الاعتماد المستندي في الآثار القانونية للعلاقات الناشئة عن فتحه

الاعتماد المستندي في الآثار القانونية للعلاقات الناشئة عن فتحه

للمحامي الدكتور الياس حداد
أستاذ القانون التجاري في كلية الحقوق بجامعة دمشق
وكيل كلية الحقوق للشؤون العلمية من فرع دمشق
مقدمة :
قبل ان نتناول موضوع البحث بالدراسة، نرى انه من المفيد إلقاء نظرة عامة على النقاط التالية :
1- التعريف بالاعتماد المستندي.
2- اهميته
3- انواعه
4- القواعد الناظمة له.

أولا : التعريف بالاعتماد المستندي :
أدت الثورة الصناعية التي شهدها العالم في القرن الماضي الى تطور كبير في حجم التجارة الخارجية. وساهم في انماء هذا التطور سرعة الاتصالات بين كافة الدول عن طريق البرق والهاتف والتلكس، وسهولة المواصلات برا وبحرا وجوا. وقد رافقت هذه المبادلات التجارية حاجة ماسة لرؤوس اموال ضخمة لم تتمكن من تقديمها سوى مصارف كبيرة مؤسسة على شكل شركات مساهمة ذات فروع متعددة في مختلف البلدان. وقد مكنت هذه المصارف من بسط سيطرتها الاقتصادية ونفوذها الواسع مما جعلها ترتبط ارتباطا وثيقا بالاقتصاد القومي لكل بلد.

والوظائف التي تؤديها المصارف في مجال النشاط الاقتصادي والمالي تقوم على ممارستها لعمليات مختلفة ومتنوعة جرى الاصلاح على تسميتها بـ " العمليات المصرفية" وتشمل هذه العمليات : عمليات الصرف، قبول الودائع النقدية والصكوك، اجراء الحوالات، تاجير الخزائن الحديدية، وفاء الشيكات، خصم الاوراق التجارية او تحصيلها، تنظيم الكفالات، فتح الحسابات والاعتمادات.
هذا ويعتبر دور المصارف في انفاذ عمليات الائتمان (1) او الاعتماد من اهم ادوارها الاخرى.

وتظهر عمليات الائتمان بعدة اشكال. وهي كثيرة التنوع تبعا لما يبتكره فن العمل المصرفي وتقتضيه حاجات التجارة. فقد يكون الائتمان الذي يقدمه المصرف لزبونه قائما على تسليمه مبلغا من النقود، وهذا هو القرض المصرفي، او قد يكون الائتمان تعهدا من المصرف بوضع مبلغ معين من النقود تحت تصرف زبونه خلال مدة محددة، وهذا ما يطلق عليه فتح الاعتماد. ومن هنا يظهر الفرق واضحا بين عقد القرض المصرفي وعقد فتح الاعتماد. فعقد القرض يقتضي تنفيذه تسليم المبلغ محل القرض للمقترض فور التعاقد، بينما عقد فتح الاعتماد هو مجرد وعد بالافتراض، فالمصرف لا يلتزم الا بوضع المبلغ المتفق عليه تحت تصرف الزبون ليقبضه كله او بعضه متى يشاء، بل يصح ان لا يلجا الزبون الى الاستفادة من هذا المبلغ مطلقا.

وعقد فتح الاعتماد على نوعين : عقد فتح الاعتماد البسيط، وعقد فتح الاعتماد المستندي.
ان عقد الاعتماد البسيط هو عقد بين مصرف وزبون يلتزم الاول بمقتضاه بوضع مبلغ معين من النقود تحت تصرف الثاني خلال مدة محددة، بحيث يكون للاخير تناوله دفعة واحدة او على عدة دفعات .
اما عقد فتح الاعتماد المستندي فهو، كما عرفته المادة الثانية من النشرة رقم 400 لعام 1984 المتعلقة بالاصول والاعراف الموحدة للاعتمادات المستندية، أي ترتيب مهما كانت
--------------------------
1) تستعمل كلمة الائتمان او الاعتماد للتدليل على ثقة المصرف بزبونه بمنحه قرضا او وعدا بقرض او بكفالته بدين عليه للغير، انظر مصطفى كمال طه : القانون التجاري، الاسكندرية، 1980، بند 571.
--------------------------
تسميته او وصفه يلتزم بمقتضاه المصرف ( الفاتح للاعتماد) بناء على طلب العميل ( طالب فتح الاعتماد) ووفقا لتعليماته :
بان يدفع الى شخص ثالث ( المستفيد ) او لآمره، او بان يدفع او يقبل او يخصم سندات تجارية ( سند سحب) مسحوبة من قبل المستفيد. او …
بان يخول مصرفا اخر بالدفع، او بقبول او خصم سندات السحب المذكورة وذلك مقابل تسليم مستندات معينة يقتضي ان تكون مطابقة لشروط الاعتماد".

