إطلالة على القضاء الشعبي والتحكيم من خلال التجربة المغربية

عبد الله درميــش محام بهيئة الدار البيضاء

نشرت مجلتنا، في عددها السابق، البحث الذي تقدم به الاستاذ خليل مبارك، في نطاق مساهمة هيئة المحامين بالدار البيضاء في ندوة " القضاء غير الممتهن" (القضاء الشعبي والتحكيم) التي نظمتها الامانة العامة لمجلس وزراء العدل العرب ما بين 6 و8 فبراير1985 بالرباط .
وفيما يلي يجد القارئ الكريم البحث الثاني الذي ساهمت به ايضا هيئتنا في اشغال الندوة المذكورة، والذي اعده الاستاذ عبد الله درميش .

1) ان موضوع " القضاء الشعبي" من المواضيع البارزة التي شغلت - ردحا طويلا من الزمان - عقول الفقهاء ورجال القانون واستهوت نفوس رجال السياسة والفكر، فهو يحتل مكانة بارزة في التنظيم القضائي لكل دولة، ويأخذ بجانب كبير من اهتمام الرأي العام، لذا عقدت له ندوات كثيرة وأقيمت له مناظرات عديدة، واحتدم حوله النقاش والجدال بين مؤيد ومعارض، وتعددت الآراء حوله، وتشعبت الأفكار تجاهه، وما زال - الى الآن - محط اهتمامات المسؤولين على قطاع العدالة، وموضع مناقشات حادثة مخلصة تتقاذفه الآراء بين أخذ ورد، ومد وجزر، تارة نحو التألق وتارة أخرى نحو الأفول.
وما هذه الندوة التي يحتضنا المغرب إلا عربونا قويا على هذا الاهتمام، ونموذجا واضحا لهذه المحاولات الجادة المخلصة للبحث عن سبل ناجعة لإيجاد الحل الملائم للمعضلات التي يعرفها التنظيم القضائي في كل دولة .

2) ان الغرض من هذا العرض البسيط ما هو الا تسليط اضواء خاطفة على بعض التجارب التي عرفها المغرب في هذا الحقل، خصوصا وان المغرب عند اعادة النظر في تنظيمه القضائي سنة 1974 قد تراجع عن التجارب السابقة، لما يمكن ان يسمى بالقضاء الشعبي، فألغى نظام المستشارين المحلفين الذين كانوا يشتركون في تأليف محكمة الجنايات (1) كما نسخ المحاكم الاجتماعية (2) التي كان من المفروض ان تحل محل محاكم الشغل (3) والتي كانت تضم الى جانب القاضي الممتهن عددا من المستشارين يمثل نصفهم المشغلين بينما يمثل النصف الاخر الطبقة المأجورة، إلا انه في نفس الوقت وفي نفس التنظيم لسنة 1974 كرس المغرب "القضاء الشعبي" كنظام شامل يغطي كل جماعات ومقاطعات المملكة، اذ احدث نظام محاكم الجماعات ومحاكم المقاطعات، وأخيرا وبتاريخ 21 يونيو1982 اثبت المشرع المغربي(4) مؤسسة الحسبة، وبعد هذا التأرجح بين الإلغاء والإبقاء وجب التساؤل حول ما اذا كان المغرب يخطو نحو ترسيخ القضاء الشعبي أم انه سوف يتراجع عن هذه التجربة، كما تراجع عن سابقاتها .

ان الجواب على هذا السؤال ليس بالأمر اليسير، فهو متروك لتطلعات المستقبل .
إلا انه قبل إعطاء فكرة حول هذه التطلعات المستقبلية والتخمينات المقبلة لا بد من التعريف بفكرة القضاء الشعبي، وصوره ومزاياه وعيوبه، وعلاقته بالتحكيم، ثم أخيرا نتائج التجربة المغربية في هذا المضمار، وأرى ان يتم ذلك بالدرجة الأولى في إطار أحوالنا الذاتية ومتطلباتنا الخاصة، وفي ضوء ظروفنا الحالية التي يمر بها مشكل العدالة بصفة عامة، والقضاء الشعبي بصفة خاصة .

أولا : التعريف بفكرة القضاء الشعبي :
3) ان التعريف بالقضاء الشعبي أمر ضروري لأنه كثيرا ما يقع الخلط من طرف الباحثين بين القضاء الشعبي وصور أخرى من القضاء لا تمت الى الأول بأية صلة فعبارة " القضاء الشعبي" لا زالت محل خلاف شديد في آفاق القانون .
4) فأول ما يقفز الى الأذهان ان القضاء الشعبي هو الذي يمارسه الشعب بنفسه، فيكون القضاء على هذه الصورة هو اقدم صور القضاء فقديما كانت الجماعة هي التي تقوم بالفصل في المنازعات التي تنشب بين أفرادها مستندة في ذلك على ضميرها، وعلى عاداتها، وتقاليدها وأعرافها، وهي أمور فطرية في متناول جميع أفراد الجماعة، وكان يغلب عليها الطابع الديني اذ كان القضاء دينيا يتم في هياكل الآلهة ويمارسه الكهنة بوحي من الآلهة الى ان قام حمورابي بخطوة هامة في هذا المجال فأنشأ محاكم مدنية غير دينية(5). ففكرة القضاء الشعبي بالمفهوم الواسع الذي يستغرق المفهوم الضيق الحديث لهذا الاصطلاح كانت معروفة في الحضارات القديمة، وتمارسها الشعوب في يسر وسهولة بجوار القضاء الرسمي اذ تشارك هذا القضاء الرسمي، بل أحيانا تحل محله، فهذه الفكرة ليست وليدة الإنجليز كما يعتقد البعض عند دراسة نظام المحلفين بإنجلترا .

وحتى تكتمل الصورة أمام القارئ اكتفي بالإشارة إشارة عابرة - دون ان اغرق في التفصيل خوفا من الخروج عن الهدف المتوخى من هذا البحث - الى انه في ظل العادات القبلية الإفريقية القديمة، كانت السلطة القضائية بيد الملك وكان يساعده في ذلك بعض الأعيان إلا انه كان من حق اي فرد من أفراد المجتمع حضور الجلسات العلنية العمومية والمشاركة في المناقشة بطرح الأسئلة على أطراف الخصومة وعلى الشهود ولا يصدر الحكم إلا على ضوء هذه المناقشات .

5) فهكذا يمكن القول ان هذا النوع من القضاء إنما يعني إسهام العنصر الشعبي في إدارة شؤون العدالة تحقيقا لديمقراطية حق، فهو عبارة عن إشراك او رقابة الأفراد العاديين بأية صورة من الصور في تطبيق أحكام القانون او القواعد المعمول بها في مجتمع ما، فهو إشراك الشعب في النواحي القضائية في أية مرحلة من المراحل التي تقطعها الدعوى : إما اثناء سير الدعوى او بعدها، اذ قد يمتد التمثيل الشعبي الى ما بعد وفاة المحكوم عليه لتتم محاكمته اثناء الإجراءات الجنائزية التي لها اقدس الاحترام عند بعض الحضارات القديمة (6) .
6) إلا ان تغيير متطلبات العصر وتعقد الحياة الاجتماعية، والتقدم الصناعي والتكنولوجي، وتشعب كثير من مناحي الحياة، والازدياد المضطرد للنزاعات المختلفة، والجنوح نحو التخصص في شتى المجالات، ومنها مجال القضاء، جعل من الضروري ظهور القضاء المتخصص الى جانب القضاء الشعبي الذي لم يستطع مواكبة هذا التغيير الجارف، فبمرور الزمن ظهرت طائفة من الناس متخصصة في معرفة القانون وفي تطبيقه (7) .
7) وعلى هذا النحو لا يمكن ان نتصور وجود قضاء شعبي إلا مع وجود قضاء متخصص، فالقضاء الشعبي يقابله القضاء الممتهن، إلا انه يجب ان لا يفهم ان القضاء الذي يتم بواسطة أشخاص ذوي كفاءات فنية وخبرات تقنية ليس قضاء شعبيا، اذ من المبادئ الأساسية في كل الأنظمة القضائية، انه يمكن إشراك أشخاص من ذوي الكفاءات الفنية او المهنية في الفصل في النزاعات المتعلقة باختصاصاتهم الفنية والمهنية كما انه من الخطأ اعتبار مساهمة غير المتخصصين في القضاء نوعا من القضاء الشعبي، فمثل هذه المساهمة ليس من شأنها إلا رفع مستوى كفاءة المحكمة او من شانها فقط ضمان تمثيل متساو لوجهات نظر أطراف النزاع(8). فهذه المشاركة التي ليس من شأنها الاشتراك في المداولات او إصدار الأحكام ليست إلا مجرد رأي استشاري يستأنس به القاضي .
8) كما ان بعض النماذج لا يمكن ان تندرج تحت تسمية "القضاء الشعبي"، كما هو الحال مثلا بالنسبة للجهات الذاتية التي يسند لها الفصل في بعض النزاعات المتعلقة ببعض الفئات الخاصة، كما هو الحال مثلا بالنسبة للسلطات القضائية التي تمارسها هيئات المحامين على أعضائها، او هيئات النقابات على أفرادها، وتوصف هذه الجهات بالذاتية لأنها خاصة بمجموعة معينة تباشر وظيفتها وصلاحياتها في داخلها، ولا يشترط في أعضائها التخصص القانوني، إلا إذا جاء ذلك بمحض الصدفة، كالمحامي العضو بمجلس النقابة الذي يشارك في إصدار قرارات التأديب فهو بالضرورة قانوني متخصص .

ثانيا : بعض صور " القضاء الشعبي" من خلال التجربة المغربية :
9) سأحاول ان أتناول تحت هذا العنوان البحث حول ما إذا كان المغرب يعرف بعض مظاهر القضاء الشعبي قبل عهد الحماية، ثم أقتفي آثار ذلك عبر عهد الحماية، وأخيرا ألتمسه في عهد الاستقلال، في كل من التنظيمين القضائيين الملغى والحالي، على ان أمر بكيفية عابرة وباختصار شديد، على بعض الأمثلة البائدة من هذا النظام وأصب اهتمامي اكثر على المثال الواضح الصارخ لهذا النوع من القضاء الذي يتجسم في قضاء الجماعات وقضاء المقاطعات .

أ‌- قبل عهد الحماية :
10) دون ان اضرب في أعماق تاريخ التنظيم القضائي المغربي فانه يمكن القول بان المغرب قد درج على النظام القضائي الإسلامي في خطوطه العريضة مع تأثره بين الفينة والأخرى ببعض المؤثرات السياسية والنزاعات المذهبية للحكام، فهكذا ظلت السلطة القضائية بيد الملك بوصفه أميرا للمؤمنين، إلا انه قليلا ما كان يتدخل في غير الجنايات الكبرى او الجرائم السياسية وكان يوجد في أعلى السلم القضائي قاض يدعى " قاضي القضاة" (9) وكان القاضي يفصل في الخصومات بناء على نصوص الشريعة الإسلامية، وقد يلجأ أحيانا الى الحكم بالعرف وتطبيق العادات والتقاليد، وكان الى جانب القضاة نظام " العدول" الذي يقترب من القضاء الشعبي، اذ كان القاضي يختار من بعض الموثوق فيهم عدولا يسألهم عن عدالة الشهود، وبهذه الكيفية كان العدول يشتركون مع القاضي في تقدير أدلة الدعوى، وارى ان أساس ذلك هو ما نادى به علماء المالكية بوجوب حضور العدول لمجلس الحكم، قال ابن فرحون " إحضار العدول في مجلس قضائه" ومن جهة أخرى فانه بإمكان المتقاضين الالتجاء الى تعيين وكلاء عنهم او الاستعانة بفتوى أحد المختصين، وتعد الفتوى وظيفة رسمية يمكن للقاضي ان يسترشد بها .

