مدونة الأسرة وما جاء به تعديل الفصل التاسع من قانون المسطرة المدنية الذي يوجب تبليغ قضايا الأسرة للنيابة العامة.

وقد ارتأيت تقسيم هذا الموضوع كما يلي :

-تدخل النيابة العامة كطرف أصلي في مدونة الأسرة.

-التدخل كطرف منضم.

-حالات أخرى لتدخل النيابة العامة في مدونة الأسرة.

تدخل النيابة العامة كطرف أصلي في مدونة الأسرة

بالرجوع إلى المادة الثالثة من مدونة الأسرة يلاحظ أن المشرع اعتبر النيابة العامة طرفا أصليا في جميع القضايا الرامية إلى تطبيق أحكام هذه المدونة .

ويترتب على ذلك أن النيابة العامة يمكن أن تتقدم أمام قضاء الأسرة بأية دعوى ترى أن فيها دفاع عن الصالح العام ويتعذر على ذي المصلحة أن يقيمها وهذا يفرض عليها تتبع هذه الدعوى وحضور جلساتها وتقديم الأجوبة والردود مع التزام الترتيب المفروض على الخصوم كما يخولها حق سلوك طرق الطعن في مواجهة الأحكام والقرارات الصادرة في الموضوع.

والملاحظ أن هذا النص يصطدم مع المادة التاسعة من قانون المسطرة المدنية المعدلة بمقتضى القانون رقم 72.03 التي توجب تبليغ جميع القضايا المتعلقة بالأسرة إلى النيابة العامة كطرف منضم حسبما وقع تفصيله سابقا، فكيف يمكن التوفيق بين الأمرين وهل تكون النيابة في هذه الحالات طرفا أصليا تمشيا مع حرفية نص المادة الثالثة أم طرفا منضما ؟

للجواب على هذا السؤال هناك قراءتان تنطلق كل منهما من تحليل خاص للمادة لا لثالثة ومدى التوفيق بيم مقتضياتها وبين ما ورد في المادة 9 من قانون المسطرة المدنية :

القراءة الأولى : ترى أن النيابة العامة لا تكون طرفا أصليا إلا عندما تكون مدعية أو مدعى عليها وفي الواقع العملي لا تكون كذلك إلا في قضايا محدودة من ضمن مجموع الملفات الرائجة أمام قضاء الأسرة بمختلف المحاكم ويتجلى ذلك في تدخلها كمدعية في الحالات المحددة قانونا في المدونة والتي ستتعرض لها فيما بعد أو كمدعى عليها حينما تقام عليها الدعوى ممن يهمه الأمر أو حينما ترى وجوب إقامة أية دعوى تقتضي المصلحة العامة ممارستها.

لذا فإن صياغة المادة الثالثة لم تكن موفقة إذ كان يتعين التنصيص على أن "النيابة العامة تكون طرفا في جميع القضايا" دون تحديد صفة الطرف التي تكتسب من خلال دورها في كل قضية على حدى باعتبار أن هذه الأخيرة لا يمكن تصور أن تكون مدعية أو مدعى عليها في جميع القضايا الرائجة أمام القضاء الأسري إذ أن جل القضايا المطروحة تتعلق بالنفقة والطلاق والتطبيق والميراث وينذر أن تتدخل فيها كمدعية أو تقام عليها الدعوى.

القراءات الثانية : تتمسك بحرفية النص الذي يعتبر النيابة العامة طرفا أصليا في جميع القضايا الرامية إلى تطبيق أحكام هذه المدونة مادام المشرع قد نص على ذلك.

ويترتب على اختلاف القراءتين عدة أمور تكتسي أهمية بالغة وخاصة فيما يتعلق بحضور النيابة العامة للجلسات وممارستها لطرف الطعن.

حضور الجلسات :

لمعالجة هذه المسألة يتعين الرجوع إلى النصوص التالية :

بمقتضى المادتين 4 و 7 من ظهير التنظيم القضائي المؤرخ في 15 يوليوز 1974 فإن حضور النيابة العامة يعتبر اختياريا في جميع القضايا المدنية عدا في الأحوال المحددة بمقتضى قانون المسطرة المدنية وخاصة إذا كانت النيابة العامة طرفا رئيسا وفي جميع الأحوال الأخرى المقررة بمقتضى نص خاص.

المادة 10 من قانون المسطرة المدنية التي تعتبر حضور النيابة العامة في الجلسة غير إلزامي إلا إذا كانت طرفا رئيسيا أو كان حضورها محتما قانونا ويكون حضورها اختياريا في الأحوال الأخرى.

الفصل 9 من قانون المسطرة المدنية المعدل الذي يوجب تبليغ جميع قضايا الأسرة للنيابة العامة.

فإذا سايرنا القراءة الأولى التي لا تعتبر النيابة العامة طرفا أصليا غلا عندما تكون مدعية أو مدعى عليها في الدعوى فإن ذلك سيؤدي إلى عدم إلزامها بالحضور بالجلسات إلا في هذه الحالات الخاصة التي تعتبر فيما سواها طرفا منضما. ومما يعزز هذا الرأي أن الفصل 9 من ق م م لم يأت عبثا فالمشرع بإلزامه للمحكمة تبليغ هذا النوع من القضايا على النيابة العامة يكون قد قسم دورها في قضاء الأسرة إلى طرف أصلي زمن ضم تبعا لدورها في الإدعاء سيما وأن هذا النص قد صدر متزامنا مع مدونة الأسرة.