وبتعبير اخر، الاعتماد المستتندي هو عقد بين المصرف وزبونه الآمر بفتح الاعتماد، يتعهد المصرف بموجبه بان يدفع للمستفيد مبلغا معينا من النقود، او بان يقبل او يخصم لصالحه سندات سحب مسحوبة بقيمة معينة مقابل تسليم المذكور ( المستفيد) مستندات معينة (2).

ثانيا : أهمية الاعتماد المستندي :
يعتبر الاعتماد المستندي اسلوبا بارعا استنبطه الفكر المصرفي والتعامل التجاري استجابة لمتطلبات التجارة الخارجية، فقد اصبح هذا الاعتماد وسيلة هامة لتسوية البيوع الدولية وتمويلها وبخاصة البيوع البحرية منها (3).
ويمكننا ابراز الدور الهام الذي يقوم به الاعتماد المستندي من خلال هذه التسوية في انه يحقق المزايا التالية :
1- بالنسبة للبائع المصدر : حيث ان عقد البيع الدولي يقع غالبا بين اشخاص تفصل بينهم مسافات شاسعة، فان البائع يتردد في تنفيذ الالتزام الملقى على عاتقه بارسال البضاعة الى مشتر لا يعرفه قبل ان يقبض مقدما ثمنها،
------------------------------
2) عرف قانون التجارة في العراق ( مادة 381) والكويت ( مادة 367) عقد الاعتماد المستندي بانه " عقد يتعهد المصرف بمقتضاه بفتح اعتماد بناء على طلب احد عملائه ( الآمر بفتح الاعتماد) لصالح شخص اخر (المستفيد) بضمان مستنفدات تمثل بضاعة منقولة او معدة للنقل".
قارن تعريفات اخرى : د. د رزق الله انطاكي ونهاد السباعي : المصارف والاعمال المصرفية، دمشق 1958، بند 420، د. علي عوض : الاعتمادات المستندية، القاهرة، 1982، بند رقم 5، د. علي البارودي : العقود وعمليات البنوك التجارية، بند 262، د.د فابيا وصفا شرح قانون التجارة اللبناني الجزء الاول، ص 689، محمد ديب : الاعتماد المستندي، البيع سيف ومسؤولية الناقل البحري، طرابلس 1980، ص 69.
3) ومع ذلك فلا شيء يمنع من استخدام الاعتماد المستندي لتسوية بيوع على بضاعة تنقل بغير طريق البحر، او بيوع تتعلق بالتجارة الداخلية ما دامت سندات النقل المعدة في هذه الحالات تمثل البضاعة المنقولة. انظر : رينيه روديير وريف لانج، الحقوق المصرفية، الطبعة الثانية، باريس 1975، ص 416، هامش رقم 2، د. علي البارودي، ص 372، هامش رقم 1، د. علي عوض، ص 12، هامش رقم 1.
------------------------------
ويتردد كذلك المشتري من جهته بدفع الثمن قبل ان يستلم البضاعة، ولرفع هذا الحرج بينهما، او لتحرير نفوسهم من الشك (4)، ابتدع العمل وسيلة ادخال مصرف ما عن طريق فتح اعتماد مستندي لديه من قبل المشتري. ليحل محل الاخير ويتعهد تعهدا لا رجوع فيه بدفع قيمة البضاعة الى البائع، وليس ثمة شك بان التزام المصرف المباشر تجاه البائع ادعى الى طمأنة البائع من التزام المشتري. وعلى هذا النحو يضمن البائع استيفاء الصفقة حال تقديم المستندات دون ان يخشى سوء نية المشتري او عدم ملاءته (5). لا بل يمكنه ان يحصل على تسهيلات مصرفية لتجهيز البضاعة المبيعة وشحنها او لتمويل علميات اخرى (6).