واستخلص ان النظام القضائي في الإسلام قد عرف نوعا من مشاركة الشعب للقضاة في إصدار الحكم وهو ما سمي بالشورى وهي التماس استشارة من الغير، ذي الخبرات الفنية والآراء السديدة إلا ان مثل هذه الاستشارة لا تعدو ان تكون إلا رأيا استشاريا محضا وان الرأي الأخير للقاضي الذي ينفرد بإصدار الحكم .

11) وعلى هذا الأساس فان ملوك المغرب - عبر التاريخ - كانوا يسندون منصب القضاء لأجل العلماء وأمثلهم علما ودينا، وكانت طريقة اختيار القاضي تتم على ضوء الشهرة في مجال العلم والمعرفة الواسعة في علوم الفقه وأصول الدين وحسن السلوك وطيب السمعة وكمال الاستقامة والنزاهة، وأحيانا أخرى يتم اختياره بعد امتحانه على يد من عين لذلك من العلماء الأخيار ورجال الفقه الأفذاذ. وفي الظهائر التي كانت تصدر في تعيين القضاة خير دليل على كيفية انتقائهم اذ كانت تجيء كلها معللة بحيثيات في بيان أسباب تعيين ذلك القاضي لذلك المنصب (10) .
12) ولا ننسى كذلك الإشارة الى القضاء العبري الذي كان يتم على الوضع الذي أقرته الشريعة الإسلامية، فأنشئت محاكم الأحبار التي كانت تتألف حسب القواعد التلموذية من ثلاثة أحبار ولم تكن خاضعة لأي قانون إجرائي .
13) ونستنتج إذن، ان القضاء في هذه الحقبة من التاريخ هو قضاء متخصص مع اختلاف في مصطلح التخصص في الوقت الراهن، وكان القاضي، كذلك، هو قاض بالمفهوم الفني لهذه العبارة، فلا يجوز تولية الشخص العامي المحض لشرف القضاء، فيشترط فيه على الأقل ان يكون مجتهدا .

ب‌- اثناء الحماية :
14) وفي غياهب الحماية حرصت الدولة الفرنسية بصفتها الدولة الحامية على ان تنص في المادة الأولى من عقد الحماية لسنة 1912 على القيام بإصلاحات قضائية، ثم جاء في الاتفاقية الإسبانية - الفرنسية المنعقدة بتاريخ 27/11/1912 في مادتها 24 على ان تحتفظ كل من الدولتين - في إطار منطقتها - على مؤسسات قضائية مقتبسة من تشريعها الخاص، كما نصت المادة 48 من الاتفاقية الخاصة بمنطقة طنجة المنعقدة بتاريخ 18/12/1923 على إقامة نظام قضائي مختلط في تلك المنطقة (11) .
15) وعلى ضوء هذه الاتفاقيات أسندت الدولة الحامية مهمة القضاء الى أشخاص مجردين، غالبا، من كل خبرة قانونية او ثقافة عامة دنيا، وخاضعين في كل الأحوال لسلطات المراقبة الاستعمارية، يدينون لها بالولاء وينفذون تعليماتها فجاوروا بين نوعين من المحاكم، وبالتدريج صار المراقبون المدنيون وضباط الشؤون الأهلية يصدرون التعليمات الى باشوات المدن وقواد البوادي، فأعطيت صلاحيات البت في النزاعات الادارية الى قضاء السلطة الحامية (12) .
16) وكانت السلطة القضائية على شكل محاكم مخزنية (القضاء المخزني) وكانت هذه المحاكم عبارة عن مجلس يعقده الباشا في المدينة او القائد في البادية، او أحد خلفائهما، للفصل في الدعاوي، وفي إصدار الاحكام دون ان تكون هذه الاحكام مستندة الى قوانين مسطرية او تشريعات قانونية منظمة بل كانت تصدر حسب اجتهادهم الخاص وميولهم النفسية او حسب أهوائهم او وفق سجاياهم، وبأمر او بموافقة المندوب المخزني او المراقب الفرنسي .

والجدير بالملاحظة ان الباشوية او القيادة او الخلافة لم تكن تراعى فيها الكفاءات القانونية او الاعتبارات الثقافية بل كانت تراعى فيها التبعية والخنوع السياسي للسلطة الحامية .

وكانت المحاكم المخزنية موسعة الاختصاص فكانت تفصل في اغلب القضايا الجنائية والمدنية والتجارية باستثناء تلك التي استثناها الفصل الثاني من ظهير 28/11/1944 حيث اسند فيها الاختصاص للمحاكم الفرنسية، فكان هدف هذا الظهير - بتأسيسه لنوع آخر من المحاكم هي محاكم الباشوات ومحاكم المفوضين - التقليص من مهام محكمة القاضي الشرعي .

17) وهناك نوع آخر من القضاء كمثال على "القضاء الشعبي"، هو "القضاء البربري" الذي أنشئت جماعات لمباشرته بواسطة مناشر صادرة عن الإقامة العامة، فشجعه " ليوطي" وكرسه الظهير البربري المؤرخ في 16/5/1930 اذ جعلت الحماية من السلطة القضائية إجراءا إداريا جمعت بمقتضاه كل السلطات بين يدي مأموريها، وعمدت الى الجماعات القبلية فجعلت فيها مجالس للحكم وجعلت ما بقي بها من الأعراف الجاهلية قانونا ثابتا يحكم معاملاتهم، فأحدثت بذلك محاكم عرفية لم يسبق للمغرب ان عرفها في تاريخه (13) فإلى جانب المحاكم المخزنية، تأسست بتاريخ 11 شتنبر1914 محاكم أخرى أقامها الاستعمار بجنوب المغرب وكانت تدعى " محاكم العرف" حيث يحكم فيها عملا بالعرف الجاري لدى سكان هاته الناحية، وقد نظم هذه المحاكم قرار وزيري مؤرخ في 8 ابريل1934 (13م) .

نستخلص إذن ان الاستعمار قد تطاول على قضائنا التقليدي الذي كان متمثلا في القضاء الشرعي والذي كان دائما صامدا كالطود، لأنه قضاء عريق في الأصالة ونابع من الشعور الفياض لسواد الأمة، فاعتدى عليه المستعمر فضيق عليه الخناق بإحداث محاكم المخزن ومحاكم العرف التي كانت صنيعة الاستعمار ووليدة الحماية، فقام الى جانب القضاء الشرعي، وهو قضاء متخصص، قضاء مخزني وعرفي وهو قضاء شعبي، فانقص من القضاء العادي وبالتالي انقص من سيادة الأمة المغربية لان القضاء مظهر من مظاهر سيادة كل دولة ورمز من رموز سيادتها .

ج‌- في عهد الاستقلال :
( القضاء الشعبي بعد قوانين الاصلاح القضائي) .
18) رأينا ان المغرب الذي كان يرسف في أغلال الاستعمار لم يكن يتمتع بالاستقلال القضائي خصوصا في القضايا الأكثر شيوعا واتصالا بسواد الشعب المغربي، حيث كان القضاء المخزني يستأثر بها وما ان بزغت شمس الاستقلال حتى هب المغفور له محمد الخامس الى العمل على إلغاء ذلك النوع من القضاء، فصدر ظهير بتاريخ 7 مارس 1956 ألغى كل مقتضيات ظهير 8 يوليوز1954 الذي كان يخول خلفاء الباشوات سلطات قضائية واسعة وصدر ظهير آخر وبنفس التاريخ رقم 14/56/1 ينص في فصله الأول على انه : " تلغى كل مراقبة عامة او خاصة راجعة لتدبير شؤون العدل المغربي" .
وانطلاقا من ذلك أعيدت هيكلة القضاء برمته فأحدثت عدة محاكم لتساير الاتجاهات المعاصرة في التنظيمات القضائية الاوربية، وسنقتصر على البعض منها الذي له ارتباط بموضوعنا .

محاكم الشغل :
19) بمقتضى ظهير 29/4/1957 أسست هذه المحاكم لتحل محل " مجالس الخبراء" (14) وكانت تتألف من قيدوم قضاة الصلح كرئيس ومن 24 شخصا - ليسوا قضاة - نصفهم يمثل طبقة المؤاجرين والنصف الآخر يمثل طبقة العملة والمستخدمين، ما عدا محكمة الدار البيضاء فكان عددهم يصل الى 18 فردا بالنسبة لكل جهة.
والملاحظ ان تركيب المحكمة على هذا النحو يسمح للطبقة العامة في البلاد ان تساهم في مراقبة وتطبيق قانون الشغل، أما عن الإجراءات أمام هذه المحاكم فكانت بسيطة للغاية خالية من كل تعقيد .

المحاكم الاجتماعية :
20) أسست هذه المحاكم بمقتضى ظهير 27 يوليوز1972، وحدد المرسوم المؤرخ في 14/12/1972 تاريخ دخولها حيز التنفيذ في فاتح يناير1973 وكانت تتركب من قاض محترف كرئيس يساعده عون من الأعوان المحلفين في كتابة الضبط ومن عدد من المستشارين نصفهم يمثل المشغلين والنصف الآخر يمثل المأجورين او العملة .

والملاحظ ان الظهير الجديد قد ابتكر طريقة جديدة لتعيين المستشارين، فبعد ان كان التعيين يتم بمحاكم الشغل عن طريق الانتخاب، اصبح يتم أمام المحاكم الاجتماعية بقرار من الوزير المكلف بالشغل بناء على اقتراح من المنظمات المهنية الأكثر تمثيلا لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد .

وأستطيع القول بان المشرع كان يقصد، من إشراك هؤلاء المستشارين في تركيب المحكمة الاجتماعية، الاستفادة من خبرتهم المهنية، فأصبحت المحكمة الاجتماعية، على هذا النمط تتألف من قاض متخصص ومن " قضاة" مهنيين، إلا أنه سرعان ما وقع نسخ هذه المحاكم بمقتضى قانون المسطرة المدنية الجديد ( من الفصول 269 الى 294 من قانون المسطرة المدنية) .

القسم الاجتماعي :
21) بمقتضى ظهير التنظيم القضائي الجديد المؤرخ في 15 يوليوز1974 فان القسم الاجتماعي يعتبر جزءا وقسما من أقسام المحكمة الابتدائية، فيتضح إذن ان المحاكم الابتدائية، قد حلت محل المحاكم الاجتماعية (الباب الرابع من القسم الخامس تحت عنوان المساطر الخاصة من قانون المسطرة المدنية) .

وهكذا وبناء على الفصل 271 من ق م م فقد صدر مرسوم 633/74/2 بتاريخ 28 شتنبر1974 يتعلق بتعيين المستشارين في القضايا الاجتماعية وتنظيم مهامهم. فجلسات هذا القسم تعقد بحضور قاض محترف متخصص منفرد بصفته رئيسا وبمساعدة كاتب الضبط وأربعة مستشارين اثنان منهم يمثلان العمال والآخران يمثلان أرباب العمل، عدا إذا كان الأمر يتعلق بالبت في حوادث الشغل او الأمراض المهنية فيبت القاضي وحده بصفة منفردة بحضور كاتب الضبط، كما يمكنه ان يبت كذلك بصفة انفرادية، ولو تعلق الأمر بالنزاعات المتعلقة بالشغل او الخلافات الناشئة بين المشغل والأجير، او في قضايا الضمان الاجتماعي، إذا كان عدد المستشارين الحاضرين غير كاف ( ف 270 م م ) .

ويشترط في المستشار ان يكون بالغا 25 سنة على الأقل متمتعا بحقوقه السياسية والمدنية ( ف 6 من المرسوم) ويعين لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد بقرار مشترك لوزير العدل ووزير الشغل والشؤون الاجتماعية، ويؤدي اليمين القانونية أمام المحكمة الابتدائية قبل ممارسته مهامه .

ونظرا الى ان المستشار في القسم الاجتماعي هو قاض غير محترف يشارك في مؤسسة عمومية هي مؤسسة القضاء، فقد أضفى عليه المشرع حماية خاصة، فأوجب على المشغل السماح للمستشار بالتغييب لحضور جلسات المحكمة على ان تؤدى له أجور عمله من رب العمل ( ف 10 من المرسوم)، بالإضافة الى واجبات التنقل التي تصرفها له الدولة، كما انه يمكن تجريح المستشار كعمل وقائي ومعاقبته كإجراء علاجي (15) .