أما القراءة الثانية فتحتم حضور النيابة العامة في جميع الجلسات الخاصة بتطبيق أحكام مدونة الأسرة.

ونعتقد بأن هذه القراءة غر مطابقة للقانون لأن النيابة العامة لا يمكن أن تكون طرفا أصليا في جميع القضايا وأن حضورها حسب نصوص التنظيم القضائي وقانون المسطرة المدنية المشار إليهما أعلاه إنما هو ضروري في الحالات التي تكون فيها طرفا أصليا بصفة فعلية كما أنه غير مجد من الناحية الواقعية إذ أن النيابة العامة تقدم مستنتجاتها كتابة وتكلف نفسها عناء الحضور مما يثقل كاهل قضاتها بأعمال هم في حاجة إلى صرفها في أمور أخرى وخاصة في المستنتجات الكتابية سيما في المحاكم التي تعاني من الخصائص في عدد قضاة النيابة العامة.

سلوك طرق الطعن :

القراءة الأولى :

أما فيما يتعلق بطرق الطعن فإذا سايرنا القراءة الأولى التي ترى بأن صفة النيابة العامة كطرف أصلي مرتبطة بوضعيتها في الدعوى وما إذا كانت مدعية أو مدعى عليها أو متدخلة في النزاع فإن ذلك يقتضي عدم منحها هذه الصفة إلا في هذه الحالات وحجة هذا الاتجاه أن طرق الطعن كالدعوى تستوجب توفر شروط معينة تتمثل خاصة في الصفة والمصلحة ولكي تتوفر النيابة العامة على ذلك يتعين أن تكون قد مارست الإدعاء أو وجهت الدعوى التي صدر فيها الحكم موضوع الطعن ضدها وبالتالي يفترض أن تكون خصما تضرر من الحكم التي صدر فيها الحكم موضوع الطعن ضدها وبالتالي يفترض أن تكون خصما تضرر من الحكم بسبب رفض طلباتها كليا أو جزئيا أو سبب الحكم عليها بكل أو بعض مطالب المدعي ذلك أن الطعن هو تظلم من الحكم لعدم الرضا به ولا يتصور صدوره غلا من خصم محكوم عليه سواء كان مدعيا أو مدعى عليه أو متدخلا في الدعوى وما لم تتوفر لدى النيابة العامة إحدى هذه الصفات فإنه لا يمكنها عمليا أن تمارس أي طريق من طرق الطعن.

والواقع أن هذا السؤال قد طرح من ذي قبل بخصوص قضايا الحالة المدنية التي تعتبر فيها النيابة العامة طرفا رئيسيا انطلاقا من الفصل 217 من ق م م الذي ينص على أنه يمكن لكل شخص له مصلحة مشروعة أو للنيابة العامة أن يطلب من المحكمة الابتدائية إصدار تصريح قضائي بازدياد أو وفاة لم يسبق تقييده بدفاتر الحالة المدنية.

وقد تساءل ذ. العربي امجبود في بحث له بمجلة الملحق القضائي عدد 3 ص 13 عن إمكانية استئناف النيابة العامة لأحكام الحالة المدنية حينما لا تكون هي المدعية أي حينما تكون طرفا منضما فقط وخلص إلى أن المشرع لو كان يريد أن يعطي للنيابة العامة حث الإستئناف حتى ولو لم تكن طرفا رئيسيا لما أغفل عن التنصيص عليه صراحة. وأكد على أن القانون لا يعتبر النيابة العامة طرفا أصليا إلا في حالة الفصل 217 وإن لم تكن هي التي قدمت المقال فإن هذا الأخير يبلغ إليها لتبدي رأيها بمستنتجات كتابية كما يؤكد ذلك صراحة المقطع الثاني من الفصل 218.

ورغم أن نصوص الحالة المدنية تعتبر من النظام العام وأن الإجتهاد القضائي الفرنسي أعطى للنيابة العامة الحق في الإستئناف حتى لو كانت طرفا منضما في القضايا التي يمكن لها أن تكون فيها طرفا رئيسيا") فإن ذلك غر ممكن في ظل القانون المغربي.

أما الحجة الدامغة التي يقدمها هذا الرأي للاستدلال على صحة وجهة نظرة فتتمثل في كون المشرع لم يتطرف لمسألة الطعن في الأحكام الصادرة في القضايا الناتجة عن تطبيق مدونة الأسرة وأن طرف الطعن من الأمور المسطرية التي يرجع في شأنها إلى قانون المسطرة المدنية وبالاحتكام لهذا الأخير نجد أنه لا يعطي حق الاستئناف إلا لمن كان طرفا أو متدخلا في دعوى صدر فيها الطعن من طرف النيابة العامة على الحالات التي تكون فيها هذه الأخيرة مدعية أو مدعى عليها في الأحوال المحددة. بمقتضى القانون وكان بالإمكان أن يحصل شيء من الغموض يترك مجالا للتأويل كما حدث في فرنسا حسبما تم بيانه أعلاه بخصوص الحالة المدنية إلا أن صياغة المادة السابعة من قانون المسطرة المدنية قد جعلت حدا لكل تأويل أو تفسير لأنها تربط إمكانية الاستئناف من قبل النيابة العامة بموقع هذه الأخيرة في الدعوى كمدعية أو مدعى عليها في النزاع وكان من الممكن أن يظل اللبس قائما لو أن صياغة هذه المادة جاءت بشكل آخر أي لو اكتفى المشرع بالتنصيص على إمكانية الاستئناف في حالة ما إذا كانت النيابة العامة طرفا رئيسيا أو أصليا إذ في هذه الحالة قد يتمسك أصحاب هذا الاتجاه الآخر بأن اعتبار النيابة العامة طرفا أصليا من قبل مشرع مدونة الأسرة في جميع مقتضياتها هذا القانون كاف لإعطائها إمكانية الطعن.