2- بالنسبة للمشتري المستورد : تظهر فائدة فتح الاعتماد المستندي بالنسبة للمشتري الآمر بفتح الاعتماد في انه بحصوله على تعهد المصرف بالوفاء تجاه البائع، أي بحصوله على ائتمان المصرف، لا يكون مضطرا لدفع قيمة الصفقة وقت التعاقد او قبل شحنها، فقد لا تكون لديه الاموال الجاهزة لهذا الغرض، بعبارة اخرى، يستفيد المشتري من هذه الناحية، كالبائع كما تقدم، من تسهيلات مصرفية تسير له عدم دفع قيمة البضاعة المشتراة الا بعد وصولها .

ثم عندما يقوم المصرف بدفع ثمن البضاعة فانه يتسلم المستندات التي تمثلها، وعملية الاستلام هذه عملية قانونية تحتاج الى كثير من الخبرة والدقة، فالتزام المصرف القيام بهذه المهمة لمصلحة زبونه المشتري سيكون عامل ثقة بالنسبة لهذا الاخير على ان البضاعة ستأتي مطاقة للشروط المتفق عليها (7).

3- بالنسبة للمصارف : يعتبر الاعتماد المستندي بالنسبة للمصرف الذي يفتحه او بالنسبة للمصرف الذي يبلغه او يؤيده في بلد البائع، مصدرا كبيرا لنشاطه، اذ تتفرع عنه عمليات متعددة في مجال التسليف والقطع والخدمات. وتشكل الارباح والعمولات الناجمة عن هذه العمليات موردا رئيسيا من موارد هذه المصارف. من هنا تبدو اهمية تركيز المصارف على تنمية عملية الاعتمادات المستندية لديها وتطوير تاهيل الاجهزة العاملة لديها في هذا الميدان لاهمية موارد هذه العمليات اولا ولدقتها ثانيا .
---------------------------
4) فياض عبيد : الاعتمادات المستندية بين العرف والقانون. مجلة المحامين، دمشق، العدد 5 لعام 1982، ص 483.
5) د. مصطفى كمال طه : الاوراق التجارية، العقود التجارية، عمليات البنوك، الافلاس، الاسنكدرية، 1980، بند 579 .
6) د. زياد رمضان : ادارة الاعمال المصرفية، دراسة تطبيقية في الاردن، عمان 1977، ص 144 وما بعدها.
7) د. علي البارودي : بند رقم 262، محمد ديب : ص 75.
---------------------------
ثم ليس هناك من خطر على المصرف الذي يفتح امثال هذه الاعتمادات، فهو يستند الى ضمانة هامة ناتجة، وفقا للراي السائد في الفقه والقضاء، عن تمتعه بحق رهن على البضاعة بحيازة مستنداتها، فلو ان المشتري الآمر بفتح الاعتماد لم يدفع ما اداه المصرف للبائع الاجنبي، فان المصرف يستطيع ان يستلم البضاعة بموجب حيازته للمستندات التي تمثلها. وكدائن مرتهن يستطيع ان يبيعها بالمزاد العلني ويستوفي حقه من ثمنها بالاولوية وفقا للقواعد العامة، لا بل يمكنه ان يطالب بتعويض التامين في حال هلاك هذه البضاعة او تلفها.

4- بالنسبة للتجارة الدولية : ان دور الاعتماد المستندي في التجارة الخارجية على غاية من الاهمية، فهو يعمل على تشجيع حركة هذه التجارة وتسهيل تمويلها، انه يساعد على انتشار وتطوير المبادلات التجارية بين اشخاص من جنسيات متعددة قد يجهلون بعضهم بعضا. والمصارف بفتحها هذه الاعتمادات تلعب دور الوسيط الذي يثق به كل من البائع المصدر والمشتري المستورد وهذا ما يؤدي بالتالي الى ازدياد العلاقات التجارية وتدعيم التضامن الاقتصادي بين الشعوب.