نظام المحلفين المستشارين في القضايا الجنائية :
22) ان نظام المحلفين المستشارين هو أحد نماذج الإسهام الشعبي في إقامة العدالة في الميدان الجنائي، اذ يضمن تمثيل المواطنين في تشكيل هيئة المحكمة بصفتهم مواطنين وليسوا بمتخصصين .
وتعود الأصول الأولى للقضاء الشعبي في الدول الغربية الى هذا النوع من النظام الذي بدأ في عهد شارلمان كإجراء إداري لجباية الضرائب وتحصيلها، ثم أستعين به فيما بعد أمام المحاكم، وقد شملت إصلاحات هنري الثاني للقضاء، الحد من سطوة المحاكم الإقطاعية، فقد دأب الملك على سياسة إرسال القضاة المتجولين في المحكمة الملكية الى المحاكم الإقطاعية مضيفا إليهم جماعة من المحلفين وهم فئة مختارة من أعيان البلاد المقيمين بها والعارفين لأحوال المواطنين. لكي يستعين بهم هؤلاء القضاة المتجولون في تحقيق الجرائم وإنزال العقاب على المخالفين (16) .

23) ويلاحظ ان نظام المحلفين قد اصبح نظاما عاما من أنظمة القانون الإنجليزي، ونقلته الثورة الفرنسية من إنجلترا ونصت عليه في قوانينها ثم ساد بعد ذلك في دول أوربا، ثم انتقل من إنجلترا الى البلاد الواقعة تحت النفوذ الإنجليزي، ولم يأت القرن الثالث عشر إلا وقد شمل جميع القضايا الجنائية ثم انتقل تدريجيا الى القضايا المدنية .
فنظام المحلفين في الدول الأنجلوسكسونية يقوم على أساس الاستعانة بأفراد من المواطنين تكون لهم سلطة الفصل في الوقائع التي يطرحها عليهم القاضي بناء على التحقيقات والمناقشات والمرافعات التي راجت بالجلسة .

24) فالخاصية الأساسية لنظام المحلفين هي ان هؤلاء ينظرون في الواقع دون الجانب القانوني الذي يختص به القاضي الممتهن، اذ الميزة الواضحة التي تميز هذا النظام، عن الأنظمة الأخرى للمشاركة الشعبية في القضاء، هي التفرقة بين الواقع والقانون، بحيث تترك الوقائع للمحلفين للبت فيها، ليقوم القاضي بعد ذلك بإنزال حكم القانون (17) .
25) ويرى البعض ان نظام المستشارين المحلفين الى جانب القضاء العادي يشكل قضاء مختلطا يجمع بين قضاة محترفين لهم الخبرة القانونية والتجربة المهنية " قضاة" من صميم المجتمع يفكرون بواقعية وموضوعية، منفصلة عن كل ارتباط وظيفي ومهني ويحكمون بتلقائية ومنطق بسيط بعيدا عن التعقيدات القانونية كما انهم يعيشون واقع المتهم ودوافع ارتكاب الجريمة، ويدركون قساوة العيش وأسباب الانحراف والأمانة الاجتماعية التي تعبث بالفرد، وانهم لكل هذه الاعتبارات يمثلون قضاءا اجتماعيا واقعيا بالإضافة الى ان ذلك يضفي على القضاء مظهرا ديمقراطيا يسمح بمراقبة الشعب لجهاز القضاء (18) .
25م) واذا كان من المسلم به ان التشريع السليم هو ما يستجيب لحاجيات ومتطلبات الافراد، وطبيعتهم، وبيئتهم، وهي ولا شك حاجيات ومتطلبات تختلف من بلد الى آخر، ومن تربة الى أخرى، فإذا كان الأمر كذلك، فإنني أرى ان المشرع المغربي - خلافا لذلك - أراد ان يستفيد من تجارب الآخرين فأقر هذا النظام الذي لم يكن يلائم ظروفه، فأعماه بريق هذا النظام فاصدر أول ظهير في شأن العضوية الاستشارية في القضايا الجنائية لدى المحاكم العادية بتاريخ 10 ربيع الثاني 1376 الموافق لـ : 14 نوفمبر1956 (19)، الذي وقع إلغاؤه بظهير 1.58.199 بتاريخ 6 ربيع الاول1378 الموافق لـ : 20 شتنبر1958 (20) .

26) فبمقتضى الفصل الرابع من الظهير الأخير فان الذكور البالغين من العمر 30 سنة والمجيدين القراءة والكتابة يمكنهم وحدهم دون سواهم القيام بمهام عضوية المستشارين المحلفين، وان هؤلاء الأشخاص ينتقون من اللائحة السنوية التي يقدمها السيد العامل خلال شهر نوفمبر من كل سنة الى رئيس المحكمة الإقليمية، والمعروفين بمروءتهم، كما انه يراعى ما إذا كانوا مغاربة او أجانب، او بعضهم مغاربة والآخرون أجانب، ويقصد المشرع بهذا المعيار ان يكون هؤلاء المحلفون مندمجين مع المتهمين في مجتمع واحد يعرفون عاداتهم وتقاليدهم وأصناف عيشهم .

كما أكد قانون المسطرة الجنائية في الفصل 436 نظام المستشارين المحلفين الذين يشتركون مع القضاة المتخصصين، في المناقشات والمداولات وفي إصدار الأحكام والقرارات، إلا ان المشرع المغربي قد تراجع عن هذا النظام فألغاه كلية بمقتضى الفصل 11 من ظهير 28 شتبنر1974 المتعلق بالإجراءات الانتقالية تطبيقا للظهير المؤرخ في 15 يوليوز1974 المتعلق بالتنظيم القضائي الجديد للمملكة .

27) ولعل هذا التراجع عن نظام المستشارين المحلفين له ما يبرره :
فإقحام غير المتخصصين من أفراد المجتمع في ممارسة القضاء لا يساير الوضعية المبنية على دراسة شخص المجرم والمطالبة له بما يناسب فعله من الجزاء (21)، بمعنى انه لا يتمشى مع الاتجاه نحو التخصص، وخصوصا وانه في الميدان الجنائي فان الأمر لم يعد يقتصر على مجرد العلم بالنصوص المجردة، بل اصبح خبرة وتقنية وموهبة ومعرفة تامة بعلم النفس الجنائي، وعلم الاجرام، والنفس القضائي، والاجتماع، وفلسفة التشريع والطب الشرعي والإلمام بالأساليب الفنية الحديثة في الاستدلال والاستقصاء للوصول الى الحقيقة ومعرفة واقع الجاني من الناحية النفسية والفسيولوجية لتسمح له بدراسة المتهم دراسة نفسية واجتماعية الشيء الذي ليس في مستطاع المستشار المحلف .
ان نظام المحلفين لا يحقق سير العدالة اذ لا يوجد نظام دقيق لاختيار المحلفين، مما يؤدي لا محالة الى إصدار أحكام من أشخاص ليست لديهم الكفاءة او القدرة على الفصل في نزاعات لها علاقة بحريات الأشخاص، وكمثال على عدم دقة الاختيار هذه، فان المحلفين الذين يختارون لا يمثلون إلا الطبقة المتوسطة المحدودة ولا يمثلون مجموع طبقات المجتمع الأخرى وخصوصا الطبقات الضعيفة التي تمثل السواد الأعظم من الشعب .
إذا كان لدى البعض ان نظام المحلفين مؤسس على كونه وسيلة لضمان الحريات، فانه يمكن ان يصبح وسيلة لكبت وتقييد هذه الحريات، وذلك بالنظر الى الطريقة التي يتم بها اختيار المستشارين المحلفين، اذ تتدخل السلطة التنفيذية، في شخص السيد العامل، في تهيئ لائحة بأسماء الأشخاص الذين يختارون كمستشارين محلفين، وفي ذلك نوع من تسلط السلطة التنفيذية على السلطة القضائية مما يتعارض مع مبدأ " استقلال القضاء" المكرس دستوريا .
وحسب التجربة التي عاشتها المحاكم الجنائية فانه قد لوحظ ان المستشارين المحلفين لا يكترثون بكل معطيات القضية ولا ينتبهون جيدا الى المسائل الدقيقة التي كثيرا ما تغير مجريات الدعوى، فكان تركيزهم لا ينصب على الجوانب الأساسية في القضية وخصوصا وانه كثيرا ما تدق التفرقة بين مسائل القانون ومسائل الواقع فيقع خلط بينهما مما يشكل صعوبة أمام المستشارين المحلفين الذين ليس لهم اي مستوى من الثقافة القانونية يمكنهم من الفصل في مثل هذه الحالات، فلا يستطيعون مناقشة الحجج والرد على أدلة الإثبات مما يتعارض بين نظام المحلفين وبعض القواعد الاثباتية خصوصا في الحالة التي يحال فيها على تطبيق القواعد المدنية في الإثبات، حيث يجب على القاضي ان يستمد قناعته من أدلة الإثبات التي يحددها القانون .
انه غالبا ما يقع المحلفون - نظرا لقصر أفكارهم وبساطتهم - تحت تأثير عوامل خارجية، ومجاملات الخصوم ودهاء بعض المتهمين فينحازون بسبب تلك العوامل مما يجعل القرارات الصادرة بمشاركتهم مشوبة بالتناقض، فهكذا دلت التجارب انهم يميلون الى الرأفة في القضايا العاطفية والى الشدة والقسوة في قضايا الاعتداء على حقوق الملكية، وفي القضايا العادية، فتأمينا لحسن سير العدالة يجب إقصاء كل الأشخاص المختلطين بالمواطنين الذين تشتبك مصالحهم فيما بينها حتى يأمن المتقاضون من نتائج التحيز وشهوات الانتقام (22) .
وقد انتقد العلامة الإيطالي " بالما" هذا النظام بقوله : " ان مقتضى تطبيق المبدأ القائل بوجوب محاكمة الشخص بمعرفة نظرائه هو ان يكون اختيار المحلفين من بين اللصوص والقتلة" كما وصفه أحد فقهاء الاسبان بأنه قضاء اليانصيب(23) .

28) وفي الأخير، فان نظام المحلفين هو ثمرة صورة تاريخية نابعة من ظروف تلك الدول التي تختلف اختلافا جذريا عن ظروفنا، فهذا النظام هو دخيل على فكرنا القانوني وغريب على عاداتنا وتقاليدنا وأعرافنا، ولا يلائم وجدان امتنا وإحساس شعبنا الذي انس عدالة القاضي العادي المتخصص، فنظام المحلفين هو نتيجة صراع دائم بين الشعب وبين حكامه الذين اتخذوا من هذا النظام أداة لفرض سلطانهم على رقاب أفراد الشعب، ولا صراع في بلدنا بين حاكم ومحكوم وبالتالي لا مبرر لبقاء هذا النظام الذي يشكل - بحق - خطورة على العدالة، والأمن في مجتمعنا، ذلك ان بيئتنا في القرى والحواضر تحكمها روابط اجتماعية وأتربة مغايرة تماما لتلك الموجودة في البلاد التي تعتبر مرتعا خصبا لهذا النظام .