وبناء على هذا التحليل الذي يعتبر مفهوم الطرف الأصلي مرتبطا بمركز النيابة العامة في الدعوى كطرف فإن حق هذه الأخيرة في الطعن مرتبط بصفتها كمدعية أو مدعى عليها وفيما عدا ذلك من الدعاوى المترتبة عن تطبيق مدونة الأسرة لا يكون لها حق ممارسته.

القراءة الثانية :

هذه القراءة تنطلق من كون النيابة العامة إنما تعتبر طرفا أصليا في مدونة الأسرة وهذا لا يعني أنها تكون كذلك في جميع القضايا أي أنه رغم عدم ملازمة صفة الإدعاء لها في القضية ورغم كونها ليست طرفا فيها فإن المشرع اعتبرها كذلك ليرتب على هذا الأمر تمكينها من ممارسته طرق الطعن.

وأعتقد أن القراءة التي تسير مع حرفية نص المادة الثالثة من المدونة لا تتماشى مع قصد المشرع الذي أراد أن يعطي للنيابة العامة دورا هاما في تطبيق مدونة الأسرة ونص تبعا لذلك على اعتبارها طرفا أصليا فاتحا بذلك المجال أمامها لتكون لها صفة الإدعاء في أية مادة ارتأت إقامة الدعوى فيها خدمة للصالح العام ونيابة عن المجتمع وحتى يضمن متابعتها عن طريق المستنتجات الكتابية والحضور عند الاقتضاء لهذا النوع من القضايا.

كما أن هذا الاتجاه يتعارض تماما مع مفهوم الطرف الأصلي الذي قلنا سابقا يستلزم صفة الخصم التي يجب أن تتوفر في النيابة العامة عند رفع الدعوى حتى يمكن اعتبارها طرفا أصليا.

وأشير في النهاية إلى أن المنطلق في عرض قراءتين في هذه المسألة إنما استوحيته من الخلاف المفترض حصوله في تأويل النصوص التي لها علاقة بالموضوع.

ونخلص مما ذكر أن دور النيابة العامة كطرف أصلي او منضم يتجلى من خلال الفرضيتين التاليتين :

الفرضية الأولى : تكون النيابة العامة طرفا أصليا في جميع القضايا التي خول لها المشرع بمقتضى نصوص المدونة حق إقامة الدعوى وكذا في الحالات التي تتخذ موقفا في هذا الاتجاه بعد إحالة الملف عليها لتقديم مستنتجاتها وكذا عندما توجه ضدها الدعوى ابتداء كمدعى عليها.

الفرضية الثانية : تكون النيابة العامة طرفا منضما في جميع القضايا المنبثقة عن تطبيق المدونة التي لا تكون فيها مدعية أو مدعى عليها حيث لا تتخذ حق المواجهة أو المنازعة وإنما تتقدم بمستنتجاتها في شكل محايد ولفائدة القانون وتبدي رأيها في هذا الاتجاه ولو كان لصالح موقف أحد الأطراف أو ضده مع مناقشة الحجج والأسانيد المقدمة وإبداء الأسباب لتأييد أو رفض أي من طلبات الخصوم من الناحية القانونية بشرطة ألا تتجاوز طلباتهم أو موضوع النزاع (1).

ـــــــــــــــــــــ

1-حسن الفكهاني (شرح قانون المسطرة المدنية).

ـــــــــــــــــــــ

حالات تدخل النيابة العامة كطرف أصلي في المدونة :

إذا كانت صفة الطرف الأصلي " تخول للنيابة العامة إمكانية رفع الدعوى في أية نازلة تدخل في مجال تطبيق المدونة وبالتالي إمكانية رفع أية دعوى ضدها تهم هذا الميدان عندما يتأتى ذلك قانونا فإن هناك حالات محددة ارتأى فيها المشرع إعطاءها إمكانية إقامة الدعوى لاعتبارات تتعلق بصفة خاصة بكون المصلحة المراد الدفاع عنها تهم جانبا ضعيفا لا يتأتى له القيام بذلك كالمحجوز أو الغائب أو المحضون وسنتعرض لكل من هذه الحالات كالتالي :

1-السهر على مراقبة تنفيذ الأحكام المتعلقة بحماية الطفولة وحقوق الطفل :

أفراد المشرع لهذه المسألة نصا خاصا في المدونة ويتعلق الأمر بالمادة 54 التي جاءت كترجمة لمقتضيات الاتفاقية الأممية لحقوق الطفل لسنة 1989 وتضمنت جردا لحقوق الأطفال تجاه أبويهم كما لي :