ثالثا : أنواع الاعتماد المستندي :
للاعتمادات المستندية صور مختلفة تبعا للغرض منها وللظروف التي تتم بها. ونميز في هذا الصدد الانواع الثلاثة الرئيسية التالية :
1- الاعتماد القابل للالغاء : وهو الاعتماد الذي يستطيع المصرف المشتري الغاءه والرجوع عنه في أي وقت وبغير حاجة الى اخطار المستفيد ودون مسؤولية عليه تجاه الآمر بفتح الاعتماد ( المشتري) او المستفيد (البائع). وفي هذا الصدد تقضي المادة السابعة من الاصول والاعراف الموحدة للاعتمادات المستندية، النشرة 400 لعام 1984، بانه يجب النص بصراحة ووضوح في كافة الاعتمادات المستندية فيما اذا كانت قابلة للالغاء او غير قابلة للالغاء، وفي حال غياب النص فان الاعتماد يعتبر قابلا للالغاء (8). ان هذا النوع من الاعتمادات نادر الاستعمال في الحياة العملية لعدم اطمئنان البائع المستفيد اليه.
-------------------------
8) بخلاف ذلك، ذهب المشرع التجاري العراقي عندما قضى في الفقرة الثانية من 383 بان الاعتماد يكون باتا ما لم يتفق صراحة على قابليته للالغاء .
-------------------------
2- الاعتماد غير القابل للالغاء او القطعي : وهو الصورة العادية المألوفة في الاستعمال. اذ يتعهد فيه مصرف المشتري فاتح الاعتماد، تعهدا شخصيا وقطعيا تجاه المستفيد ( البائع) بان يدفع له نقدا ثمن البضاعة مهما آلت اليه احوال المشتري حتى ولو أفلس او توفي، او بان يقبل ان يخصم المستندات المسحوبة لتسوية ثمن الصفقة، ولذلك كله شريطة ان تكون المستندات المقدمة من قبله (البائع) مطابقة لاحكام الاعتماد وشروطه. وتعهد المصرف في هذا الشان تعهد بات قطعي. بحيث لا يجوز الغاء الاعتماد المفتوح او تعديله الا باتفاق جميع اصحاب العلاقة فيه ( مادة 10 من الاصول والاعراف الموحدة لعام 1984).

3- الاعتماد المعزز او المؤيد : قد يحدث الا يطمئن البائع لا الى المشتري ولا الى مصرفه فيشترط ان يتدخل مصرف ثان في العملية، وغالبا ما يكون المصرف المذكور هو المصرف الذي يتعامل معه في بلده. ويسمى هذا المصرف بالمصرف المراسل. والمصرف المراسل، اما ان يقتصر دوره على ابلاغ البائع بالاعتماد وشروطه دون التزام من جانبه، او ان يتدخل لاعطاء تعزيزه او تاييده (9) للاعتماد المذكور فيسمى الاعتماد في هذه الحالة بالاعتماد المعزز او المؤيد. ومتى تأيد الاعتماد، يصبح المصرف المؤيد ملتزما التزاما باتا وشخصيا تجاه المستفيد البائع. وهكذا يحصل المستفيد، في هذه الحالة، على ضمانتين مباشرتين تجاهه وتستقل كل منهما عن الاخرى : ضمانة فاتح الاعتماد، وضمانة المصرف المؤيد للاعتماد.