نظام الحسبة :
29) ان التجربة الجديدة التي اقبل عليها المشرع المغربي والتي تقترب من القضاء هي مؤسسة الحسبة، وهي مؤسسة ترجع جذورها الى النظام الإسلامي الأصيل، وبدون تفصيل، فان هذه المؤسسة تتمتع باختصاصات دينية ومدنية واسعة، كما يملك المحتسب الى جانب هذه الاختصاصات اختصاصات جنائية محدودة يمكن إدخالها في باب التعزير (24) .
30) ويشترط في المحتسب ان يكون مسلما ومكلفا وعالما بأحكام الدين الإسلامي وان يكون قادرا على الحسبة، وان يكون عادلا، اي غير فاسق وان يكون مأذونا له(25) .
31) وتقترب الحسبة من القضاء في جواز رفع الدعوى امام المحتسب في حقوق الآدميين كتلك المتعلقة ببخس او تطفيف في كيل او وزن، او غش او تدليس في ثمن، كما ان المحتسب يلزم المدعى عليه بتبرئة نفسه مما هو منسوب إليه .
كما تختلف الحسبة عن مرفق القضاء في عدة وجوه (26) .
32) فالحسبة لها وظيفة قضائية في بعض المواضيع المحدودة من طرف المشرع فهي تشبه الى حد بعيد نظام " الإدانة بغير مرافعة" كالأوامر الجنائية المعروفة في كثير من التشريعات المعاصرة او نظام التحصيل الفوري للمخالفات .
33) ويمكن القول انه بعد إعادة الاعتبار الى نظام الحسبة يكون المغرب قد استرجع أسلوبا من أقوم الأساليب التي عرفتها المجتمعات الإسلامية والتي ازدهرت فيه قبل الحماية ولم تفقد مكانتها إلا بحلول المراقبة البلدية محلها (27) .
34) فبالرجوع الى الظهير المؤرخ في 28 شعبان 1402 الموافق لـ : 21 يونيو1982 (ظهير عدد 1.82.70) فانه يلاحظ ان المشرع المغربي قد حافظ على الطابع الإسلامي لمؤسسة الحسبة بصفة عامة ولكن مع كثير من الفروق أخص بالذكر منها فقط، ان ولاية المحتسب تختص مبدئيا بنظر دعاوي الحقوق الثابتة - التي لا تحتاج الى دليل إثبات - وتحكم بالتعزيز دون الحدود (28) .
35) وان كان الظهير المنظم للحسبة لا يتحدث عن صفات المحتسب فانه مما لا جدال فيه ان شرط الكفاءة العلمية مسألة ضرورية لان المحتسب له اختصاصات ضبطية وقضائية وان كانت ضيقة، فيمكن للمحتسب فرض غرامة قد تصل الى 50000 درهم ( الفصل 6 من الظهير) ويأمر، على سبيل التحفظ، بإغلاق مؤسسة تجارية او مهنية على ان لا تتجاوز مدة الإغلاق ستة ايام، كما يمكنه إجراء التوفيق بين الحرفيين (الفصل 10)، ويراقب جودة الأثمان والتحقق من توفر بعض المواصفات (الفصلان 1 و2) ويحرر محاضر المخالفات ( الفصل 5) ومحاضر التوفيق في المنازعات بين الحرفيين والتجار والحرفاء والزبائن (الفصل 11) .
هذا، وان الحكم بالغرامة حسب الفصل 6 من الظهير يرد عليه قيد الحصول على التفويض من السلطة المختصة وهي عامل الإقليم او العمالة حسب الفصل 16 من قانون 21 شعبان 1391 الموافق لـ : 12/10/1971 الخاص بتنظيم الأثمنة ومراقبتها .

36) ويرى الدكتور شكري انه لا فائدة تذكر في جعل المحتسب قاضيا الى جانب مؤسسة القضاء، ولا نائبا او وكيلا عاما الى جانب النيابة العامة، او وكيل جلالة الملك، فضلا عن ذلك فالمحتسب لا يملك من الوسائل المادية والقانونية الأخرى ما يجعله يفرض سلطته على الناس (29) .
37) الا انني ارى ان المحتسب له صلاحيات واختصاصات قضائية وان كانت ضيقة - فانه كثيرا ما يفض عديدا من النزاعات بين الأمناء والحرفيين ويضع حدا لقمع الغش فيخفض بذلك العبء على المحاكم، كما ان الفائدة من تواجد المحتسب الى جانب القاضي العادي قد تؤدي - في بعض القطاعات التي تعتمد على الأعراف - الى سرعة البت في مسائل لا تحتاج الى أناة او بحث للفصل، او دراسة قانونية ولا ننسى كذلك المهمة الاستشارية المنوطة بالمحتسب في تحديد اثمان المنتجات والخدمات التي يراقبها، وما لهذه المهمة من شـأو كبير .

قضاء حكام الجماعات والمقاطعات
38) ان القلب النابض للتجربة المغربية في حقل القضاء الشعبي هو قضاء حكام الجماعات والمقاطعات، فهذا النوع من القضاء هو المحور الاساسي وقطب الرحى الذي تدور عليه تجربة القضاء غير الممتهن في المملكة المغربية. فعلى اثر النمو الديمغرافي، وتطور العلاقات الاجتماعية، وتشعبها، والازدياد المضطرد للمنازعات، وتراكم الملفات على رفوف المحاكم - نتيجة قلة الاطر او عدم الاقبال على مرفق القضاء من طرف الخريجيين من الكليات - ان ذلك كله خلق استياءا وقلقا ومرارة في نفوس المواطنين من جراء عدم البت في الخصومات بسرعة، والبطء في اجراءات التنفيذ فوقع التفكير في اعادة تنظيم القضاء وتجديده، فكان خطاب العرش لسنة 1974 الاشعاع الاول الذي استمد منه المشرع الخطوط الرئيسية لهذا النظام .
39) ولا يخامرني ادنى شك ان الهدف شريف والقصد نبيل من خلق هذا النظام اذا اخذنا بعين الاعتبار الاسباب التي وقع اعتمادها لاقامته، فكانت الغاية هي تقريب القضاء من المواطنين، واخراج المواطنين من دوامة القلق، ووضع حد لاشمئزازهم من العدالة - وذلك بالفصل بسرعة في نزاعاتهم التي تهم اهتماماتهم اليومية بكل يسر وسهولة بعيدا عن التعقيد والشكليات - وباقرار مبدأ المجانية، بمعنى ان الأسس التي بني عليها على هذا النظام هي تقريب القضاء من المواطنين وتبسيط المسطرة والبت بسرعة، ومجانية الاجراءات .
40) فعلى الرغم من العاصفة القوية التي سبقت هذا النظام من طرف رجال القانون الدفاع والفكر والسياسة (30)، فقد صدر ظهير شريف بمثابة قانون رقم 339/74/1 مؤرخ في 24 جمادى الثانية1394 الموافق لـ : 15 يوليوز1974 المتعلق بتنظيم محاكم الجماعات ومحاكم المقاطعات وتحديد اختصاصها .
41) وتتجلى بوضوح كبير الصفة "الشعبية" لقضاء حكام الجماعات والمقاطعات من الكيفية التي عين بها هؤلاء الحكام، فهم يعينون من بين القضاة طبقا لمقتضيات القانون الاساسي لرجال القضاء ومن بين الاشخاص الذين لا ينتمون للهيئة القضائية (الفصل 3)، وان الهيئة الانتخابية تختار من بين اعضائها الحكام ونوابهم (الفصل 4) ويشترط في الحاكم ان تكون له مؤهلات تتيح له القيام بمهام الحاكم وانه لا يمكن ان يكون من بين الموظفين العموميين والمحامين والوكلاء ووكلاء الاعمال (ف 5) وان الحاكم يقوم بمهامه بالمجان (الفصل 13) .
42) فالحاكم يعين، طبقا للفصل الاول من المرسوم رقم 499/24/2 بتاريخ 25 جمادى الثانية 1394 الموافق لـ : 16 يوليوز1976، من طرف لجنة تتكون من رئيس المحكمة الابتدائية الذي توجد الجماعة القروية او الحضرية بدائرة نفوذ محكمته بصفته رئيسا، (وقد لا يحضر حضورا فعليا اثناء وقوع التصويت كما يستدل ذلك من الفصل السادس من المرسوم اذ تبلغ اليه النتائج من طرف اكبر الاعضاء سنا) ومن قاض من قضاة المحكمة وقاض من النيابة العامة بنفس المحكمة يعين كل منهما من طرف وزير العدل، ومن القائد او خليفة المقاطعة، وممثل عن نقابة المحامين يعينه النقيب، ورئيس مجلس الجماعة وعضو منتخب من طرف هذا المجلس ورئيس الغرفة الفلاحية او الغرفة التجارية، ان اقتضى الحال، وبعد وقوع الاختيار على الحاكم توجه لائحة المنتخبين الى المجلس الاعلى للقضاء لعرضها على مصادقة الجناب الشريف .
من كل هذه المعطيات تظهر الصفة الشعبية للحاكم واضحة اذ لا تشترط فيه الثقافة القانونية، ولا يعين طبقا للفصل 78 من الدستور وطبقا للقانون الاساسي لنظام القضاة، كما ان الحاكم غير ملزم بتطبيق القواعد والقوانين المطبقة امام المحاكم العادية، فالقواعد الواجبة التطبيق من طرفه هي تلك الواردة في قانون 15 يوليوز1974، وعند انتفاء الحل من بين تلك القواعد فانه يلتجئ الى قواعد العدالة والانصاف .

43) واشير هنا الى ان الدولة ما فتئت تقوم بمحاولات لتثبيت دعائم هذا النظام فأنشأت بوزارة العدل مديرية حكام الجماعات والمقاطعات عهد اليها بالاشراف على سير هذه المحاكم ومراقبتها، ومدها بالوسائل المادية والبشرية ومراقبة سلوك الحكام والقيام بالابحاث والدراسات للرفع من مستوى الحكام ولإجلاء محاسن هذا النظام .
ومن جهة اخرى فان وزارة العدل قد واكبت سير هذه المحاكم وتطبيق القانون من طرف حكامها، وسايرت عن كثب الاحكام الصادرة عن هذه المحاكم وتبين لها ان الحكام لم يحسنوا في كثير من الأحوال، تطبيق القانون، اما لعدم تعودهم بعد، على التمعن في بعض القضايا الدقيقة، واما لعدم وضوح النص بالقدر الكافي، واما لعيب في الصياغة اللغوية او التركيبة القانونية لفصول القانون مما جعلها تتدخل باصدار مناشير عديدة لتفسير بعض النصوص لوضع حد في بعض الاحيان لبعض المقتضيات، واذكر على سبيل المثال فقط : المنشور عدد 806 بتاريخ 22 صفر 1398 الموافق ( فاتح فبراير 1978) في موضوع فسخ عقود الكراء امام الجماعات والمقاطعات فوقع، بمقتضى هذا المنشور، التاجيل المؤقت للفقرة الثانية من الفصل 22 من الظهير، والمنشور عدد 826 بتاريخ 13 محرم 1399 الموافق (14/12/1978) بخصوص مجانية القضاء بالنسبة لطلبات الاحالة المنصوص عليها في الفصلين 20 و21 من الظهير، والمنشور المشترك بين وزارة العدل ووزارة الداخلية عدد 846 بتاريخ 20 ربيع الثاني 1399 الموافق ( 19 مارس 1979) المتعلق بموضوع صلاحيات السلطة الادارية المحلية في تبليغ وتنفيذ الاحكام، ذلك ان هذه السلطات كانت ترفض القيام باجراءات التبليغ والتنفيذ بدعوى انها لم تتوصل باي امر من رؤسائها في هذا الشأن. كما ان المنشور المذكور قد وضع حدا للنقاش المتعلق بتطبيق الاكراه البدني من طرف هذه المحاكم، فاشار المنشور المذكور الى ان هذه المحاكم تعتبر من المحاكم العادية طبقا للفصل الاول من الظهير وانها الركن الاساسي للتنظيم القضائي الجديد وبالتالي فانه لا يمكن تجريدها من الحكم بالاكراه البدني طبقا للظهير المؤرخ في 20/2/1961 المتعلق باستعمال الاكراه البدني. والمنشور عدد 874 بتاريخ 25 صفر 1400 الموافق طبقا (14 يناير 1980) الخاص بعدم استيعاب بعض الحكام لطريقة تطبيق القانون الخاص بهذه المحاكم الشيء الذي يجعلهم احيانا يتجاوزون اختصاصاتهم .