1-حماية حياتهم وصحتهم منذ الحمل إلى حين بلوغ سن الرش،

2-العمل على تثبيت هويتهم والحفاظ عليها خاصة، بالنسبة للغسم والجنسية والتسجيل في الحالة المدنية ؛

3-النسب والحضانة والنفقة طبقا لأحكام الكتاب الثالث من هذه المدونة ؛

4-إرضاع الأم لأولادها عند الاستطاعة؛

5-اتخاذ كل التدابير الممكنة للنمو الطبيعي للأطفال بالحفاظ على سلامتهم الجسدية والنفسية والعناية بصحتهم وقاية وعلاجا ؛

6-التوجيه الديني والتربية على السلوك القويم وقيم النبل المؤدية إلى الصدق في القول والعمل ، واجتناب العنف المفضي إلى الإضرار الجسدي والمعنوي، والحرص على الوقاية من كل استغلال يضر بمصالح الطفل ؛

7-التعليم والتكوين الذي يؤهلهم للحياة العملية وللعضوية النافعة في المجتمع، وعلى الآباء أن يهيئوا لأولادهم قدر المستطاع الظروف الملائمة لمتاعة دراستهم حسب استعدادهم الفكري والبدني.

عندما يفترق الزوجان، تتوزع هذه الواجبات إلى الحاضن والنائب الشرعي بحسب مسؤولية كل واحد منهما.

يتمتع الطفل المصاب بإعاقة، إضافة إلى هذه الحقوق المذكورة أعلاه بالحق في الرعاية الخاصة بحالته، ولاسيما التعليم والتأهيل المناسبان لإعاقته قصد تسهيل إدماجه في المجتمع.

تعتبر الدولة مسؤولة عن اتخاذ التدابير اللازمة لحماية الأطفال وضمان حقوقهم ورعايتها طبقا للقانون.

تسهر النيابة العامة على مراقبة تنفيذ الأحكام السالفة الذكر.

وقد عهد للنيابة العامة بالسهر على تنفيذ هذه الأحكام وهذا يعني أنه يمكن أن تتصرف كمدعية في أية مسألة تتعلق بممارسة هذه الحقوق حينما تستشعر وجود خلل ما في ذلك.

2-الحالة المستمدة من المادة 75 من المدونة :

أعطى المشرع للنيابة العامة صلاحية رفع طلب إلى المحكمة بغرض التصريح بكون المفقود المحكوم بوفاته، مازال على قيد الحياة، وذلك في الحالة التي لا يوجد من يتقدم بهذه الدعوى إلى المحكمة، وهنا أراد المشرع حماية مصالح المفقود الذي قد يكون في ظروف لا يستطيع معها القيام بشؤونه ولا حماية حقوقه، لذلك فتدخل النيابة العامة سيكون ناجعا في الحفاظ على حقوق المفقود الذي سبق الحكم بوفاته إذا تبين أنه لازال على قيد الحياة.

وللنيابة العامة كذلك حق رفع دعوى إثبات التاريخ الحقيقي لوفاة المفقود إذا كان التاريخ المنصوص عليه كذلك حق رفع دعوى إثبات التاريخ الحقيقي لوفاة المفقود إذا كان التاريخ المنصوص عليه في الحكم القاضي بوفاته غير مطابق للواقع وذلك بغرض ترتيب الآثار على ذلك لتاريخ، وهنا كذلك يتبين دور النيابة العامة في حماية المراكز القانونية وحسن تطبيق القانون.

3)اختيار من هو صالح للمحضون :

تعتبر الحضانة أهم المؤسسات القانونية التي خصتها المدونة بقواعد تأخذ بعين الاعتبار مصلحة الطفل (Intérêt de l'enfant) وذلك مراعاة لما التزم به المرب من ملاءمة التشريع الداخلي لنصوص اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل لسنة 1989 والتي توجب اعتبار مصلحة الطفل المعيار الأساسي في إسناد الحضانة، وللحفاظ على هذه المصلحة أعطت المدونة في مادتها 165 للنيابة العامة صلاحية رفع طلب إسناد الحضانة، إلى من هو جدير برعاية تقديم المصلحة والقيام بشؤون الطفل وتربيته تربية سليمة تساعده على النمو البدني والاستقرار النفسي، وذلك في الحالة التي لم يقبل من هو مستحق للحضانة أو لم تتوافر فيه أحد الشروط الواجب توفرها في الحاضن فالنيابة العامة هنا ضامن لأن تكون ممارسته الحضانة لمصلحة الطفل العليا.

ومصلحة المحضون التي يجب أن تأخذها النيابة العامة بعين الاعتبار في استعمال هذه الإمكانية المنصوص عليها في هذه المادة تتمحور بالأساس في نظرنا في :

حاجة الطفل إلى وسائل مادية لنموه البدني واستقراره النفسي، وقيام الحاضن بواجبه فبهذا الشأن وضرورة الحفاظ على علاقته مع الوالد غير الحاضن وأقاربه.

التربية والتنشئة السليمة لما فيه صلاح مستقبل الطفل.

ضرورة كون الحاضن ذا أهمية للقيام بهذا الدور الذي ينعكس على شخصية الطفل وعلى مصيره.

ومن خلال هذه المعايير الموجهة ستعمل النيابة العامة على تقييم ثبوت مصلحة الطفل من عدمه وبالتالي استعمال تلك الإمكانيات كلما ثبت لها أن تلك المصلحة يتهددها خصر ما.