رابعا : القواعد الناظمة للاعتماد المستندي :
لم ينشا الاعتماد المستندي، رغم اهميته، كنظام قانوني له جذوره واصوله القانونية، وانما نشئ كنظام مصرفي خلقته حاجة العمل لاستخدامه كوسيلة دفع في مضمار التجارة الدولية. وهو لم يخضع الى يومنا هذا الى تنظيم تشريعي الا في قليل من البلدان (10) فظل محكوما بطائفة من الاعراف والعادات تتبعها المصاريف ويقضي بها الاجتهاد (11).
-----------------------------
9) لكن نظرا لما يوحيه تعزيز الاعتماد من عدم الثقة بالمصرف فاتح الاعتماد. فان بعض المصارف العالمية الكبرى لا تقبل بسهولة ان يؤيد اعتماداتها مصارف اخرى، انظر في ذلك : د. علي البارودي، ص 377 هامش رقم 1.
10) من التشريعات العربية التي قننت احكام الاعتماد المستندي، انظر القانون التجاري التونسي لعام 1959، المواد من 320 -727، القانون التجاري العراقي لعام 1970، المواد 381 وما بعدها، القانون التجاري الكويتي لعام 1980، المواد من 367-377.
11) ذكرت محكمة التمييز اللبنانية بقرارها رقم 39 تاريخ 4ء4ء1968 ما يلي : " ان العقد الناشئ عن فتح اعتماد مصرفي عقد مبني على اعراف التجارة الدولية التي ترعى كيفية انشائه واثاره، وهذه الاعراف تقرها جميع المحاكم عبر العالم دون حاجة لها بان تردها الى تشريعاتها الداخلية، او تستنبط بالضرورة من هذه التشريعات ما يبررها، اذ انه يتكون من الاعراف بحد ذاتها قانون غير مكتوب يفترض بالقاضي ان يعلم به العمل الذي له بسائر القوانين، مشار اليه في مؤلف الاستاذ محمد ديب، ص 79.
----------------------------
لكن نظرا لما يثيره تطبيق هذه الاعراف والعادات المختلفة من بلد الى اخر من منازعات ومصاعب متعددة، الامر الذي من شانه ان يعرقل نمو التجارة الدولية وازدهارها، فقد سعت غرفة التجارة الى توحيد القواعد والاحكام التي يخضع لها نظام الاعتماد المستندي. وكانت الثمرة الاولى لجهودها في هذا المضمار اقرار القواعد والاعراف الموحدة المتعلقة بالاعتمادات المستندية لعام 1932 في فيينا، قد روجعت هذه القواعد وعدلت عدة مرات في اعوام 1951، 1962، 1974، والنص المعدل لعام 1974، النشرة رقم 290، صدرت له ترجمة عربية تمت بمعرفة غرفة التجارة الدولية ذاتها تحت عنوان، " الاصول والاعراف الموحدة للاعتمادات المستندية" (12) اما اخر مراجعة وتعديل لهذه الاصول فقد كان عام 1983 حيث صدرت النشرة رقم (400) والتي وضعت موضع التنفيذ بدلا من 1/10/1984.

يلاحظ ان هذه الاصول والاعراف الموحدة لا تتمتع بطابع الالزام، بل تستمد قوتها من اتفاق المتعاقدين على الرجوع اليها في علاقاتهم (13).
ونشير في هذا الصدد الى ان معظم المصارف العربية تقر بخضوع الاعتمادات المستندية التي تفتحها او تبلغها او تعززها الى احكام الاصول والاعراف الموحدة المذكورة ولكل تعديل يطرأ عليها (14).

ننتقل بعد هذه المقدمة الى تحديد الخطة التي سنتبعها في عرض مختلف النقاط التي يتضمنها البحث.
خطة البحث : يترتب على فتح الاعتماد المستندي، في صورته الشائعة ( أي الاعتماد القطعي) نشوء عدة علاقات بين اطرافه، فهناك علاقة المصرف فاتح الاعتماد بالامر بفتح الاعتماد، وعلاقة المصرف فاتح الاعتماد بالمستفيد من الاعتماد. ولما كان ينتج عن هذه العلاقات عدة التزامات قانونية تتحملها الاطراف المذكورة بعضها ازاء بعض، فاننا سنحاول في هذه الدراسة بحث الاثار القانونية للعلاقات المذكورة في فصلين متتالين، نتكلم في الاول منهما عن علاقة المصرف فاتح الاعتماد بالآمر بفتحه، ونخصص الثاني للكلام عن العلاقة بين المصرف فاتح الاعتماد وبين المستفيد منه.
---------------------------------
12) لمزيد من التفصيل حول هذه التعديلات، انظر الاستاذ حسن النجفي، التطبيقات الجديدة للاعتمادات المستندية، طبعة ثانية، بغداد، 1976، ص 5 وما بعدها.
13) لكن نظرا لشيوع سريان الاصول والاعراف الموحدة في كثير من البلدان، فان بعض الفقه والاجتهاد يرى بانطباق الاعراف المذكورة على كل اعتماد ما لم يتفق صراحة على استبعادها عملا بنص المادة الاولى من هذه الاصول : انظر جوتردج ومجرا، مشار اليهما من قبل الدكتور علي عوض، ص 31، هامش رقم 6، ومحكمة التجارة باريس 8/3/1967، مجلة الحقوق البحرية الفرنسية، 1976، ص 558، قارن مع ذلك روديير وريف لانج : بند 353، ستوفليه : بند 8.
14) انظر مثلا مطبوعات المصرف التجاري السوري، باللغتين العربية والاجنبية التي تحيل بكل صراحة ووضوح الى هذه القواعد الموحدة، وانظر كذلك على سبيل المثال مطبوعات البنك الاهلي التجاري بالمملكة العربية السعودية التي تقدمها لزبائنها بشان طلب فتح اعتماد مستندي والتي تشير الى : " اننا نقر ان هذا الطلب والاعتماد الذي يصدر بموجبه يخضعان للقواعد والعادات المرعية للاعتمادات المستندية المتفق عليها في الغرف التجارية العالمية".
---------------------------------