44) وقد عاش المغرب ثلاث جولات انتخابية لحكام الجماعات والمقاطعات، فتم تنصيب اول دفعة منتخبة من حكام الجماعات والمقاطعات القروية، في بداية سنة 1978 حيث نصب 623 حاكما جماعيا، ثم في الدفعة الثانية تم تنصيب 689 حاكما، وبتاريخ11 نوفمبر1983 - وهي الانتخابات الثالثة الاخيرة - تم فيها تنصيب 707 حاكما، يضاف الى هذا العدد ضعفه من النواب الاولين والثانيين، فيصبح بذلك مجموع الحكام ونوابهم العاملين في الوقت الراهن هو 2121، وهو ما يساوي على وجه التقريب ضعف عدد القضاة المحترفين، فبالانتخابات الاخيرة ووصول عددهم الى هذا الرقم يكون القضاء الشعبي المتمثل في حكام الجماعات والمقاطعات قد غطى مجموع الجماعات المحلية بما في ذلك اقاليمنا الصحراوية اذ تم تنصيب 18 حاكما يضاف اليهم 36 نائبا من النواب الأولين والثانيين .
45) اما بالنسبة للمقاطعات الادارية الحضرية فان " القضاة المحترفون" لا زالوا يباشرون الفصل في القضايا التي تدخل في اختصاص قانون 15 يوليوز1974 بصفتهم " قضاة المقاطعات" وذلك تطبيقا للفصل الثالث من الظهير " يعين حكام المقاطعات وحكام الجماعات من بين القضاة طبقا لمقتضيات القانون الاساسي لرجال القضاء " (31).

وبالنسبة لولاية الدار البيضاء، مثلا فان مهام حكام المقاطعات يقوم بها قضاة من سلك القضاء الرسمي ( من المحكمة الابتدائية) .
اما بالنسبة لحكام الجماعات التابعين لهذه الولاية، فقد تم تعين اثنين من الحكام احدهما في " دار بوعزة" وثانيهما في " بوسكورة" .

ثالثا : مزايا وعيوب القضاء الشعبي :
46) لا زال القضاء الشعبي يعرف مناقشات ساخنة حول الابقاء عليه او الغائه، فكان يتزعم هذه المناقشات اتجاهان: احدهما يعارض قيامه، والاخر يؤيده، ويستند كل اتجاه على عدة حجج يعزز بها موقفه، وسأتعرض في هذه الفقرة لبعض الحجج لكل من الاتجاهين، ثم ابدي بعد ذلك بعض الملاحظات حول حجج كل من الطرفين.

1) حجج المعارضين للقضاء الشعبي :
47) ان المعارضين لهذا النظام يوجهون اليه عدة عيوب ومساوئ يمكن تلخيصها فيما يلي :
ان فشل بعض النماذج من القضاء الشعبي كنظام المستشارين المحلفين في القضايا الجنائية، وبعض الانظمة القضائية الاخرى ( كنظام المحاكم المخزنية والمحاكم العرفية عندنا، ومحاكم الاخطاط، ومحاكم الحدود والمجالس الحسبية في مصر) يرجع بصفة اساسية الى ان غير المتخصصين في القانون لا يصلحون للمساهمة في اداء القضاء وتحقيق العدالة، وان نجاح القضاء الشعبي فـــي بعـــــض البلــــدان الاجنبيــــة يرجع - اساسا - الا اختلاف ظروف هذه البلدان عن ظروفنا، وان تقاليدنا القانونية (العربية) لا تطمئن الا الى القاضي العادي .
ان المنطق الصرف يقضي بان لا حاجة الى قاض شعبي، لان القاضي المتخصص هو ايضا من افراد الشعب، وان اشراك الافراد العاديين الغير المتخصصين ليس هو كنه الديمقراطية، كما ان اسهام غير المتخصصين الى جانب القاضي المتخصص يساعده على فهم الوقائع المعقدة ليس ضروريا لان مثل هذه المساعدة يمكن القيام بها من طرف الخبراء او ذوي الشان .
ان العصر الحديث سائر نحو التخصص، فكيف يمكن السماح بنظام القاضي غير المتخصصين؟ فاذا وقع السماح بذلك فان المنطق يقتضي السماح للافراد من عامة الشعب لمشاركة الاطباء في العمليات الجراحية الدقيقة، والمهندسين في تسيير الالات واصلاحها، والتقنيين في استخدام الالات المعقدة التركيب، وهو ما لا يجرؤ احد على المطالبة به (32) .
ثم ان القضاء الشعبي يستبعد - حتما - النظر في القانون لان المجال الذي يدور فيه القاضي الشعبي هو الواقع المحض دون القانون، واذا كان الامر مقبولا الى حد ما في الميدان الجنائي فان الامر على خلاف ذلك - مطلقا - في الميدان المدني الذي قوامه التمييز بين القانون والواقع، فضلا عن ان القاضي الشعبي لا يحقق حسن سير العدالة لان النطق بالحكم يتم من طرف شخص ليست له دراية بالقانون او كفاءة للفصل في الدعوى.
ان القضاء الشعبي يعتريه عيب جوهري يتمثل في عدم تعليل الاحكام الصادرة عنه، مع ان القاعدة في اصدار الاحكام هي تسبيبها وتعليلها، وحتى لو كان الامر يتعلق بالوقائع. فقط، فانه لا بد من اقرار تلك الوقائع واستجلائها بكيفية لا غموض فيها بالاستناد في ذلك على مختلف وسائل الاثبات كالشهادة والمعاينة، كما ان الاحكام القضائية لا بد لها من مستنتجات، ولا بد من اسناد الوقائع الى قواعد قانونية معينة الشيء الذي لا يستوجبه القضاء الشعبي .
ان ابرز العيوب - التي توجه الى القضاء الشعبي - حسب هذا الراي - تكمن كذلك في طريقة اختيار أفراد هذا الجهاز اذ تتم بتأثير من السلطة التنفيذية مما يجعل عدة عوامل غير موضوعية تتدخل في اختيارهم كعامل الحالية المادية او الاجتماعية للفرد، او أحيانا عامل الصدفة، مما يجعل الاختيار لا يقع على صفوة من الافراد .

وهذه العوامل التي تلعب دورا اساسيا في الاختيار تؤدى بالضرورة الى اختيار قضاة من افراد اقل من متوسطي الذكاء المطلوب في القاضي، كما ان التجارب قد دلت على ان الافراد الاكثر ثقافة او حنكة والذين يعتبرون اكثر استعدادا للقيام بمهمة القضاء الشعبي هم الذين يتملصون من هذه الخدمة لكثرة مشاغلهم واتساع نشاطهم .

واخيرا يرى المناوئون لهذا النظام، كذلك، ان القاضي الشعبي الذي يجلس الى جانب القاضي الرسمي - كما هو الحال في نظام المحلفين مثلا - يظل طيلة سير الاجراءات وخلال سماع المرافعات ساكنا وسلبيا، بينما يستأثر القضاة المحترفون بالمناقشة والافضاء بالراي وحسم المنازعة فيكون القاضي الشعبي عضوا مشلولا لا فائدة من تواجده الى جانب القاضي الرسمي .

2) حجج المؤيدين للقضاء العشبي :
48) اما انصار هذا النظام فانهم يرون ان له عدة مزايا ومحاسن لا تتوفر في القضاء العادي، ومنها على الخصوص:
ان افراد هذا النوع من القضاء افضل من القضاة المحترفين في نطاق البت في الوقائع، اذ ان لهم إلمام بعادات واعراف اهل البلاد، ولهم خبرات فنية وملكات فطرية تساعدهم على معرفة احوال السكان ومشاغلهم اليومية التي قد يعسر فهمها على القضاة الرسميين .

ان فشل بعض التجارب للقضاء الشعبي لا يعني ان هذا النوع من القضاء عديم الفائدة، اذ انه يمكن اعادة النظر في اسباب اخفاق تلك التجارب وتفاديها ومن ثمة يمكن ارساء قواعد هذا النظام بالبحث عن وسائل اصلاحية واسباب ناجعة .

ان فشل القضاء الشعبي في بعض الدول دون البعض الاخر راجع الى طبيعة الانظمة السائدة في تلك البلدان، وليس الى عيب في فكرة القضاء الشعبي (33) .
انه من الناحية المنطقية المحضة، يجب ان يوجد في نظامنا القضائي من يتولى حسم المنازعات البسيطة والعاجلة التي لا تقبل الاناة او تحتمل اجراءات معقدة او اجالا طويلة، فكان القضاء الشعبي خير اداة لتحقيق هذه المقاصد .
ان اشراك الشعب في القضاء يشيع الثقة في نفوس المواطنين فضلا عن ان ذلك يعتبر مظهرا من مظاهر الديمقراطية لانه ليس اقرب للعدل من ان يحاكم الشخص من طرف شخص عادي مثله، وان اراء مثل هؤلاء القضاة الذين هم من صميم الشعب اقرب الى الراي العام من القضاة المتخصصين ولا يخضعون للنصوص القانونية الجامدة التي كثيرا ما تقف حجر عثرة في سبيل ارساء اسس العدل .

3) رأيي حول الاتجاهين :
49) ان حجج المعارضين للقضاء الشعبي اقوى من حجج المؤيدين له، ذلك ان الدراسات القانونية الحديثة قد اصبحت في متناول شعوب الدول العربية، وازداد عدد الخريجين من كليات ومعاهد الحقوق، فاصبحت دولنا لا تعاني من نقص في الاطر الحاصلة على مؤهلات وكفاءات قانونية عالية، كما ان العلم القانوني قد حقق تقدما ملحوظا في جميع المجالات، فاصبحت التخصصات في مختلف مواد القانون هي الهدف، ومعلوم ان التخصص يؤدي " حتما" الى السرعة والاتقان في اصدار الاحكام، ويقتضي التخصص اناطة مرفق القضاء للقاضي المحترف .

كما ان تكوين أطر القضاء لم يعد يقتصر على التكوين القانوني المحض بل اصبح الاشخاص المقبلون على تقلد مهمة القضاء يتلقون عديدا من الدراسات النظرية المعمقة والتداريب التطبيقية لمختلف مناحي الحياة، فيتخرجون وهم اصحاب مراس وتجربة، في مجال القضاء الذي هو صناعة وخبرة، مما يجعل قيام القاضي الشعبي الى جانب القاضي الرسمي عديم الفائدة .

رابعا : علاقة القضاء الشعبي بالتحكيم .
50) ان علاقة القضاء الشعبي بالتحكيم تظهر من الصلة الموجودة بين النظامين، فهما وان كانا يختلفان عن بعضهما في كثير من النقط، فانه تجمع بينهما، من جهة ثانية، عدة اوجه تشابه، فلتوضيح هذه العلاقة يقتضي الموقف ابراز اوجه التشابه واوجه الخلاف بين هاتين المؤسستين سواء من حيث الاشخاص، او من حيث المسطرة، او من حيث الاحكام والقرارات التي تصدر عنهما .

1- اوجه التشابه بين " القضاء الشعبي" والتحكيم :
51) ان التحكيم قديم قدم الأزل (34) فقد كان سائدا في الازمنة الغابرة، حيث لم يظهر بعد مرفق القضاء العادي، فكان يقوم به رب الاسرة، أو زعيم القبيلة، ففكرة اللجوء الى التحكيم ترجع الى دول الشرق القديم فعرفته مصر القديمة، وبابل، واشور والفينيقيون، والاغريق، واليونان(35)، فبجانب القضاء - بمختلف انواعه - كان يقوم نظام التحكيم وتشير الدراسات التاريخية لتطور نظام التحكيم ان المحكمين في الازمنة الفارطة كانوا من الكهنة الذين كانوا يتمتعون بمكانة خاصة لدى الافراد بالنسبة لقراراتهم (36) الا انه بتطور هذا النظام فقد اصبح المحكمون يختارون من عامة الشعب .