4)في طلب التحجير أو إلغائه :

بمقتضى هذه المادة أعطيت للنيابة العامة مهمة حماية عديم الأهلية والذي طرأ له عارض من عوارض هذه الأخيرة إما بفقدان التمييز أو السفه أو العته إذ يمكنها أن تتقدم بطلب إلى المحكمة قصد التصريح بثبوت هاته الحالة والتحجير عليه حفاظا على مصالحه، إذن يكون - ونظرا لحالته هاته- عديم الأهلية ولا يمكنه مباشرة التصرفات القانونية بنفسه وابد في هذه الحالة من شخص يقوم بها عنه يتم تعيينه في المقرر القاضي بالتحجير، ومراعاة لنفس المصلحة أقرت ذات المادة إمكانية طلب النيابة العامة رفع الحجر إذا كان السبب الذي من أجله تم توقيع الحجر قد زال، فهي هنا تتدخل لضمان مصلحة المحجوز عليه وحمايته من نفسه ومن الغير بتوقيع الحجر عليه وتعيين شخص يقوم عنه برعاية مصالحه.

5) حماية المحضون (المادة 177) :

إيمانا بضرورة الحفاظ على حقوق الطفل ورعاية مصالحه خلال مرحلة الحضانة، فقد أعطت هذه المادة الصلاحية للنيابة العامة قصد التدخل للحفاظ على تلك الحقوق والمصالح عندما تتهددها إخطار، وذلك بما فيها تقديم طلب إسقاط الحضانة إذا رأت عدم أهلية الحاضن للقيام بهذه المهمة أو أن تصرفاته وسلوكه فيه خطر على مصلحة الطفل، والأضرار التي تبرر تدخل النيابة العامة كثيرة فقد تهدد الطفل في سلامته الجسدية كالضرب والارتداء البدني من طرف الحاضن أو أقاربه، أو قد تتهدده في صحته مثل عدم الاهتمام لحالته الصحية التي قد تكون مهددة بمرض أو وباء يحتاج إلى علاج سريع وعاجل، أو قد يتعلق الخطر الذي يهدده بدراسته وتربيته لما في ذلك تأثير على مستقبله ككل . فمثل هذه الأخطار التي تتهدد مصلحة الطفل المحضون تبرر تدخل النيابة العامة قصد وضع حد لها وهنا تبرز الأهمية العملية لهذه المادة في إعطاء النيابة العامة لهذا الدور لما في ذلك من سرعة تتطلبها ظروف الحالة خصوصا وأن الطفل قد يكون في وضعية خطيرة (Etat de danger) تزداد تعقيدا إذا لم يتم اتخاذ التدابير اللازمة بالسرعة المطلوبة.

6) منع السفر بالمحضون :

انطلاقا من أهمية المرحلة التي يكون فيها الطفل في حضانة أحد الأبوين وقيام الوالد غير الحاضن بحقه في الزيارة، فإن هناك العديد من المشاكل تنجم عن استئثار أحد الوالدين بالحضانة إذ يقوم بنقل الطفل إلى الخارج قصد الاستقرار به هناك، وظاهرة النقل غير المشروع للأطفال هاته منتشرة وأصبحت تشكل أحد المآسي الإنسانية والاجتماعية بالنسبة لعموم أفراد الأسرة مما حدا بالمشرع إلى إعطاء النيابة العامة صلاحية طلب التنصيص في مقرر إسناد الحضانة على منع سفر المحضون خارج الوطن دون موافقة نائبه الشرعي.

وهي التي تتولى تبليغ هذا المقرر للجهات المختصة واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان تنفيذه لما فيه مصلحة الأسرة ككل، وإرساء للمساواة بين الزوجين المفترقين : الأب والأم في ممارسة حقوقهم تجاه الطفل، ورعاية مصالحه والقيام بشؤونه.

وهنا كذلك أراد المشرع رعاية مصلحة الطفل بالحفاظ على هويته الثقافية وأصوله الاجتماعية، إذ أن أغلب حالات النقل غير المشروع للأطفال تكون بعد انحلال الزواج المختلط (MARIAGE MIXTE) (1) أي بين طرف مغربي وطرف أجنبي حيث يعمد الطرف الحاضن- وغالبا ما تكون الزوجة الأجنبية- إلى نقل الطفل إلى بلدها الأصلي لتحترم بذلك الطرف الآخر من حقه في رعاية ابنه وصلة الرحم به والإطلاع على أحواله.

إلغاء قرار الإذن بتسليم بعض الأموال للقاصر :

في نفس الإطار تم تخويل النيابة العامة مهمة الحفاظ على مصالح القاصر المالية وذلك في الحالة التي يتبين لها أن القاصر المأذون له في التصرف في أمواله قد أساء التدبير يتقدم بطلب إلغاء الإذن الذي سبق أن خولت بمقتضاه للقاصر تسلم بعض أمواله قصد إدارتها.

ويكون تدخل النيابة العامة ناجحا في الحالة التي يبادر فيها النائب الشرعي للقاصر إلى القيام بهذه المهمة.

فهي هنا تتدخل لحماية القاصر من نفسه ومن تبذيره لأمواله، ورعيا لمصلحته، وقد تقوم لهذا الغرض بتلقي كل المعلومات على القصر المأذون لهم بإدارة بعض أموالهم والتأكد منها ومن مدى ثبوت إساءتهم التدبير المبرر لطلب إلغاء الإذن الممنوح للقاصر.