الفصل الأول
الاعتماد بين المصرف فاتح الاعتماد والآمر بفتحه

تستند علاقة الآمر بفتح الاعتماد بالمصرف فاتح الاعتماد الى عقد فتح الاعتماد المبرم بينهما تسوية لعلاقة اصلية سابقة بين الآمر هو عادة المشتري وبين المستفيد الذي هو البائع، وليس للمصرف شان بهذه العلاقة الاخيرة، بل الفرض انه يجهلها، ولذلك يبقى عقد الاعتماد قائما ومنتجا لاثاره كافة بالرغم من العيوب التي تعتري البيع وتشكل سببا لبطلانه.
وعقد فتح الاعتماد المستندي، بوصفه اساسا للعلاقة بين المصرف الفاتح للاعتماد وبين الآمر بفتحه، ينشئ إلزامات متقابلة، كما سنرى، في ذمة كل منهما تجاه الاخر.

الفرع الأول
التزامات الآمر بفتح الاعتماد اتجاه المصرف
يلتزم الآمر بفتح الاعتماد بعدم الرجوع فيما امر المصرف به، ويدفع العمولة المتفق عليها، وتحمل كافة المصاريف التي يتكبدها المصرف، وكذلك رد المبلغ الاعتماد الذي دفعه المصرف للمستفيد.
1- احترام الامر لتعليماته والابقاء عليها : يلتزم الامر بفتح الاعتماد الذي فتح الاعتماد بناء على طلبه، بعدم الرجوع عن تعليماته المتعلقة بفتح الاعتماد قبل انتهاء مدة صلاحية الاعتماد كما ليس له بعد فتح الاعتماد ان يوجه للمصرف تعليمات من شانها تعديل شروط الاعتماد مثلا، فالتزامه تجاه المصرف التزام نهائي لا رجوع او تعديل فيه، وتتاكد نهائية هذا الالتزام منذ اللحظة التي يصبح فيها تعهد المصرف نهائيا امام المستفيد بابلاغه كتاب الاعتماد. ومبرر الزام الامر بفتح الاعتماد الابقاء على الاعتماد المفتوح والتعليمات التي ضمنه إياها، هو ان الاعتماد ذاته ينشئ التزامات قطعيا وثابتا في جانب المصرف ازاء المستفيد. كما ان السماح للامر بفتح الاعتماد بالرجوع عن الاعتماد ولو كان له مصلحة في ذلك، يهدد، كما يقول الدكتور علي عوض، التجارة الدولية وبعدم الثقة التي يجب ان تسود اوساط المتعاملين بها.

2- دفع العمولة المتفق عليها : يلتزم الامر بفتح الاعتماد ان يدفع للمصرف العمولة المتوجبة. وتحسب هذه العمولة عادة بنسبة معينة من قيمة الاعتماد يراعى في تحديدها مخاطر المصرف ومدى مسؤوليته عن تنفيذ الاعتماد.
وحيث ان هذه العمولة هي مقابل تعهد المصرف بتقديم خدماته للامر بفتح الاعتماد، فهي تستحق لصالحه بمجرد ابلاغه الاعتماد للمستفيد سواء استخدم الاعتماد بعد ذلك ام لم يستخدم .

0 التعليقات:

Post a Comment