وقد عرف التحكيم في الشريعة الاسلامية، بالقضاء الشعبي، اذ يختار المحكمون من افراد عامة الشعب يحتكم الخصوم اليهم في بعض المنازعات دون البعض الاخر .
وفي الوقت الراهن فانه يلاحظ ان نظام التحكيم يقترب جدا من " القضاء الشعبي" من حيث الافراد الذين يقومون به، فالمحكم لا يختار من بين رجال سلك القضاء، ولا تشترط فيه الكفاءة القانونية او الدرجة العلمية، او التخصص، وقد لا تكون له خبرة في النزاع، وقد يكون جاهلا للقانون حتى ولو كانت المسألة المعروضة عليه مسألة قانونية محضة (37)، الا ان من جهة اخرى فان المحكم لا يجوز ان يكون قاصرا ولو اذن له بذلك، او محجورا لسفه او خلل عقلي، او لاي سبب اخر كارتكابه لبعض المسائل الشائنة، ولا مجنونا حتى ولو لم يكن محجورا عليه، وكذا الحال بالنسبة للمحكوم عليه بالتجريد من الحقوق الوطنية، ويجب على المحكم ان يتصف بالحياد والاستقلال والامانة والشرف والمروءة والسلوك الحسن (38) .

والمحكم كالقاضي الشعبي لا يمكن ان يكون الا شخصا ذاتيا، ولا يمكن ان يكون - باي حال من الاحوال - شخصية اعتبارية، فاذا اسند التحكيم الى لجنة او جمعية - كما يحدث غالبا في التحكيم الدولي - فان هذه الشخصية المعنوية، ليس لها الا ان تنظم التحكيم من حيث التسيير الاداري والاجرائي، اما اصدار القرارات فهي تصدر من طرف الاشخاص الطبيعيين الذين تتألف منهم اللجنة التحكيمية .

وتجيز الفقرة الثانية من الفصل 313 من قانون المسطرة المدنية تجريح المحكم بشرط ان يكون سبب التجريح غير معروف او غير ظاهر اثناء ابرام اتفاق التحكيم، وأرى - رغم سكوت المشرع - ان اسباب تجريح المحكم هي نفس اسباب تجريح القضاة الواردة في الفصل 295 من قانون المسطرة المدنية (39) .
52) اما من حيث المسطرة فان القضاء الشعبي والتحكيم يلتقيان في عدم تطبيق قواعد المسطرة المدنية (40)، اذ ان الفصل 311 من قانون المسطرة المدنية يسمح للاطراف بالاتفاق على عدم اتباع الاجال والاجراءات الواردة في المسطرة المدنية والتي تتبع امام المحاكم الابتدائية (41) .

وارى ان هذه القاعدة هي هدف المشرع لان الغاية من التحكيم - كما هي في القضاء الشعبي - هي تفادي قواعد قانون المسطرة المدنية المعقدة والجامدة في كثير من الاحيان، ولكن مع التقيد بالقواعد الواردة في باب التحكيم لانها تمثل الحد الادنى للقواعد الواجبة الاحترام .

وفي النظامين - التحكيم والقضاء الشعبي - يجب احترام حقوق الدفاع واتاحة الفرصة للاطراف لابداء اوجه دفاعهم باية طريقة يرونها ملائمة، فيبدون ملاحظاتهم ومستنتجاتهم اما كتابة واما شفويا(42)، بواسطة محام، او بدون مساعدته (43) .

والاصل ان المحكم، كالقاضي - لا يحكم الا من واقع الملف المعروض عليه فلا يكون لمعلوماته الخاصة اي دور او اعتبار في القرار الذي سيتخذه (44) وهذا ما اكده الفصل 314 من م. م. الا ان هذه القاعدة من الناحية العملية تقل اهميتها، لان المحكم وان كان يجب ان يتصف بالحياد فانه ليس قاضيا محترفا، فهو في غالب الاحيان من رجال الاعمال او التجار او من الاقتصاديين، فهو غير مقطوع الصلة مع الخصوم لانه كثيرا ما ينتمي الى القطاع المهني الذي ينتمي اليه اطراف النزاع، وبحكم هذه العلة تكون له معرفة بالخصوم، وباسباب النزاع، او يكون من ذوي الخبرات حول موضوع النزاع، فاستناد المحكم اذن على بعض معلوماته في اصدار القرار لا يشكل خرقا بمبدا حقوق الدفاع (45) .

53) اما من حيث القرارات الصادرة عن المحكم فيجب ان تصدر في كل المحتويات طلب التحكيم بحيث ان القرار يجب ان يحسم جميع المنازعات المعروضة على المحكم، وفي مقابل ذلك فان المحكم لا يجوز له الخروج عن مضامين طلبات الخصوم .

والملاحظ ان اغلبية التشريعات تشترط كتابة قرار التحكيم وهذا ما نص عليه الفصل 318 من م م وليس من الضروري ان ياتي مكتوبا على الشكل الخاص بالاحكام القضائية (46) .

الا ان التشريعات تتباين فيما بينها بخصوص مسألة توقيع القرار التحكيمي، الا ان المشرع المغربي في الفصل 314 من م م. يستلزم توقيع القرار التحكيمي، ويقصد المشرع التوقيع على مسودة القرار التحكيمي .

اما تعليل القرار التحكيمي فان التشريعات الوطنية تنقسم على نفسها بخصوص هذه النقطة، فالتشريعات التي تستلزم تعليل الاحكام القضائية، تتطلب نفس الشرط في القرارات التحكيمية، والتشريعات التي لا تستلزم ذلك في الاحكام القضائية لا تتطلب الا ذكر المنطوق في قرارات التحكيم، والتشريع المغربي من بين التشريعات التي تستوجب التعليل حسب الفصل 315 الفقرة الاخيرة والفصل 318 من م م الا ان المقصود بتعليل قرار التحكيم ليس هو التعليل الذي تستلزمه الاحكام القضائية الصادرة عن القضاء الرسمي المتخصص، اذ لا يتطلب الامر نفس الدقة ووضع حيثيات مرتبة، فيكفي ان لا يقع لبس او غموض في المنطوق الذي يعتد به لانه لا يشترط
في المحكم - كما سبق القول - ان يكون من ذوي الكفاءات القانونية (47) .

والقرار التحكيمي - كالحكم الصادر عن القضاء الشعبي - يكتسي حجية الشيء المقضي به، فبصدور القرار ينتهي النزاع، ولا يجوز بعد ذلك عرضه على التحكيم من جديد (48) .

والى جانب ذلك فان القرار التحكيمي، كالحكم الصادر عن القضاء الشعبي - يعتبر بمجرد كتابته والتوقيع عليه ورقة رسمية حتى ولو لم يتم ايداعه بعد بكتابة الضبط، ويعتبر التاريخ الذي يحمله حجة على الخصم ولا يمكن الطعن فيه باية وسيلة، الا عن طريق الزور تماما كما هو الامر بالنسبة للاوراق الرسمية (49) .

وبالنسبة لطرق الطعن فان القرار التحكيمي لا يقبل اي طعن من طرق الطعن العادية وغير العادية (50) باستثناء الطعن عن طريق اعادة النظر ( الفصل 326 من م م.) كما ان المشرع المغربي في الفصل 319 يقضي بان حكم المحكمين لا يقبل الطعن باية حال، بمعنى انه لا يجوز المطالبة بابطاله او بطلانه عن طريق تقديم الدعوى .

2- اوجه الاختلاف بين " القضاء الشعبي" و" التحكيم" :
رغم التقارب الكبير الموجود بين هذين النظامين والقواسم المشتركة التي تجمعهما فانهما، من جهة ثانية، يختلفان عن بعضهما في كثير من النقط، سواء من حيث الاشخاص او من حيث المسطرة، او من حيث القرارات والاحكام الصادرة عنهما .

54) من حيث الاشخاص فانه - كما سبق القول - لا يختارون من بين رجال السلك القضائي، الا انه حسب التشريع المغربي فان حكام الجماعات والمقاطعات يمكن ان يعينوا من بين القضاة طبقا لمقتضيات القانون الاساسي لرجال القضاء ( الفصل 3 من ظهير 15 يوليوز1974) اما تعيين المحكم من رجال سلك القضاء، فانه لا زال محط اضطراب وشكوك (51)، وبالنسبة للمغرب فانني ارى عدم جواز تعيين القاضي محكما، اذ ان الفصل 15 من ظهير 11 نوفمبر 1974 بمثابة قانون النظام الاساسي لرجال القضاء يمنع على القضاة ان يباشروا خارج مهامهم، ولو بصفة عرضية، نشاطا أيا كان نوعه باجر او بدون اجر، غير انه يمكن مخالفة هذه القاعدة بقرارات فردية لوزير العدل لصالح التعليم او المستندات القانونية، والمنع المذكور ينصب على جميع رجال القضاء، سواء كانوا من رجال قضاة الاحكام، او النيابة العامة، او القضاة الذين يمارسون مهامهم بالادارة المركزية لوزارة العدل لعمومية النص .

وارى كذلك، ان يرفض القاضي قبول مهمة التحكيم في جميع الحالات حتى ولو تعلق الامر بنزاع يدور بين أصدقائه او اقربائه، مهما كانت الاسباب شريفة والدوافع نبيلة، لانه من الصعب على القاضي ان يرضي الطرفين معا، فيكون بذلك محط شكوك ومجافاة، وهي صفات غير محمودة - وكما سبق القول - لا يكون المحكم الا شخصا ذاتيا، كما انه لا يجوز لهيئة المحكمة ان تنحدر دون مستواها فتصدر حكما لا يمكن تنفيذه الا باستصدار امر ولائي من طرف رئيس المحكمة .

ويختلف المحكم عن القاضي الشعبي في ان الاول يمكن ان يختار من ضمن اشخاص ليسوا بمغاربة، او من المحامين او الموظفين، ويمكن ان يكون حتى جاهلا للغة الاطراف(52) او على غير ديانتهم ولو تعلق الامر بنزاع له صلة بامور الدين .

الا ان الفرق الواضح بين النظامين يكمن بالدرجة الاولى في طريقة اختيار المحكم، فهو يخضع في اختياره الى سلطان ارادة الاطراف (53) الا في الحالة التي يتعذر فيها تعيينه كرفض احد الاطراف تعيين حكمه، اذ يجوز للطرف الاخر ان يطلب تعيين المحكم من طرف رئيس المحكمة الذي سيعطي لحكم المحكمين القوة التنفيذية (الفصلان 305 و315 م م) واختيار المحكم بهذه الطريقة، يجعل السلطة التنفيذية لا تؤثر عليه، فالمحكم على هذا الاساس ليس موظفا رسميا، لانه لا يعين من طرف الدولة ولا يراقب من طرفها .
واشير في الاخير ان طريقة تعيين المحكم خالية من الشكليات اذ لا يشترط في اختياره القيام باجراءات معينة او اداء اليمين القانونية (54) .

55) اما من حيث المسطرة، فان النظامين يختلفان في ان اللجوء الى التحكيم يقتضي بالضرورة وجود اتفاق بين الخصوم، او وجود نص خاص في القانون او اتفاقية او معاهدة، بينما ولوج باب القضاء الشعبي هو حق عام يمكن ولوجه تلقائيا دون اتفاق مع الخصم .

اما عن المكان الذي يجري فيه التحكيم فانه ليس هناك اي مانع يمنع انعقاد التحكيم في اي مكان، والاصل ان الاطراف هم الذين يعينون مكان التحكيم، اما اذا اغفل الاطراف تعيين مكان التحكيم كان للمحكمين اختيار المكان الذي يرونه مناسبا .
وتعيين مكان التحكيم لا يعني عقد جميع الجلسات في ذلك المكان، بل يجوز عقدها في اماكن متعددة، وكثيرا ما يحدث في الحياة العملية ان لا تعقد اية جلسة، ويقع الاكتفاء بتبادل المذكرات عن طريق المراسلة ومن الجائز ان يقع التحكيم في غيبة الاطراف، كما يحدث ان يستمع المحكم الى مرافعات الاطراف في المكان المعين في الاتفاق ثم يعود الى بلده حيث ينكب على دراسة الملف ثم بعد ذلك يصدر قرار التحكيم في اي مكان .
ونظرا للطابع الخاص الذي يتصف به التحكيم فانه يجوز اجتماع هيئة التحكيم في المكان الذي وقع عليه الاتفاق في اية ساعة وفي اي يوم ولو حتى في ايام الاعياد والعطل الرسمية .