ـــــــــــــــــــــ

1-لمزيد من التفاصيل حول الزواج المختلط ذ. موسى عبود : الوجيز في القانون الدولي

الخاص المغربي - نشر المركز الثقافي العربي 1944- الطبعة الأولى - ص 236.

ـــــــــــــــــــــ

8)الحفاظ على ممتلكات الدولة :

إذا كان بيد الهالك قبل موته شيء من ممتلكات الدولة فعلى قاضي المستعجلات بناء طلب النيابة العامة أو من يمثل الدولة أن يتخذ من الإجراءات ما يكفل الحفاظ على تلك الممتلكات.

9) إعفاء الوصي أو عزل الوصي أو المقدم :

تعد النيابة الشرعية إحدى آليات الحماية التي توفرها مدونة الأسرة لناقص أو عديمي الأهلية وهي إما ولاية أو وصاية أو تقديم حسب المادة 229 من المدونة، والهدف من تقرير هذا النظام هو حماية القاصر بالنظر إلى حالته التي لا يستطيع القيام بشؤونه بنفسه وذلك اما لانعدام تمييزه إذا كان دون الثانية عشرة من عمره أو لنقصان تمييزه، إذا كان قد تعدى هذا السن.

فبالإضافة إلى الرقابة القضائية على النيابات القانونية التي تروم كذلك رعاية مصالح عديمي الأهلية أو ناقصيها، والأمر بكل الإجراءات اللازمة للمحافظة عليها والإشراف على إدارتها فإن المادة 270 أعطت للنيابة العامة صلاحية تقديم طلب إعفاء الوصي أو عزله أو عزل المقدم وذلك عند عجز أحدهما عن القيام بمهمة أو حدوث إحدى الموانع الآتية :

1-الحكم عليه في جريمة السرقة أو إساءة ائتمان أو تزوير أو في جريمة من الجرائم المخلة بالأخلاق.

2-الحكم عليه بالإفلاس أو في تصفية قضائية.

3-إذا كان بينه وبين المحجوز نزاع قضائي أو خلاف عائلي يخشى من على مصلحة المحجوز.

فإذا ثبتت إحدى هذه الحالات يمكن للنيابة العامة أن تطلب من المحكمة إعفاء الوصي أو عزل المقدم بعد الاستماع لإيضاحاتهم، وهنا اعتبر المشرع أن مصلحة القاصر قد يهددها خطر بالنظر إلى سوء خلقه الذي يعتبر قرينة على عدم أهلية لإدارة أموال القاصر.

حالات تدخل النيابة العامة كطرف منضم :

كان قانون المسطرة المدنية السابق ينص في فصله التاسع على وجوب تبليغ القضايا المتعلقة بالأحوال الشخصية والنيابات القانونية للنيابة العامة وفي التعديل الجديد عوضت هذه العبارة بالقضايا المتعلقة بالأسرة. وهذا يقودنا إلى التعرف على مفهوم الأسرة في القوانين الجديدة.

والواقع أن هذا المفهوم لا يقتصر على المقتضيات الواردة في المدونة بل يتعداها إلى قضايا الأحوال الشخصية والميراث والحالة المدنية وشؤون التوثيق والكفالة وكل ما له علاقة برعاية وحماية الأسرة وهذا ما يستفاد صراحة من نص الفصل الثاني من ظهير التنظيم القضائي للمملكة المعدل بالقانون رقم 73.03 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف المؤرخ في 3 فبراير 2004 الذي ينص على أن أقسام قضاء الأسرة " تنظر في قضايا الأحوال الشخصية والميراث والحالة المدنية وشؤون القاصرين والكفالة وكل ما له علاقة برعاية وحماية الأسرة.

وإذا كان هذا النص قد وفق في تعريف قضايا الأسرة وأزال كل لبس أو غموض قد ينتج عن تطبيق الفصل 9 من قانون المسطرة المدنية فإن البعض يعيب على هذا الأخير احتفاظه بقضايا الأسرة باعتبارها من الحالات التي تكون فيها النيابة العامة طرفا منضما قضائيا بذلك مع ما أوردته المادة الثانية من اعتبارها طرفا أصليا في جميع القضايا.

والواقع أن هذا اللبس إنما هو ناتج عن العيب في صياغة المادة الثالثة كما سبق أن أوضحنا لكون غاية المشرع اتجهت إلى إعطاء النيابة العامة دورا فاعلا ومهما في أحكام المدونة بتخويله إياها صفة الطرف في جميع القضايا وتبعا لذلك تظل صفة الطرف الأصلي مرتبطة بموقع النيابة العامة في الدعوى وهي هي مدعية أو مدعى عليها وتكون طرفا منضما فيما عدا ذلك من القضايا.