ومن الفوارق الاساسية كذلك عدم جواز النيابة في التحكيم، ويعني ذلك ان المحكم يتعين عليه ان يتولى مهمة التحكيم شخصيا ولا يجوز ان ينيب عنه شخصا اخر، او يعهد اليه باصدار قرار التحكيم (55) .
وتقع المناقشات والمرافعات باية لغة ولو كانت غير العربية لان نظام التحكيم لا يخضع لقانون المغربة والتوحيد الذي تخضع له محاكم الجماعات والمقاطعات لكونها محاكم عادية، وتكتسي المناقشات امام المحكم طابعا سريا، ويرجع ذلك الى ميزة السرية التي يمتاز بها نظام التحكيم .

ومن ناحية اخرى فللاطراف الاتفاق على صياغة القواعد التي يجب تطبيقها على اجراءات التحكيم، او ان يتفقوا على اختيار " قانون وطني" ليحكم الاجراءات لان الاصل هو ان الاطراف والمحكمين يتعبون المسطرة والاجال والاجراءات المقررة امام المحاكم الابتدائية، الا ان هناك استثناء هو اجازة الاتفاق على قواعد اجرائية تحكم سير المنازعات، اي ان للخصوم تنظيم سير المنازعة وفقا لقواعد اجرائية من صنعهم وبمحض ارادتهم فينظم الخصوم طريقة تبادل المذكرات وكيفية تبليغها للاطراف وعلى العموم كيفية وقوع الاجراءات، وبديهي ان هذه الرخصة لا تخول الاطراف مخالفة القواعد الآمرة .

56) اما من حيث القرارات الصادرة عن المحكم فيجب اصدارها في الميعاد المحدد من طرف الخصوم، فاذا وجد مثل هذا الاتفاق فيتوجب على المحكم ان ينصاع لذلك الميعاد، واذا لم يحدد ميعاد لاصدار القرار التحكيمي من طرف المعنيين بالامر فان التشريع يتولى تحديده حتى لا يتراخى المحكمون في اصدار القرار مما يجعل ميزة السرعة تضيع ( الفصل 312/2 من م م.) .

واذا كانت الاحكام القضائية في المغرب تصدر باللغة العربية فان قرار المحكم لا يشترط فيه ان يكون محررا باللغة العربية لان المشرع لم يشترط ذلك، وانطلاقا من هذه القاعدة فانه يمكن ان يتم الاتفاق بين الاطراف على كتابة القرار بلغة اجنبية معينة، فهيئة التحكيم ليست مرفقا اداريا عاما تلتزم باللغة الوطنية للبلاد الذي تعقد فيه جلساتها .

ونلاحظ كذلك، انه ليس ضروريا ان يقع النطق بالقرار التحكيمي في الجلسة العلنية، وهذا ما اجمعت عليه جميع التشريعات الوطنية، ويرجع ذلك الى ميزة السرية التي تمتاز بها قرارات التحكيم، اما اذا اشترط الاطراف التصريح بالقرار في الجلسة العلنية فان المحكمين يمتثلون لذلك الاتفاق، وتفريعا عن ذلك فان القرارات التحكيمية غير قابلة للنشر الا باتفاق الاطراف او بعرض هذه القرارات على القضاء حيث ترفع السرية وامكن النشر .

ومن ناحية اخرى فان القرار التحكيمي لا يتطلب ان يصدر باسم سيادة اية دولة لان قرار التحكيم يصدر عن جهة مستقلة عن هيئات القضاء، بالاضافة الى ان القواعد التي يجب احترامها هي تلك الواردة في باب التحكيم وليس من بينها صدور القرار التحكيمي باسم جلالة الملك .

واخيرا فان القرار التحكيمي يختلف عن الحكم الصادر عن القاضي الشعبي في ان الاول لا يكون قابلا للتنفيذ بحد ذاته، بل لا بد من صدور امر من رئيس المحكمة الابتدائية التي صدر في دائرة نفوذها وذلك وفقا للفصل 320 وما يليه من قانون المسطرة المدنية .

خامسا : نتائج التجربة المغربية في حقلي
" القضاء الشعبي والتحكيم"
57) ان تقييم التجربة المغربية في هذا المضمار يقتضي منا اولا إبداء بعض الملاحظات حول قضاء المقاطعات والجماعات، لان هذا النوع من القضاء يجسم، بحق، نظام القضاء الشعبي، ثم ثانيا نضع مؤسسة التحكيم في الميزان، وفي الاخير نساهم ببعض الاقتراحات المتواضعة.

1- ملاحظات حول قضاء المقاطعات والجماعات :
58) رغم جميع الاعتبارات التي يقدمها انصار هذا النوع من القضاء، والمزايا التي وقع التلويح، بها، مما جعل هذا القضاء يتسلل الى تشريعنا، فان خصومه لم يقفوا صامتين تجاهه بل ارتفعت اصواتهم في شتى المناسبات توجه اليه انتقادات عنيفة، ومطاعن جارحة .
وعليه، فانني سأتتبع الاهداف والاسس التي توخاها المشرع من وضع هذا النظام لمعرفة الى اية درجة تحققت مقاصده، والى اي مدى وقع اخفاقه .

لقد سبقت الاشارة (56) الى ان المرامي التي كانت قد حدت بالمشرع لاحداث هذا النوع من القضاء هي :
أ‌) تقريب القضاء من المتقاضين :
ب‌) تبسيط المسطرة وسرعة البت :
ج‌) مجانية الاجراءات :

وحتى تكون الرؤية واضحة لتقييم هذه التجربة ساحاول استخلاص بعض النتائج من دراسة هذه الاسس .

أ‌- تقريب القضاء من المتقاضين :
59) لقد احدثت محاكم الجماعات والمقاطعات، فغطت جميع اقاليم وعمالات المملكة بكيفية شمولية، الا انه رغم هذه التغطية يبقى السؤال مطروحا حول ما اذا تحقق مبدا تقريب القضاء من المواطنين ام لا؟ والملاحظ كذلك انه بعد احداث هذه المحاكم فقد عرفت ساحاتها اقبالا متزايدا من طرف المواطنين، فالاحصائيات الرسمية لسنة 1983 تشير الى ان عدد القضايا المدنية المسجلة قد وصل الى 1.188.511 قضية، وان عدد القضايا الجنحية المسجلة قد وصل الى 173.008 قضية ومن المنتظر ان ترتفع هذه الارقام حسب احصائيات سنة 1984-التــــي لا زالت في طور الانجاز- الى ارقام اكثر ارتفاعا، مما يجب التساؤل معه حول ما اذا كان تقريب هذه المحاكم من المواطنين هو الدافع الى ارتفاع هذه الارقام؟ وبمعنى اخر هل هذا الاقبال من طرف المواطنين على محاكم الجماعات والمقاطعات دليل على رضائهم واستحسانهم لهذا النوع من القضاء، ام ان السبب يعود الى عوامل اخرى كالمجانية ومرونة المسطرة ام ان المواطنين كانوا يفضون نزاعاتهم بطرق حبية اخرى كالصلح والتسديد ؟
60) اعتقد ان عامل تقريب محاكم الجماعات والمقاطعات من المواطنين، من العوامل التي ساهمت في هذا التزايد الكبير، ولكنه ليس العامل الوحيد، بل لعل هناك عدة عوامل اخرى، ولكن على اية حال، فليس ذلك دلالة على تحبيذ السكان لهذا النوع من القضاء .
61) ان مبدا تقريب القضاء من المتقاضين لم يتحقق كما اراده المشرع، ذلك ان واقع الحال يؤكد ان التقريب المكاني لم يتحقق الا في الجماعات القروية، اما المقاطعات الحضرية، فلم يتحقق فيها بعد هذا التقريب، اذ لم تحدث بكل مقاطعة حضرية محكمة خاصة بها، بل نجد محكمة واحدة تحكم في القضايا التي ترجع الى اختصاصات عدة مقاطعات حضرية (57). واستخلص من ذلك ان التقريب لا يستفيد منه كافة المواطنين مما لا تتحقق معه المساواة بينهم امام القضاء والقانون طبقا للفصل الخامس من الدستور، فتطبيق المبدا في القرويات مختلف عنه في المناطق الحضرية، الشيء الذي ليس في مصلحة الدولة لان مثل هذه الفوارق تجلب الاستياء للمواطنين .

فالتقريب الذي يقصده المشرع في نظام محاكم الجماعات والمقاطعات يفترض وجود محكمة لكل دائرة مقاطعة او جماعة (الفصل1 من الظهير)، كما يفترض ان الاطراف يقطنون بنفس الدائرة، لكن هذه الصورة لا تتوفر دائما في جميع القضايا، وهناك حالات تنعدم فيها، مع ما يترتب عن ذلك من بعد محقق بالنسبة لاحد الطرفين (58)، فضلا عن ان هذا التقريب لا يحقق الغاية التي توخاها المشرع لانه لا يشمل الا النزاعات التي تدخل في اختصاص ظهير 15 يوليوز1974، دون النزاعات الاخرى التي تبقى من اختصاص المحاكم الابتدائية بصفتها ذات الولاية العامة .

فهذا العدد الهائل من محاكم الجماعات والمقاطعات- الذي وضع استجابة لمبدا تقريب القضاء من المتقاضين- لم يحقق النتيجة المنشودة، اذ ان الاحصائيات الرسمية، الخاصة بالقضايا التي تسجل امام المحاكم الابتدائية تظهر بكيفية بارزة ان تعدد محاكم الجماعات والمقاطعات لم يساعد قط على التخفيف من وطأة القضايا المتراكمة بالمحاكم الابتدائية التي لا زالت تنوء تحت عبء هذه القضايا، فلم تقلص بالتالي من الامكانيات التي يتطلبها سير العمل بالمحاكم الابتدائية .

ب‌- تبسيط الاجراءات وسرعة البت :
62) انه بالقاء نظرة عابرة على ظهير 15 يوليوز1974 يتضح ان المشرع قد اتجه نحو تبسيط الاجراءات المسطرية، واختصارها .
63) فهكذا استبعد المشرع في الفصل 15 من الظهير تطبيق قانوني المسطرة المدنية والجنائية، وفي الفصل 27 فان حاكم الجماعات والمقاطعات يصدر حكمه حسب العناصر المدلى بها دون الرجوع الى القوانين المطبقة بالمملكة، اذ لا يمكنه - على سبيل المثال - التقيد بقانون العقود والالتزامات، او حتى قواعد الشريعة الاسلامية، بل ان الامر متروك لسلطته التقديرية، ومما يزيد في تاكيد هذه القاعدة انه ليس من بين الحالات الخاصة بالاحالة على المحكمة الابتدائية حالة خرق القانون، وتبنى المشرع في الفصلين 16 و25 من الظهير مبدا الشفوية انطلاقا من تقديم المقال الى المناقشات والمرافعات، فيمكن للمدعي ولوج باب قضاء الجماعات والمقاطعات، اما بمقتضى مقال مكتوب او بتصريح شفوي يقدم لعون المحكمة، ودون ان يكون من جهة اخرى ملزما بتنصيب محام للدفاع عنه، او الحاجة الى الحصول على اذن للترافع بصفة شخصية .
64) واختصارا في الاجراءات المسطرية فان المشرع في الفصل 20 من الظهير قد جعل الاحكام غير قابلة لاي طعن عادي او غير عادي، باستثناء بعض حالات الاحالة الواردة على سبيل الحصر في الفصل 21 من الظهير .
وتحقيقا للسرعة، فان المشرع في الفصل 27 جعل هذه الاحكام قابلة للتنفيذ حالا او بعد ثلاثة ايام من النطق بالحكم او بعد التبليغ .

65) والاحظ ان الامر هنا لا يتعلق بتبسيط الاجراءات المسطرية اكثر مما يتعلق بالتخلي عن الضمانات الجوهرية في التقاضي .