ونظرا لما أولاه المشرع من أهمية لدور النيابة العامة كطرف منضم فقد رتب البطلان على عدم الإدلاء بمستنتجاتها أو تلاوتها بالجلسة في القضايا التي يتحتم تبليغها إليها بمقتضى الفصل التاسع من قانون المسطرة المدنية وهذا ما نصت عليه الفقرة الأخيرة، من هذا الفصل "يشار إلى إيداع مستنتجات النيابة العامة أو تلاوتها بالجلسة وإلا كان الحكم باطلا"

وهذا ما كرسه المجلس الأعلى ضمن قراره عدد 210 بتاريخ 13 مارس 1982 الذي جاء فيه :"تبلغ إلى النيابة العامة الدعاوي المتعلقة بالنظام العام ويشار في الحكم إلى إيداع مستنتجاتها أو تلاوتها بالجلسة وإلا كان باطلا وفي قرار آخر صدر بتاريخ 19 دجنبر 1979 تحت عدد 526 في الملف الاجتماعي عدد 63836 تم تحديد مضمون الفقرة الأخيرة من الفصل التاسع من قانون المسطرة المدنية إذ جاء فيه "حيث ان القضية يوجد فيها نزاع جوهري في الحالة الشخصية تتعلق بالنسب.

وحيث ان القرار المطعون فيه اكتفى بمجرد الإشارة إلى سماع ملاحظات النيابة العامة بالرغم من أن الفصل التاسع المذكور في فقرته الأخيرة يوجب إيداع المستنتجات أو تلاوتها عدا ما استثنته الفقرة 11 من نفس الفصل بالنسبة للمحاكم الابتدائية حيث أجازت تقديم مستنتجات شفوية وهنا يفترض حتما بالنسبة للمحاكم الاستئنافية أن تكون المستنتجات مكتوبة إذ لا يمكن الإيداع أو التلاوة إلا لشيء مكتوب.

وحيث ان أوراق الملف لا تتضمن ما يثبت أن هذا الإجراء المسطري الذي رتب عليه المشرع جزءا البطلان قد تم مما يكون معه القرار المطعون فيه معرضا للنقض ".

وانطلاقا من هذا القرار فإن مضمون هذا النص يكون كما يلي :

وجوب الإشارة في الحكم إلى إيداع مستنتجات النيابة العامة عندما يكون النزاع مطروحا أمام محاكم الاستئناف.

وجوب وجود هذه المستنتجات بالفعل ضمن أوراق الملف.

وجوب الإشارة في الحكم إلى المستنتجات الشفوية عندما يتعلق الأمر بالمحاكم الإبتدائية(1).

ـــــــــــــــــــــ

1-بحث الأستاذة الحسيني فاطمة المنشور بمجلة الملحق القضائي عدد 14.

ـــــــــــــــــــــ

وتجدر الإشارة إلى أن محكمة الاستئناف إذا ألغت الحكم لهذا السبب فإنه يتعين عليها أن تتصدى للقضية إذا كانت جاهزة (الفصل 146 من ق م م).

الحالات الأخرى لتدخل النيابة العامة في ظل مدونة الأسرة :

بالإضافة إلى حالات التدخل كطرف أصلي أو منضم التي تعرضنا لها سابقا وردت في مدونة عدة نصوص تحدد دور النيابة العامة من خلال تكليفها بالقيام بإجراءات معينة بهدف تطبيق نصوص هذه المدونة أو باتخاذ بعض الإجراءات والتدابير للمحافظة على الأسرة أو مساعدة المحكمة في تجهيز بعض القضايا والسهر على تنفيذ الأحكام القضائية.

وسنحاول استعراض مختلف هذه الحالات من خلال نصوص المدونة.

الإجراءات الإدارية للزواج والطلاق :

نظرا لكون المدونة استوجبت طبقا للمادة 68 تضمين عقود الزواج وتوجيه ملخصاتها إلى ضابط الحالة المدنية لمحل ولادة الزوجين داخل أجل خمسة عشر يوما من تاريخ الخطاب على الرسم فإن المادة 15 أوجبت فيما يخص المغاربة الذين أبرموا عقد الزواج طبقا للقانون المحلي لبلد إقامتهم أن يودعوا نسخة منه داخل أجل ثلاثة اشهر من تاريخ إبرامه، بالمصالح القنصلية المغربية التابع لها محل إبرام العقد، وإذا لم توجد هذه المصالح، ترسل النسخة داخل نفس الأجل إلى الوزارة المكلفة بالشؤون الخارجية كما تتولى هذه الأخيرة إرسال النسخة المذكورة إلى ضابط الحالة المدنية وإلى قسم قضاء الأسرة لمحل ولادة كل من الزوجين وإذا لم يكن للزوجين أو لأحدهما محل ولادة بالمغرب فإن النسخة توجه إلى قسم قضاء الأسرة بالرباط وإلى وكيل املك بالمحكمة الابتدائية بالرباط.

كما يوجه ملخص الزواج إلى نفس الجهة إذا وقع الزواج بالمغرب ولم يكن للزوجين أو لأحدهما محل ولادة بالمغرب (المادة 68).

ونفس الإجراءات أوجبها المشرع بخصوص ملخص وثيقة الطلاق أو التطليق أو البطلان الذي يوجه إلى محل ولادة الزوجين إذا لم يكن لهما أو لأحدهما محل إقامة بالمغرب فيوجه إلى وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالرباط (المادة 141).

2)البحث عن الزوجة :

لقد حرص المشرع في مدونة الأسرة على تمكين الزوجة باعتبارها طرفا ضعيفا من عدة ضمانات تهم استدعاءها وأوجب عدم إصدار بعض الأحكام في غيبتها إلا بعد البحث الضروري عنها من طرف النيابة العامة وهكذا فإن المرأة المراد التزوج عليها عند تقديم الزوج لطلب التعدد تستدعي من طرف المحكمة عن طريق عون كتابة الضبط إنذار تشعرها فيه بأنها إذا لم تحضر في الجلسة المحدد تاريخها في الإنذار فسيبت في طلب الزواج في غيابها.

وفي حالة عدم معرفة عنوان موطنها أو محل إقامتها فلا يمكن البت في الطلب إلا بعد إجراء بحث في الموضوع من طرف النيابة العامة وإفادتها بتعذر العثور على العنوان المذكور (المادة 43).

ونفس الحماية وفرها المشرع للزوجة في مسطرة الطلاق تفاديا لصدور حكم نهائي بإنهاء العلاقة الزوجية في غيبتها إذ يتعين هذا أيضا أن تتوصل الزوجة شخصيا فإذا لم تحضر ولم تقدم ملاحة مكتوبة أخطرتها المحكمة عن طريق النيابة العامة بأنها إذا لم تحضر فسيتم البت في الملف (المادة 81).

كما تستعين المحكمة بالنيابة العامة إذا تبين بأن عنوان الزوجة مجهول وذلك للوصول إلى الحقيقة خشية أن يتحايل الزوج على المحكمة بإعطاء عنوان غير صحيح.

ورغم أن المشرع نص على تطبيق العقوبات المنصوص عليها في الفصل 361 من ق إذا طالبت الزوجة بذلك فإنه ارتأى من باب الاحتياط أن يضمنها حماية خاصة في حالة تقديم الزوج للطلب من أجل التعدد.

3-البحث عن الزوج الغائب :

نظرا لكون أحكام الطلاق كما سبق ذكره تعتبر انتهائية وغير قابلة لأي طريق من طرق الطعن فقد أوجب المشرع أيضا البحث عن الزوج بواسطة النيابة العامة إذا كان عنوانه مجهولا وذلك في دعوى التطليق لعدم الإنفاق (المادة 103).

وطبقا للمادة 105 فإن النيابة العامة تقوم بدور المساعدة كذلك في الإجراءات الرامية إلى تبليغ دعوى التطبيق للغيبة إلى الزوج وبالبحث عنه في إطار إجراءات القيم.

4)اتخاذ بعض التدابير لحماية الأسرة :

إذا قام أحد الزوجين بإخراج الأخر من بيت الزوجية دون مبرر فإن النيابة العامة تتدخل من أجل إرجاع المطرود إلى بيت الزوجية حالا مع اتخاذ الإجراءات الكفيلة بأمنه وحمايته (المادة 53 من ق م م ).

ويلاحظ بهذا الخصوص ان هذه المقتضيات جاءت بها المدونة لأول مرة ولم تكن معهودة من ذي قبل وهي تهم الزوجين معا إذ يمكن لكل منهما إذا طرد من بيت الزوجية أن يلجأ للنيابة العامة لاتخاذ ما يلزم في هذا الشأن من أجل إرجاعه إليه ومن المرتقب أن يؤدي تطبيق هذا الإجراء إلى التقليل من الدعاوي الرامية إلى إلزام الزوجة بالخصوص بالرجوع إلى بيت الزوجية.

ويظهر بأن هناك نوعية خاصة من الازواج التي ستسلك هذه المسطرة ويتعلق الأمر بالزوج الذي يكون راغبا في استمرار العشرة مع زوجته وتكون نيته صادقة في لم شمل الأسرة وعدم الدخول في نزاعات قضائية مع شريكة حياته وعلى العكس من ذلك لازالت وستظل دعاوي الرجوع لبيت الزوجية رائجة أمام المحاكم بالنسبة للأزواج الذين لا تكون نيتهم صادقة في استمرار العشرة حيث يلجأون إلى مثل هذه الدعاوي عن سبق إصرار ويهدف الحصول في مرحلة التنفيذ على محاضر الامتناع تسجل على الزوجة عدم رغبتها في تنفيذ الحكم القاضي عليها بالرجوع لبيت الزوجية ليتأتى استعمالها في دعوى النفقة من أجل الحصول على حكم بإيقافها.

5)السهر على تنفيذ الأحكام القضائية:

في حالة عرض النزاع على القضاء بين الزوجين وتعذر المساكنة بينهما فإنما المحكمة تتخذ التدابير اللازمة لإسكان الزوجة والأطفال طبقا للمادة 147 من المدونة وتسهر النيابة العامة على تنفيذ تلك التدابير فورا وعلى الأصل .

وهذه إحدى مهام التنفيذ الموكولة للنيابة العامة في إطار مدونة الأسرة وقد أملتها ضرورة التدخل السريع وما يحتاجه من حزم ونجاعة وفعالية لا تتأتى إلا بإشراك النيابة العامة كما هو الشأن في تنفيذ الأحكام التي تستعصي على الطرف العادية لتنفيذ الجبري مما يستدعي تدخل النيابة العامة التي تجند القوة العمومية اللازمة لمؤازرة مأموري التنفيذ. ويظهر بأن الشرع هنا أراد إشراك النيابة العامة في تنفيذ هذه التدابير بداية لما تتطلبه من تدخل فوري حفاظا على حقوق الزوجة والأطفال واستقرارهم النفسي والاجتماعي في انتظار صدور الحكم في موضوع الطلاق.

مجلة المحامى

0 التعليقات:

Post a Comment