فعدم تطبيق الحاكم للنصوص القانونية الوضعية، او مبادئ الشريعة الاسلامية، او عدم الزامه، كذلك، بتعليل الاحكام الصادرة عنه، يسمح بالقول بان مثل هذه "العدالة" تشكل مساسا خطيرا بالحقوق، ما دام ان الحاكم غير ملزم باتباع اي قانون مما يخشى معه الرجوع الى القضاء العرفي او المخزني، فالمواطن لا يعرف على اي سند قانوني يستند الحاكم في حكمه، مما يجعل المواطن تحت رحمة الحاكم، فيتعرض اما لتعسفه، او على العكس يستفيد من طيبوبته، كما ان هذه القاعدة تؤدي الى اختلاف في الاجتهاد، من جهة الى اخرى، او من قضية الى اخرى، او حتى من نفس الحاكم حسب ظروفه وهواه .

66) كما ان الاعتماد على السلطة التقديرية للحاكم او تطبيق قواعد الانصاف يعتبر مخالفا للشريعة الاسلامية وللدستور والقانون، اذ لا يمكن للحاكم ان يصدر حكمه بدون الرجوع الى هذه الشريعة، من جهة، كما ان الانصاف يختلف عن العدالة، حسب القانون الاسلامي من جهة ثانية، وهو، فقط، عنصر يضاف ليتمم القاعدة القانونية(59)، فعدم الاستناد الى القانون وعدم تسبيب احكام الجماعات والمقاطعات يحولان دون المراقبة الذاتية والقضائية مما يشكل مساسا بسيادة القانون .

وعليه، فمصالح المتقاضين تكون رهينة بمدى ادراك الحاكم لطبيعة النزاع، واطمئنانه الى الاقتناع او التاثر بوجهة نظر احد الاطراف، دون ان يكون، في حكمه، مضطرا الى التعليل، وتزداد المخاطرة اذا كانت مؤهلاته لم تصل الى حد الالمام بقواعد الانصاف والاهتداء الى اقرار الحق واشاعة العدل والطمأنينة بين الناس(60) .

67) اما عنصر الشفوية، فليس بالشيء الجديد في ظهير 15 يوليوز1974 فقد كانت المسطرة الشفوية في ظهير المسطرة المدنية الملغاة، وهي المطبقة كذلك في ميدان القضاء المستعجل، وجعلها المشرع في المسطرة المدنية الحالية هي القاعدة وان الاستثناء ( حسب الفصل 45 من م م) هي المسطرة الكتابية .
68) اما عن عدم فتح ابواب الطعن في احكام الجماعات والمقاطعات فانه يعتبر - بحق - مساسا باحدى الضمانات الاساسية اللصيقة بحقوق الدفاع، ويعد كذلك مطعنا جوهريا لهذا النظام، ولا يمكن تبرير ذلك بان القضايا - موضوع اختصاص تلك المحاكم - بسيطة وتافهة .

فاذا كانت تلك القضايا بسيطة القيمة بالنسبة لفئة محظوظة فانها ليست كذلك بالنسبة لاغلبية السكان الذين لا يتجاوز دخلهم السنوي - في احسن الاحوال - نصف اختصاص حكام الجماعات والمقاطعات .
الا ان الخطورة تظهر اكثر حدة في الميدان الجنائي حيث تتم الادانة النهائية من اجل مخالفات (الفصل 29 من الظهير) او جنح ضبطية (الفصلان 30 و31 من الظهير)، فترتب كل آثارها من الناحية الجنائية في حالة العود، اذ لم تعد - امام الحاكم - امكانية ايقاف التنفيذ طبقا للفصل 35/1 من الظهير (61) .

69) استخلص اذن ان تبسيط هذه الاجراءات فيه مساس صارخ بحقوق الدفاع، كما سبق، فضلا عن ان السماح لهؤلاء الحكام بالبت في جوهر الدعوى رغم وجود طلب التجريح في حقهم يخالف القاعدة المنطقية المطبقة امام المحاكم العادية والتي تحتم ايقاف البت الى ان ينظر في التجريح .
70) ومن صور المساس بحقوق الدفاع اعطاء الصلاحية لهؤلاء الحكام لينتدبوا احد ضباط الشرطة القضائية لانجاز الابحاث المفيدة، وبالخصوص مباشرة تفتيش المنازل (الفصل 32 من الظهير) دون ان يخضع في ذلك لاية اجراءات مسطرية، او اعطاء ضمانات للاشخاص المعنيين بالامر من حق ممارسة المراقبة على ذلك الاجراء الخطير لتعلقه بحرمة المسكن المقدسة دستوريا، مما يجعل هذه الصلاحية - المطلقة من كل القيود والمجردة من اية شروط - خرقا للفصل العاشر من دستور المملكة .

ج‌- مجانية الاجراءات :
71) ان مجانية التقاضي امام محاكم الجماعات والمقاطعات هي الطابع المميز لهذا القضاء، وهي تشمل جميع مراحل المسطرة بما في ذلك مرحلة التنفيذ، ومسطرة الاحالة المنصوص عليها في الفصلين 20 و21 من الظهير .
وفي مقابل مجانية المسطرة فان الحكام الذين تناط بهم مهمة هذا القضاء يقومون بها بالمجان، الا انهم يتقاضون تعويضا عن المصاريف المترتبة عن عملهم (الفصل 13 من الظهير).

72) والاحظ على هذه المجانية المزدوجة الملاحظات الاتية :
ان مجانية التقاضي ذات مزايا عديدة حيث تمكن المتقاضين - خصوصا منهم ذوي الدخل المحدود - من ممارسة حق التقاضي دون ان يتحملوا تكاليف الرسوم القضائية التي قد لا يستطيعون تحملها، وفي نفس الوقت فان الدولة سوف تتمكن من الاستغناء عن توظيف عدد من المحاسبين والمراقبين - الذين يتبعون عادة لوزارة المالية - للقيام بمهمة المحاسبة والمراقبة، مما يجعل خزينة الدولة ستتحمل - في حالة التوظيف - عبء اداء المرتبات لهؤلاء الموظفين قد تفوق مداخيل هذه المحاكم (62) .

وفي نفس الوقت فان هذه المجانية قد تؤدي الى نتائج غير محمودة اذ كثيرا ما تشجع المتقاضين على تقديم دعاوي يعلمون - مسبقا - ان طلباتهم غير جدية، فتنشغل المحاكم بقضايا مفتعلة، او صورية كيدية، مما يثقل كاهل خزينة الدولة بتحملات مالية جسيمة .

وبسبب المجانية فان الواقع المعاش يشهد ان المتقاضين كثيرا ما يحتالون على اختصاص الحكام فيجزئون طلباتهم التي هي في الاصل تفوق اختصاص حاكم الجماعة او المقاطعة، فيتقدمون لحكام الجماعات والمقاطعات بعدة طلبات منفصلة عن بعضها للتهرب من اداء الرسوم القضائية الواجبة الاداء امام المحكمة الابتدائية .

كما ان هذه المجانية لا يستفيد منها - دائما - الاشخاص الضعفاء ذلك ان المدعى المعفى من اداء الرســــــوم لا يكون دائما ضعيفا، بل، فالمدعون غالبا ما يكونون ميسوري الاحوال بصفتهم هم اصحاب العقارات المطلوب كراؤها، مثلا، فهذه المجانية لا تزيد الا في ثراء الاثرياء وغنى الاغنياء .
وارى ان مؤسسة المساعدة القضائية - خصوصا وانه يمكن اصدار قرار مؤقت بكامل السرعة، بمنح هذه المساعدة - يمكن ان تحقق النتيجة المتوخاة من مبدا المجانية .

73) اما ممارسة الحاكم مهامه بالمجان فقد يحول دون مشاركة الاشخاص المتمتعين حقا بالمؤهلات العلمية، اذ ليس من المنطق مطالبة شخص بالتفرغ لمهنة القضاء والتضحية بمشاغله اليومية دون ان يتقاضى اجرا، ومن شأن ذلك، طبعا، ان يؤدي بالشخص الى الارتماء في احضان الابتزاز والاستغلال والانحراف مما لا يتلاءم وشرف رسالة القضاء .

2- مؤسسة التحكيم في الميزان :
74) ان مؤسسة التحكيم - بدون ادنى مبالغة - تعتبر مؤسسة شامخة لما لها من مزايا وحسنات، فالتحكيم - شأنه شأن القضاء الرسمي - طريق لفض المنازعات فهو يلتقي مع قضاء الدولة في نفس الهدف، الا انه رغم التقائهما في ذلك، فيبقى التساؤل عن الدواعي التي ادت الى ترك باب القضاء الرسمي وطرق باب التحكيم ؟
انني ارى ان سبب ذلك يمكن في ان مؤسسة التحكيم تحتوي على كثير من المزايا اكتفي بذكر بعضها …

فالتحكيم قد يحقق هدفه بقليل من المصاريف والتكاليف، فبتقرير التحكيم من طرف المشرع يعفى الاشخاص من كثير من المصاريف التي ربما سيتكبدونها امام القضاء العادي .
يصدر قرار التحكيم في وقت قصير فيتحقق بذلك مبدا سرعة البت في النزاع، الذي لا يتحقق امام القضاء بسبب بطء الاجراءات اذ لا يحكم في قضية الا بعد ان تنال من التاخيرات ما يتسع معه صدر الخصوم وما لا يتحمله صبرهم .

يقع الفصل في النزاع عن طريق التحكيم دون ان تسوء العلاقات بين الطرفين، على عكس القضاء العادي، فالتحكيم هو قضاء العلاقات المتصلة يجيء اليه الخصمان والعلاقات قائمة بينهما، وينصرفان من حضرته ولا تزال العلاقات قائمة وقد انقشع ما اسدل عليها من خلاف (63) .
يتم التحكيم في اطار من السرية والكتمان، وبفضل هذه الميزة فان العلاقات تبقى متصلة بين الاطراف المتنازعة الذين غالبا ما يكونون من نفس القطاع المهني او التجاري او الصناعي، كالاسرة الواحدة، اذ غالبا ما تكون المواضيع التي تطرح على التحكيم من المواد التجارية او الصناعية التي يفضل اصحابها فضها في طي الكتمان حفاظا منهم على سمعة تجارتهم وعلى اسرار صناعتهم .

ان اجراءات التحكيم اجراءات مرنة تتم حسب مسطرة بسيطة بعيدة عن كل تعقيد، وغير خاضعة للشكليات القاسية، فلا ضرورة لتقديم طلب التحكيم وفق اجراءات معينة كما هو الحال في مقال الدعوى امام القضاء الرسمي، او توجيه استدعاء وفق شكليات خاصة، او تعليل القرارات التحكيمية بالشكل الواجب في الاحكام القضائية .

يسند التحكيم من طرف المعنيين بالامر الى اشخاص ذوي الخبرة الفنية الذين لهم إلمام بموضوع النزاع، فلا يضطرون الى الاستعانة باهل الخبرة، كما هو الحال في القضاء العادي حيث يضطر القضاة، في النقط التقنية، الى الاستعانة بالخبراء او الفنيين مما يطيل امد النزاع .

وهكذا فان التحكيم نظام بديع، فهو يحقق المبادئ السامية التي يهدف المشرع الى تحقيقها في حقل العدالة كالسرعة في البت، والفصل باقل التكاليف، وتبسيط المسطرة، اما من حيث تقريبه الى الاطراف، فلهؤلاء ان يختاروا اي مكان يرونه ملائما لاجراء التحكيم الى جانب انه، بفضل التحكيم، يمكن التخفيف من اعباء القضاء الرسمي .

3- بعض المقترحات المتواضعة :
75) بقي في الاخير الاسهام ببعض المقترحات التي اطمأن اليها قلبي، سواء بالنسبة لنظام القضاء الشعبي المتمثل في تجربة حكام الجماعات والمقاطعات، او بالنسبة لمؤسسة التحكيم .

(

1 التعليقات:

ahmed alott said...

لكل كل الشكر استاذي العزيز على هذه الفائدة العليمة التي أغنت لي البحث في معلومات افتقرت إليها في اطار دراستي في مجال القضاء في المغرب

Post a Comment